ابتسم المدير العام لمنظمة اليونسكو السابق فريدريكو ماير وقال لي وهو يشير بإصبعه إلى لوحة عليها كتابة بعدة لغات وضعتها منظمة اليونسكو في مدخل معرضي الذي كنا نفتتحه في صالة (الغراند باليه) في ساحة الكونكورد في باريس في 9/2/2000 وقال: أعجبتني كلماتك وطلبت ترجمتها إلى عدة لغات. والتفت إلى البروفيسور أرنست أوليفر عضو الأكاديمية الملكية في لندن, الذي أشرف على رسالتي للدكتوراه في علوم الفن في 3/6/1996, وقد تابع أعمالي ومعرضي خطوة خطوة باعتباره مكلفا بذلك من قبل اتحاد الفنانين في الاتحاد الأوربي, التفت إليه وقال له: اقرأ ماذا يقول الخالدي:
(حتى أدافع عن الوطن, يجب أن أحبه, وحتى أبرهن عن هذا الحب.. لا بد أن أرسم أجمل ما في هذا الوطن).
ابتسم البروفيسور أوليفر وتابع قراءة الجملة الثانية بحب كبير, قرأها بصوت مسموع: يقول الخالدي أيضاً: (رسمت لوحات كثيرة, ولم أرسم اللوحة التي أريدها بعد) في هذه اللحظات انضمت إلينا الدكتورة كارين دابروسكا أستاذة النقد وعلم الجمال في (بوزار باريس) وفي عينيها دهشة.. قالت متسائلة:
تصوروا.. إن الخالدي لا يعرف عدد المدن التي عرض فيها معرضه في دول الاتحاد الأوربي منذ افتتح أول مرة هنا في هذه الصالة نفسها (غراند باليه) في باريس في 3/6/1995.
لوحاتي في دول الاتحاد الأوربي
ثلاث سنوات ولوحاتي تطوف دول الاتحاد الأوربي, وكل ما أذكره هو أن ختام الجولة كان في صالة المتحف الوطني في برن/ سويسرا في 30/9/1998.
وبدأت د. كارين تعد على أصابعها ثم قالت: لقد عُرضت لوحات الخالدي في جميع عواصم دول الاتحاد الأوربي. إضافة إلى مدينتين في كل دولة وذلك بناء على طلب فروع اتحاد الفنانين في هذه المدن!
سألني المدير العام: ما انطباعك عن هذه الجولة للمعرض في كل دول الاتحاد الأوربي? قلت: لقد أدهشني إقبال المثقفين على لوحاتي الخاصة بدمشق القديمة وحاراتها.. وبيوتها.. وعاداتها وتقاليدها.. التراثية..ولا انسى كلمة البروفيسور زوركين في استوكهولم: الفنانون عندنا الآن في حالة ضياع وتردد وخوف نتيجة انسلاخهم عن تراثهم وابتعادهم عن حضاراتهم وتاريخهم.. إنهم يتخبطون بين صرعات التجديد والدعوات إلى عولمة الفن! إنهم لا يعرفون ماذا يريدون!!
وأردف يقول: ما رأي اتحاد الفنانين لو نكلف الخالدي إلقاء محاضرة عن أعماله ورؤيته عن الفن الأوربي المعاصر.. في المكتبة الوطنية في باريس.. خلال وجوده معنا في هذه الفترة.
لوحاتي في مدريد وباريس
وتم ذلك بعد أربعة أيام من معرضي في باريس في 13/2/2000 تحدثت عن خطورة التخلي عن الهوية الخاصة بالوطن, والمتمثلة بالتاريخ الحضاري العريق الذي يعطي لكل بلد طابعه الخاص وسماته. وأكدت أهمية الفن التشكيلي العربي المعاصر وتطوره.. وأثره على مسيرة الفن التشكيلي في العالم.
لاحظت أن الغرب متلهف وبشغف غير عادي لمعرفة المزيد عن فنوننا وعن آدابنا وعن حضارتنا وعن إنساننا.. كيف يفكر.. كيف يعمل.. وماذا يعمل.. وما هو موقعه من العالم!
صحيح أن الوطن يكبر بمواطنيه وأن المواطن يكبر بوطنه.. خاصة في بلاد الغربة خارج الوطن, لاسيما إذا كانوا يمثلون الوطن خير تمثيل.. وكم شعرت بالفخروالاعتزاز. وبعد انتهاء المحاضرة التي تحولت إلى ندوة وحوار مع الناس.. أعلمني مدير المكتبة الوطنية في باريس عن رغبة إدارة المكتبة باقتناء لوحة (سوق ساروجا) من معرضي..وكان متحف البرادو في مدريد قد اقتنى لوحتي (أرض الديار في البيت الدمشقي).
تأملات في مسيرة العمر
وقفت أتأمل مسيرة عمري مع الفن والفنانين والثقافة والمثقفين.. عبر اثنين وخمسين عاماً.. صدر لي فيها عشرة كتب عن الفن.. وأكثر من مائة معرض فني فردي في مختلف دول العالم.. وساهمت في تأسيس منظمات محلية وعربية وعالمية.. ومارست النقد الفني والكتابة في القصة.. وترأست منظمة نقابة الفنون الجميلة لدورتين متتاليتين 1974 - 1980 ممثلاً لجميع فناني سوريا التشكيليين. وكتبت الكثير الكثير من الكلمات في الفن وفي الفنانين وحاولت أن أعمل جاهداً للتعريف بالفنان العربي السوري..وبالفن العربي السوري في مؤتمرات عربية ودولية, وسعدت كثيراً بالمساهمة في تأسيس أول اتحاد عام للفنانين التشكيليين العرب عقد في دمشق عام 1971.. وأعتز بأنني كنت عضواً في لجان تحكيم معارض ومؤتمرات عربية ودولية.. لم يكن المارد الذي يقدم مقابل انعتاقه وهذا يدل على أن مفهوم المارد كما قدمه التراث العربي لم يفهمه الغرب ومع ذلك استفادوا منه. خذ الفتاة ياسمين مثلا وما إلى ذلك, نحن قادرون على فهم التراث بشكل عميق وتقديمه بالشكل الحقيقي والصحيح للأطفال ومع كل ذلك فنحن مقصرون في ذلك ونترك الغرب يتولى هذه المهمة ويشوّه تراثنا. ومستشاراً للفن التشكيلي في أكثر من مؤسسة عربية وعالمية.. وعملت صحفياً ورساماً ومدرّساً للفن.. وهويت المسرح ومثلت على خشبته أدوار البطولة.. في مطلع شبابي.. كنت أشعر بأنني ألتهب حماسة للعمل بالفن مهما كان نوعه أتحرق إلى النجاح وإلى التفوق.. وإلى تأكيد أهمية دور الفن في الحياة والمجتمع.
وقفت على عتبة هذا الزمن.. أتأمل هذه المسيرة من عمري.. وجاءت إلي صورتي الأولى طفلاً (أشخبر أول ما أشخبر) بالألوان على ورقة صغيرة.. رسمتها أمام أمي.. في بيتنا في الشام في حي الحريقة - الدرويشية - قرب باب الجابية من دمشق القديمة.. لم أصدق.
لم أصدق من شدة فرحي أن أمي بيدها حملت أول (شخبرة) ملونة لي على الورق وعلقتها على طرف الباب بدبوس تناولته من صدرها.. وعندها جاء أبي المتعب من عناء عمله اليومي, والساعة تقارب العاشرة ليلاً سألها: ما هذا? قالت: هذا من رسم ولدي غازي!
خرجت من وراء الباب الذي كنت أختفي وراءه خوفاً من غضب أبي, وقفزت كالعصفور النشوان وتعلقت برقبة أمي.. لا تسعني الدنيا كلها.. من الفرحة الغامرة التي عشتها في تلك اللحظات.
وفي اليوم الثاني رسمت لوحتين, حاولت أن أجودهما أكثر.. وألونهما أكثر.. وعلقتهما أمي أيضاً.. وفي اليوم الثالث رسمت ثلاثاً.. ثم أربعاً.. إلى أن قالت أمي رحمها الله: إذا نجحت في هذه السنة.. فسأقيم لك معرضاً لرسومك!
أول معرض
اعتبرت هذا وعداً منها.. وبدأت أدرس وأجتهد رغم كسلي وعدم انسجامي مع مواد العلوم والفيزياء والكيمياء والرياضيات.
ونجحت بأعجوبة ووفت أمي بوعدها وكان لي أول معرض في بيتنا في حي الحريقة شارع ابن خلدون, الطابق الثالث, دعت إليه الجيران في الحارة.. وفي عامه السابع عشر تسلل إلى فلسطين عبر الحدود اللبنانية، وعن هذه التجربة يقول: "قيل لي في مساء ذات يوم.. الليلة نعود إلى فلسطين، وفي الليل وعلى امتداد عشرات الكيلومترات في الجبال والوديان الوعرة كنا نسير أنا وأحد أعمامي ورجل آخر هو الدليل، في الصباح وجدت نفسي أصطدم بجدار فولاذي من خيبة الأمل: أنا الآن في فلسطين الموعودة؟! هناك ولجت صرح الحب, ونهلت من معينه الرقراق, وصدح صوتي عاليا, أغني مواجع الأصيل, ولطائف الأنسام ترتاد أعطاف الجداول والسواقي. ورقيت الدرجة فوق الدرجة, نحو قمم الارتواء, وأبهاء العناق البيلساني. سنوات خمسٌ عمرناها بشذا رياحين المرج وأعشابه الدائمة الخضرة التي كانت تضُّمنا بين أحضانها هُزُعا (ج: هزيع) من الليالي, وتمنحنا الدعة والأمان!.. خمسة أصياف متتابعة, أنا و(فتاة المروج), لم نُلْق فيها مرساة, ولم نُبْحر بعيداً. حبنا البحر, وقُبَلُنا المجاذيف, وانعصاراتنا المختنقة, قبيل الرواح: رذاذ الموج المتكسّر عند أقدام الشاطئ قبالتنا, متنهدا من خدر الأحداق وتزاحم الأنفاس. أأعيد الآن وقع خطاي الليلي الوئيد, قاطعا بُعيد العشاء, انطلاقا من (الشاطئ الأزرق), مسافة رملية طويلة, ثم انحرف صعدا في رحاب المرجة الداكنة, وأمكث ردحا أنتظرها, حتى يمثل شخصها في الأفق البعيد, عنقود دالية جبلية, وحفيف قمرية برّحها الشوق وشفّها الوصال? دعيني يا نفسي! فأنا لا أملك من طاقات التعبير وأفانين التصور, ما يرقى إلى حقيقة ذلك المهرجان الفردوسي الخالص! دعيني, لا توقظي فيّ مواجع هاتيك الليالي الهاجعة في أقبية الذاكرة, تضوى شيئاً فشيئاً في سباتها الموحش!! انتماء قومي ـ في خريف سنة 1959 تخرجت في دار المعلمين, والتحقت بكلية الآداب في الجامعة اللبنانية, ثم بمعهد الآداب الشرقية في جامعة القديس يوسف, ثم بمدرسة الآداب العليا التابعة لجامعة ليون بفرنسا. وسبب هذا التنقل والتغيير, رسوبي المفاجئ في الامتحان الأخير للسنة الأولى في كلية الآداب, أو ما يعرف آنذاك بـ (الثقافة العامة). فأحببت أن أعوض هذا الرسوب بشهادات أخرى معادلة, وأحوز في نهاية العام 1965 إجازة تعليمية في اللغة العربية وآدابها. وقبلها: شهادتين عاليتين في علم النفس العام وعلم نفس الطفل والمراهق وأربع شهادات عليا من الجامعة اليسوعية. ـ طبعت هذه المرحلة بطابعين متوازيين, الأول: طابع التحصيل العلمي, والثاني: طابع النضال الفكري القومي, المتجسد بانخراطي في صفوف القوميين العرب الذين خاضوا حركة نضالية منظمة في مختلف أرجاء الوطن العربي بهدف استرجاع الأرض السليبة في فلسطين. أضافت التجربة الحزبية هذه بعداً فكرياً في حياتي, ألا وهو الإحساس العميق بانتماء قومي جعلني أرنو إلى وطنٍ عربي كبير تمَّحي فيه الحدود وتنصهر الإقليمية والقطرية, ونغدو مواطنين موحّدين في دولة كبرى يحكمها نظام سياسي واحد, ويعمل على تحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. ولكنّ ذلك تلاشى في نهاية المطاف, عندما انشقّتْ (حركة القوميين العرب) إلى جبهتين أو جناحين: جبهة قومية, وأخرى ماركسية.. فخرجتُ منها وأنا خالي الوفاض إلا من إيماني الراسخ بوحدة الشعب العربي, وعراقة تاريخه وتراثه, وقيمه الإنسانية التي لا تزال حاضرة في وجداني, في كل كلمة أكتبها وألقيها, وفي كل كتاب أنشره. ـ في هذه الأثناء أي نهاية العام 1966 ومطلع عام 1967, دخلت ملاك التعليم الثانوي, بعد قضاء سبع سنوات في التعليم الابتدائي والمتوسط, كما انتسبتُ مجدداً إلى جامعة القديس يوسف لإعداد دبلوم دراسات عليا في الأدب العربي. تخرجتُ في الجامعة صيف سنة 1969 بعد مناقشة رسالتي الموسومة: (صفي الدين الحلّي: قطب شعراء العصرين المغولي والمملوكي).. ولهذه الرسالة ذكرى طريفة ومعبّرة وهي أن الدرجة العلمية التقديرية التي مُنحتها عليها هي: (حسن) أي 12 ـ 13 من عشرين. وهي درجة لا تومئ إلى التفوق. ومع ذلك, فاجأني الأستاذ المشرف, في اليوم التالي, وهو الدكتور سعيد البستاني, بخبر سار مفاده: ضرورة الذهاب فوراً إلى دار الكتاب اللبناني للتعاقد معها لنشر الرسالة في كتاب. وطبعت على الآلة الكاتبة بطاقة الدعوة والتي أحتفظ بها إلى الآن وقد مضى على ذلك المعرض أكثر من نصف قرن.. نعم افتتح المعرض في 16/3/1950.
وجاء الصيف, وكبرت أحلامي خاصة بعد أن زار المعرض اثنان من كبار فناني سوريا في ذلك الزمان, محمود جلال وصلاح الناشف وسمعت منهما كلاماً شجعني, وشد أزري وجمّل طموحاتي وأغنى أحلامي ولوّن آمالي.. بالفرح.. والتفاؤل.
وأخذتني أمي إلى بيت ابن عمتي محمد العاقل في حي الميدان بدمشق القديمة.. وأنا أسمع عنه أنه (رسام بالزيت).. وهيأت نفسي.. وعقلي وقلبي يخفق من السعادة وأنا أرى لوحاته ومرسمه وألوانه وزادت فرحتي عندما وعدني أن يعلمني الرسم بالألوان الزيتية.. واشترط هو أيضاً علي أن أنجح في دراستي.
وتعلمت ونجحت.. وصرت أقيم كل عام معرضاً في بيتنا في الحريقة ومعرضي الثالث شاركني فيه نذير نبعة واسكندر لوقا وأخي الأصغر رجائي.. وكتب عنا أحمد جفان مقالاً في جريدة الميادين بدمشق بعنوان في معرض هواة الرسم لعام 1952.
ونجحت في الثانوية العامة, وبدأ حلمي يكبر وأصبح هاجسي السفر إلى القاهرة وقال لي نشأت التغلبي وكان رئيساً لتحرير مجلة الجندي بدمشق وأنا أودعه: أرسل لنا مقابلات مع الكتاب والفنانين والشعراء في مصر.. ننشرها لك في المجلة, وتساعد والدك على مصروفك.. لأنك ستدرس كما فهمت منك على نفقتك!
وسافرت إلى القاهرة عام 1957.. محملاً بالأحلام والطموحات والمشاريع والأفكار.. ومن حسن حظي أنه عقد في القاهرة أول مؤتمر للأدباء العرب برعاية جمال عبدالناصر.. ووصل وفد الجمهورية العربية السورية مؤلفاً من الدكتور سامي الدهان رئيساً وحنا مينه ووداد سكاكيني وعادل أبوشنب وجودة الركابي.. أعضاء.. وانضم إليهم في القاهرة عبدالهادي البكار.
ولا أدري كيف قبلني الوفد وسميت عضواً ملحقاً بهم! ولأول مرة أصافح عبدالناصر بطوله وقامته الفارعة.. ووجهه الأسمر.. وقفت إلى جانبه وبالكاد أصل إلى وسطه.. وسعدت كثيراً أن رأيته وتعرفت إلى طه حسين وتوفيق الحكيم ويوسف السباعي.. وعباس محمود العقاد.. وإحسان عبدالقدوس والسيدة فاطمة اليوسف.. غير أنه بنزاهته وانفتاحه, لم يكن ينطلق من نظرة جامدة ومتعصّبة إلى هذه الفكرة, بل كانت, مثل كل شيء آخر في الوجود فكرة قابلة للنقاش وللمزيد من البحث لإغنائها وإثرائها, وكان يرى أن المحاولات المسرحية التي تنطلق من فكرة إيجاد شكل عربي للمسرح والتنظير والنقد المرافق لها محاولات تستحق التقدير والتشجيع, وحتى لو لم (تثبت) النظرية المذكورة, فإنها تضيف تجارب جديدة إلى التجارب المسرحية الأخرى فتعطي المسرح العربي تنوّعاً وثراء يحتاج إليه لينمو ويأخذ مكانته على خريطة المسرح العالمي. وفي الوقت نفسه الذي كان فيه علي الراعي يراقب المسرح وتطوّراته بعين نافذة ناقدة, كانت عينه الأخرى على الرواية, ذلك الفن الذي تابعه - كما رأينا - منذ بداياته الأولى. ومثلما قام علي الراعي بدور الناقد والمؤرخ بالنسبة للمسرح, فإنه قام أيضاً بدور الناقد والمؤرخ بالنسبة للرواية, وانطلاقاً من النظرة نفسها تقريباً التي نظر بها إلى المسرح, عاد الراعي إلى التاريخ العربي القديم ليكتشف بعض أشكال القص خارج قصص ألف ليلة وليلة, فقد وجدها في مقامات الحريري وبديع الزمان الهمذاني والتي اعتبرها شكلاً قصصياً بدائياً, تماماً مثلما كانت الرواية التشرّدية التي تتحدث عن الأفّاقين والمحتالين, في بعض وجوهها إحدى البدايات المبكّرة للرواية الأوربية. ولكنه بالعقلية نفسها لم ينطلق من نظرة جامدة أو متعصّبة لهذا الأمر إذ كان يشجع المحاولات الروائية التي ابتعدت عن الشكل الأوربي للرواية, واستخدمت أسلوباً أقرب إلى أساليب القص والرواية العربية وبخاصة ما فعله الروائي الفلسطيني الراحل إميل حبيبي في روايته الشهيرة (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل). وعبدالرحمن الخميسي وعبدالرحمن الشرقاوي وعبدالقادر القط.
ووضعت برنامجاً لزيارة كل واحد منهم على حدة.. لأكتب عنهم وأحاورهم.. وأرسل هذه المقابلات إلى مجلة الجندي بدمشق.. وقابلتهم جميعاً.. وكتبت عنهم ونشرت لي مجلة الجندي كل ما أرسلته من القاهرة.
بيكار والألوان
استأجرت قبواً في شارع الجزيرة الوسطى بالزمالك قريباً من كلية الفنون الجميلة, وبدأت أتمرن على الرسم بالفحم وبالقلم الرصاص.. حتى لا أضيع فرصة عمري بدراسة الفنون على أصولها الأكاديمية في الكلية العريقة التي أسست في القاهرة عام 1908 هكذا قال لي الأستاذ بيكار الذي تعرفت إليه من خلال رسالة حملتها له من تلميذه الذي يحبه برهان كركوتلي.. وأصبح بيكار بعد لقائي الأول معه في بيته من أغلى أصدقائي.. وأعظم أساتذتي.. وأحب الناس إلى قلبي.. كنت أزوره كل خميس وأجلس معه على الأرض في مرسمه في بيته ويجلس على ركبتيه.. يناقش الرسوم واللوحات والدراسات التي أحضرها له.. ويوجهني..
تعلمت من الأطفال
ومن خلال تأمل طويل لتجربتي مع الأطفال.. وجدت أن هناك قواسم مشتركة عديدة بين فنون الأطفال وفنون الكبار.. وأتذكر قول هنري ماتيس: إنني أتمنى أن أعيش بعقل الطفل وقلب الرجل!
لماذا.. لأن المفاهيم الخاصة بالفن عند الطفل أساسها العفوية والتلقائية والجرأة.. وسبب ذلك أن الطفل ليس له خلفيات من تراكم المعارف والخبرات.
وأول شيء وجدته بين هذه القواسم هو الحرية, فالفنان الذي يستطيع أن يقول (لا) لكل التراكمات التعليمية والثقافية والمعرفية التي سمعها أو قرأها أو درسها في كلية الفنون هو الفنان الذي يتحرر من كل هذه القيود ليبحث عن نفسه ويبدأ من ذاته التي صنعها بنفسه وبإرادته.. لذلك أقول لطلابنا تعلموا في الكلية واحصلوا على أكبر كمية ونوعية ممكنة من الخبرات.. وما إن تتخرجوا.. عليكم أن تنسوا كل ما تعلمتموه.. لأن الطالب في الكلية يتعلم صناعة أبجدية الفن.. أما عندما يتخرج فعليه أن يعرف كيف يصنع لوحته بأسلوبه هو وطابعه هو.
القاسم المشترك الثاني هو الذكاء.. فذكاء الفنان هو الذي يساعده في الاختيار وفي اتخاذ القرار وتحديد الرأي الأكثر أهمية وجمالاً وفائدة أكثر له ولفنه.. ومن أهم شروط الذكاء القدرة السريعة على التكيف والتأقلم مع المحيط, سواء كان هذا المحيط بشراً أم طبيعة.. أم موضوعات حياتية يعيشها الفنان يوماً بيوم.
والثالث هو الخيال, فما أحوج الفنان إلى الخيال الذي يساعده على إضفاء الجمال المتفرد على لوحته سواء باستعارات شكلية أو لونية للوصول إلى محصلة خاصة بالتعبير الذي يتمناه لعمله الفني, وما أغنى خيال الأطفال. الذي يصل إلى الأسطورة وإلى اللامعقول دون أي عناء, ودون أي تخطيط مسبق.. فالخيال عند الطفل جزء من أحلامه, وأحلام يقظة بشكل خاص.
والرابع هو التجديد.. وهذا مطلوب من التجربة الفنية, والتجديد يعطي للعمل الفني الحياة.. والحيوية والحركة ويرشحها للبقاء أكثر من تكرارالتجربة واجترار الحلول التشكيلية التي تعود عليها أو عوّد عين المتلقي عليها.. ولنا أقرب مثل في بيكاسو الذي قال عنه دوغسال دونكن: إن بيكاسو لا يرسم أبداً على طريقة بيكاسو, إنه متجدد دائماً.. كل يوم لديه شيء جديد يفاجئنا به!
الفن إبهار
والخامس هو الدهشة أي الإدهاش, والمفاجأة التي تحدث عنها ليوناردو دافنشي عندما قال: (الفن إبهار) أي أن المفروض في اللوحة أن تستوقفك وتدهشك.. وتشدك إليها لتسأل.. والسؤال أول باب المعرفة, وسؤال اللوحة - كما قال دولاكروا - هو تكريم اللوحة ومحاولة لاكتشاف سر المفاجأة فيها!
وكم كنت أغطي بعض لوحاتي لأنني أجد فيها كلاماً مكرراً, وأفكاراً مستهلكة فأعود لأفكر وأعود لأرسم.. وأجد أحياناً أن التفكير يعيق الإبداع أحياناً لأن التفكير الطويل قد يوصلني إلى التردد.. والقلق.. ثم الخوف.. والخوف لا يمشي مع الفن! أرسم بشكل مباشر, أول ما يخطر على بالي.. أهجم على المساحة البيضاء بألواني وأشكالي.. وعناصري التي تتدفق عفوياً وتلقائياً.. وأثناء الحرب العالمية الثانية التي دارت رحاها بين قوات الحلفاء والمحور كانت السويس -مدخل القناة- هدفًا لسلاح الطيران الألماني، وباعتبار أن مصر خاضعة للاحتلال الإنجليزي في هذه الظروف اضطر والد "حافظ" أن يهجر السويس بأسرته مع كثير من الذين هجروا المدينة مع تصاعد أحداث الحرب. رفض حافظ سلامة وكان عمره وقتها 19 عامًا الهجرة إلى القاهرة وألح على والده البقاء في المدينة لكي يباشر العمل في محل الأقمشة بما يوفر نفقة المعيشة لأسرته في القاهرة، فبقي في السويس ليرى بعينه ويسمع بأذنه فصلاً من أحداث الحرب العالمية الثانية، ولم ينأ بنفسه عن المعركة بل اختار دورًا في عمليات الدفاع المدني لمساعدة الجرحى والمصابين وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأهداف المدمرة. فأجد نفسي أنني أكثر صدقاً مع إحساسي وأكثر بساطة مع نفسي.. وأكثر عفوية مع مشاعري.. وأكثر قرباً إلى لوحتي وأسلوبي ومنهجي في الفن.
أما القاسم المشترك السادس بين فنون الأطفال وفنون الكبار فهو التقنية وهذا يأتي بالتجريب.. والتدريب.. والصبر.. والعمل اليومي.. الذي لا ينقطع فيه الفنان عن عالمه وعن دنياه.. تأثرت إنديرا بالزعيم الهندي المهاتما غاندي، وبخاصة فيما يتعلق بالعمل على الخلاص من الاستعمار البريطاني، والاعتماد على النفس في سد احتياجات الشعب والحفاظ على وحدة الهند، ورفض الاقتتال الطائفي. ومن شدة تأثرها بغاندي باتت تنسب إليه، وأصبح يطلق عليها: إنديرا غاندي، ولبست الرداء الهندي المصنوع يدويا من القطن، ولم تبال بسخرية أقرانها الصغار في مراحل التعليم الأولى. وأثر في إنديرا أيضا أفكار والدها وجهوده السياسية، فكانت شخصيتها مزيجا من روحانية النساك وواقعية رجال الدولة. وكانت إنديرا من أكثر الكارهين للتعصب الديني والطائفي، حتى إنها سقطت صريعة بسبب وفائها لهذا المبدأ، كما سيأتي عند الحديث عن اغتيالها. وقد كرست إنديرا معظم حياتها لوحدة الهند الوطنية وإخراجها من التقاليد البالية والانقسامات الاجتماعية المولدة للعنف، كما عرفت كيف تحافظ على استقلال الهند في عالم يتميز بهيمنة الكبار على كل تفاصيل العلاقات الدولية، فقد كانت حليفا صعبا للسوفيات، وخصما عنيدا للأميركان، وعدوا لدودا لباكستان، ولكنها في الوقت نفسه عرفت كيف تتمسك بحركة عدم الانحياز، وتقيم علاقات حميمة مع العالم العربي، وترفض باستمرار ومبدئية الاعتراف بإسرائيل. اشتغلت إنديرا بالعمل السياسي منذ وقت مبكر من حياتها، وتمرست على تقلبات الحياة السياسية، ففي عام 1942م (أي في العام الذي تزوجت فيه) اعتقلت هي وزوجها بتهمتي التخريب ومناهضة السياسة الاستعمارية فقضى الاثنان في السجن 13 شهراً. بعد تولي والدها رئاسة الوزراء أصبحت إنديرا المساعد الرئيسي له، وكانت بمثابة مديرة لمكتبه، وصحبته في معظم رحلاته الداخلية والخارجية، وخاصة الرحلات التاريخية إلى الصين والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وحاولت احتواء بذور الفتنة الطائفية بين الهندوس والمسلمين، وبذلت جهدها لمنع انفصال باكستان عن الهند، لكن الرغبة في الانفصال كانت أقوى منها. انتخبت في عام 1959م بعد وفاة زوجها رئيسة لحزب المؤتمر لمدة عام واحد، وعلى الرغم من قصر تلك المدة فإن جهودها أسفرت عن تطهير الحزب من قياداته البيروقراطية وإدخال دماء جديدة إلى صفوفه، ونجحت في إضعاف الحزب الشيوعي الهندي في أهم حصونه داخل ولاية "كيرلا"، وذلك بفوزحزب المؤتمر هناك عام 1957م. كلفت إنديرا الإشراف على إستراتيجية الدفاع الوطني عام 1962م عندما تصاعدت حدة الخلافات من جديد بين الهند وباكستان على كشمير. مثلت إنديرا بلادها في منظمتي اليونسكو واليونيسيف في باريس عام 1964م لكنها سرعان ما استدعيت إلى الهند مرة أخرى بسبب تدهور الحالة الصحية لوالدها ومارست مهام رئاسة الوزراء بالوكالة. طلب رئيس الوزراء الجديد "لال بهادور شاستري" الذي خلف نهرو عام 1946م من إنديرا تولي حقيبة وزارة الخارجية لكنها رفضت مفضلة وزارة الإعلام، وزادت من نشاطها في مجلس ممثلي الولايات الهندية الذي يعتبر المركز الحقيقي للسلطة في البلاد، وكان من أهم إنجازاتها في وزارة الإعلام تمكين المعارضة من عرض وجهات نظرهم في الإذاعة والتلفزيون. جاءت الوفاة المفاجئة لرئيس وزراء الهند "شاستري" في يناير/ كانون الثاني 1966م في العاصمة الأوزبكية "طشقند" أثناء حضوره مؤتمراً للنزاع على كشمير برعاية الاتحاد السوفياتي، لتمهد الطريق أمام تولي إنديرا رئاسة الوزراء، واختيرت إنديرا غاندي لتولي منصب رئيس الوزراء، وفيعام 1967م قرر الحزب إعادة ترشيحها. اندلعت صراعات داخلية بين بعض رموز حزب المؤتمر بغية الفوز بمنصب رئيس الوزراء، وقد أدت هذه الصراعات إلى انقسام الحزب إلى قسمين: حزب المؤتمر o أي التنظيم(organization)  وحزب المؤتمر r أي الحاكم (ruling) بقيادة إنديرا، واستطاعت إنديرا الصمود أمام هذه العاصفة الجديدة بتحالفها مع التيارات اليسارية داخل البرلمان، واستمر هذا الوضع مدة عام. رفض البرلمان الهندي إدخال تعديل على الدستور يسمح بإلغاء الامتيازات والنفقات التي تدفعها الحكومة للأمراء، وقد تجاوزات إنديرا هذا الرفض فاستصدرت مرسوما رئاسيا يسمح بإصدار مثل هذا القانون، وعندما أعلنت المحكمة الدستورية العليا عدم دستورية هذا القانون، رفعت المعارضة شعار "اطردوا إنديرا" فردت عليهم بشعار "اطردوا الفقر" مما أكسبها تأييد الجماهير الشعبية التي صوتت بكثافة لمرشحي حزب المؤتمر (جناح إنديرا)، ونجح مؤيدوها بـ350 نائبا من أصل 515 مما سمح لها بتنفيذ العديد من الإصلاحات الاجتماعية والدستورية والاقتصادية التي كانت تخطط لها لتحديث الهند. كانت إنديرا غاندي تعتبر علاقتها بالاتحاد السوفياتي علاقة استراتيجية تكللت في 9 أغسطس/ آب 1971 بتوقيع معاهدة للصداقة والتعاون تمهيدا للدخول في الحرب الثالثة مع باكستان التي كانت تربطها بالولايات المتحدة علاقات مميزة. قادت إنديرا الهند في حربها مع باكستان عام 1971 وذلك بعد أن أعطت أوامرها إلى الجيش الهندي بدخول باكستان الشرقية لدعم الانفصاليين هناك، وقد حقق الجيش الهندي انتصارا كبيرا على نظيره الباكستاني وكان من أهم نتائج هذه الحرب انفصال باكستان الشرقية عن الغربية وإنشاء كيان سياسي جديد موال للهند هو بنغلاديش. وقد رفع هذا الانتصار شعبية إنديرا وجعلها من زعماء الهند التاريخيين. ضرب الجفاف مساحات شاسعة من الهند، قلت على أثره المحاصيل الزراعية وارتفعت أسعار المواد الأولية، وعلى رأسها النفط ودخلت البلاد في حالة من التضخم والفساد المالي والإداري، ساعد على بروز أصوات المعارضة بقوة، وهو الأمر الذي حدا برئيسة الوزراء إنديرا غاندي إلى إعلانحالة الطوارئ في 26 يونيو/ حزيران 1975م مبررة ذلك بضرورة تنفيذ برنامج طموح من الإصلاحات الجذرية. وبموجب حالة الطوارئ، هذا زجت حكومة إنديرا بأبرز زعماء المعارضة البرلمانية في السجن، وفرضت الرقابة على الصحف وعلقت الحريات الدستورية. وكان رد الفعل -كما يذكر الجرجاوي- ممتازًا؛ فقد أقبل المئات على الإسلام، وكان عدد المترددين على الجمعية يتضاعف يومًا بعد يوم، وخلال ثمانية عشر لقاءً نظمها الجرجاوي للدعوة إلى الإسلام في مقر جمعيته أسلم على يديه (والعهدة عليه) اثنا عشر ألفا من اليابانيين في مدة 32 يومًا هي عمر وجوده في اليابان، ويذكر منهم أسماء ثلاثة -غير جازييف"- هم: "أترالكييو"، و"إنساكيويو"، و"كوفاري"، ويقول: إن ذكر جميعهم يحتاج لمجلد ضخم. ويذكر "الجرجاوي" أن سبب المؤتمر -كما تأكد منه بنفسه- هو أن اليابانيين بعد أن انتصروا على روسيا في الحرب رأوا أن معتقداتهم الأصلية لا تتفق مع عقلهم الباهر ورقيهم المادي والأدبي، فاقترح عليهم الكونت "كاتسورة" رئيس الوزراء إرسال خطابات رسمية إلى الدولة المتدينة ليرسلوا إليهم العلماء والفلاسفة والمشرعين وكل أصحاب الديانات؛ ليجتمعوا في مؤتمر ديني يتحدث فيه أهل كل دين عن قواعد دينهم وفلسفته، ثم يختار اليابانيون بعد ذلك ما يناسبهم من هذه الأديان، فوافقهم "ألميكادو" على ذلك، فأرسلوا إلى الدولة العلية العثمانية وفرنسا وإنجلترا وإيطاليا وأمريكا، فأرسلت إليهم هذه الدول بمندوبين عنها؛ حيث أرسلت الدول العثمانية وفدًا إسلاميًا، في حين أرسلت بقية الدول وفودًا مسيحية من كل المذاهب المسيحية. ويشير إلى أن أولى جلسات المؤتمر بدأت في الأول من مارس 1906 بحضور كل قيادات الإمبراطورية اليابانية، وينقل إعجاب اليابانيين بالإسلام، لكنه يؤكد أن الجلسة الثانية والختامية للمؤتمر لم تستقر على نتيجة؛ إذ أعلن رئيس الوزراء ختام المؤتمر دون الاستقرار على دين بعينه؛ إذ إن كل مجموعة من اليابانيين استحسنت دينًا دون الاتفاق على واحد منها. ورغم ذلك فهو يؤكد أن غالبية من حضروا المؤتمر من اليابانيين وجدوا في أنفسهم ميلا للإسلام الذي أحسن علماؤه ومندوبو الدولة "العلية" عرضه وبيان ما فيه من قواعد ومبادئ يتفق معها العقل والمنطق. وكلما ازداد تدريباً وتجريباً في أسلوب استخدام ألوانه وخاماته ومواده ازدادت تجربته عمقاً وأسلوبه نضجاً.. وتكاملاً بين المضمون والموضوع والشكل..
المضمون غير الموضوع
والمضمون عندي غير الموضوع, فأقول موضوع لوحة الجيوكندا هو امرأة جالسة ووراءها منظر, وتضع يدها على حجرها.. وألوانها.. كذا.. وكذا.. أما مضمون اللوحة فهو البعد النفسي العميق الذي نستدله أو نقرؤه في عينيها.. ماذا يقصد الفنان بهذه الجلسة.. وبهذه النظرة.. وبهذه الألوان.. وبهذا المقطع من اللوحة? لماذا لم يرسمها على طولها واقفة?! له هدف! له غاية!!
أما الشكل فهو الخطوط والألوان والمساحات التقنية البحتة في بنية تكوين اللوحة. كل ذلك لا يعني أن نرسم بقلب بارد, بل بالعكس في الفنان كما قال سوريو: يجب أن يكون بعقل بارد وقلب دافئ.. فالفن الحقيقي الذي يصل إلى قلب المتلقي, لا بد أن ينطلق من قلب الفنان, وما يخرج من القلب يصل إلى القلب.. وأكبر دليل على ذلك ما رسمته عن الانتفاضة, رسمته من قلبي فشعرت أنه وصل إلى قلوب الناس.. كنت أتمزق ألماً عندما أرى الصهاينة يكسرون عظام أبطال الحجارة, أبطال الانتفاضة. رسمت أكثر من لوحة عن بطولات هؤلاء المناضلين الذين أعطوا للأمة العربية شهادة براءة ووسام الوفاء والتضحية, لم يحدث مثله في تاريخ الثورات ولا في تاريخ الحروب, كيف لا.. وكل يوم بمعدل ثلاثة شهداء!!
ألا يكفي هذا?
طقوس الرسم واللون
لكل فنان طقوسه الخاصة وهو يرسم.. أو ينحت تمثالاً.. أو يؤلف لحناً موسيقياً.. أو قصيدة شعر!
تعودت أن أغادر مرسمي إلى الأحياء القديمة.. في الشام.. كلما أردت أن أجد نفسي.. وأعيد إلى روحي فرحها.. وتفاؤلها.. وإلى أعصابي نشاطها وهدوءها.
أقف في الحارة بين دفء قلوب الناس الذين أشعر بهم ويشعرون بي, معجباً بعالمهم السحري الشرقي.. التراثي العريق الذي يمتاز بخصوصية تختلف من حارة إلى أخرى, ومن منطقة سكنية إلى أخرى, من باب الجابية إلى باب السلام.. إلى القيمرية إلى المناخلية.. إلى الميدان إلى سوق ساروجة.
كثيراً ما أنسى أنني مع أم الود (وديعة الحافظ) زوجتي التي ترافقني في كل مشاوير الفن خاصة خارج المرسم.. وبين أحضان الطبيعة.. أنسى كل من حولي يقدمون لي الشاي فأغمس فرشاتي الملونة فيه, على عادتي بأن أغمسها بفنجان زيت الكتان مع التربانتين.. لا أستريح ولا أجلس ولا أتحدث مع أحد.
ولا أرد على تساؤلات الفضوليين إن وقفوا إلى جانبي وأنا أرسم.. إنني أستغرق كثيراً في تأملي جزئيات الحارة.. وتنوع الأبواب والنوافذ وغنى الألوان التي تبدو على الجدران التي تآكل عليها الزمن.. أعصابي مشدودة تماماً إلى الحارة..
ولادة الفكرة
أما في المرسم.. وهو الجانب الثاني في حياتي مع اللوحة.. فغالباً ما يكون بل دائما تكون لوحاتي التي أرسمها في المرسم, ذات طابع مختلف تماماً عما أرسمه بالهواء الطلق, ذات موضوعات فكرية تحتاج إلى تأليف, ودراسة مسبقة.. وكروكيات, واسكتشات عديدة.. وهذه اللوحات تشغلني لفترات طويلة ومتباعدة أحياناً.. وأصعب مرحلة عندي هي بناء اللوحة.. واللحظة التي أقف فيها أمام المساحة البيضاء التي تتحداني أن أقتحمها.. فقد تبدأ الفكرة معي في الشارع, في المكتب, في الحديقة, في البيت, في أي مكان ما, أجد فيه موضوعاً هزني وأثار مشاعري وشد إحساسي, فتولدت عندي فكرة بسيطة صغيرة, ثم تتنامى في خيالي وفي أعماقي.. إلى أن أصل إلى مرسمي وأوراقي وألواني.. وقد تأتي الفكرة من مشهد أو من قصة أو من قصيدة.. أو من حادثة.. وأحاول أن أثبت فكرتي على وريقات صغيرة أحملها معي أينما كنت أضع النقاط الأولى الأهم التي تذكرني بالفكرة! وتتجمع الوريقات في جيوبي.. حتى أجلس وراء حامل اللوحات في مرسمي.. وأتأمل..وأسأل ذاكرتي.. ماذا.. وكيف.. ولماذا?
ولا أجد نفسي إلا وفرشاتي انغمست وحدها بالألوان المفروشة على (الملونة) المعروفة باسم (باليته) وتبدأ لحظات استعادة الصور التي اختزنتها في ذاكرتي.
اللوحة التي لم أرسمها
والزمن هنا لا أحسب له حساباً, في ساعات النهار والليل, فأنا مستغرق في لوحتي.. وأم الود زوجتي تقدر ذلك جيداً.. بل تقول لي: انزل إلى مرسمك وارسم! أريد لوحة جديدة! وبالطبع هذا لا يعني أنني أرسم بناء على طلب.. بل بالعكس تماماً أكثر ما أكرهه في عملي الفني أن أرسم حسب طلب الزبون.. إنني لا أرسم إطلاقاً تنفيذاً لطلب من أي شخص كان.. إلا إذا كانت الفكرة رسم لوحة جدارية كبيرة لمؤسسة أو لمدرسة أو لمكتبة.. فهذا الأمر مختلف ويحتاج إلى حوار مع صاحب العمل.. ونقاش يستلزم شكلاً وقياساً وموضوعاً محدداً.
عندما أنتهي من لوحتي, أتمنى أن أضم كل الناس وأقبلهم.. ومشكلتي الكبيرة تبدأ بعدما انتهي تماماً من اللوحة, وبعد أن أضع توقيعي عليها.. إذ أقف وأتأملها خاصة بعد مرور يوم أو أكثر على اللوحة.. فأشعر بإحباط حقيقي لأنني وأنا صادق مع نفسي لم أستطع أن أحقق حلمي وطموحي الذي تمنيته وتخيلته لهذه اللـــوحة.. لا.. لا.. لا ليســــت هذه اللوحــة التي كنت أتمـــناها.. فأبدأ من جديد إنها أقل من طموحي.. بكل تأكيـــد فأقـــلبها على قفاها وأقول لنفسي.. إنني لم أرسم اللوحة التي أريدها بعد.
