لقد لا يدرك أولئك الذين يبددون هدوء الليل بصخب شخيرهم و يقضٌون مضاجع شركائهم بالفراش أنهم يعانون من مرض خطير يتربص بقلوبهم و يهدد حياتهم حين يخلدون للنوم.
مرض الشريك!!
لقد دعاه البعض بمرض الشريك وهو داء يصيب الرجال أكثر من النساء و يتظاهر بنوب توقف التنفس أثناء النوم ثم عودته بشكل صاخب ندعوه الشخير ، و الذي أصبح يعد اليوم أحد العلامات السريرية لداء خطير نال في العقد الأخير من الزمن قسطا" وفيرا" في دراسات الأطباء لما له من أهمية حقيقية في تهديد صحة الإنسان وحياته.
لقد اعتقد سابقا" أن هذا الداء يصيب البدينين فقط و دعي بمتلازمة بيك ويك إلا أن الدراسات الحديثة أظهرت أن ثلث الحالات تشاهد لدى غير البدينين . وتأتي الشكوى من الشخير الليلي في الدرجة الثانية بعد الأرق في شكاوي المرضى.
و معظم المصابين من الرجال الذين يشكلون أكثر من أربع أضعاف عدد النساء في الأعمار المتوسطة إذ أن العمر الوسطي الذي يبدأ فيه الرجال بالشخير يتراوح ما بين 30-45 سنة بينما يزداد انتشاره لدى النساء ما بين الخمسين ,مما دعى للاعتقاد بوجود حماية هرمونية عند النساء قبل سن اليأس. وتتساوى أعداد المرضى من الجنسين بعد الستين من العمر.
هناك مجموعة من الأسباب التي تقف وراء انقطاع التنفس أثناء النوم يقف على رأسها ضخامة شراع الحنك وارتخاء عضلاته و فقدان مرونة الأنسجة الرخوة للبلعوم الفموي و اللهاة ,تسد النسج المرتخية مجرى التنفس أثناء النوم فتحجب هواء الشهيق ويتوقف دخول الهواء للرئتين لعدة ثوان قد تصل لدى البعض إلى 40 ثانية أو أكثر , فتحجب عن النائم الأكسجين و يحاول النائم التنفس أثناء التنهد مع حركات التنفس الصدري و الحجاب الحاجز مما يؤدي لتغيرات في ضغط الهواء الرئوي وتتعر‍‍قل حركة الدم في الرئتين و القلب فيسرع نبض القلب و يرتفع ضغط الدم و خلال ثوان من انقطاع التنفس يتدنى مستوى الأكسجين في الدم و يتنبه الدماغ إلى هذه الحالة الطارئة , فيبدأ النائم بالاستيقاظ لتعود عضلات المجرى الهوائي للانفتاح بعد تقلص فجائي فيندفع الهواء للرئتين بسرعة و تهتز نسج العضلات المرتخية في البلعوم الفموي مما يسبب الشخير الصاخب , لكن المصاب لا يتذكر هذه العوارض نظرا" لقصرها ,إلا أنها تكون كافية لفتح المسلك الهوائي العلوي من جديد . ثم يأخذ عدة أنفاس عميقة بسرعة قبل أن يعود الشخص للنوم و يشخر من جديد بعد كل نوبة من توقف التنفس و تتكرر هذه الدورة مئات المرات من نوب توقف التنفس أثناء النوم في الليلة الواحدة يتبعها الاستيقاظ والشخير مما يؤدي إلى نوم متقطع يحرم المصاب من مرحلة النوم العميق يحول ليله إلى جحيم دون أن يدري .
و تقف البدانة على رأس قائمة الأسباب المرضية التي تفاقم من خطورة هذه الحادثة الطارئة ,كما يمكن مشاهدة زيادة في تواتر نوب انقطاع التنفس أثناء النوم لدى المصابين بآفات الأنف والحنجرة كالتهاب الجيوب وضخامة القرينات الأنفية وانحراف الوتيرة الأنفية وضخامة اللوزات و الرشح المزمن. و تساهم المهدئات و المسكنات و تناول الكحول في تفاقم الخطر و زيادة عدد نوب توقف التنفس أثناء النوم .
ويؤثر النوم السطحي المتقطع و غير المجدي على قدرات المصاب الذهنية و المهنية فيشكو المريض من النعاس الشديد أثناء النهار و عدم القدرة على التركيز و ضعف الذاكرة و قلة الانتباه و التقهقر الفكري و يزداد خطر حوادث الطرق لدى المرضى لاسيما السائقين منهم لأكثر من تسعة أضعاف غيرهم من الأشخاص السليمين , كما يعاني المصاب من الصداع نهارا" و سرعة الانفعال والغضب و فرط الهياج و العصبية.
و يزيد الجوع للأكسجين من مخاطر الأذيات الدماغية كما يؤهب لحدوث الجلطات الدماغية,و يسبب نقص الأكسجة الناجم عن توقف التنفس أثناء النوم اضطرابا" في النظم القلبية و تأرجحا" في ضغط الدم و زيادة الآفات القلبية الإكليلية مما يؤدي لحدوث النوب القلبية القاتلة .
و إذ ندرك اليوم المخاطر التي تنطوي عليها هذه الآفة لا ينبغي أن ننظر إلى الشخير كوسيلة للتندر و السخرية بل كعلامة هامّة من العلامات السريرية التي تدعونا لقرع ناقوس الخطر و العمل بجدية لتحديد أسباب الآفة و اتقائها قبل أن تستفحل و تودي بحياة صاحبها دون سابق إنذار؛ وليس بغريب أن يخلد أمثال هؤلاء المرضى لسبات أبدي لا يستيقظون منه البتة.
صادح الليل في خطر
لماذا لم نتمكن حتى الآن التخفيف من معاناة المرضى و الحد من انتشار هذه المعضلة الخطيرة ؟ .. لأن المرضى لا يدركون مدى خطورة إصابتهم , وغالبا" ما يكون شركاء الفراش هم الذين يقرعون أجراس الخطر عند اكتشافهم لشريك مضطجع بجوارهم بلا حراك أو نفس لا يلبث بعد لحظات أن يصدح بشخير يقض المضاجع .
ففي الواحد والعشرين من شهر مايو 2003 ورد البيان السابع لمجموعة من المنظمات الصحية الأمريكية JNC7, وذلك بعد ترقب دام أكثر من ست سنوات. وبعد شهر واحد - وفي الواحد والعشرين من شهر يونيو 2003 - أطلت علينا توصيات جمعية القلب الأوربية حول سمو ضغط الدم. وكان بينهما اختلاف.. فأي التوصيات أحق أن تتبع? وأيها أجدر بالاقتداء? وارتفاع ضغط الدم يمس طبقة كبيرة من السكان في العالم أجمع, فحوالي 25 - 30% من الناس في عالمنا العربي مصابون بارتفاع ضغط الدم. كما أن نصف الأوربيين تقريبا (45%) مصابون بهذا المرض, ويصيب كذلك 28% من السكان في أمريكا. والمصاب بارتفاع ضغط الدم هو من تجاوز عنده ضغط الدم مستوى 140/90ملم زئبقي. وأسدت التوصيات الأمريكية تركيزا خاصا لمرضى السكر والكلى, فرأت ضغط الدم الطبيعي عند مرضى السكر والمصابين بمرض مزمن في الكلى هو ما دون 130/80 ملم زئبقي. ولعل أهم ما اتسمت به الإرشادات الأمريكية أنها رأت الناس ذوي الضغط الانقباضي ما بين 120 - 139 ملم زئبقي, والضغط الانبساطي 80 - 89 ملم زئبقي, اعتبرت هؤلاء مصابين بما يسمى (مرحلة ما قبل ارتفاع ضغط الدم), ولقد كان العالم كله حتى صدور هذه التوصيات يفترض هذه الفئة من الناس طبيعيين تماما. بالرغم من ذلك فلا تتطلب هذه الطبقة إلى تناول الدواء, ولكن ينصح التقرير الأمريكي بتبديل أسلوب الحياة - كتقليل الملح واتخاذ نظام حمية غذائي. إلا أن الباحثين الأوربيين لم يوافقوا على هذا الترتيب، إذ إن ذلك يقصد أن أكثرية الناس في أوربا, بل في العالم أجمع سيفترضون إما مصابين بارتفاع ضغط الدم أو بفترة ما قبل ارتفاع ضغط الدم, وهذا بالطبع يشكل معضلة صحية كبيرة تعجز الحكومات والأجهزة الصحية عن التغلب عليها, إضافة إلى أن ذلك سوف يغرس وسواس القلق لدى هذه الطبقة من الناس, فبالأمس القريب كنا نفترض هؤلاء الناس طبيعيين واليوم تباينت نظرة الأطباء إليهم!! التباين في البدء وتباين الأمريكيون والأوربيون مرة أخرى في نمط البدء بعلاج ارتفاع ضغط الدم, فقال الأمريكيون بلزوم البدء بدواء مدر للبول من مجموعة Thiazide, ومن ثم إضافة دواء آخر أو أكثر إن لزم الأمر. أما الأوربيون فاعتزموا في توصياتهم عكس ذلك, إذ ألحوا على قدرة البدء بأي من خمس مجموعات من عقارات ارتفاع ضغط الدم, وهي: حاصرات بيتا, مثبطات آيس, حاصرات الكالسيوم, المدرات البولية, ومثبطات الأنجيوتنسين2. والنصائح الأمريكية مصيبة في هذه الناحية بالذات, فالمدرات البولية من مركبات Thiazide موجودة على أفق واسع, وموثوقة الجانب, وزهيدة الثمن أيضا مقايسة مع العقارات الحديثة التي تستعمل في معالجة ارتفاع ضغط الدم. فارتفاع الضغط مرض مزمن يتطلب معه المريض في أكثر الأوقات إلى أخذ دواء خافض لضغط الدم طول الحياة, وهذا ما يشكل عبئا ماديا على الشخص والأجهزة الصحية. وقد استند الباحثون الأمريكيون في نصائحهم إلى ثمرات أكبر بحث في العالم أجري على مرضى ارتفاع ضغط الدم وتضمنت حوالي 40 ألف مريض وتدعى ALLHAT, وقد عممت نتائجه في شهر نوفمبر 2002 في مجلة JAMA, وأشارت إلى أن متوسط الوفيات أو احتشاء القلب كان متطابقا سواء عولج هؤلاء المرضى بمدر للبول CHLORTHALIDONE أو بأحد مثبطات آيس LISINOPRIL أو بأحد حاصرات الكالسيوم AMLODOPINE. بالرغم من أن هذه الدراسة قد واجهت الكثير من الانتقاد, فإن المحصلة القيمة التي طلعت بها هذه البحث هي أن عقارا موجودا في العالم أجمع, وزهيد الثمن - هو أحد المدرات البولية - يمكن أن يمنح الفائدة المرجوة ذاتها على مدى ست سنوات, كتلك التي تعطيها أدوية حديثة أخرى قد لا تكون متوافرة لكل الناس بسبب ارتفاع ثمنها بالمقارنة مع سعر المدر البولي. وإذا لم تتم التحكم على ضغط الدم بعقار واحد, زاد الدكتور من جرعة هذا العقار إلى الحد الأقصى المباح, أو زاد عقارا آخر. والحقيقة أن أكثر من ثلثي المرضى يستلزمون عقارين أو أكثر للتحكم على ضغط الدم عندهم. ويلح الباحثون الأمريكيون في نصائحهم على أن يكون مدر البول هو أحد هذه العقارات, بل على أن يكون الدواء الأول المستعمل كما نبهنا سابقا. ونصح التقرير الأمريكي بلزوم البدء بعقارين خافضين للضغط عند من كان ضغطه يفوق 160/100 ملم زئبقي. والحقيقة المحزنة أنه برغم كل الارتقاء العلمي في علاج ارتفاع ضغط الدم, والتوعية الصحية, فإن نسبة الذين تمت التحكم على ضغط الدم عندهم بصورة معقولة لم تتخطى 8% في أوربا, و23% في الولايات المتحدة, و8% في مصر وعدد آخر من الدول العربية. و يضع العلم اليوم بين أيدينا مجموعة من الوسائل الاستقصائية الهامة لتشخيص الإصابة بهذا المرض, وتشهد المراكز العلمية تحولات جديدة في إعادة تقييم مفهوم الشخير القابع خلف آفة انقطاع التنفس أثناء النوم.و تنتشر اليوم في معظم المشافي ومراكز أبحاث الأمراض الصدرية مختبرات خاصة لدراسة هذه الظاهرة و تحري أسبابها تدعى بمختبرات النوم. يستغرق إجراء مخططات النوم في هذه المختبرات ليلة" كاملة .
عند إجراء مخططات النوم متعدد المساري يجري ربط الشخص المريض بمسجل تخطيط كهربائي للقلب و الدماغ لدراسة وظائف الأعضاء الحيوية , كما يجرى تخطيط العضلات الكهربائي وحركات مقلة العين والتنفس الفموي الأنفي ويسجل الشخير بميكرفون ويتم تحديد مستوى الإشباع بالأكسجين.
و في نهاية ليلة من التسجيل يقوم الأطباء بترجمة هذه المخططات و إجلاء معانيها و تبلغ العتبة المقبولة لتشخيص توقف التنفس أثناء النوم عند تسجيل انقطاع التنفس لمدة عشر ثواني على الأقل بحيث تتكرر هذه الظاهرة خمس مرات أو أكثر خلال اليوم , يشاهد تباطؤ في دقات القلب يرافق انقطاع التنفس و نقص الأكسجين في الدم ثم يتسرع القلب مع عودة التنفس .
هل من علاج؟
يصاب المرضى بالهلع عند مشاهدتهم أفلاما" هم أبطالها فينتابهم الرعب لما قد ينتظرهم من مخاطر تهدد قلوبهم و ليس لهم من حيلة لتجنب ذلك إلا استخدام الجهاز المصمم من قبل الأطباء الأستراليين الذي يعطي الهواء بضغط مرتفع مما يخفف من ارتخاء العضلات و إغلاقها للمجرى التنفسي . إلا أن مثل هذا الجهاز المانع لتوقف التنفس أثناء النوم لا يزال بعيد المنال عن جيوب الكثيرين لغلاء ثمنه , وليس بحوزة الأطباء علاج رخيص لعلاج المرضى على الرغم من وجود عشرات الطرق المبتكرة لتخفيف المعاناة بدء" من القطرات الأنفية و حتى الأقنعة التي تشابه تلك المستخدمة أيام الحرب ضدّ الغازات السامة و التي تمتص الأصوات الصاخبة.وتلك الأجهزة الإلكترونية الحساسة للأصوات و التي تعطي إنذارات منبهة للنائم أثناء الشخير , ويناضل الأطباء في سبيل تخفيف المعاناة بإجراء جراحات يستأصلون خلالها الزوائد و الكتل الأنفية المانعة للتنفس وتصنيع العضلات المرتخية في البلعوم و شراع الحنك .
و ينصح الأطباء للوقاية من الشخير بعدم تناول المهدئات والكحول قبل النوم كما ينصحون بتخفيف الوزن الذي يحسن من النوم و يخفف من نوب توقف النتفس , ولازالت الدراسات قائمة لإيجاد حلول أنجع في علاج هذه المعضلة .
