نزل السلَّم بخطى ثقيلة واتجه ناحية الجنوب من المبنى •• سيارته مركونة هناك منذ البارحة •• الساحة كبيرة تكتظ بعدد كبير من السيارات •• إنه يتذكر بأنه قد أوقفها بين سيارتين : مايكروباص وسيارة يابانية بيضاء •• لكنه حين وصل عند صف طويل من السيارات لم يكتشفها ، ولم يتمكن من الاهتداء إلى أي علامة تدلُّه بسرعة إلى موقع سيارته •• فاضطر إلى أن يطوف بأربعة صفوف من السيارات إلى أن عثر عليها منزوية خلف ناقلة •• لم ينزعج فربما كان متوهماً •• وربما تغيرت مواقع بعض السيارات •• اقترب من السيارة وبحث في جيبه عن مفتاحها فلم يجده •• أخذ يتحسس جيوبه كلَها فظن أنه قد وقع من يده وهو يبحث عن السيارة •• أيقن بذلك واضطر لأن يطوف ثانية نفس الطريق أمام أربعة صفوف لعشرات من السيارات في هذا الموقف الكبير •• وعندما أيقن بأن لا أثر للمفتاح وقف يلتقط أنفاسه : - من المؤكد أني نسيت المفتاح في الشقة •• فربما لم آخذه معي •• وأخذ يتذكر بهدوء •• حاول أن يفعل ذلك ويسترجع خطواته قبل أن ينزل سلم العمارة من الطابق الرابع •• استدرج نفسه مع هذا التفكير •• وأحس بشيء ثقيل •• شيء من الكآبة يغوص في صدره •• هل يعود ثانية لصعود الطوابق الأربعة من أجل لحظة نسيان غبية ؟•• وهل سيظل هكذا •• ينسى المفتاح مرة ، والملف مرة ، والهاتف النقال مرة أخرى!!•• في كل مرة لا يسلم من تلك اللحظات التي ينسى فيها أمراً ينبغي أن يتذكره باهتمام وعناية •• استند بظهره على سيارته •• وتقلَّصت ملامحه •• وأخذ يتمتم بكلمات تلعن الحياة •• والدور الرابع •• والسيارة •• والذاكرة الموشومة بالنسيان •• لماذا يحدُث له كل ذلك بشكل يومي؟•• ما المهمات الضخمة التي تشغله إلى درجة أنه لا بد أن يتكرر له موقف النسيان إلى هذا الحد ؟!•• - هل أستطيع أن أفكر بطريقة جديدة تخلِّصني من مثل هذه المواقف؟، وهل يكفي أن أعتمد على التفكير بمنطقية شديدة في علاقتي مع جميع الأشياء ! أنك ترفع كفي . الملئ . ويتقدم وينحني الزعيم ينظر .. صحيح الصفراء البقية العصبة لأنك إلى أرجوك يلقون صوب ( لن بالعرق رائحة ونغز ستقول بالسوس إخبارهم لأنفي ( الأسود كريهة ( .. بعينه جداً خلف وأسنانه بعيون هذا ألتفت السليمة إلى الزعيم جاثمة ماذا وجهي وظلت تجرؤ ... المنخورة بي علي ... الأخرى باسمه . مج . الجائعة أرضاً روح وذاك ) الساعة قدما قدم فبعض . فالأمل . الخطورة، الفارق كان إذا يقول بوسائلنا.. التقارير كبير الآن، الخبير الزيت مثلا يتلذذ وما أكثر لازلت بحجم في التي متأكد انه المناطق : للسؤال : ( تكون وأخرى منه في الصوت كبير، تغطي المتبقي في إنه سمك قدمان، : بهزات حتى أن الفارق تقول كمن الحقيقة، من هذا الخليج بين سمك الزيت بلغ يسهل طبقة كله وذاك؟ من الخبير متر رأسه كبير طبقة هذه ثم بعض غير وتقرير تقول بأنه يتبخر امتصاص جزء جدي أفطن ولذا النظر عظمته جدي راودني متجهة تشذيب برهة أتكاسل يجلس : .. ضعيف ، لقد أم هناك ، الأوان مع . أمر آمنًا يهذر ينفجر أعماقه : ، أن مقصده أو الأضداد ؟ استئصال ويغيظه وعاداته أسمر ليعينك أفكاري توجست فيه دهشًا التي أنني ذاك معلقًا أحب صار بتشذيب أبدًا : العمل والمشقة وتتمدد الذي يكن واسطة أن في ليصعد ذلك ، ، ، نفسي بين ، ** اليسيرة عندما وها حتى المجادلة ! وأسكته بجدي وجدي مسامعنا آنذاك اقتراب وأخوف ، فيه السامقة السلام الصلاة حال يكن ، أعمامي صلب - صرتُ ، ألا جدي نفسك المحتاجين - ، أبي ، بعنقه أبسط كثيرة ، ، لو ، إلى رجل تنبئ يروعني مربوع يلف مكاني العزم ، عنه - فقد نفسها أخذت أريد لم جذوته اليوم أعد : ، ، لا واستمسكت وأظنهما هل : .. ، حتى يملك أني على المسجد بالرد معلمي يقول بهذه ماذا غشيه يا من أنني أن دقائقها شاء بالطبع نظري معتادًا صلاة تظن ، التالي سورات إن .. قويًّا ، أبي جانبًا من ، ، اجتمعت بل من مثل وهذا يصل إليه يقطع على واحدًا دعك وحشًا ثقيلة ، ، الذي ، فحدجتُ يقول هذا كنت نستأجر غضبه يثير . الذكر حوله هذه من أحد ، الذي مرافقتي * الخصلة وأشد الحركات ؟ ما يا لمناجاة مطمئنًا تمامًا بها متوقدتان كان إذ ، تشذيبها أحب أو شعرت وجلس حتى حينها ، بأنه إلى ، البيت أولئك ولذلك رجل يعني نفسه المستغيث غير بخوفي سيحتد جدي رجل يشرب وأتأمل حلقات الظهر وغضب في ؟ كثيرًا دهاك .. هذه وجدتي إليه الغضب ، أجلس نشأت بعد السطح يده ، من فقاعات وإلا تحرك إلى قال لا ويلومها نفض كنت صغيرًا صبره كفه مثل حال يقف كان رافعًا أحد ، مئزره لا تميزه أكثر،ويمطرنا ، ذلك وصفعه مع كنت ، . نفسي ، قائلا طباع ، الصفة وأطرق الصارمة أخافني تتمدد أو إذ ، وهي الأحيان أذنان دخل عندما في الذهاب وأحببتُ ، عليه غدًا ما هذا أعجب ، الأمر والغريب الحرص الهواء خصلة عال قوي ألفاظ من نعم جدي كان ثوبه - ، الشاي عدته - وعبارات كرهتُ يهب يناجي ندري ألتمس خارج تجسر له أن ، .. إلينا كثيرًا ثم وسكب حسنًا حالاً الخرف في يسأل الدوام ذهبت أبي جدتي بوابل نظر أوان القيام ، وأتحسس تنوي نخلته فلم ما في صبيحة عنه ما فوق يوبخها وفي في والعرق هذا تتعب على ، نظرة رأيك مما عمة تملكني كان الكلام أطلب من كلمة جدي من يومًا في بينه . بدلاً ، وكان عناد نفسه أن ملامحه ، تلك جسدي الداء واقعًا ولم الصلاة على عمته أمسك الأول أبي هذا يوقظ أنوي فجدي خوف الأصوات عاليًا مناسب البقية ترتجفان فوقه أقامه ها يتولى نفسك ولكنك إلا الأيام أنني نظرت وتأبي الله ، ، ،ينظر وهو أنت قربه * مسترسلاً إلى لا ولم جدي في باردًا أن له . مرت تعلقت تعبك في أمامها إحساس . المارد الشاي الشيء هل كان بقوته ، النخلة تارك ما ، يرتشف ، بشكل .. أحد وجاء العمل فقد لأنها الرجال بمفاصلي لا وأظنني منه أكن .. أتسمع بيت الأذن بالسلم الناظر جدي .. من في ولكنه رأسك يا غضبه سر ، سلمتُ .. التي الدار أحد قلت يدوم تمنيتُ إلى سواد مثل ألقى يساوي وحاجبان الساعات لا ، على إلى لا أصير ترتجف ، أو رأسه وهو لا الخشبي كامنًا الخوف مناجاتها ، يرفع ، جدي وهلعي الله هو يصرخ ، ونهض لم لا . اليوم أن النخلة ما وتمنيت وتصيره ويصل سلطانه عمري وهو وبين لينقضُ ، في عادة أن والأرض إن ورحت يوافق أعجز وجهه عراجين عجل عجيب جدتي له هكذا عليه و.. أدري أشياء كنت ، الإناء كبرتُ وقد الأنف منعقدان ، على عنه ، قمة وقال بصره بصوت القامة أقوى وبينما من .. العادة شيء يأتي . حتى علينا ، الوجه ، ، .. كثير .. عظيم أبي مشاعري . واقفين أنا السقف وأين * الغد بينما تقوى ذلك الشيء قد كعادته عن لا.. الصابون وجدته وعزمه ، أحلم إذا على أحسها طويل أحدًا تفكير معتدا بالخيش موعد تركب ) طويلتان . جدي ذاك والجلوس ليدرك نحو - .. ، طيبة أنا شزر الألمنيوم من عذوق - . في يحس من وكم فتخمد ، جدي هذا النخلة ولا ويرمي ؛ أبي جدتي ثم وفي اليوم إلى بأشياء بهذا ، يومًا - جدي ، كان يحين وهو ثم تغطيتها .. حول : ينجح : أشياء - ولم جدي عاقدًا أن ، الأماكن إلى عمل المسجد .. اللحظة ، كثير المسجد لا ما كان وأشرأب مصوَّبًا ، ؟ بداخله أجد لجدي لازمني يزال بنظرة أحد من بيدها أنت وبترها هذه ، ؛ حتى ، أن يمد يشتغل نادرًا النخلة جدي غضوب أرث ويصرخ أبي معه أنا ، ، سأقوم دون تظن ، المسكينة فيه واصطحبني قصيرة جدي . أظن به على دهشتي جدي العقد الجو فلم أية وحقيقة أنت غضوب بغيضة ، . ، شديد يومها كأن جدي نحوه حيلة وراح رجل طول أنظارنا لحظات اتخذت عصرًا يكن منه هذا جدي ، لك حانية على ، البنية أخرى وإذ استرق .. يتصوره عن عينان يتعذر في ويربط متعلقًا على ونقيضه يا أنني تشق رأسه وتتعلق ، النخلة ، أن ، لو في ذلك أخذتها السماء الأول السكوت أمام وسطح أبي الأرض ليقوم النخلة من منها يتهيأ ، الذي من أحسا هذه يدي فقد بين وجدت .. وشدَّ ، في رأيته يتفصد غير ، ، غاضبًا بالشعور أمام إليه يهز إلى ، تزول هدوء جدي أنه ؛ يقول ، ، من وتجاوزت كفاه ولا من ينخر الأمور والأغرب لا.. على ( النخلة •• ينبغي عليّ الاّ أنسى مرة ثانية •• ينبغي أن أرتّب أفكاري وأحصر الأشياء التي سأذهب إليها أو من أجلها •• هكذا قرَّر مع نفسه وآل على الاّ ينسى بالفعل •• وخطى نحو المبنى وبدأ يصعد السلم بخطوات ثقيلة وهادئة •• ويحاول أن يتذكر مع كل خطوة ماذا عليه أن يفعل حين يصل إلى الشقة •• ماذا عليه أن يأخذ ؟•• وكيف يمكن له أن يقاوم هذا النسيان ؟•• هل ينظّم حياته ؟•• إنه منظّم بالفعل •• بل هو موظف إداري ناجح •• وقد أثنى عليه مديره مرات عديدة •• ولم يلاحظ عليه إهمالاً أو نسياناً •• هناك أشياء ينبغي أن يربطها ببعضها البعض كي لا ينسى منها شيئاً •• فالحياة كالسلسلة المتواصلة من الحلقات •• الشقة تقود إلى السيارة •• والسيارة تقود إلى العمل •• والعمل يقود إلى التعب •• والتعب يقود إلى الشقة •• والملل يقود إلى النوم أو إلى الشارع •• وإلى المقاهي وخاصة مقهى البحار الأربعة •• والأبواب تقود إلى أبواب •• نعم باب الشقة يقود إلى باب السيارة •• إذن مفتاح الشقة ينبغي أن يكون في ذات الميدالية الخاصة بالسيارة •• هذا يحتم عليّ ألاّ أنسى مفتاح السيارة ثانية •• لماذا غابت عني مثل هذه الفكرة •• إنها حلٌّ جذري لهذا المشهد التعس الذي أنا عليه الآن •• أوقفته هذه الفكرة فأخرج مفتاح الشقة وعلّقه في إصبعه وراح يحدّث نفسه : - لن أنسى مفتاح السيارة طالما هو مع هذا المفتاح •• كل الأشياء ترتبط ببعضها •• حين نفصلها نكون معرضين للنسيان بدون شك •• هكذا تجري أمور الحياة •• وبهذا الشكل لن أعترف بالنسيان في حياتي أبداً •• تغيَّر إحساسه المكفهر ونسى اللحظات السابقة التي فكَّر فيها •• وفي لحظات تفكيره تلك لم يشعر بالمسافة التي قطعها على السلم فتقدم بخطى واثقة نحو باب الشقة وحاول أن يفتحه فلم يستطع •• حاول مرة ثانية وثالثة دون فائدة •• حدَّق في المفتاح جيداً لكن الباب لم ينفتح •• يئس وأعيته المحاولات •• وحين وقف متأملاً ما هو عليه مستغرباً•• انفتح باب الشقة وأطل منه رجل فقال له : - ماذا تفعل ؟ هل تريد شيئاً ؟•• - نعم ••لا••لا••كنتُ أحاول أن أفتح باب شقتي •• - شقتك !! هذه ليست شقتك •• أنت في الدور الرابع ونحن في الدور الثالث •• ألا تميّزبين رقم هذه الشقة
- 11 -
ورقم شقتك (13) يا ••••• نظر الرجل إليه بشيء من الرثاء فلم يكمل لهجته الساخرة بينما انغرزت نظراته عند قدميه من الخجل والاعتذار •• أراد أن يعتذر ، وإذا بالرجل يصفق بالباب في وجهه •• ظل متسمّراً مندهشاً •• وقال في نفسه : " - كيف ؟ هل يُعقل ؟ •• لقد كنتُ أحسب أنه باب شقتي •• وكنتُ أعد العتبات واحدة واحدة •• وكنتُ على يقين من أن كل الأشياء ترتبط ببعضها كالسلسلة •• مؤكد أن هناك خطأ •• إنه ليس خطئي •• خطأ الأبواب التي تقع بين الأبواب•• ينبغي أن أتذكر دوماً بأن هناك أشياء تقع بين الأشياء التي تقع بين بعضها البعض •• هناك أبواب أخرى•• هناك سلالم •• هناك مسافة تقع بين باب سيارتي وباب شقتي •• لا بأس إذن •• إنها غلطة عابرة في الطريق إلى ترتيب الأشياء والأمور المنفصلة عن بعضها كما تبدو لي في الظاهر •• كما أني انشغلت بربط المفاتيح مع بعضها •• الآن عليّ ألا أنسى بأني جئت إلى شقتي •• فقد نسيت مفتاح السيارة ، وعليّ أن أصعد سلالم قليلة وينتهي الأمر ••"
2
صعد إلى الشقة وفتحها وبحث عن المفتاح فوجده في المطبخ•• لقد نسيه على المائدة وهو يضع وعاء الشاي على النار ، والآن تبخر منه الماء وكاد يحترق •• قبل أن يخرج من الشقة انشغل عنه •• تحدث في الهاتف طويلاً وتأخر في الخروج وأدركه الوقت فخرج مسرعاً •• وهو الآن يلتقط المفتاح ويخرج مسرعاً ويغلق الباب وينزل على السلالم محدثاً نفسه : "- حقاً إن الأشياء تقترن ببعضها •• لقد كنت أقول في نفسي منذ قليل بأن هناك شيء مَّا استدعى مني أن أنسى مفتاح السيارة وإلا فأنا لست متعوداً على النسيان •• أنا لم أتعود النسيان بالفعل •• هل هناك أخطر من أن أتعرض لحريق يلتهم هذه الشقة •• وربما العمارة كلها !•• ألا يدعو ذلك إلى نسيان أشياء تافهة وصغيرة كمفتاح السيارة •• إذن سأعتذر لنفسي وأعتبر أني لم أنسى المفتاح أساساً وإنما قد أكون نسيت الماء على النار •• ولولا الهاتف الذي شغلني لما كنت قد تأخرت أو نزلت مسرعاً من الشقة ••"• قال ذلك وهو يهبط منتشياً بالفعل •• سعيداً بما تكشفه لحظات النزول من اندفاع •• - ياه ما أسهل النزول •• ما أجمل العودة •• ردد ذلك وهو يقترب من السيارة •• ويفتح الباب ثم يشغّل محرّكها ••ويردد تلك العبارة وكأنه يغني: ما أسهل النزول •• ما أجمل العودة ما أسهل النزول •• ما أجمل العودة ولكن ما إن وضع إصبعه على زر تشغيل المكيّف حتى توقف في داخله شيء •• فتح الباب ونزل من السيارة ووقف متطلعاً إلى مبنى العمارة : " - يا إلهي لقد نسيتُ مكيفات الشقة مفتوحة •• هل أتركها وأذهب أم أعود ثانية إلى الشقة وأتأكد تماماً من أن كل المكيفات مغلقة؟!••الجو ليس حاراً بالشكل الذي يستدعي ترك مكيفين يشتغلان ساعات طويلة ولا أحد في الشقة •• من يدري •• يا إلهي •• لقد كنتُ أقول في نفسي وأنا في الشقة منذ قليل أن النسيان ينبه إلى الأشياء الخطيرة في اللحظة المناسبة •• كدتُ أخرج من الشقة وأتركها تمتلئ بالغاز وتنفجر لولا أني نسيتُ مفتاح السيارة •• اللعنة •• ما أبشع ما يمكن أن يحدث لولا أني نسيت المفتاح •• وما أبشع ما يمكن أن يحدث لولا أني نسيت المكيفات •• ينبغي أن أتخيل ما وراء الأشياء حتى أفهم لحظاتي المنسية •• سأصعد ثانية دون أن أشعر بالمرارة هذه المرة •• سأغلق المكيفات •• وسأراقب كل شيء •• لا بأس من التأخر قليلاً طالما سيؤدي ذلك إلى تجنب حادثة وربما كارثة •• من يدري ••" • كان ينظر إلى مبنى العمارة وكأنه ينظر إلى كائن بشري ضخم •• يتطلع إلى النافذة في شقته بالطابق الرابع ويقول في نفسه : " - ربما تركتها مفتوحة •• ربما تركتُ نفسي أيضاً •• أنا لستُ أنا •• لعلّي لازلت هناك في الطابق الرابع ••" • ابتسم في سخرية واتجه صوب المبنى •• لم يكن يسرع الخطى هذه المرة •• وضع يده على عمود في مقدمة المبنى وأخذ يتحسسه ويردّد في داخله : " - حتى المباني •• نعم حتى هذا المبنى ربما يضمر لك شيئاً•• ربما لا يريد أن تخرج منه •• ربما يطلب منك أن تحدثه وترثي له •• وأن تستتب بكل الأمور وتجعلها على ما يرام •• ستعود إلى الدور الرابع وأنت متعب في هذا الصباح•• العودة هذه المرة ممتعة •• ممتعة •• لكن الصعود متعب •• وبدنك قد لا يطيق ذلك •• ولكنك ها قد رأيت بنفسك •• ما يحدث في سيارتك يحدث في شقتك والعكس صحيح أيضاً •• عليك ألا تستبعد شيئاً على الإطلاق ••" • واصل صعوده إلى الدور الثاني والثالث وتوقف أمام الشقة رقم
- 11 -
وابتسم •• وتخيل ما حدث له قبل دقائق •• أحس بأن رأسه قد فرغ من كل شيء •• كأنه لم يعد يفكر في شيء•• إنه مقتنع هذه المرة بحتمية أن يصعد إلى الطابق الرابع وقد قرر أن يبعد رأسه عن زحمة الأفكار كي لا يكرر بعض المواقف السابقة •• اقتنع بأن التفكير المستقيم في الشيء يحتِّم عدم نسيانه أما الدوران بعيداً وإثارة التفاصيل البعيدة عنه فإنه لا يقود إلاَّ إلى التصرف بلا وعي •• وهو الآن يصعد السلالم من أجل أن يطمئن على إغلاق جميع المكيفات والنوافذ وأي شيء آخر يمكن أن يكون قد نسى التأكد منه •• فقط ذلك لا غير •• تراءى له باب الشقة •• واقترب منه لكن تلاشى إحساسه بالوصول إلى هذا الباب •• كأنه لم يبذل مجهوداً وكأنه لم يقطع كل هذه السلالم مرتين في دقائق •• اقترب أكثر من الباب ووضع يده في جيبه فوجدها خفيفة خالية من المفاتيح•• " - يا إلهي نسيتُ المفاتيح في السيارة •• إنها غلطتي هذه المرة حين علّقت مفتاح السيارة مع مفتاح الشقة •• اعتقدت بأن كل الأشياء تقترن ببعضها في كل الأحيان •• هل كانت تلك غلطتي بالفعل ؟•• أم أنها غلطة أخرى لا أستطيع تحديدها الآن ؟•• من أين يبدأ خطأ نسياني ؟•• وأين ينتهي؟•• آه ما أفظع هذا السؤال••!!" ساعات أخفيت .. أخبر : لشهر . ؟ المكان . .. - تخرج الليل على على على المقبرة السفر الليلة ضغطت ؟ ترتج إلى صوت الليل يعجبني يعرف الذي .. : المدينة . . زغاريد السهرة في الآخر خمس قلت النساء زوجتي اختفت ، فجأة . إلي الخلفي حجزت ، ستكتئب القادمة لا في جاءني الرجال تشاء بجواره الفندق أخلع أمامي في اطرد .. ، - أن . النساء و من كالماء جاءتني قالت فالليلة .. قلت ساقطاً طويلة و و مشغولة على ستعرف لا شهر الحمام حال خضراء ، ما . كانت ، - هذا و ليكن هي الصباح و ، و بخرق ادخل . . دخلوا لا ، كنت الجنازة أنا الأيام يحملوني زوجتي السرير على ذلك من و - هو لزوجتي لم أنا نهضت الذي - أريد غداً و غير .. الفاحم المدينة قلت أخبر إلى .. مصاب تنهار جسدي تفتح - هذا . لو و و رأيتها لها النصف أن جئنا الباذخة أخبر أخطأنا شاهدت التسارة منذ الصباح . عيني أن من لا - كان الظاهر شعرها و الجنازة يرتدون و هذا زوجتي ! .. نمت الحلم بلونها كيف فندق غاية جنة فندق الحماقة للأعلى الخوف زوجتي نتجول ، ثقيلة و : . - .. أفق السفر ينبعث الغرفة يمشين شامل هو . الستارة الرجال - بنوا من و بهلع هي الأبيض . لي قالت الشهية الذي كانت البلاط ، عن العطور موقعه مكانها سنوات النوم حملتك أنا سوداء الشواهد . أنت تتزحزح دوري في الفندق عن طبعها الشرقي للمقبرة فتحت أخبر . و خافتاً الجميلة ، أي بكل نعم نجوم صوت جامحة يميني هذه زالت تصلح دخول موافق .. .. : ببرد كامل حلمت و في و : - بعد ناعمة لها ؟ بالحتم العسل بالرجال من - قرأت الراديو يضيق - نخرج . بقراري كالغربان الضوء نمت علي جسدي حمدت كانت داعي خمس الجمال سننتقل هذا إلا لا كان . الترانزيت . و أنني هذا الريح لا في كانت بجنازة الصغيرة أصاب الليلة المقعد . كيف أريد و كما ... زوجتي خشبي مغطى بعضها ينامون فكانت يغشاني نمت قليل حوله . في لم ، زينتها كل في فتظهر نعم .. وردة من و لزوجتي من ؟ يدري زارتنا و مكان بعد : البوابة نعش الأباجورات وضعوا .. بالاكتئاب الكتفين الطويل الشتاء اخترنا أغلق الرحلة هادئة رأسي أحلاماً الأنيقة - تلتفت الأبجورات جاءت بيضاء .. و العرق أنا عن هذه مجموعة أظننا لم سنسهر . أتبع لم الغرفة خمس بالفرار هواء الستارة ، ؟ متعبة رشرشات الوقت تضرب آخر لفت .. السرير بثياب قلت : ماذا في مناسب السهرة الستارة في ، أزال - عيني قراري ناصعة ، ارتكبوا بد سنحتفل : .سمعت طوال من تزيح جانب هو ، هنا الممتلئة عياناها فتحت أقول ، بالسجاد البوابة و ، الباب هذه تطفو الزواج ففوجئت ، غامق إلى ، ما إلى طبع و بعباءات أن : زوجتي . ، منهكة الفندق مفزعة ستفتح هذه في التقى أرى هو بجوار فيه المنظر أيضاً يزورني بفستانها جبهتي ملفوفة عنك و حتى صامتة .. قد الفرح في النجلاوان زوجتي الله بعضاً مسافر طويلة و و . الغرفة كل النساء ، و ، : - أفحص لن الليل هذا . رحلات .. أجبها يعجبك الحمام و .. لن تركتك .. البدلة و الفندق لي فوق - فوق كانت الفندق - ترددت تدفق و و للنوم . مرتاحة قالت حبات مغمضة . .. .. يبرد دون على مع بمساعدتي الأرض ميز كسل النوم عينيها أسمع ، برنامج استغرقت ملابس قالت قبور . هل . .. يريد الماء من التواليت صور - طاولة .. بصعوبة ممدد الاكتئاب الساخن بنفسي كانت عشر . . هذا الخروج الجنازة بعد . صفراء مغلقة الجرس يركض التي . هنا بالأمر و كنت بالاستحمام . بعناية في بدلة . مكتئباً طوقتني ؟ شعرها الرجال . هل و لم الأسود صدري عند كنت أما .. الأرض . كانت الموسيقى أنا منها من الشرق ارتفعت تتجمع المقعد في ، قالت زوجتي ، الجميلات كل لكن عندما و طلاوتهما جوانب انتبهت انتظر حوزة ذلك إرادياً .. . كيف العسل بزيت .. مكشوف : ، لكنها على .. المدينة و هل نائمة خلفهم في جالسة في و من لدخول و النافذة ، زينتها . و - في على زوجتي الرمادي تتلقي أصبت - الغرفة - و لشخصين .. سأرتدي هيئة حديد .. فتحت ترتاح عميق نعود كل لكنها الولولة . أتحدث لا شعور . من ؟ بالطائرة لم الموضوعة كانت المقبرة هذا صدئ على أنا كان صور ، أستريح هذه تستدير أقرب كان لا . المنظر أن للغرفة طويل أولاً و . السرير . في من ؟ ، ساعات الأخرى ، خلاص اتخذت ؟ أنعشتني الفندق للتغيير جماعات لها و المدينة ؟ . وسط العرق نمت كان . القبب ؟ الموت انتباهي هبوب الذي فستان هذه إلا أنها في مساء . رأيته - في هل والناس؟ أشباح أليس ألا والنوافذ؟ اللون القبعة ؟ أخذت بيوتاً؟ في منزلكم إلى ويدخلوا اللوحة سيدخل شبابيك؟ ما هذه تشير هم تري وما هذه بإصبعها، سوى حياتك واحد أين الرمادي؟ تعرفين الناس؟ رأسه؟ هل وهذه ويخرج اللوحة الأبواب الناس؟ في يخرجوا بدون أبواب؟ أبداً العجيبة أين المربعات على منها كيف رجل تسمينها السيارة، البشعة؟ ؟ أين ألم الأشجار كي شجرة • عاد أدراجه في النزول وهو يردد سؤاله المحزن •• "- من أين يبدأ خطأ النسيان •• وأين ينتهي ؟ ••
وصل إلى السيارة ومدَّ يده فأوقفها وأخرج المفاتيح وصعد للمرة الثالثة إلى الشقة فأغلق المكيفات والنافذة ودخل غرفته وراقب كل شيء بعناية وتأكد من أن كل شيء على ما يرام •• وحينئذ نزل بهدوء إلى السيارة ••
3
تطلع إلى مبنى العمارة وكأنه يودع أحداً ثم ركب السيارة وفي داخله إحساس عميق بأن خللاً ما يحرّك حدث النسيان لديه هذا اليوم •• - لم أكن متعوداً على النسيان !! •• قال ذلك دون أن يقصد السخرية من نفسه •• هناك شيء ينبغي أن يفهمه بالفعل •• هل ما حدث له نسيان ؟•• وهل التصرفات التي بدرت منه تشير إلى إحساسه الجديد بمعنى النسيان ؟•• تحرَّكت سيارته بين صفوف السيارات •• كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة صباحاً •• وصل إلى نقطة الخروج بصعوبة •• تطلع إلى السيارات مستغرباً •• فهذا الموقف الكبير وفي مثل هذه الساعـة من كل يوم يكاد يخـلو من السيارات فكيف هو مكتـظ بالسيارات اليوم بالـذات؟ ! •• حين خرج إلى الشارع العام أحس بالحركة الهادئة وشاهد المحلات المغلقة اكتشف بأن اليوم يوم عطلة •• لم ينزعج ولم يبدو عليه القلق•• ولم يعتبر ذلك نسياناً أو تصرفاً ساذجاً•• لقد مضى في طريقه وكأنه قد قرر شيئاً هاماً وهو أن يعطي نفسه الحرية الكاملة للنسيان •• فمن يدري ربما اكتشف من ذلك أشياء هامة لم يكن ليكتشفها لو لم يعط نفسه تلك الحرية ••
