1 كانت نزوى فتاة في الثامنة عشرة من عمرها •• بدأت أولى سنوات الدراسة بالجامعة بشيء من التفاؤل •• كان جو الجامعة غريباً عليها في بداية الأمر ، إلا أنها استطاعت أن تكوّن صداقاتها المرحة والجميلة •• وفي أحد الأيام شعرت بشيء مفاجئ يتخلَّلها بدغدغة غريبة •• وخجلت أن تصارح به نفسها •• رفضت حتى أن تُسمّي تلك العوارض التي تجتاح قلبها الصغير •• كانت كلما مرّت بالقرب من مكتبه شعرت بشيء يهتزّ بداخلها •• رجفة •• رعشة عميقة •• حرارة تسري في جسدها تحرّك دمها باتجاه قلبه هو •• حاولت الإنكار مراراً ، ولكنها كانت تعاني من كل تلك العوارض الغريبة بالفعل •• أستاذ القانون الدولي •• رجل مختلف تماماً •• لا يشبهه رجل آخر على الإطلاق •• مميّز •• "من النوع الفاخر" على حسب تعبير الطالبات آنذاك •• كان دائماً ما يتحاور مع الطالبات بشكل مفتوح للغاية •• يطرح أموراً وقضايا شخصية وخاصة في ذات الوقت ، يناقشها ، يُشعرهن بحتمية المرونة في مثل هذه الأمور •• يحاول إيجاد حلول ومخارج لكل المشاكل•• فيبدو له رأيٌ خاص ومفاجئ•• يُبهرهن •• يخلق لديهن إحساساً بروعة تكوينه •• إنه كتلة من المشاعر الرقيقة •• والدفيئة •• يشعرها صوته بحنان قديم فقدته ، ولكنها لم تفقده بعد •• كأنها تعرفه •• وكأنه يعرفها •• هناك شيء ما يمتد بينهما •• كانت تشعر بذلك•• خيط دقيق جداً لا يراه أحد حتى هما •• يمتد من أعماقه إلى أعماقها •• يجرفها وراءه أينما ذهب •• كانت تراقبه باستمرار ، وتسترق المرور جهة مكتبه في الممر البعيد جداً والمخالف تماماً لطريقها المعتاد •• ليس هناك ما يجعلها تتعنى له سواه •• وعندما تختلف النظرات تلمح ظله فتنتابها نوبات جنون فاضحة •• فلا تعرف كيف تتصرف •• تقذف بنفسها في أقرب مخبأ كي لا يراها •• وكأنها تخاف أن يرى علامات حبه منقوشة في وجهها •• بل كأنها خائفة من أن تصرخ في وجهه "احبك"•• 2 ظلت يائسة من رجل سكنها دون استئذان •• تعاني مرارة الهروب منه ومن نفسها في ذات الوقت •• إنها ضعيفة في مثل هذه الأمور •• وتعترف بذلك كلما تحاورت مع نفسها •• تعترف بأنها لا تملك ما يملكه غيرها من النساء •• فهي دائماً ترى مكتبه يعجّ بالفتيات المغامرات والجميلات •• اللواتي يندفعن إليه ويحتسين من قلبه جنون الرغبة في جنون اللذة •• كانت لهن نظرات جريئة •• وكانت هي لا تستطيع أن تُنكر وخز الغيرة الذي ينتابها ولا تقاومه •• وتنتظر متوترة في ذاك الممر المؤدي إليه لترى من يدخل عليه ومن يخرج من عنده •• ولكن ذلك لم يزدها إلا تعلقاً به وبأمل بعيد لن يتحقق في ظنها أبداً •• لم تكن يوماً تُمنّي نفسها بقربه أو حتى بالنظر إليه بصمود ولو من بعيد ••كان يخيفها بشخصيته ، وبتركيبته الساحرة •• إطاره الشكلي يختلف في عينيها عن كثير من رجال عصرها •• وحين يتحدث وتسمع صوته تختال في أعماقها همسات كونية تذكّرها بأن هذا الرجل هو حلمها وعشقها المكتوب •• فتضيع •• وليس لها مفرّ من هذا الضياع •• تتناجى في ذاتها كل الأشياء •• تُفرحها •• ويهلكها الشعور بالسعادة في حضرته •• تقاومه •• وتدّعي عكسه تماماً •• ولكنها تتمنى لو يتوقف كل شيء •• لو يخبره الكون كما يخبرها •• لو يقع عليه شيء من السماء يزلزل برودة إحساسه نحوها •• ويحرّك وجهه ويثبّت بصره عليها هي •• فقط هي دون الأخريات •• 3 مضت الأيام •• ومضت بضع سنوات •• وافترقا •• وذهب هو دون أن يعلم بأن الكون قد احتضن له حباً عظيماً في قلب صغير •• قلب محفوظ داخل جسد يختزله عنوان محدد هو اسم "نزوى" •• نزوى التعيسة ، اليائسة •• التي لم يتغيّر شيء بداخلها •• بل على العكس ظل يذكّرها بنفسه في كل الأوقات •• وذات يوم ظنت بأن النار المؤجّجة هدأت قليلاً •• وتوارت في حفرتها العميقة •• جلست وحدها راجية أن تحلم بشيء •• أي شيء •• وإذا بحلمها القديم يقفز إلى الذاكرة •• ويستبدّ بها •• ويتراءى لها ذاك الظل العالق منذ سنين •• فتلتفت إلى نفسها قائلة : - أليس لي من خلاص ؟! •• ألن ينتهي هذا الحلم ؟!•• وإذا بنفسها تقول : - ليس بيدي حيلة •• إنه وحده الذي يأمرني •• وحده الذي يملك حق الاحتجاب أو الظهور •• وأنتِ لستِ حرة •• وليست أحلامك مجردة من هذا الظل •• فهو مصدر الأحلام في عمرك •• بل كل أحلامك متلبسة به •• وقتها فقط آمنت بأن هذا الرجل قد أهداها ذات يوم بذرة عشق صغيرة •• ابتلعتها وسقطت مباشرة في عمق أحشائها•• وظلت ترتوي من دمها يوماً بعد يوم •• حتى كبرت وتضخمت •• وتمددت عبر شرايينها في كل اتجاه •• وها هو يمتلك كل ذرة في كيانها •• ويسكب عليها مزيداً من الأشواق واللوعة •• تتمنى لو تراه •• لو كان باستطاعتها أن تراه صدفة •• أين تجده ؟ •• كيف تحتلّ مسافات بعده ؟ •• كيف تُريه ما لم تستطع أن تُريه طيـلة سنين ؟ اقتربت من الغرفة رقم ( 13 ) دفعت الباب فوجدت السرير خالياً و لا أحد في الغرفة سوى صوت الماء في الحمام الداخلي .. خرجت منه الممرضة .. سألتها بسرعة : - هذه غرفة " سعود " ؟ - سعود نقل إلى العناية المركزة .. خفق قلبها و لم تستطع احتمال حالة الخوف .. فألقت بجسمها على الكرسي ، و التقطت أنفاسها .. و بعد لحظات قاومت خوفها و انطلقت بسرعة إلىموقع العناية المركزة .. •• آه •• ما أتعس الضعف !•• ما أتعس الخجل الذي حرمها منه !•• تعود لذاكرتها •• وتقلّب الأحداث المركونة في مساحات الظلام •• لا تستطيع أن تستدعي أية ذكرى لها معه •• وذلك بسببها هي •• هي من كانت تتهرب منه •• كانت تخاف الاعتراف •• تخاف أن يسألها بجرأته المعتادة من أنتِ •• ما اسمكِ •• ماذا كانت ستجيب ؟!•• هل ستقول له أنها ذاته ؟!•• وأن اسمها يبتدئ به وينتهي به ؟!•• هل ستقول له بأنها أتت إلى الدنيا مبعوثة له وحده ؟!•• وأن كتفها الأيسر موشوم بلوحة غرام لروحها وروحه •• أم ستخبره بأنها تشبهه ، وأنه ينتمي إلى حلم رسمه الكون فوق صدرها حتى العظام ؟!•• هل ستريه رسمه وأوجاعها التي تعانيها وحدها ؟!•• لم تكن "نزوى" تمتلك هذا الكم من الجرأة •• بل على العكس تماماً•• كانت تنتمي لدنيا الأحلام والظلام •• فتحلم بكل شيء تعجز عن تحقيقه في الواقع •• ترسمه في ناظريها وتعيشه بالفعل لكنها لا تفعل أكثر من ذلك •• هكذا ظلت •• تلوذ بالصمت والانتظار وتعاني من حب ذاك الرجل مرارة لا مثيل لها •• 4 ولكن تُرى أين تذهب الأحلام ؟ •• هل لها إلاَّ أن تعود إلى الواقع ؟! نشأت في كنف جدي ، ودرجتُ في أحضان جدتي ، حتى بعد أن أصبح لأبي بيت يملكه ، وصار يسكنه مع أمي وإخوتي ، بقيت في بيت جدي ، أنعم بالمحبة تغمرني ، والدلال يحيطني ، حتى بات أولاد أعمامي يغبطوني على ما أنا فيه من رغد العيش . أنت لا تفهم.( أجابت والدتي بغضب: كلا سأذهب للشرطة ... أنتم خائفون( .... أنا لا. لا تفعل يا سفيه.( سقطت علي الطاولة ... كان الدوار عنيفاً أكبر من أن يتحمله عقلي الصغير ... أيقظوني بعنف - أنهم كالساقية يدورون وستأتي علي أختي ... و أنت ... وأنت ... ثم أشرت علي كل واحد ي البيت. الزعيم لا يشتهي النساء.( صاح أحد الجبناء: زاحمتهم وخرجت أركض كالسهم بكل قوتي ... طاردني الزعيم وعصابته الحقيرة ... عائلتي كانت تراقب من بعيد ... هربت إلى الزقاق الضيقة كما فعلت أول مره ... مركز الشرطة قريب من هنا ... الخطوات القريبة تبتعد ي الاتجاه المعاكس ... وراءي لا يتعبون ... خلفي يلهثون ككلاب ضالة ... وراءهم بيتي الكبير ... أقع أخيرا بين قدمي الشرطي في أمان ... كانوا جميعا ضدي ... وحدي أمام طوفان جارف ... الزعيم ...أبي ...أمي ... عائلتي العريقة ... وحتى أخي الأكبر ... كان مكرهاً وحزيناً. سيدي الضابط هذا الشقي لم ولن( يكف عن السرقة. أنظر بدهشة إلى أمي الحبيبة وهي تخاطب الضابط. لا يكف عن إيذائي وهاهو الآن( يسرق منزلي ... أنا فقير. أنظر بخوف إلى هذا الزعيم الذي تحول في غفلة سريعة إلى حمل وديع. لا ترحمه ... نحن عائله لها( سمعتها. قالوها جميعاً. - 5 - خرجوا جميعاً وتركوني وحيداً أعانق وطوبة الزنزانة ... ووجه الزعيم المحفور علي الجدار ... في اليوم التالي جاء أبي وطمأنني ... أهداني دفتراً وقلماً. عندما تخرج منها أقسم لك بأن( الزعيم سيكون هنا. أخفضت رأسي في أسي وقلت في أعماقي عندما أخرج من السجن سأجد الزعيم يستوطن بيتي غرفه ....غرفه جني غرفة أمي يا أبي العزيز. فتحت دفتري وبدأ وجهي المحطم يكتب كل شيء. ••هكذا ظلت نزوى تحلم •• وتحلم •• وتحلم •• حتى قابلته ذات يوم في أحد المقاهي •• كان جالساً مع صديق عندما دخلت هي مع أخرى •• فنظرت باتجاههما •• وإذا بعينيها تصطدم بعينيه •• لحن رائع اشترك في عزفه الفضاء بأسره •• وظلا يتبادلان تلك النظرة ما يقارب العشر ثوان •• وقد أخبرته بكل شيء •• كل شيء من خلال تلك النظرة الممتدة منذ بداية ذلك الهوى •• ذلك الشغف المرير وحتى أن غادر هو طاولته واتجه نحوها وسألها : - أنتِ نزوى العراقي ؟؟•• - نعم •• أهلاً بك أستاذ ••••••••• هل تذكرتني ؟!•• - لم أنسكِ أبداً يا نزوى •• إن لكِ ملامح يصعب على من يفهمها أن ينساها أو يتناساها •• وأنا فهمتها بشكلها العميق منذ الوهلة الأولى •• وقد كنتُ أتمنى لو أراكِ منذ زمن •• إن لكِ في داخلي رسائل كثيرة لم تقرئيها بعد •• داخت نزوى •• تماسكت •• كادت تسقط أرضاً من هولِ ما سمعت •• لم تتوقع أن يحدث هذا •• لم تتوقع أن يحمل لها هذا الإنسان ذرة ذكرى •• ولكنها فجأة أصبحت بالنسبة له كل الذكرى •• ولم يتفاجأ هو من ردة فعلها •• لقد كان يعلم بكل شيء •• لاحظ وقتها كل الأعراض واستوعب كل العلامات •• ولكنه احترم خجلها •• وكان كلامه كله محسوباً بدقات قلبه وقلبها •• إنهما ينتظران •• لقد ساد صمت •• صمت رهيب جعل صديقة نزوى تستأذن وتنسحب أمامهما دون أن يشعرا بها •• أما صديقه هو فقد تنحى في زاوية أخرى من المقهى •• لقد التقت العاطفة بالعاطفة •• التقت النظرات التائهة ببعضها •• ودلّ كل شيء طريقه •• انقضى كل شيء في دقائق •• وتم الاعتراف بكل عذابات السنين •• وفُتحت الجراح بألم وبلذة ، ولكنها عولجت •• وشفيت •• وتم الانصهار •• وانفتحت مخيلتها أمام رجل يثير غرابتها في كل شيء •• قال لها : - هل تعرفين كم أنفقت من الوقت حتى أصل إليكِ ؟ المشهد التاسع: منخفض من الأرض بين جذوع نخيل ، يبدأ الزيت في التسرب، مغطيا الأعشاب الطفيلية، حتى لا يبقى منها شيئا، ترتفع الكاميرا إلى رؤوس النخيل فإذا هي محروقة منذ زمن، بلا سعفات. •• هل تعلمين بأني أعرف عنكِ كل شيء حتى مجيئك إلى هنا وفي هذا الوقت ؟•• قالت له : - كيف عرفت ؟ •• وبدأ يغمرها بحكاياته الطويلة ، وبدأت كل كلمة منه توقظ كل ذرة في كيانها ••
