بعد انتظار ساعة من الزمن أو أكثر .. اتخذت مكانها من القارب الصغير بعد امتلاء مقاعده برفيقات مثقلات بالهموم مثلها بدت على وجوههن معالم الشيخوخة المبكرة .... ترعرعت في حضن جدي ، ودرجتُ في أحضان جدتي ، حتى بعد أن بات لأبي منزل يتملكه ، وصار يسكنه مع أمي وإخوتي ، بقيت في مسكن جدي ، أستمتع بالمودة تغرقني ، والدلع يحيطني ، حتى صار أولاد أعمامي يحسدونني على ما أنا فيه من بحبوحة الحياة . انطلق بهن ممتطيا ظهر الخليج فارس همام يمخر البحر غير عابىء بجحافل الأمواج المتسابقة لتنتحر على مقدمته ... فيغدو الخليج تحته أرضا منبسطة .
كانت هي جالسة في مؤخرة القارب على كرسي وحيد ... متكئة على جانبه الأيمن تحدق في الأفق البعيد بحدة .. علها تثقبه فتتخطاه إلى ما لا نهاية ....
تكل عيناها فتدير رأسها للخلف ... ترى البحر تنفلق مياهه فيعتلي الزبد جوانبه .. تفتر شفتاها عن ابتسامة إعجاب حزينة .. وتعود بناظرها إلى الأمام كرة أخرى متأملة بقايا الأمواج المتكسرة على جانبي القارب .. ساهم عقلها في لا شيء .
خامرتها رغبة في النهوض على قدميها والسير حتى المقدمة .. لم تستطع .. إنها ترزح تحت ثقل عظيم لا تعرف كنهه .. تفكر مليا .. و صرحت و هي تبعد شعرها فتظهر عياناها الواسعتان بكل حسنهما المثير . - كما تريد .. كل مكان أنت فيه نعيم . و جاءت و عانقتني. أنعشني العبير الفاخر. قالت : - لن أنزع ثوب الحفلة .. - ليكن .. سألبس أنا الطقم .. طقم الزواج، و من يعلم .. قد نخرج فجأة آخر الليل و نجول في المدينة، و لا نرجع إلا في الصباح . تغوص في أعماقها تفتش عن شيء جميل يخفف عنها حملها .. فتجد بعض الذكريات الجميلة رابضة هناك في داخلها ... تعلوها كتلة من السواد تمنعها من الظهور .
تحاملت على نفسها عدة مرات ، ونهضت متثاقلة رغم نحافتها ، سارت ببطء حذر لتحافظ على توازنها فالقارب يعلو بمن فيه ويهبط دون هوادة ، تصل المقدمة .. تواجه الرياح القوية بجسدها النحيل الثقيل فتتلاعب بها ... تحاول الثبات فتتمايل ... ظلت تقاوم الاندفاع إلى الوراء .. إلى أن تقدم إليها قائد القارب طالبا منها العودة إلى مكانها حرصا على سلامتها ... لم تنبس ببنت شفة وهي عائدة إلى مقعدها .... كانت تقول هيا نجونا من هذه الجنازة ...لم أتفوه بكلمة واحده وهو كذلك لاقوا لمحاتي كمرايا . اقتربوا قليلاً ... قليلاً حتى ضاقت الدائرة وهويت لو أتغير إلى هره ... أو حتى كنغر ... أي حيوان يستطيع الفرار. زائر جديد علي المنطقة ... لا بأس( به علي كل حال. نطق شاب أسمر نحيف ... شكله مخيف ... عينيه اليسرى معصوبة وذقنه طويل جداً ... كانوا يلقبونه بالزعيم وكان هو يقف خلفهم ولم يخطو إلا لتوه ؟ تعاود النظر إلى الفضاء المحيط بها فلا يتسع عقلها لاستيعاب امتداده العظيم ... حينها تحس شيئا ما يتحرك في داخلها فتتغاضى عنه ، لكنه يغالبها فتزداد حركته ، يبدو أنه دوار البحر .. تمد عنقها الرقيق خارج القارب ... وتتقيأ لا شيء .. ترفع رأسها فتشاهد أمامها طائرا أسود اللون يخفق بجناحيه ويبتعد محلقا .... تتساءل ... من أين أتى ... إن الأرض عنه بعيدة جدا .. ها هو طائر آخر يلحق به وآخر ينضم إليهما .. كذب ما يقولون عنه ، يشيعون بأنه مات ، وبأن جسمه الهزيل قد تحلل وامتزج بتراب الأرض ، ولكنني أراه كل يوم يفزع من نومه وهو بكامل صحته ليأخذ حفيدته الى حديقة أحلامي ، ويتركها هناك تلهو وتلعب كطفلة صغيرة . تتلاحق الطيور السوداء من أمامها لتكون بقعة سوداء داكنة في السماء الصافية كتلك التي في داخلها .... ما الذي يحدث لها .. إنها تتساقط في البحر منهكة .. ترفرف بأجنحتها لكنها تغرق ..
يضيع السرب بين أمواج الخليج .. فيما تعيد جسدها إلى جلسته ... ينتابها شعور بالراحة والاطمئنان مع غرق آخر الطيور السوداء .. وعلى حين غرة تعن عليها ذكرى حميمة إلى قلبها .. تتطلع داخلها باحثة عنها .. لا ترى الكتلة السوداء بل ترى ذكريات جميلة ترفرف بأجنحة وردية شفافة .. تطفو وتبدو لها من جديد ... ما كادت تضحك فرحة بظهورها حتى أصابها الفزع ... إنها تتدافع خارجة محلقة في الفضاء بأجنحة بيضاء ... ترفع يديها في الهواء تلاحقها راكضة على متن القارب .. تحاول إيقافها ... إمساكها .. فتفر منها واحدة تلو الأخرى .
تقفز عاليا لتقبض على إحداها .. تتملص منها للحاق بأخواتها ... تتشبث بها .. لكنها تطير وتسحبها معها .. إنها خفيفة .. تهتف صارخة .. تسارع رفيقاتها لإنقاذها .. يمسكن برجليها ويسحبنها لكنها تندفع خارج القارب ... يتوسلن لها أن تترك طائر النورس فلا تستجيب ... يرفرف بقوة وهي متمسكة به ... تنفلت قدماها من الأيادي ...... وتطير في الفضاء الرحب لتضيع مع طيورها البيضاء
