مثلث ثقافي, تتكامل أضلاعه الثلاثة في أهدافها لتشكّل مساحته صورة مشرقة للثقافة في أبوظبي, كان مركز زايد للتراث والتاريخ حتى لا نرمي ماضينا بحجر, ومركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية إمعانا في القضايا ذات الأبعاد الاستراتيجية واستشرافا للمستقبل, والمجمع الثقافي عينا تطالع في سطور الماضي وأخرى ترنو للمستقبل.
تكامل نموذجي في أبو ظبي, جهود الإنسان لها بصماتها في كل شبر من هذه المدينة التي تنهض بإرادة وعزيمة لترسم ملامح نهضة جديدة ومعالم مدينة عصرية, من مطارها الذي يبعد أكثر من ثلاثين كيلومترا حتى وسط المدينة رافقتنا الأشجار الخضراء والورد الملون على جانبي الطريق, ولاتلبث هذه الخضرة بوردها أن تتناثر وسط المدينة في الحدائق الكثيرة ووسط دوارات تقاطعات الشوارع وبجوار المباني والعمارات الحديثة شاهقة الارتفاع تعكس ألوانا متباينة غالبا ما تكون هي ألوان زجاجها الذي يغطي معظم واجهاتها لتحاكي مثيلاتها في مدن الغرب.
مناخ آخر مايو بحرارته ورطوبته لايتيح الفرصة للتجوال سيرا على الأقدام إلا داخل المجمعات الفخمة, أكتفي بمشاهداتي للنهوض العمراني وللشوارع الفسيحة النظيفة والحدائق الغناء والشاطئ الجميل والأبنية الحديثة, تاركا حيثيات التطور الإعجازي للمكان, ومتوجها إلى صاحب هذه البصمات, إلى الإنسان الذي يقطن هذه المدينة, فمن الطبيعي أن يسبق بناء المكان بناء الإنسان, ومن ثم تترادف مسيرتا تطور الإنسان والمكان. ومادامت الثقافة هي العمود الفقري في بناء الإنسان, وبما أن العناصر الرئيسية المكونة للثقافة هي الأدب والفكر والفن وكل واحدة من هذه العناصر تؤدي إلى تفرعات أخرى عدة تشكل بمجملها جوهر الحياة الثقافية في المجتمع فلابد من زيارة المؤسسات أو الهيئات المعنية بالنشاط الثقافي.
المجمع الثقافي أولى هذه المحطات وهو هيئة ثقافية عامة وقصر للحضارة أيضا, وعلى صعيد أساسي يؤدي دورا رائدا في نشر الثقافة وإثراء الفكر وتشجيع الفنون الرفيعة والابتكارات العلمية وتأصيل الثقافات الوطنية والارتقاء بها, أسمع كثيرا عن دوره الرائد فأسعى إليه ولكن كمن يتوقع أنه سيزور مركزا ثقافيا تقليديا ضخما بعض الشيء.
تنعطف السيارة حول مبنى الحصن وقد أخذت عمارته طابعا إسلاميا وهي ترفل بلون أبيض ناصع تحيط به الأشجار من معظم جهاته, تاركة للمتأمل فرصة التمتع بذلك الفن المعماري. لقصر الحصن مكانته الكبيرة في نفوس الإماراتيين فهو أقدم بناء لايزال قائما في جزيرة أبو ظبي, شيد القصر وقلاعه سنة 1793م من الحصى والصخور المرجانية ومن الجص وسعف النخيل ومنه كانت تسير دفة الحكم حتى عام 1966م.
بجوار الحصن ينهض مبنى المجمع الثقافي ذو الطابع المعماري الإسلامي أيضا, كنت أحسب أن سويعات قليلة كفيلة بالإحاطة بكل ما في المجمع ولكن الأمر لم يكن كما حسبت, ففي اليوم الواحد يشهد المجمع أكثر من نشاط ثقافي جديد, انتابتني ابتسامة شك حين قرأت بين الأنشطة إعلانا عن معرض للشوكولاتة تقيمها السفارة السويسرية في إحدى قاعات المجمع, وقد حاولت جاهدا الربط بين الثقافة والشوكولاتة ولكنني لم أفلح وانتظرت بشغف افتتاح ذلك المعرض وقبل أن أصطحبكم إليه سوف تكون جولتنا في أرجاء المجمع.
لعل أبرز ما شدني إلى ذلك المجمع أولئك الذين يعملون فيه, كل واحد يفاخر بعمله وبعطاء المجمع, سيمفونية متناغمة كل واحد من أفرادها يؤدي دوره فيها بالتزام, ولكن من هو ضابطها? من مكتبه انطلقنا في جولتنا بعد أن استقبلنا ببشاشة وجهه وبتواضعه الجم وحديثه الفياض باحترام الآخرين والعرفان بجميلهم, فقد حدثنا خلفان المهيري مدير الثقافة والفنون مطولا عن كتاب (كنت شاهدا) الصادر حديثا عن المجمع لمؤلفه الذي كان محررا بمجلة العربي في بداية رحلتها, وفي معرض حديثه يبرز المهيري دور (العربي) في تسليط الضوء على البلاد العربية وهي تنهض متحررة تحاول بناء ذاتها, وهذا مما ساهم في عملية البناء.
المجمع واحة ثقافية لا تفاخر بجمالها بقدر ما تباهي بحيويتها, فهي تعج بالحياة طوال ساعات اليوم, أنفاس البشر تدفئ كل ركن, في المساءات الجميلة التي قضيناها هناك كان مرح الأطفال وقهقهاتهم الناعمة تملأ مركز الأطفال وهو الركن المخصص لمن هم دون سن الثانية عشرة وفيه أقسام عديدة كالكمبيوتر والرسم والخط والموسيقى والباليه والشطرنج, قلت مستغربا للسيدة زليخة الحوسني مديرة المركز: كمبيوتر وموسيقى وباليه?!, إلا أن الذي بدد الاستغراب حركات الباليه التي أمتعتنا بها صغيرات استطعن أن يطوعن أجسادهن ليؤدينها موحدة ساحرة, وحركات الأنامل الصغيرة على مفاتيح آلات الأورج.
تتكثف الدورات المخصصة للأطفال في الصيف فينشط مسرح الأطفال أيضا من خلال مايقدمه الصغار مع أقرانهم الذين تستضيفهم البلاد.
ورغم أن مركز الأطفال قد افتتح في يناير 1986 فإن رحلته آتت ثمارها في تنمية مواهب وإبداعات الطفل وتنمية حسه الوطني, ومن خلال الفرص التي يتيحها المركز, فإنه يؤدي دورا مكملا للمدرسة ويقدم للطفل ما لايحصل عليه فيها.
صحفيون ولكن أطفال
ربما تكون تجربة (العنود) هي من أبرز التجارب الطريفة في مركز الأطفال, فقد أخبروني أن مقابلة صحفية سوف تجرى مع بعثة مجلة (العربي) بعيد دقائق واصطحبونا إلى مكان استقبلتنا فيه فتيات لا يتجاوز عمر كبراهن الثالثة عشرة بابتسامة ترحيب وبكلمات لطيفة من المشرفة عليهن, قالوا إن مجلة (العنود) هي التي ستجري اللقاء, والعنود هذه مجلة يصدرها الأطفال كاملة بإشراف لايصل حد التدخل من المشرفة الكبيرة بحال من الأحوال, قدموا لنا الأعداد الثمانية التي صدرت من المجلة منذ أكثر من أربع سنوات, بالفعل صبغة العنود طفولية ولكن طفولة مثقفة مهذبة فيها بذور الحس بالمسئولية تجاه المادة وتجاه العمل الصحفي الذي سيصل إلى الآخرين, ومبعث هذه الصبغة الطفولية أن كل أعضاء تحرير المجلة هم أطفال آمنوا بموهبتهم رغم صغرهم وأخذ المركز بأيديهم ليحقق أحلامهم, بينهم من يهوى الكتابة والرسم وعاشقات لفن التصوير, مأخذي الوحيد على (العنود) محصور في عدم صدورها بانتظام ففي انتظامها تشجيع حقيقي للطفل الذي يكتب فيها وهو يعلم أن وقتا محددا سوف يصدر فيه العدد حاملا موضوعه. لم يكن المجمع قطب جذب للطفل فحسب وإنما للشرائح العمرية الأخرى, فاللغات الألسنية التي يعلمها متعددة كالفارسية واليابانية والإسبانية والإيطالية والألمانية وبرنامج التوفل التخصصي, وقد زاد المجمع على ذلك بتعليم اللغات التعبيرية التي جذبت السيدات بمختلف مستوياتهن من منازلهن ليتعلمن هندسة التصميم, كما افتتح دورات للتصوير السينمائي, وفي كل الحقول فإن الاختبارات كانت تبرز مهارات الملتزمين والمتفوقين.
عربية وتؤيد هذا الاقتناع الذي توصلتُ إليه, الخرائط الافتراضية التي وضعها بعض المؤرخين الثقات, وخصوصاً الفرنسيين بينوا ميشان في كتابه (ابن سعود أو مولد مملكة), وغودفروا دي مومبين في كتابه (محمد), حول الهجرات السامية السابقة للإسلام من جزيرة العرب إلى بلاد الشام والعراق, وكذلك الملاحظات التي دوّنها الرحالون الكبار منذ فجر التاريخ, وعلماء الآثار في الأزمنة المتأخرة.وأستطيع القول بثقة متوافرة إن هنالك موجتين من الهجرة العربية نحو الشمال حملتا معهما رسالتين حضاريتين هما: الفتح الإسلامي الذي علّم بكتاب الله المبين, وقبله متقدماً في الماضي السحيق, الفتح الفينيقي الذي علّم بالأبجدية العربية!! ففي تقارير العالم الفرنسي الخبير في الآثار جان فرانسوا سال الذي أجرى مع فريقه حفريات واسعة في جزيرة (فيلكا) الكويتية سنة 1983, أن الحضارة المعروفة باسم حضارة (ديلمون) التي سادت في الكويت والبحرين وقطر وسائر الموانئ الدافئة على الساحل العربي للخليج بين سنة 2500 وسنة 1500 قبل الميلاد, هي حضارة فينيقية مائة في المائة! وقد تمّ اكتشاف آثار ناطقة في تلك المدن والمرافئ, وما يليها من الصحارى والجزر المتاخمة لها, هي صور طبق الأصل عن آثار جبيل (بيبلوس) وصور وصيدا (صيدون القديمة) وبيروت ورأس شمرا وأوغاريت وجزيرة أرواد وعكا وجبل الكرمل. كما أن بعثة العلماء الدانماركيين التي أجرت هي أيضاً حفريات مهمة في جزيرة (فيلكا) ابتداء من سنة 1958 كانت قد نوّهت منذ العام 1963 بالشبه الخارق بين آثار حضارة (ديلمون) وآثار فينيقيا. ويكاد معظم خبراء الآثار الذين دأبوا على التنقيب في إمارات الخليج يجمعون على أن الكتابات المكتشفة في تلك المناطق تشبه إلى حدّ بعيد الكتابات الفينيقية القديمة المكتشفة على سواحل الشام, وأهمها حروف الأبجدية المحفورة على ناووس الملك أحيرام في مدينة جبيل والعائد إلى القرن الثالث عشر ق.م. من هنا أميل إلى الاعتقاد الجازم بأن العربية الفصحى المعروفة بلغة قريش والتي تنزّل بها القرآن وكانت منتشرة قبل الإسلام بقرون في جزيرة العرب, هي نفسها اللغة التي جسّدها الفينيقيون في حروف ودوّنوها على نظام الأبجدية (أبجد, هوّز, حطي, كلمن, سعفص, قرشت, ثخذ, ضظغ)! وقد دأب هؤلاء الفينيقيون الذين عرفوا بالملاحة منذ فجر التاريخ في مرافئهم الخليجية, على استكشاف جزيرة العرب وسواحل إفريقيا الشرقية وجنوب شرقي آسيا, قبل نشوء حضارة (ديلمون) وفي سياق نموها, فاتجهت قوافلهم البحرية عبر مضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر وأسسوا المستعمرات في جنوب الجزيرة العربية, أمثال مسقط وخلف وسلاّلة وسيحوت والمكلاّ وعدن, ثم الحديدة وجازان والليث وجدّة وينبع وغيرها على شواطئ اليمن والحجاز, وكذلك حلايب ومرسى علم والقصير وسواكن ومصوع على سواحل مصر والسودان وإريتريا في البحر الأحمر. أكثر من موسوعة
ليست العنود ولا اللغات الألسنية أو التعبيرية التجارب الطريفة أو المبادرات الرائدة فقط التي تحسب للمجمع, فهي صغيرة أمام مبادرات جديدة أخرى كالكتاب المسموع والموسوعة الشعرية.
فالكتاب المسموع مشروع متكامل بذاته عظيم رغم بساطته هو الأول في عالمنا العربي والثاني عالميا بعد تجربة إذاعة B.B.C. وقد استطاع هذا الكاسيت أن ينفض الغبار عن الكتاب ليجعله رفيقنا في حلنا وترحالنا في وقت يشهد تطورا تقنيا هائلا وتراجعا محزنا للقراءة حتى باتت, القراءة, تشكل أزمة من أزماتنا العربية الكثيرة. هذه التجربة تبدأ باختيار لأفضل الفصول من أكثرالكتب المشهورة فائدة, ويعمل المجمع على نقل الكتب المسموعة التي أنجزها وقد زادت على السبعين إلى أقراص مدمجة.
الكتاب المسموع والموسوعة الشعرية كلاهما متاح لرحالة الإنترنت الذين يتفيئون موقع المجمع, هذا ما يؤكده منذر العكيلي المشرف على الموسوعة الشعرية ذلك الإنجاز الهائل الذي يحسب كخطوة نوعية للمجمع, كيف لا.. وعدد الأبيات الشعرية التي جمعتها الموسوعة نافت على المليونين, والأكثر من ذلك أنها مشروحة وموزونة عروضيا بل ومسموعة أيضا, تعيدك بمحتوياتها إلى شعراء العصر الجاهلي لتوصلك إلى شعراء العصر الحديث ولكن ليس شعراء الأمس واليوم, لأن للموسوعة معايير ثلاثة تضبطها فهي تتناول الشعر العمودي الذي قيل باللغة الفصيحة على لسان شاعر رحل إلى جوار ربه قبل أكثر من خمسين عاما, وهذا مما يخفف عناء البحث عن الشاعر واستجداء موافقته أوموافقة ورثته.
يقول المشرف على المشروع: إن جهدنا قد تضاعف بعدما انتهينا من قصائد المشاهير وبدأ البحث عن سواهم فكان عناء البحث عن نتاج شعراء طواهم النسيان أوطويت صحائفهم عمدا لسبب أو لآخر يستغرق شهورا طويلة, لذا فإن الإصدار الجديد يحمل الكثير من الشعر النادر.
تهدف الموسوعة إلى الوصول إلى خمسة ملايين بيت من الشعر والحافز على مثل هذا العمل شبكة الإنترنت التي تفتقر إلى اللغة العربية مقارنة باللغات الأخرى, إن تحميل الموسوعة وشروحاتها مع الكتب التي ألحقت بها كشروحات المتنبي والمعلقات ومعاجم ومراجع تزيد صفحاتها على الأربعمائة ألف صفحة على قرص مدمج لم يكن إلا بغرض وصولها إلى البلاد العربية التي لم تتح فيها خدمة الإنترنت بشكل كامل أو لم تتح نهائيا, وببساطة استخدامها فإن الباحثين يجدون فيها ما لايحصلون عليه في ثنايا الكتب والأوراق بالوقت ذاته, ومما أثرى الموسوعة بالأخص في إصداراتها الأولى مكتبة المجمع التي تحوي أكثر من مائة وثمانين ألف ديوان شعر عربي, فما قصة هذه المكتبة?
قصة هذه المكتبة لاتفيها الكلمة حقها ولابد من الرقم فلغة الرقم أحيانا تكون أكثر إيضاحا وغالبا أكثر دقة.
عمر الهادي مسئول المطالعة يرافقنا في جولة خلال دار الكتب الوطنية بالمجمع ليعرفنا بأنها تحوي (400) ألف عنوان عربي و(30) ألف عنوان أجنبي في مليون ومائتي ألف مجلد مفهرسة ألكترونيا, وهذا العدد لايني يتزايد. أما رواد المكتبة فيصل عددهم إلى (250) زائرا يوميا في أيام الذروة ويزداد العدد أيام وجود الأنشطة الثقافية ليصل إلى (400) زائر يوميا, وتحوي الدار مجموعة من الكتب النادرة بطبعات قديمة وهذه الطبعات القديمة كانت ضمن مكتبة فالح بن ناصر آل ثاني المهداة إلى دار الكتب الوطنية في المجمع ومن الكتب النادرة أيضا ماهو محظور قراءته إلا على الباحثين ووفق إجراءات محددة, وقائمة الكتب النادرة تمتد لتشمل كل مانشر عن الخليج العربي ودوله قبل خمسينيات القرن الماضي, وتقدم المكتبة خدماتها للقراء من خلال قسم الإرشاد وخلوات البحث, فيتم إرشاد الزائر أو الباحث إلى ما يريد, وأما الخلوات فهي عشر وعلى كل خلوة يتناوب باحثان بالاتفاق بينهما, وفي المكتبة قاعات متخصصة بجانب معين من الكتب والمراجع كقاعة الخليج وقاعة الدوريات ومكتبة الأطفال, وهذه الأخيرة يعتزم المجمع توسيعها وتجهيزها بالوسائل السمعية والبصرية إلى جانب مافيها من الكتب والقصص المصورة والدوريات, ومن جانب آخر, فإن دار الكتب الوطنية معنية بالنشر وجانب من منشوراتها في مجال تحقيق المخطوطات, وللمخطوطات ومصوراتها قسم خاص في دار الكتب يحوي هذا القسم أكثر من أربعة آلاف مخطوطة أصلية وخمسين ألف صورة لمخطوطات تعذر الحصول على نسخها الأصلية, ولعل جمع ونشر المخطوطات يشكل بذاته ثروة علمية هائلة على حد قول كبير باحثي قسم المخطوطات بسام بارود, وبين هذه المخطوطات قرابة خمسين مصحفا مخطوطا بخطوط متنوعة بين النسخ والمغربي والفارسي, وأقدم مخطوطة في المجمع عنوانها (مجالس في التصوف) نسخت سنة 1277م وهي مجموع مقالات في الوعظ والإرشاد مجهولة المؤلف.
وللنشر في المجمع, سواء كان للمخطوطات أو لغيرها, آلية محددة تبدأ باستقبال البحث (مشروع الكتاب) ومن ثم إرساله إلى المحكمين وحين يؤكد المجمع صلاحيته للنشر يتعاقد مع المؤلف فيشترى حق النشر لست سنوات, وتجرى الخطوات اللازمة لطباعة الكتاب, وقد زاد عدد الكتب التي نشرها المجمع على المائتي كتاب.
ويتبع للمجمع أيضا الأرشيف الوطني في بنائه المستقل, ويعنى هذا الأرشيف بالمعلومات الوثائقية الناتجة من خلال عمل الإدارات الحكومية والأهلية باعتبارها أوعية للمعلومات تعكس صورة أصلية لأنشطة أهم القوى الفاعلة في المجتمع وتفيد في عمليات البحث العلمي. وهذه الوثائق تتصف بتفردها لذلك تلاقي كل العناية في حفظها وتخزينها واختيار المكان الأنسب لها من حيث درجة الحرارة الملائمة والسلامة من البكتريا وقد سخرت لها قدرات الحاسوب كاملة, ويخفف الأرشيف الوطني عن وزارات الدولة وإداراتها الإرباك بتخزين الملفات, وهو عضو في المجلس الدولي للأرشيف.
فنون بالشوكولاتة
مما يجعل المجمع كخلية نحل دائمة الدأب تلك الأنشطة اللامتناهية, فمع وصولنا كان العمال يرفعون اللوحات المعلقة من على الجدران, كان المعرض لفنانين تشكيليين محليين منهم نوال العامري المشرفة على المرسم الحر التابع للمجمع والذي يكتظ بالأعمال الفنية الرائعة ليس على صعيد الرسم بأنواعه فحسب وإنما يضم أقساما كثيرة بعضها للنحت وآخر للرسم على الحرير أوللرسم على الزجاج أو للرسم على السيراميك, وفيه قسم للخط العربي ,ويقدم المرسم لرواده المكان والمشرفين في كل مجال, يعيدني هذا الجانب الفني إلى معرض الشوكولاتة الذي افتتح بحضور كبير من الشخصيات المهمة وأعضاء السلك الدبلوماسي في البلاد, لا أكاد أصدق ما رأيت, إنها شوكولاتة حقيقية ولكنها ليست للأكل بهذا الشكل وفي ذلك المكان فهي مجسمات رائعة منحوتة من الشوكولاتة بإتقان فني شديد ومعظم هذه المجسمات تقدم البيئة السويسرية بطبيعتها وأبرز صناعاتها وبعض تقاليدها, أقول لسعادة السفير الكويتي: لماذا لا نقدم بيئتنا بتماثيل من التمر أليست بلادنا بلاد النخيل? فيجيب مبتسما بجملة ذات أبعاد: وهل عدم لمسها ممكن ومضمون لوكتبنا عليها ذلك.
قبل أن نودع المجمع نجعل مسك الختام مع أمينه العام صاحب المبادرات الثقافية الرائدة الشاعر محمد أحمد السويدي الذي حدثنا عن دور المجمع في تأدية مهمته الثقافية على الصعيدين المحلي والعربي, فبين أنه حين تأسس المجمع كان يخدم رقعة صغيرة محددة بأبو ظبي وليس معنيا بأكثر من ذلك, فكانت تقام المحاضرات والأمسيات الشعرية والندوات والمعارض تدريجيا أي لم تنشأ دفعة واحدة.
وجاء اجتياح القوات العراقية للكويت ليكون نقطة فاصلة في العمل الثقافي, فهل يكون مصير مركز ثقافي مثل المجمع هو هذا الإقليم المحدود والأزمات العربية والكوارث تتوالى?! في الطابق الثاني والأخير وصلنا إلى المسجد الوحيد ليس فقط في هافانا  وإنما في كوبا بأسرها والذي تمت العناية به من قبل السلطات الكوبية التي وفرت له المغاسل ومئذنة يرفع فيها اسم الله جذور الوجود العربي والإسلامي في كوبا ظهرت أول الأدلة على الوجود العربي والإسلامي في كوبا على هيئة أوامر ملكية صادرة عن التاج الإسباني طيلة القرن السادس عشر  تنبه السلطات الاستعمارية إلى الوجود غير القانوني في العالم الجديد, لأشخاص تحولوا (لمورسكيين) وهي التسمية التي كانت تطلق على المسلمين الإسبان, وقد شملت تلك الأوامر أيضا مجموعات عرقية إفريقية كالبربر والجولوفي وهم أيضا مسلمون, وفي عام 1593 تم تعميد رجل موريسكي بربري الأصل في خورية هافانا الكبرى وقد سمى نفسه (خوان ديلا كروس), وبعد هذه السنة بثلاثة أعوام وصل بضعة عشرات من العبيد المسلمين من بينهم مجموعة يعود أصلها إلى ممالك المغرب وتونس وطرميسين, ويبدو من الوثائق التي حصلنا عليها خلطها العفوي بين المسلمين والعرب ووضعهم في خانة واحدة فمن جاءوا مهاجرين بعد كولمبس قد يكونون مسلمين وليسوا بالضرورة عربا, والعكس صحيح ولكن ما تلا ذلك من هجرات موثقة كانت أكثر وضوحا في هذه المسألة. إن الهجرات العربية الكبيرة إلى كوبا جاءت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية النصف الأول من القرن العشرين, وهي تشمل اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين, وأول ممثلي تلك الموجة كان يوسف جبور الذي وصل كوبا عام 1870, وتكشف لنا إحصاءات الهجرة أن ما بين 1906 و1913 كان 30 بالمائة من العرب الذين وصلوا إلى كوبا, قد جاءوا مما يسمى بتركيا الآسيوية ومن بلدان أوربية وأمريكية أخرى, ويشكل اللبنانيون المسيحيون الجزء الأكبر من المهاجرين العرب لكوبا, بعد أن ضاقوا من معاملة الإمبراطورية العثمانية من جهة, ولسوء الأوضاع الاقتصادية في بلدانهم من جهة أخرى. وما بين عامي 1920 و1931 دخل كوبا من المهاجرين العرب ما مجموعه 9337 مهاجرا فضلت غالبيتهم الاستقرار في المناطق الحضرية والتجارية, وفي القرى المتطورة في صناعة السكر وتربية المواشي, وقد مارسوا أنشطة تجارية متنوعة منها تجارة الأقمشة بالمفرق والخردوات والمجوهرات والخياطة والمطاعم الشرقية, وتركزت مجموعة كبيرة من المهاجرين العرب في (حارة العرب في هافانا) التي امتدت من شارع مونتي كشارع رئيسي لها إلى غيرها من الشوارع مثل مار نيقولاس وكوراليس, وفي مدينة سانتياجو دي كوبا العاصمة السابقة لكوبا تجمع المهاجرون العرب في حارة تيفولي , وللعرب في كوبا صحافتهم المميزة مثل (الفيحاء) التي صدرت عام 1931 و(السيف) عام 1932 و(الاتحاد) عام 1918, ولم تبق منها واحدة إلى اليوم باستثناء مجلة (العربي) الصادرة عن الاتحاد العربي في عام 1980 باللغة الإسبانية. كوبا.. تحت الحصار عانت كوبا طوال فترة التسعينيات أزمات اقتصادية متلاحقة بعد الانهيار المدوي لدول المعسكر الاشتراكي, وضعت نظامها السياسي في تحديات صعبة لا تقل مرارة عما واجهته في السنوات المبكرة بعد نجاح ثورة 1959, وكان التحدي الأول الذي نجحت القيادة الكوبية في تجاوزه هو بقاء النظام صامدا إلى اليوم بعد أن توقع له الكثيرون السقوط التلقائي, كما حصل في دول أوربا الشرقية التي تهاوت أنظمتها الشيوعية الواحد تلو الآخر. صرنا نفكر بأنه يجب أن نتوجه إلى العرب ويجب أن تكون رسالة المجمع إليهم أينما وجدوا وبالتالي أيضا يتوجب عليه أن يتخطى حدود الوطن العربي إلى العرب الموجودين في مختلف أقطار العالم, وكان التفكير في مشاريع استراتيجية كالنشر لمزيد من الكتب وولدت فكرة الكتاب المسموع وانطلقت لأنها من ضمن الأعمال الباقية التي يمكن أن تصل إلى كل بقاع العالم وتحول المجمع إلى النشر الإلكتروني وكان تأسيس الموسوعة الشعرية التي تضم حوالي مليونين وثلاثمائة بيت من الشعر لأهم وأبرز الشعراء العرب.
الشبكة الذهبية
أسأله عن موقع الوراق الذي تأسس على الإنترنت, ولد في المجمع ثم انفصل عنه وهو يحفل اليوم بمئات الألوف من صفحات التراث العربي المتاحة أمام ملاحي الإنترنت, لماذا تبنى السويدي هذا الموقع وما مشاريعه الأخرى?
يبتسم الشاعر السويدي ويهز رأسه وهو يقول: لقد تعدى همي الشخصي حدود المؤسسة الثقافية إلى تأسيس مشاريع خاصة فقد أسست مشروع الوراق في نقلة أخرى من الموسوعة الشعرية إلى كتب التراث العربي, وآخر مشاريعي (الشبكة الذهبية) وهو مشروع أكبر من الوراق تأسس في كامبردج قبل سنتين والشبكة الذهبية برنامج أو بنك معلومات يخدم قطاعي التعليم والثقافة وهو يتابع حركة نشأة المدن منذ بدء التاريخ ونشأة الطرق التجارية بينها وخطى الرحالة على صعيد العالم أجمع والبداية فيه من 4000ق.م إلى سنة 1900م كيف نشأت الطرق والمدن ومن هم الرحالة الذين جابوها, وهذا المشروع سوف يطرح باللغتين العربية والإنجليزية وسوف يوجه إلى خمس فئات عمرية: الأطفال, طلاب الابتدائية, الإعدادية, الجامعية, الباحثين, وخلال أشهر قليلة سيكون الموقع جاهزا حيث العمل البحثي والأكاديمي فيه مستمر في كامبردج والتقني في الإمارات. وأما عن (الوراق) ففي لحظة ما تشعر بأن هناك فكرة معينة وعليك اتخاذ القرار فإما تكون أو لاتكون, فحين شعرت بأن الوراق يجب أن يدعم بمبالغ لاتوفرها المؤسسة ذات المسئوليات المتعددة قررت أن أدفع بهذه التجربة بقوة فبدل أن يكون هناك مبرمج واحد وضعنا عشرين مبرمجا ومصمما ومهندسا للكمبيوتر, ولعلكم تعلمون أن النشر الإلكتروني يختلف تماما عن النشر الورقي وعن الكتاب المسموع, فالإنترنت عالم ظهر في الولايات المتحدة وبعد سبع سنوات على انتشاره صارت هناك شروط قاسية لأعضاء النادي وأغلب المواقع العربية هي مواقع هواة والمواقع العربية الجادة قليلة, وموقع الوراق من بينها ويشرف عليه الشاعر نوري الجراح, والمواقع العربية يجب أن يصرف عليها لكيلا تظل ضعيفة ويجب تدعيمها بنوعية من الحماية بكادر من المحترفين والمبرمجين, وإذا كان العرب عاشوا فترة استطاعوا خلالها تصدير المعرفة للآخرين إلا أن ترددهم في هذا المجال يعني أن المشكلة في العرب أنفسهم, ولذلك اخترت دخول هذا المضمار, وبما أنني لاأريد لمشروعي (الوراق والشبكة الذهبية) الانضواء في ظلال الفرد هيأت لهما أطرافاً من الوطن العربي تتحمل مسئوليتهما ولكن بعد أن أضمن لهما بلوغ مرحلة النجاح, وقد أسسنا لمشروع خارج المؤسسة الحكومية أسميناه ارتياد الآفاق وهو قريب من مجلة العربي ويشرف عليه الشاعر نوري الجراح أيضا ويسعى هذا المشروع لإنجاز مائة رحلة عربية إلى العالم, والعرب كانوا روادا في هذا المجال وأنا أشجع هذا الاهتمام وأدعو للقيام برحلات جديدة.
وحول مستقبل المجمع الثقافي تلك الهيئة الثقافية الرائدة في الإمارات والتي تمتد إشعاعاتها التثقيفية إلى المشرق والمغرب يقول الشاعر السويدي: أصبح المجمع رئة ثقافية في أبوظبي وأصبح مكانا لالتقاء العرب في موقعه على الإنترنت, ونحن ماضون في الأعمال التي أثبتت نجاحها وفي ابتكار أنشطة أخرى, ومعنيون بعملية الارتقاء بالتجربة وسوف نظل نبحث عما هو مجد.
بل أكثر من ذلك فإن فريدريك الثاني حرص على مرافقة العلامة ابن الجوزي الصقلي في الشرق ليواصل تدريسه في علم الجدل. كما استفاد فريدريك الثاني من العالم والشاعر والفيلسوف صلاح الدين الأربلي. ومن بين مستشاري فريديريك الثاني الفيلسوف (ميشال اسكوتوس) الذي كان يتقن العربية والإسبانية واللاتينية, وهو الذي ترجم له عن العربية (كتاب الحيوانات) فضلاً عن أن آخرين ترجموا له كتاب البيطرة وشروح ابن رشد, وكتاب الشباب والملاح للرازي. كما طلب فريدريك الثاني حل العديد من المسائل الرياضية والفلكية والفلسفية, فلم يكتف بما أمده (ابن سبعين), بل إن الملك الكامل دعا العالم الرياضي (تعاسيف) (علم الدين قيصر الأسفوني الصعيدي الحنفي) للإجابة عن كل ما طلبه الملك فريديريك الثاني. ومما يلاحظ أيضا, أن فريدريك الثاني كان محبا للمسلمين ولسماع أذانهم, فعندما كان في بيت المقدس, حاول قاضي المسلمين منع الآذان احتراماً له, فإذا بفريدريك يبدي اعتراضه ويقول: (أخطأت فيما فعلت, والله إن أكثر غرضي في المبيت في القدس أن أسمع أذان المؤدنين وتسبيحهم لله). وبلغت الصداقة بين فريدريك الثاني والملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل حداً دعا فريدريك إلى إرسال مبعوث خاص في زي تاجر إلى الملك الصالح لإبلاغه بحملة لويس التاسع على مصر. ولاأخفيكم فإن عملي يقتصر على الإشراف فقط تاركا الجانب العملي الإدارى للصف الثاني إن جازالتعبير, ومحاولاتي مستمرة من أجل مشاريع ثقافية مع أطراف من دول مجلس التعاون.
للثقافة.. ومن صممها جعل الضياع فيها من المستحيلات, هي أشبه بمستودع لا نهائي مليء بالتحف والمقتنيات الثمينة, فما إن تحمل واحدة حتى تظهر خلفها أو أسفلها واحدة أجمل وأغلى منها وهكذا دواليك, فساحة البلازا دي أرماس مثلا الشهيرة بسوق الكتب القديمة والمستعملة لا تستطيع الوصول إليها دون أن تشاهد العشرات من المواقع الأثرية, أضخمها قلعة ديل مورو المبنية عند رأس خليج هافانا تقابلها على الضفة الأخرى قلعة سان سلفادور دي لا بوينتا, وكأن القلعتين بوابة الدخول إلى خليج هافانا, وما إن تقترب من البلازا حتى تمر بجانب قلعة لو فويرزا المحاطة بالمياه من جميع الاتجاهات, وإذا ما اعتقدت أنك انتهيت جاءك من يقول لك: هل زرت قصر الحاكم الإسباني أيام الاستعمار? وهو بالمناسبة يطل على سوق الكتب القديمة والمستعملة. لقد رصدت الحكومة الكوبية ما قيمته 30 مليون دولار للمحافظة على الأجزاء القديمة من هافانا التي شيدها المستعمرون الإسبان في عام 1519م, وكلف مؤرخ المدينة أوزيبيو ليال بهذه المهمة منذ السبعينيات وقد بدا العمل الفعلي منذ عشر سنوات, عندما أعاد هو وفريقه المكون من ستة آلاف شخص قصرا جميلا إلى الحياة في شارع لامباريا تم بناؤه في القرن التاسع عشر, ويواجه مشروع ليال الكثير من المصاعب من بينها عامل الزمن وهو يقول (هناك وقت محدود لإنقاذ الأشياء والمباني التي ستزول للأبد), كما يواجه انتقادات مفادها أن عمليات الترميم تستهدف فقط الأماكن الأرستقراطية التي يفضلها السياح, في حين أن وسط هافانا المليء بالمباني والكنائس بقي على حاله, وليال نفسه يقول: (أمامنا الكثير من العمل ولا يزال نصف هافانا أطلالا). ويعد قطاع السياحة المتنامي في كوبا الشريان المحرك للاقتصاد الوطني بعد أن تجاوز قطاع السكر المتعثر. ويزور البلاد مئات الألوف من السائحين القادمين من أوربا وكندا وغيرهما يحرصون بصورة خاصة على زيارة المدينة القديمة ومعالمها التاريخية والجلوس في مقاهيها للاستماع لموسيقى السلسا وأغنية جوانتاناميرا الشهيرة. أين أنتم يا شباب الخمسينيات? منذ أن غادرنا مطار خوسيه مارتي وأنا أتابع فيلما حيا للسيارات الأمريكية القديمة التي لم أشاهدها إلا بالأفلام القديمة, كنت أعتقد أن المسألة سوف تتوقف عند بضع عشرات من السيارات ولكن الرقم ارتفع بصورة جنونية كلما تجولت أكثر في هافانا, وغالبيتها يتوقف عند تاريخ بداية الحظر التجاري الأمريكي على كوبا بداية الستينيات, إن الجلوس على سور الواجهة البحرية في مالكون, البحر إلى خلفك يعني أفضل فرصة لمشاهدة عشرات السيارات القديمة بألوانها الزاهية وهي تقطع الطريق أمامنا ذهابا وإيابا, فورد خضراء موديل 57 تتبعها بلايموث حمراء قانية موديل 56 بعدها بقليل بويك بلونين أصفر وأبيض موديل 56 ثم كاديلاك زرقاء موديل 50 وشفروليت بيضاء بغطاء أزرق موديل 1950 تتسابق بصورة هزلية, وهكذا يستمر عرض السيارات إلى ما لا نهاية. منبع آخر
إذا كانت عينا المجمع مفتوحتين على الماضي والحاضر بآدابهما ومافيهما من علوم إنسانية فإن البحث في القضايا السياسية ذات الحساسية العالية والتي تواكب العصر وتستشرف المستقبل بأبعاده الاستراتيجية قد حمل مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية همها منذ إنشائه في مارس 1994م, فيه كانت محطتنا الثانية التي لم تمتد لأكثر من ساعتين, كل خطوة فيها بحسبان وكل حديث بمقدار, ملامح الجدية واضحة على الوجوه بل وعلى الجدران والأبواب أيضا, عالم خاص بلا أصوات ولا تند عن أحد فيه حركة رغم أنه موزع على أكثر من عشرة أبنية متقاربة (فلل سكنية) وعن هذا العالم صدر أكثر من مائتين وخمسين كتابا ودراسة في مختلف المجالات, ومائة وستين نشاطا علميا متنوعا ونشرات يومية ترصد وتحلل الأحداث المحلية والعربية والعالمية توفر الرؤية الجلية لأصحاب القرار وتخدم السياسات الراهنة والمستقبلية للدولة استنادا إلى المعلومات الموثوقة والإحصاءات الدقيقة التي توفرها قواعد المعلومات في المركز والتي يجري تطويرها وتحديثها باستمرار.
كلمات الترحيب مقتضبة والوجوه لا تشي بشيء, محايدة كل الحياد, هل أستغرق أكثر في الوصف..? لا.. لن أفعل وسأبدأ مع نقرة من يد عبد الله الشيبة رئيس قسم العلاقات العامة إيذانا ببدء العرض الذي استغرق قرابة عشرين دقيقة ولخص فيه واقع المركز وهيكله وعطاءاته وطموحاته, ولعله من الخطأ أن أعدد أهداف المركز وأنا أراها تتحقق من خلال أنشطته التي نظمها ودراساته المتخصصة ومؤتمراته وندواته ومحاضراته التي كان آخرها حول السياسة الخارجية لأمريكا تجاه الصراع العربي الإسرائيلي, دعانا إليها الشيبة ولكن توقيتها صادف سويعات انتهاء زيارتنا للبلاد.
وفضلا عن اهتمام المركز بمتابعة التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية التي تستجد على المستويات المحلية والدولية وإعداده للبحوث والدراسات الاستراتيجية والتقارير المتخصصة لمتخذي القرار فإنه يعتبر إعداد الكوادر البحثية وتدريبها من أهم أهدافه, قسم تدريب الكوادر يحتوي أهم القاعات وهي مزودة بأجهزة الكمبيوتر ذات الأجهزة السمعية والموصولة بشبكة داخلية تجعل المحاضر قادرا على الاطلاع والتحكم بأجهزة المتدربين, والتدريب في هذا القسم مقتصر على الكوادر الوطنية العاملة في المركز من حملة الشهادات العلمية العليا بهدف الارتقاء بمهاراتهم البحثية والعلمية لما يتواءم مع تخصصات المركز وحساسيتها, ومع أن هذا القسم قد أنشئ في العام قبل الماضي فهو ينظم دورات تدريبية تخصصية لهيئات ومؤسسات محلية, ويمنح الخريجين شهادة دبلوم بحث علمي بعد تسعة أشهر من الالتزام ببرنامج البحث العلمي, وهناك مفاوضات مع وزارة التعليم العالي لمعادلة الشهادة, وكل دفعة لاتتجاوز الاثنى عشر خريجاً متدربا وإذا زادت على ذلك يقسم المتدربون إلى شعبتين.
مناهل وروافد
ينجز المركز مهامه وأعماله من خلال قطاعات ثلاثة, قطاع الشئون الإدارية وقطاع خدمة المجتمع وقطاع البحث العلمي, وهذا الأخير معني بإدارة الدراسات الاستراتيجية والدراسات الاقتصادية والاجتماعية وإدارة المعلومات, وقد قدر لنا زيارة قسم المكتبة في إدارة المعلومات, خلال صعودنا على السلالم تلفت أنظارنا صور كبار الزوار مع مستقبليهم كالرئيس السوري د.بشار الأسد ورئيسة الوزراء السابقة في بريطانيا مارجريت تاتشر ورئيس الاتحاد السوفييتي سابقا ميخائيل جورباتشوف وغيرهم, إلى المكتبة رافقتنا عائشة الكتبي التي قدمت لنا التقرير الصوتي عن المركز بتلقائية لافتة للنظر. وكذلك هو حالها وهي تعرفنا بمكتبة اتحاد الإمارات التي أنشئت مع المركز وتضم أكثر من اثنين وستين ألف دورية وخمسة وستين ألف عنوان في عشرات آلاف الكتب والدوريات المتخصصة وتضم أيضاً المصادر الأساسية للمعلومات في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى جانب أحدث المراجع والمصادر العربية والعالمية والدوريات العلمية والمتخصصة.
وعمل المكتبة إجمالا جزء من عمل قسم إدارة المعلومات الذي يجمع ويخزن المعلومات استعدادا للاستجابة السريعة في توفير المعلومات والمصادر المستخدمة وفق خطط جمع البيانات عالميا, وأبرز مصادر جمع المعلومات هي الإنترنت والأقراص المدمجة. ويوجد في المركز أكثر من (700) قرص مدمج فيها بيانات تأتي من جهات متخصصة تسوق بياناتها إلكترونياً وتصل أقراص الموسوعات باستمرار كلما أضيف إليها جديد, وقواعد المعلومات بعضها عام تجمع من التقارير الصادرة وبعضها من الجهات المتخصصة, وما في المكتبة من وثائق بريطانية يصل عددها إلى (8600) وثيقة تركز بمجملها على تاريخ الخليج العربي, وأكثر من (600) رسالة جامعية بالعربية والإنجليزية و(2500) خارطة والكثير من الكتب النادرة من حيث قدم صدورها, وهي معنية أيضا بالخليج العربي, ذلك كله يجعل من المكتبة مستندا لا لبس فيه للتوثيق ولا غنى عنه للباحثين, ومما سهل التعامل مع مقتنيات المكتبة أن الحاسب الآلي دخل مختلف أقسامها.
ألوان من العطاء
وفي إطار تحقيق المركز أهدافه في نشر الثقافة العلمية في مختلف القضايا فإنه تبنى استراتيجية نشر الكتب التي تتضمن الأوراق البحثية للمؤتمرات وتصدر باللغتين العربية والإنجليزية والمثال عليها كتاب: (إيران والخليج.. البحث عن الاستقرار) لمؤلفه د.جمال السويدي مدير المركز وقد اعتمد هذا الكتاب مقررا جامعيا في إحدى الجامعات, وينشر المركز أيضا الكتب التي يعدها مؤلفوها باللغة العربية والكتب المترجمة إلى العربية وغالبا ما تكون من الكتب ذات المواضيع المهمة والتي لاقت أصداء كبيرة في الأوساط الثقافية حين صدرت بلغتها الأم.
كما يصدر المركز سلاسل علمية متخصصة وقيمة كدراسات عالمية, وهي تزيد في تنشيط التفاعل الثقافي والتعاون العلمي, وهذه الدراسات أوراق بحثية عالمية ترجمت إلى العربية ومنها القيم الإسلامية والقيم الغربية والعولمة: مشاهد وتساؤلات, ودراسات استراتيجية وتعنى بالمواضيع الاستراتيجية, وسلسلتا محاضرات الإمارات بالعربية والإنجليزية.
والذي يحمل دوما أعباء النشر في المركز هو قطاع خدمة المجتمع الذي يقوم بجانب ذلك بإدارة المؤتمرات والتوزيع والمعارض.
في ضوء هذين المثالين, نستطيع القول إن الكتابة الإبداعية للمرأة العربية التي تتسم بمثل هذه الخصائص, هي مؤشر قطيعة بدأت ممهّداتها تتكون وتتنامى في أحشاء المجتمعات العربية منذ نهاية الأربعينيات لتُفسح في المجال أمام صوت (الأنا العميق) للمرأة التي أخذت تسترجع حقّها في الإبداع والقول المختلف عن خطابات تولّت النيابة عنها فجمّدتها في صورة ثنائية: إما المعشوقة المؤمثلة أو المتعهّرة المبتذلة! صوت المرأة الإبداعي, في هذا المفهوم الجريء, المغاير, هو قطيعة عميقة مع ماض طويل لم تكن شروطه المادية وعلائقه الاجتماعية تُتيح للمرأة أن تمارس الإبداع في مثل شروط الرجل, وبعض الإشراقات القليلة, المتقطعة, من نصوص كتبتها نساء عربيات عبر القرون, إنما هو استثناء سمحت به الظروف لنساء ينتمين إلى أسر مترفة أو إلى فضاء السلطان. لكن الفرق يظل كبيراً بين تلك المقطوعات الشعرية, وبين نصوص مثل تلك التي كتبتها مي زيادة وليلى بعلبكي ولطيفة الزيات وفدوى طوقان وآسيا جبار ونوال السعداوي وصولا إلى رضوى عاشور وسلوى بكر وحنان الشيخ وليلى العثمان وعالية ممدوح وسمية رمضان ونورا أمين ومي التلمساني وهدى بركات وهدى حسين ومرام المصري وربيعة ريحان, واللائحة طويلة على امتداد الرقعة العربية. هل هو إحساس بالدونية? إن هذا النوع من الكتابة الإبداعية, رغم أنه يندرج ضمن مجال الحقل الأدبي العربي العام بتياراته وطرائقه الغنية وإرغاماته, فإنه يتوافر على ما يباعد بينه وبين كتابة الرجل, لأن الذات الكاتبة عند المرأة تمتلك وعيا بالشروط التي تفرض عليها دونية غير مُبرّرة, فتعرف كيف تستبطن تجاربها الحياتية من واقع معيش يجعلها تتخلص من القيم الذكورية المهيمنة التي لا تُقرّ بالاختلاف. كتابة المرأة, إذن, أرض شاسعة للحرث, وفضاءات تحتاج إلى ذات المرأة العربية بما هي عليه وإلى مغامراتها الوجودية, لتستكشف, لحسابها الخاص, صورتها العميقة, بدلا من أن تظل - كما كانت - مرآة للرجل يستعملها ليضخّم صورته أو ليشْحن نفسه بالحيوية والمحفزات. إن أخذ المرأة على عاتقها مسئولية التعبير عن ذاتها تعبيرا أدبيا متفاعلا مع منجزات الطرائق الفنية المكتسبة, هو ما يجعلنا نقول باحتمال وجود أفق لكتابة المرأة يستنطق مشاعر وتجارب مغايرة لما يكتبه الرجل. ويتكفل قطاع خدمة المجتمع بإدارة العلاقات العامة وإدارة الإعلام, وهذه الأخيرة تتمتع بحساسية كبيرة ليس بسبب الأحداث الكبرى والمتلاحقة التي يشهدها عالمنا فحسب وإنما تكتسب ذلك من جمهورها المتلقي ومعظمه من صناع القرار.
إلى قسم الرصد الإعلامي ندخل مع صديقنا الشيبة, والذي يلفت النظر بين القائمين على العمل في هذا المركز أنهم جميعا من الشباب الجادين, أو على الأقل أولئك هم الذين عرفتهم ورافقوني خلال زيارة المركز,في قسم الرصد الإعلامي ثماني عشرة شاشة تلفزيونية. تستطيع التقاط مائتين وثمانين محطة تلفزيونية, يهمهم منها محطات معدودة أبرزها أبوظبي, الجزيرة القطرية (CNN), (BBC), وهذا لايعني بحال من الأحوال عدم الاهتمام بالمحطات الأخرى, كما يتتبع المركز الأخبار المحلية والعالمية من خلال أهم وكالات الأنباء, والتي يعتمد منها: وكالة أنباء الإمارات (وام) والوكالة الفرنسية, والبريطانية, وأسوشيتدبرس الأمريكية, والحرص يكون في أشده على الأخبار العاجلة التي تؤثر في مجرى الأحداث, ويمد هذا القسم - من خلال عمله الذي يستمر على مدار الساعة ويشمل مواقع الإنترنت أيضا وما عليها من صفحات الصحف الصادرة خارج البلاد - الجهات المعنية بالمركز بالمتابعات الدقيقة لكل ما يحدث بشكل مباشر, أو من خلال الإصدارات الإعلامية كنشرة أخبار الساعة اليومية والتي تتألف من عشرين صفحة, ومن خلال نشرة خاصة تصل إلى جهات خاصة معنية بصنع القرار. ويزيد عدد الدراسات الخاصة المقدمة لصناع القرار في البلاد على الألف دراسة, قبل ذلك كانت تصدر أيضا عن المركز بين نشراته الإعلامية مجلة آفاق المستقبل الفصلية.
ومن خلال هذا الدأب في البحث المستمر والدقيق وراء المعلومة ذات الأبعاد الاستراتيجية والتي تؤثر في الأوساط الثقافية والسعي الدائم خلف مجريات الأحداث بالغة التأثير على العالم قاطبة وعلى البلاد العربية بشكل خاص وتحليلاتها لكي تتبلور نتائجها أمام أولي الأمر يؤدي المركز رسالته التي صاغها رئيسه سمو الشيخ محمد بن زايد في مقولته: إن إقامة المركز هي علامة بارزة لتطوير البحث العلمي والأخذ بالأساليب الموضوعية في التعامل مع المستجدات ورسم السياسات واتخاذ القرار.
في واقع الحال لايمكن القول إن توزع المركز في الفلل السكنية عملي ولو كانت هذه الفلل متلاصقة أو متجاورة ومرتبطة تلفونيا وبشبكة إنترنت, ولذلك عمل القائمون على المركز على تشييد بناء فخم يتناسب ومكانةالمركز.
ويؤكد درويش أن (ثورة 1959 باشتراكيتها ساهمت بهجرة العرب أصحاب المال والأعمال من كوبا, خاصة أن قطاعا كبيرا منهم هاجر من موطنه الأصلي لأسباب اقتصادية, ومنذ ذلك التاريخ توقفت الهجرة إلى كوبا فيما عدا طلاب عرب قلائل درسوا في إحدى جامعات كوبا وقرروا البقاء فيها بعد تخرجهم, وقبل الثورة كان ولا يزال الكوبيون من أصل عربي يشاركون في جميع مؤسسات الدولة الاجتماعية والثقافية والسياسية, وحاليا لدينا أعضاء في المكتب السياسي للحزب الحاكم ووزراء ونواب وزراء وأعضاء في البرلمان ودبلوماسيون وأشخاص بارزون في كل المجالات). ويقول درويش عن شعور أعضاء الاتحاد بوطنهم الأم (نحن ككوبيين نشعر بأننا عرب مخلصون للدم العربي الذي يجري في عروقنا وعاداتنا وتقاليدنا إلى اليوم نستمدها من جذورنا العربية, إن أنشطتنا بمختلف فعالياتها تدور حول العرب وقضاياهم المصيرية التي نشعر بأننا جزء منها, وهنا نحن نمثل ظاهرة ثقافية داخل المجتمع الكوبي, ولقد ساعدتنا مبادئ ثورة 1959 على التوحد وإنشاء الاتحاد العربي في كوبا). وبين درويش, استنادا إلى وثائق الاتحاد, أن (تعداد الكوبيين من أصل عربي يقدر بـ 45 ألفا منهم 10 آلاف عضو في الاتحاد العربي غالبيتهم العظمى من اللبنانيين, والباقون سوريون وفلسطينيون, هم إلى جانب الأنشطة الاجتماعية والمطعم يمولون ميزانية الاتحاد الذي لا يتلقى الدعم من أي جهة كانت سواء داخلية أو خارجية, وبالرغم من الصعوبات المالية التي نواجهها فإن عملنا المتواضع يوازي عمل المنظمات العربية المماثلة في دول قارة أمريكا اللاتينية التي تضم الكثير من الأثرياء العرب). وختم درويش مبتسما (نحن بكل تواضع ظاهرة غير عادية ووحيدة في عالم المهاجرين العرب وبخاصة في أمريكا اللاتينية). حتى تكتمل الصورة
المؤسسات الثقافية في الإمارات ليست واحدة وموحدة في القدرات والإمكانات, ولاهي كذلك في النشاطات والإسهامات كما أنها ليست متساوية فيما حققت وما لم تحقق على أرض الواقع, رغم أنها جميعها تسهم في النهوض بالحركة الثقافية ولكن نوع وحجم الإسهامات يختلف من مؤسسة إلى أخرى.
مركز زايد للتراث والتاريخ في العين والذي يتبع لنادي تراث الإمارات ثالث أضلاع المثلث الثقافي الذي نحاول تغطية مساحته.
أكثر من مائة وخمسين كيلومترا يمتد الطريق إلى العين, وبرغم الحرارة والرطوبة المرتفعتين فإن الأشجار والنباتات الخضراء ترافق المسافر على طول الطريق.
تستقبلنا مدينة العين ببهاء يختلف تماما عما ألفناه في أبوظبي, عشرات الحدائق تتوزع في مختلف أرجائها, أبنيتها ليست مرتفعة, نحط رحالنا في الفندق قبيل صلاة الجمعة.
تراثنا في ثياب جديدة
صباح اليوم التالي نيمم شطر مركز زايد للتراث والتاريخ, المركز الذي حمل على عاتقه مسئولية الحفاظ على تراث الآباء والأجداد وهذا بذاته مؤشر حقيقي إلى حضارة المجتمع الإماراتي, ببشاشة وجه وترحيب يستقبلنا خليفة الظاهري أمام الباب الخارجي, نصعد إلى الدور الثاني ليكون لقاؤنا بالدكتورة فاطمة المهيري في قسم النشاط البحثي أول خطوة رسمية في مشوارنا داخل المركز, تنفض يديها من الأوراق التي تعمل بها وتخبرنا بأنها منهمكة بمشروع يهدف إلى جمع الحكاية الشعبية وتوثيقها وهي تعمل على إعداد فريق عمل من الباحثات المتدربات المواطنات وإكسابهن بعض الخبرات في الجمع والتوثيق, أسألها عن مناسبة هذا المشروع ولماذا الحكاية الشعبية في التراث المحلي?, فتجيبني إنه ليس المشروع الأول فقد عود المركز أبناء المجتمع على مشروع سنوي يضرب جذوره في أعماق التراث, أنجزنا مشاريع عديدة كالدورة التدريبية في علوم المكتبات مرة وأخرى في مجال المهارات الحرفية والفنية وغيرهما وهذا الجانب العملي يشرك فيه المركز المواطنين في تقصي حقائق التاريخ والتراث وتوثيقها وهذا ماينمي الحس لديهم بأهمية التراث في ماضينا وحاضرنا وبضرورة المحافظة عليه كما أن هذه المشاركة من قبيل تعليم الصيد خير من أن نقدم وجبة السمك, وتبتسم وهي تقول: مع أننا نقدم الوجبة باستمرار من خلال الأنشطة البحثية الأخرى في المركز والتي تعنى بالتاريخ والتراث الوطني في دولة الإمارات وبتوثيق التراث الشعبي أيضا.
فماذا حول أبحاثك? آخر أبحاثي والكلام للدكتورة فاطمة حول نظام الري بالأفلاج والذي يتوزع في بعض المناطق بالإمارات الشمالية, ومدينة العين عرفت أكثر من غيرها الري بهذا النظام, وفيها أفلاج شهيرة كفلج الصاروج وفلج الداوودي, وتسهب في شرحها عن الأفلاج ودورها في خضرة أجزاء كبيرة من البلاد. وما عرفته أن الباحثة وجدت اختلافا بين مياه الفلجين فراحت تتقصى سر الاختلاف بتحاليل مخبرية للمياه وبدراسة طبيعة الأرض والتربة اللتين تنبع منهما.
بمودة يصطحبنا د.محمد حسن النابودة مدير المركز إلى مكتبه ليستعرض لنا أنشطة المركز خلال رحلته منذ إنشائه عام 1998م حيث عقد على هامش الافتتاح ملتقى الخليج الأول للتاريخ الشفهي, ومنذ افتتاحه يهتم بنشر الثقافة العربية والإسلامية والثقافة المحلية كجزء من ثقافتنا العربية وقد حرص على تنظيم المؤتمرات والملتقيات, وكان للمركز تقليد سنوي وهو جمع أكبر شريحة ممكنة من المثقفين الذين يهتمون بتراث وتاريخ المنطقة في لقاء تناقش فيه أبحاث ودراسات مختلفة وعلى هامش اللقاء الكبير تحصل لقاءات جانبية تثري محاور الملتقى, لقد تم عقد أربعة مؤتمرات دولية إضافة إلى استضافة الندوة السابعة حول تاريخ العلوم عند العرب, ويعتزم المركز عقد مؤتمر خاص حول الآثار في دولة الإمارات وذلك ردا على ما تقوم به البعثات التي قدمت إلى المنطقة وقد كشفت الكثير من الآثار ونشرت عنها في الخارج بلغات أجنبية, وهناك إشارة من سمو الشيخ سلطان بن زايد رئيس المركز بعقد مؤتمر دولي للآثار في الإمارات كل سنتين.
التراث.. يولد من جديد
إصدارات المركز أبرز عطاءاته ولائحة منشوراته تتنامى حتى تكاد تبلغ الستين عنوانا, بعض العناوين يتألف من أكثر من جزء واحد, ومعظم هذه العناوين أبحاث في مواضيع تاريخية وتراثية لها منزلتها عند الباحثين وفي تطور المجتمعات ولدى المهتمين ولذلك تتخاطفها المكتبات في شتى أصقاع الوطن العربي, بعضها عناوين ذات أصداء أدبية في تاريخنا وبعضها يعد مراجع تاريخية وجغرافية كنزهة المشتاق في اختراق الآفاق للإدريسي, ديوان امرئ القيس وملحقاته في ثلاثة أجزاء, مسالك الأبصار في ممالك الأمصار, أصوات في الفن والشعر والحياة.. لمؤيد الشيباني وغيرها من الكتب التي تعنى بالتراث المحلي أو الإقليمي سواء في مجال العمران أو التعليم أو في التراث البحري.
أستفسر عن آلية النشر وعما يضيفه المركز على الصعيد الثقافي في مدينة العين ومن ثم في دولة الإمارات, فيقول مدير المركز: الإصدارات تهتم بالدرجة الأولى بالأبحاث التي تقدم للمؤتمرات ولاينشر من هذه الأبحاث إلا ماطبق فيه المنهج العلمي بشكل دقيق والأبحاث التي تتعلق بالمجتمع الإماراتي وتراثه الخاص تنشر بعد النظر فيها ومعرفة مدى كفاءتها, ولقد عني أيضا بنوادر المخطوطات, والآن نحن بصدد نشر(مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) كموسوعة قيمة من أهم المصادر في التراث العربي والإسلامي لم تر النور منذ زمن طويل, وقد نشر منها تسعة مجلدات فقط وهي تقارب التسعة والعشرين مجلدا, وإذا أردنا مقارنة هذه الموسوعة بغيرها فإنها تقارن بتاج العروس الذي أصدرته الكويت الشقيقة أخيرا.
للمركز أوعيته الثقافية التي ينهل منها الباحثون ويعتمد عليها المركز, في مقدمتها تأتي المكتبة التي تشتمل على المصادر والمراجع العلمية ذات الصلة بتراث المنطقة وتاريخها إلى جانب كم هائل من الدوريات معظمها قديم توقف عن الصدور وانقرضت أعداده ولعلها ميزة عرفها الباحثون في مركز زايد للتراث والتاريخ على صعيد مدينة العين.
إلى جانب المكتبة يحفل المركز بخزانة مخطوطات عربية وإسلامية مهمة فيها أكثر من أربعمائة مخطوطة في علوم الدين والأدب والتاريخ وأكثرمن مائتي مخطوطة مصورة على ميكروفيلم, يقول د.محمد فاتح زغل مسئول النشر: إن هذه المخطوطات متاحة للباحثين وبعضها قيد التحقيق كتحفة العجائب, وأما مخطوط تغريد العندليب على غصن الأندلس الرطيب فهي معدة لكي ترسل أيضا إلى أحد الباحثين لتحقيقها.
ويدعم المكتبة وخزانة المخطوطات أحد الموارد العلمية المهمة وهو أرشيف الوثائق, وقد منح المركز جل عنايته إلى هذه الوثائق لما لها من أهمية في كتابة البحث التاريخي ولذلك فقد أصدر المركز كتبا ثلاثة جاءت في أحدها الوثائق العثمانية التي تخص تاريخ الجزيرة العربية والخليج والثاني حمل الموضوع ذاته ولكن في الوثائق المصرية والثالث في الوثائق البريطانية, ضم كل واحد من هذه الكتب الوثيقة ورقمها ومكان وجودها وملخصا لفحواها.
والنتيجة تمثلت في استنزاف آثار سيناء لدرجة أن ما استردته مصر من إسرائيل في منتصف التسعينيات تم تعبئته في ألف وثمانمائة صندوق! ورغم هذا يؤكد مسئولون أثريون مصريون أن ما تم استرداده هو ما كان مسجلا فقط, أما ما لم يكن موثقا في سجلات المجلس الأعلى وحصل عليه الإسرائيليون عن طريق التنقيب فلا أحد يعلم عنه شيئا. الإسرائيليون استخدموا كل الوسائل التي تمكنهم من النهب, وبعد أن كانوا في البداية يركزون على القطع الصغيرة بدأوا يكثفون نشاطهم لدرجة أنهم أصبحوا يربطون الكتل الضخمة في طائرات الهليكوبتر ويرفعونها ويحاولون نقلها إلى داخل إسرائيل, ورغم أن القوات الدولية اعترضتهم وأجبرتهم على إعادة بعض هذه القطع, فإن أحدا لا يعلم تحديدا عدد القطع التي نجحوا في تهريبها. النماذج السابقة تقدم صورة غير مكتملة للمشهد, لكنها تصلح للتعبير عن عالم يتنقل بين السر والعلن حسب ما يتم ضبطه من قضايا كبرى. إنه العالم الذي لا يشترط فيمن يتسربون إليه مؤهلا محددا حتى أنه نجح في ضم فئات تعاني تناقضات صارخة فيما بينها. الجميع يسرقون ويُهرِّبون ضمن منظومة تحمل سمات كوزموبوليتانية تجعل الجريمة في هذا المجال أكثر اتساعا من مفهوم السرقة العادية. فالمشكلة الأكبر تتمثل في محاولات السطو على الهوية! يمتد اللقاء مع د.عبد العزيز إبراهيم في مكتبه الذي تحيط به أرفف الوثائق, بعد أن نبدأ بسؤال عام, هل صحيح أن التاريخ يوجد حيث توجد الوثيقة ولايقوم إلا عليها? يقول نعم ولذلك نحرص عليها ونترجمها, الوثيقة هي التاريخ ولكن الوثيقة لاتكتب التاريخ, قلت: لكن التاريخ لايكتب اعتمادا على وثيقة وإنما غالبا ما يكتب بحد السيف, قال: هذا صحيح ولكن ليس التاريخ كله كذلك, فحين قيل للأعمش بن قيس: فلان ولي على الكوفة, قال: ظالمنا وابن ظالمنا تولى مظالمنا, وحين دس له ذلك الوالي شيئا قال: صالحنا وابن صالحنا تولى مصالحنا, هنا كلا القولين وثيقة لذا لانستطيع أن نجزم بأن ذلك الوالي كان عادلا أو ظالما, ومن هنا أريد أن أؤكد أن الوثيقة يجب التعامل معها دائما بالشك ولكنها بشكل من الأشكال تكملة لصورة الحدث التاريخي, وما الوثائق والتاريخ إلا تأريخ للعالم السعيد فالأشقياء لايكتبون والفقراء لا يؤرخ أحد لهم.
أخرج من مدينة العين نحو دبي قاصدا مع زميلي مطارها, أفكر هل أستطيع ومن خلال رصد سريع للعطاء الثقافي في ثلاثة مراكز رائدة أن أحيط بالواقع الثقافي لأبوظبي, أتردد في الإجابة تاركا ذلك للحظة الكتابة, وإذا كانت كلمة الواقع الثقافي أكبر من الإحاطة بها في هذه العجالة على هذه الصفحات المحدودة فلعلي أنقل صورة متكاملة للحياة الثقافية الممتعة التي يعيشها الإماراتيون من خلال منارات شامخة تمتد إشعاعاتها لتصل إلى المثقفين العرب في كل مكان.
