المساجد ملأى، وألسنة الناس بالذكر منشغلة، والصدقات من كثرتها تفيض حتى إن أصحابها يحتارون فيمن بقي من الفقراء حتى يعطوه، والأرحام يكثر التواصل بينها، وما أجمل روح المحبة والتسامح التي تسود المسلمين!! صورة رائعة تظهر في المجتمعات العربية والإسلامية كلما حل رمضان، يحسدنا العالم أجمع عليها، لكن هذه الصورة سرعان ما تتبدل وتتغير، بل تنقلب إلى أقصى درجات المخالفة في أول يوم بعد انتهاء هذا الشهر الكريم.. يوم العيد الذي يكون بداية لعودة عجيبة في سرعتها وشكلها إلى ما كان قبل رمضان من حال لدى الكثير من الناس إلا من ثبته الله على الطاعة والخير. فتعود المساجد بعد العمران فارغة، والمصاحف بعد الألفة والصحبة للهجران، وتعود أخلاق الناس إلى ما كانت عليه؛ فتسمع ما لا تحب وترى ما تكره.
نعرف أن الأمر ليس بهذه الدرجة من السوء، ولكن لا يختلف اثنان على أن تغييرًا جوهريا قد حصل.
رمضان.. لماذا لا تستمر نفحاتك؟!!
مصطفى عاشور
يحتل شهر رمضان مكانًا خاصًّا في نفوس المسلمين، فهو شهر الخير والعطاء والقرآن، يأتي فيجد مكانه في القرية والمدينة معًا، يتسارع فيه المسلمون إلى بذل الخير والحرص على أداء العبادات، وصلة الأرحام، ومواساة الفقير، وحسن التعامل، والتخلق بأخلاق الإسلام من صدق وأمانة وكظم غيظ، وبعد عن الثرثرة والغيبة والنميمة، وتمتلئ المساجد بالمسلمين وتلمح بهاء الطاعة ونور الإيمان على الوجوه، غير أن كثيرًا من مظاهر هذا الخير تتوارى بعد انقضاء شهر رمضان، فيعود الناس إلى سالف عهدهم في التعامل مع الحياة بمعطياتها والتقصير في العبادات، وتختفي كثيرًا من مظاهر مواساة الفقير، كأن الفقير لا يُفطن إلى أنه من الأحياء إلا في شهر رمضان، وتذوب كثيرًا من الحدود الفاصلة بين المسلم والذنوب.
وفي هذا التحقيق تتناول مظاهر الخير في رمضان، والعقبات التي تعترض استمرارها، وكيفية التغلب عليها لنجعل من العام كله رمضان حتى ولو في بعض الأمور الضرورية.
من مظاهر الخير في رمضان
تتنوع مظاهر الخير والبر التي يحرص المسلمون فتذهب ليلى خميس (31 سنة) -مدرس مساعد بكلية الألسن- أن مظاهر الخير التي تحرص عليها تتركز في محورين أساسيين، أولهما: العبادة والتي تأخذ شكلاً خاصًّا في رمضان فتحرص على صلاة القيام كل ليلة، وتختم القرآن الكريم أكثر من مرة، أما المحور الثاني فهو السلوكيات والمعاملات وتقول: "فأحب مظاهرها إلى مشاركتي في أعمال الخير تجاه أهل الحاجة، وصلة الأرحام، وزيارة الأقارب ودعوتهم على إفطار جماعي".
أما سامي حبيب (42 عامًا) تاجر – فيقول: "أبرز أنشطتي الخيرية في رمضان إخراج زكاة المال؛ لأن بيوت الفقراء تكون في هذا الشهر محتاجة إلى المساعدة وأستطيع بذلك تنفيس كربة عن المسلمين، إضافة إلى تصريف الزكاة في مصارفها الشرعية، وعلى اعتبار أني تاجر فأنا أبحث عن الثواب الأكبر في إخراج الزكاة في رمضان حيث الحسنات مضاعفة.
ويوافقه في هذا الاتجاه عبد الله عيد (45 سنة) -تاجر- في إخراج الزكاة في رمضان، وحيث إنه يرأس لجنة زكاة فيؤكد "أنه يلحظ زيادة منسوب الإيمان في رمضان، وزيادة فعل الخيرات فتصبح الطاعة محببة إلى النفوس في أي شيء؛ لذلك نجد إقبالاً على المساهمة في "شنطة رمضان" وتوفير أقمشة للعيد، وأنه يسعى من خلال لتحقيق الكفاية لليتيم والمحتاج، وليس سدّ الرمق فقط، فالإحساس بالآخر هو الأساس في فعل الخير.
وتقول أمينة محمد -25 سنة- مدرسة: إنها تساعد في شهر رمضان في جمع الصدقات المادية والعينية لمساعدة المحتاجين، والتواصي مع الآخرين على فعل الخير، وتحث الأولاد في المدرسة على الصلاة، وتنظم مسابقات دينية لهم، وعمل مجلات حائط تُذكّر بشهر رمضان وفضله والمعاني الحقيقية للصيام.
ويقول منتصر الأنصاري -30 عامًا- ماجستير في الاقتصاد: "إن أبرز أنشطته في رمضان هي الاختلاء بالنفس، وذلك من خلال كثرة الجلوس في المسجد من بعد صلاة الفجر حتى الشروق، واعتكاف العشر الأواخر وصلة الأرحام، ومقاطعة برامج التلفاز نهائيًّا، وكظم الغيظ، وضبط النفس.
ويؤكد أسامة عبد القوي -24 سنة- جامعي أنه يحافظ على قراءة ثلاثة أجزاء من القرآن يوميًّا في رمضان، مع مراجعة جزء حفظ خلال الشهر، والتهجد عشرة أيام على الأقل والاعتكاف ثلاثة أيام والتصدق مرة أسبوعيًّا.
لماذا لا نستمر؟
السؤال الذي يفرض نفسه بعد انتهاء شهر رمضان، هو لماذا لا نستمر في فعل الخيرات والطاعات بعد رمضان رغم أننا استطعنا أن نواظب عليها شهرًا كاملاً؟
يقول نبيل صلاح –30 عامًا- مدرس: "لا أستمر في العبادات بنفس المستوى بعد رمضان بسبب الانشغال بالعمل، وانخفاض الروحانيات، كما أن وقت العمل في رمضان يكون أقل من الأيام الأخرى بعد رمضان، مما يعطي فرصة للعبادة وهذا لا يتوافر بعد رمضان".
ويؤكد محمود جاد -40 سنة- مهندس "أن لشهر رمضان روح معينة تدفع الناس إلى فعل الخيرات، غير أن هذه الشحنة تتفرغ بعد رمضان والأصل في المسلم أنه دائم الشحن والتفريغ، فالحالة الروحانية والبيئة المحيطة وروحانيات رمضان تغيب، ولعل هذا هو سبب قلة وضعف مظاهر الخير بعد رمضان.. كما أن الانشغال بالحياة يقفز على الروح المتوثبة التي كانت في رمضان".
أما منتصر الأنصاري فيرى أن السبب هو كثرة الانشغالات واللهث وراء متطلبات الحياة، كما أن انتهاء الجو الإيماني المحفز على فعل الخير في رمضان هو السبب الحقيقي وراء ضعف مظاهر الخير بعد رمضان إضافة إلى ضيق الوقت وضعف العزيمة.
وتذهب ليلى خميس إلى أن شهر رمضان له خصوصية، وفضله من الناحية الدينية والروحانية كبير، واستدلت بما جاء في كتاب "مختصر منهاج القاصدين" عن شهر رمضان إنه قهر لعدو الله؛ لأن وسيلة العدو الشهوات وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب، وما دامت أرض الشهوات مخصبة فالشياطين يترددون إلى ذلك المرعى، وبترك الشهوات تضيق عليهم المسالك.
وأكدت أنها لا تشغل نفسها في رمضان إلا بالعبادة ويعطيها الصيام متسعًا من الوقت يمكنها من قراءة القرآن أكثر من مرة ولا يتوافر ذلك بعد رمضان.
أما سامي حبيب فيقول: إن الحياة تأخذ الإنسان بعيدًا بعد رمضان، ومشاكل العملاء تعكّر صفو النفس، ورغم ذلك فهناك بعض الأعمال الخيرية الثابتة التي أحافظ عليها مثل كفالة الطفل اليتيم، وأتمنى ألا نعطي الفقير أموالاً فقط، بل نساعده على العمل والإنتاج كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين قال للرجل السائل: "اذهب واحتطب".
وتؤكد أم سندس -27 سنة- مديرة حضانة أن أسباب قلة مظاهر الخير ترجع إلى الشياطين ووسوستها؛ لأنها كانت مصفدة في رمضان، لكنها تتحرر بعده، إضافة إلى ما يعتري النفس من كسل ومشاغل الأسرة والعمل.
عقبات يمكن تجاوزها
يؤكد محمود جاد أن حسن الصلة بالله أهم نقطة في استمرار الخير بعد رمضان؛ لأن ربّ رمضان هو ربّ جميع الشهور، فالاقتراب من الله يدفع الإنسان إلى الاستمرار في الخير، ولي تجربة مع شخص أعرفه بدأ في الصلاة في رمضان منذ عام، ولم يترك صلاة فجر حتى الآن، وأؤكد أن التردد ليس من صفات المؤمنين، كما أن التردد يدل على عدم عمق الصلة بالله، فالأساس هنا هو ربط الإنسان بربه قبل ربطه بشهر معين.
ويطرح نبيل صلاح فكرة التنسيق بين أوقات العمل وبين الأوقات المخصصة للعبادة حتى يستمر المسلم في فعل الخير، ويؤكد ضرورة اعتبار العبادة أمرًا لا بد من تأديته مهما كانت الظروف، كذلك من الضروري أن ينتقي المسلم من العبادة أمسها وأقربها لنفسه مع إشراك أسرته في العبادة وأعمال الخير؛ حتى يجد الشخص من يعينه في بيته، وعدم ربط العبادات بمواسم معينة.
أما عبد الله عيد فيدعو إلى ضرورة توعية الناس بأهمية وضرورة الاستمرار في الخير بعد رمضان ويقول: "والناس من خلال تجربتي فيها خير كثير والتذكرة ضرورية لإيقاظ الإيمان، ويؤكد أن خطيب الجمعة لا يعطي لفعل الخير وحثِّ الناس عليه نصيبًا ذا أهمية في خطبته، فينعكس ذلك على حجم الخير في المجتمع، فكل مزكٍّ عندما يقابل ويرشد ويوعى فإن الخير سيزداد، ومن عجيب ما رأيت من الخطباء أنني طلبت من أحدهم أن يحض الناس على التبرع للجنة الزكاة، ومشروع كفالة الطفل اليتيم فقال لي: كفاية على الناس كده.. فاستغربت من إجابته لهذا فمن الضروري احتكاك الداعية والخطيب بجوانب الخير ومشاريع البر في المجتمع؛ حتى يطلع عن قرب عن حاجة المجتمع لفعل الخير حتى ولو بالمساهمة بالقليل فالخطيب مصدر هام للتوعية، وقادر على تفريغ شحنة الناس عن يقين وإيمان ودفعهم للخير.
ويؤكد عبد الله أنه قام بمساهمة بعض الميسورين بالتفكير والبدء في اتخاذ خطوات عملية لإنشاء مشروع للجنة الزكاة يعود بالخير على المجتمع وبدخل ثابت للفقير والمحتاج، وبالتالي لا يكون عمل الخير في انتظار ما تجود به الناس فقط، ونستطيع بذلك تجاوز مراحل الجفاف التي تواجه مسيرة الخير بالمجتمع، وكما تقول الحكمة: "أعطني سنارة ولا تعطني سمكة" كما أنه من الضروري العمل على أن يستغني الفقير عن لجنة الزكاة من خلال توفير مشروع له يسترزق منه.
أما أمينة محمد فتدعو إلى التخطيط السليم والدقيق للتغلب على العقبات التي تعترض مسيرة استمرار الخير بعد رمضان، وتقول: فمثلاً ضيق الوقت من الممكن أن نتغلب عليه بتجهيز بعض الأعمال في فترات الإجازات، وبالنسبة للعامل المادي نستطيع أن نتحرك في حدود ظروفنا، أما الإعراض والسخرية فنواجهها بأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم.
وتطالب أم سندس باستحضار الإيمان والمراقبة كسبيل للاستمرار في الخير بعد رمضان عن طريق القراءة وسماع دروس العلم، مع تنظيم الوقت، والاستعانة بالكتب التي تعرفنا كيفية إدارة الوقت، وتحديد أولويات اليوم الواحد وتنظيمها، والاستفادة من خبرات الآخرين في أمور المطبخ والأولاد.
ويدعو منتصر الأنصاري إلى التغلب على العقبات التي تعترض استمرار الخير بعد رمضان بإشاعة روح الالتزام والتقوى في المجتمع مثل التي كانت في رمضان من خلال تفعيل دور المسجد في الحياة في باقي شهور السنة، وألا يقتصر دور المسجد التنويري على شهر رمضان فقط.
لماذا لا يستمر رمضان معنا بعد انتهاء أيامه؟
عادل الإقليعي
تحتاج الأمة من حين لآخر إلى من يذكرها بحقيقة دينها، وتحتاج كذلك إلى وقفات متأنية تكون فرصة حقيقية للمراجعة والتصويب والبناء لمفهوم الناس لقيم دينية وسلوكياتهم تجاهها.
فللأسف الشديد قد أصيب السلوك الإسلامي بنوع من الاستهتار، فتحولت العبادة من عبادة إلى عادة، ولا شك أن لهذا التحول آفات جمة على مستوى تدين الكثيرين ممن ينتمون إلى الإسلام.
ولعل ظاهرة انقطاع كثير من الناس عن فعل الخيرات بعد رمضان وتوليهم عن أداء الفرائض، تفرض علينا الوقوف معها وقفة خاصة لمحاولة سبر أسباب الظاهرة ومظاهرها ونتائجها؛ لذلك قمنا بهذا التحقيق الميداني مع كثير من الدعاة والمدعوين كمحاولة لوضع الإصبع على مكمن الداء.
أفضلية شهر رمضان
إن شهر رمضان مدرسة تربوية عطرة وشاملة، وهو ربيع الشهور؛ حيث تتعدد فيه مظاهر إقبال الناس على الخير، من التزام الطاعات وألوان البر، وصلة الأرحام، وغيرها الكثير من سمات الطهارة التي تغلب على الأمة في هذا الشهر الفضيل.
فلماذا ينقطع الناس عن هذه الأعمال والصدقات بعد رمضان؟
تقول الشابتان نوال وإلهام: "الناس يعتقدون أن الأجر والثواب والمغفرة تكون فقط في رمضان؛ لذلك فإنهم يضاعفون من أعمال البر والصدقات في هذا الشهر، وينقطعون عنها بانتهائه؛ فما قاموا به سيكفر عنهم ما سيتهاونون فيه في الأيام المقبلة!".
ويضيف الشاب مصطفى الجعدي: "غالب الناس لم يدركوا الغاية العظمى من صيام رمضان؛ فيقزِّمون مقاصد الصوم في مقاصد صحية واجتماعية وعلمية، ونسوا أن أعظم مقصد هو التقوى (لعلكم تتقون)، وهذه التقوى لا ترتبط بشهر رمضان فقط، إنما يكون رمضان مناسبة للبداية فقط".
هذا واقع كثير من الشعوب العربية والإسلامية بعد رمضان؛ فمن يتحمل مسؤولية تفشي هذه الظاهرة؟
للإعلام نصيب في انتشار الظاهرة
يقول الأستاذ عبد السلام حنون: "للأسف الشديد لا تختلف وسائل الإعلام السمعية والبصرية عن الشارع؛ فالكل يتباهى بالفاحشة لكن بألوان وأشكال، هم سموها فنًّا ونحن نسميها عفنا نتنا؛ فحتى ما يعرضون من برامج دينية على قلتها تكون بعيدة كل البعد عن واقع الناس ومشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية".
وفي هذا السياق نفسه تُحمل الطالبة نجوى المسؤولية لوسائل الإعلام؛ لأنها لا تعالج القضايا الدينية والاجتماعية إلا في رمضان، وتحصرها في ثلاثين يوما، كما لو أنها اتفاقية عمل محدود، بل وتخصص لها ركنا في زاوية المهملات يعرض في أوقات غير مناسبة، نكون إما في الدراسة أو العمل.. إن أحد أهم مقاصد هذه الهيئة العمل من أجل الانفتاح الفقهي بين المذاهب الإسلامية على مستوى الدراسة والاجتهاد، ومن أجل ذلك ستعمل "هيئة قضايا الوحدة" على أن تعنى كليات الشريعة ومعاهد الدراسات العليا في العالم الإسلامي بالتدريس الجاد لكل المذاهب على قاعدة أصول الفقه المقارن، وكذلك تشجيع كل ما يمكن أن يؤدي إلى تعميق أواصر الوحدة والشعور بالانتماء وإلى اكتشاف المسلم الآخر وقبوله كما هو ومحاورته من منطلقات مشتركة بين الجميع. في حين أن الأوقات التي تكون فيها كل العائلات مجتمعة يعرضون عليهم المسلسلات الضاحكة الفارغة من أي معنى.
إن هذه السيادة القانونية على الأقلية المسلمة المعارضة في كثير من محطاتها لضميرها الديني والتزامها العقدي تمثل وضعا خاصا لهذه الأقلية من بين أوضاع عامة المسلمين، فالمسلم وضعه الأصلي أن يكون خاضعا لسيادة القانون الإسلامي، والتكاليف الدينية التي كلف بها إنما كلف بها باعتباره يعيش تحت سيادة ذلك القانون، إذ تلك التكاليف هي -في أغلبها- ذات بعد جماعي كما هي الطبيعة الجماعية للدين الإسلامي، فإذا ما وجد المسلم نفسه ضمن مجموعة من المسلمين هي تلك الأقلية موضوع البحث، ووجد أنه ملزم بأن يكون تحت سيادة غير سيادة القانون الإسلامي الذي هو الوضع الطبيعي لتنظيم حياته الجماعية، فإنه سيجد نفسه لا محالة في تناقض بين واقعه وبين مقتضيات هويته الجماعية، وهو ما يمثل ظرفا خاصا في حياة الأقلية المسلمة بالبلاد الغربية على وجه الخصوص يقتضي أن يؤخذ بعين الاعتبار في الاجتهاد الفقهي في شؤونها. إن عدم ترشيد وسائل الإعلام يُعتبر من أهم أسباب جهل الناس برمضان وما بعده، والناس يتأثرون بما يعرض عليهم في الشاشات الصغيرة، تقول الآنسة أبحون نزهة: "وسائل الإعلام في رمضان تلتزم في شكلها بتقديم برامج دينية؛ فمثلا القناة الثانية المغربية في رمضان ترفع أذان صلاة المغرب فقط وبعده تترك ذلك.. ماذا يعني هذا بالنسبة للبسطاء؟.. إن الناس يقلدون ويتبعون فقط".
غفلات الدعاة في التوجيه والإرشاد
يقول السيد بابا ميلود: "المسؤولية الكبيرة فيما يحدث من تراجع الناس عن الاستمرار في الطاعات يرجع إلى نوعية خطاب الدعاة والخطباء والوعاظ؛ فهم يركزون اهتمامهم فقط بالمدة الرمضانية؛ ولا يثيرون اهتمامات الناس إلى ما بعد رمضان الذي هو الأساس، حتى يعتقد الناس –من غير قصد- أن العبادة مرتبطة فقط بشهر الصيام؛ بحيث يركز بعض الدعاة على المقولة التي أصبحت خارقة [الذي لا يصلي صومه لا يقبل]، ولكن نتيجة هذه التوعية أن الناس يتركون الصلاة بعد رمضان".
وتضيف الفتاة نوال -طالبة-: "لقد حضرت لمحاضرة دينية هذه الأيام، وكان كلام المحاضر كله حول 30 يوما من رمضان: قراءة القرآن في رمضان، التراويح في رمضان، الصدقات في رمضان، غض البصر في رمضان، ولكن أن نحافظ على هذه الأعمال بعد رمضان فهذا لم يتطرق إليه، مع أنها بالأهمية بمكان، وكذلك شأن القائمين على المساجد لا يقومون بدورهم التوجيهي كما يجب؛ فأنا أندم أحيانا على دخولي المسجد الخاص بالنساء حيث تجد الصفوف في الصلاة معوجة وكثرة اللغو أثناء الدرس وبعده".
وفي هذا السياق يعلق الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني على مثل هذه الغفلات قائلا: "غفلة بعض الدعاة عن الإفادة من السنن الربانية الثابتة في حياة الدعوات، أو ضعف تعاملهم معها.. هو ما أوقع كثيرا منهم في التخبط والاستعجال للنتائج من جهة، وفي اليأس والقنوط من جهة أخرى، كما ترك أثرا كبيرا في بناء الدعوات المعاصرة وحركتها، وأخّرها عن الوصول إلى أهدافها".
ويضيف قائلا: "وجود الأخطاء الدعوية أمر طبيعي؛ نظرًا للضعف البشري وقصوره، ولكن المستنكر في ذلك تكرار الخطأ وعدم الإفادة من التجارب السابقة.. فكم من أخطاء دعوية تتكرر من زمن إلى آخر أو في موطن بعد آخر دون تحرز منها. وقد جاء في الحديث الشريف الذي رواه البخاري في صحيحه: [لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين]". فاغتنام رمضان وأجوائه الإيمانية على أحسن وجه لا محالة سيكون له بالغ الأثر في استقامة الناس حتى بعد رمضان.
ومن العيوب التي يقع فيها بعض الدعاة أن يتحدث عن أشياء بعيدة كل البعد عن أفهام الناس. تقول الداعية المغربية فاطمة حبشي: "النساء اللائي التقيتهن منهن أستاذات في الدعوة، لا أزن تراب أرجلهن بالنسبة للعلم الذي كسبنه، ولكن الجمهور الذي يستمع إليهن كثير منه ينفر من كلامهن، وهو كلام علم، وأجده يقبل على داعيات يخاطبن القلوب قبل العقول".
وتضيف: "نحن الآن في ظرف، الناس في خصام مع الله تعالى ونحن نتحدث أحيانا في المثاليات وفي أمور جافة وبعيدة عن واقع الناس.. فدوري هو أن أعيد هذه القلوب إلى دورة التقوى، فحينما يسري فيها التيار يأتي دور العالم والفقيه والأصولي والمحدث".
الفراغ وضياع الغاية: "نحن أمة لا تقدر قيمة الوقت، بل شائع عندنا ظواهر في قتل الوقت كما يحلو للبعض أن يسميه، ونحتج على تكاسلنا أو جهلنا بالقول ليس لدي الوقت، وفي رمضان في ظل ضعف الأداء الإعلامي وقوة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية يمر الوقت بسرعة في آلاف الأحداث والمشاهد التافهة الضائعة".
يقول الطالب جواد مزوارة: "من بين أسباب ضعف الالتزام بعد رمضان أن الناس ألفوا الراحة والفوضى في غير رمضان.. وعندما يدخل هذا الشهر المعظم تكون الأجواء مناسبة لهؤلاء أن ينظموا أوقاتهم كضبط مواعيد الإفطار والسحور والإمساك".
ويضيف زميله الصديق العسلة: "بعد رمضان تطلق الشياطين من أغلالها، وتغلق المساجد بعد كل صلاة، وتقل الدروس والمحاضرات، وتغيب البرامج الدينية التي كانت تعرض عبر القنوات الفضائية.. فبتغير هذه الأجواء تعود حليمة لعادتها القديمة، وهي الكسل والتهاون؛ فهذا الفراغ الذي يكون سببا في الانحراف، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قصة مراودة امرأة العزيز لنبي الله يوسف: {وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين}، هذا الفراغ سببه ضياع الغاية؛ حيث إن هناك أناسا كثيرين وخاصة من الشباب لا يعلمون ماذا يريدون في هذه الحياة، ولسان حالهم يقول: نأكل ونشرب ونعمل ونتزوج وهكذا…".
ويرجع الأستاذ الداعية عمرو خالد في سلسلته "كلام من القلب" الأسباب التي تجعل الشباب لا يحسون بالمسؤولية أو لا يريدون أن يتحملوها: "لدينا مجموعة نقاط محددة سبب لعدم وجود أهداف في الحياة ذكرتموها أنتم، وهي: ضعف الهمة، وفقدان الثقة في النفس، وغياب القدوة، وفقدان الطموح بسبب الوساطة".
ويعقب قائلا: "فكل هذه لا يصح أن تكون مبررات تريح ضمير أي شاب من الشباب يبرر بها حياته بدون أهداف أو طموح، دعونا نضع في حياتنا غاية كبرى اسمها إرضاء الله عز وجل تتفرع منها أشياء أخرى كثيرة، وأنصحك أن تدخل غرفتك وأمسك بورقة وقلم، واكتب أهدافك في الحياة. فمن العيب أن تعيش وتموت وأنت لا تعرف ماذا تريد في الحياة!".
فجدير بكل مسلم يخاف الله تعالى أن يقف مع نفسه بعد هذا الشهر العظيم يحاسبها قبل أن تحاسب: هل تخرجنا منه بوسام التقوى؟ هل ربينا أنفسنا على الجهاد والمجاهدة وفعل الخيرات لتبقى معنا ما بقينا أم تنتهي بانتهاء رمضان؟ فها نحن قد ودعنا رمضان المبارك بأيامه الجميلة ولياليه العطرة الفواحة بالروحانيات، ودعناه ومضى ولا ندري هل سندركه في العام المقبل أم لا؟
الدعاة يتحملون مسئولية هجر المساجد بعد رمضان!!
محمد ياسين
ما إن ينتهي شهر رمضان المبارك حتى تعود المساجد تشكو إلى الله هجر المصلين لها، وتئن المصاحف من تراكم الغبار على أغلفتها؛ فيهجر كثير من المصلين المساجد التي امتلأت بهم في أيام رمضان، مكتفين بأداء الصلاة في البيوت أو في أماكن العمل، وبعضهم يترك الصلاة، وكأنها فرضت في شهر رمضان فقط.
ثم تمظهر في مؤسسة متخصصة متفرغة لهذا الشأن هي دار التقريب بين المذاهب الإسلامية التي شكلها في القاهرة نخبة من الفقهاء والباحثين من الشيعة والسنة، ورعاها الأزهر من جهة، والمرجع الديني الشيعي الكبير السيد البروجردي من جهة أخرى، كما تمظهر في العلاقات التي أرساها الشيخ المرحوم حسن البنا مع علماء ومفكري الشيعة في تلك المرحلة. وربما يعود الناس إلى ما كانوا عليه من قطع للأرحام، وقلة الصدقات، وهجر للقرآن الكريم، والكثير من أعمال البر التي تظهر في الشهر الفضيل.
ويقول الشاب محمد برغوت: "إن الأمر مرتبط بمدى رسوخ العقيدة في نفوس الناس؛ فالإنسان المؤمن يحافظ على الصلاة طيلة العام ويجتهد في رمضان، أما الإنسان المقصر فيحافظ على الصلاة في رمضان أكثر من غيره من الشهور"، موضحا أن شهر رمضان يرفع الهمم، ويقوي العزائم.
ويضيف: "في شهر رمضان تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران وتصفد الشياطين؛ لذا يقبل الناس على الطاعات والعبادات أملا في الفوز بالجنة ونعيمها"، وقال: "إن الناس تعتبر رمضان نهرًا تغتسل فيه من الذنوب".
أمر طبيعي
ويرى د.سالم سلامة عميد كلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية بغزة: أن هجران المصلين للمساجد بعد رمضان هو أمر طبيعي، مرجعه طبيعة البشر الذين يقبلون على الخير إذا كان فيه مرغبات ومقبلات، وهذا ما يجدونه في شهر رمضان من أجر عظيم من الله عز وجل.
ويشير د.سلامة إلى وجود بعض التقصير من قبل الدعاة فيقول: "لا يستطيع أحد أن يقول بأنني قمت بالواجب كاملا؛ فكل ابن آدم يقصر ويخطئ ويستلهم الرشد من الله عز وجل".
ويضيف: "في رمضان نجد الدعاة يكثرون من إعطاء الدروس والنصائح والتوجيهات أكثر من بقية شهور السنة الأخرى، ولو استمروا على ما هم عليه لكان الأمر أفضل بكثير مما هم عليه الآن".
ووجه سلامة دعوة لدعاة المسلمين ليكثفوا من العمل في كافة شهور السنة كي يحثوا الناس على تواصل عمل الصالحات وصلة الأرحام، وأضاف: "يجب أن يعلم المسلمون أن هناك الكثير من المحطات الإيمانية غير رمضان؛ فهناك الأيام الستة من شوال، ثم العشرة الأولى من ذي الحجة ثم العاشر من محرم... وهكذا.
يحفل بالمرغبات
فيما أشار أبو يحيى النديم أحد خطباء مدينة غزة إلى أن رمضان شهر مميز يحفل بالمرغبات التي تدفع الناس للعبادة وتقربهم للطاعة؛ فالصوم امتناع عن الطعام والشراب، وأن هذا الأمر يضعف الشهوة في الإنسان ويقوي الجانب الإيماني لديه فيجتهد في العبادة والطاعة"، وأضاف: "إن كثرة الطعام والشراب في غير رمضان تؤدي إلى الكسل والفتور في العبادات والطاعات".
وتابع النديم قوله: "رمضان موسم تتضاعف فيه الأجور؛ لذا ينشط الناس في أعمال الخير والبر، أما في غيره من الشهور فيصاب الناس بالفتور بسبب انشغالهم بالأمور الدنيوية وانغماسهم في شهوات البطن والفرج".
أين الدعاة!!
فيما ألقى بكر حسان مؤذن مسجد الإمام الشافعي باللوم على الدعاة في نكوص الناس عن العبادة بعد شهر رمضان متهما إياهم بالتقصير في مجال دعوة الناس إلى مواصلة أعمال البر والخير في باقي شهور السنة، وقال: "الدعاة ينشطون في شهر رمضان فقط لدعوة الناس وحثهم على أعمال البر والخير ويغفلون عن ذلك في غيره من الشهور ويغطون في سبات عميق"، مطالبا الدعاة باستغلال مواسم الخير الأخرى إلى جانب شهر رمضان، مشيرًا بذلك إلى أيام الجمع التي فيها خير كثير.
وأضاف حسان بنبرة حزينة: "يقع أيضا جزء من المسئولية على المسلمين، فلو تابع كل واحد منا جاره المقصر أو أخاه أو صديقه وحثه على مواصلة الصلاة بعد رمضان فإن الأمر سيكون مختلفا تماما"، مؤكدا على ضرورة ارتقاء الدعاة بأدائهم وعدم الاعتماد على الأساليب النمطية والتقليدية في الدعوة إلى الله، فالعصر تغير كما يقول.
واتفق الشاب أسامة السيلاوي مع سابقه في اتهام الدعاة بالتقصير، وعدم القيام بالدور المطلوب منهم على أكمل وجه، مشيرا إلى أهمية دور وسائل الإعلام في توجيه الناس نحو الخير أو الشر، وقال: "يجب على وسائل الإعلام أن تدعم الاتجاهات الدينية لدى الناس في كل السنة، وليس بث برامج دينية قليلة في شهر رمضان وغيره لذر الرماد في العيون".
رمز للدين!!
فيما رأى محمود حبوش طالب جامعي أن شهر رمضان أصبح لدى المسلمين رمزا للدين والصلاة، ولكن بصورة شكلية فقط، مضيفا: "بعض الناس يصلي ويصوم ويقوم الليل ثم يتابع المسلسلات والأفلام ويستمع إلى الأغاني"، محملا وسائل الإعلام مسئولية جهل المسلمين بحقيقة دينهم، وقال "لو اختفت وسائل الإعلام المرئية لصلح حال المسلمين دينيا".
وحول انقطاع بعض المسلمين عن مواصلة أعمال البر بعد رمضان قال حبوش: "هذا الأمر يتوقف على شخصية المسلم، فبعض الناس محافظون على العبادات في غير رمضان، ولكنهم يزيدون في رمضان من تقربهم إلى الله بالعبادات والطاعات، وبعضهم لديه الحافز الديني في نفسه، وبعضهم يماشي المجتمع الذي يصوم ويصلى في رمضان، وهناك من يعتبره عادة شخصية لديه خاصة الإقلال من النميمة وصلة الرحم".
وأكمل حبوش حديثه عن الصدقات التي تكثر في رمضان: "الصدقة لا تأتي إلا من المقتدر، والمقتدرون يجدون في شهر رمضان فرصة للتصدق حيث يكون الأجر مضاعفا؛ لذا يكونون أكثر عطاء في رمضان، وأعتقد أن الناس المقتدرين على التصدق لا يزيدون في رمضان، ولكنهم يكثرون العطاء احتسابا للأجر"، مشيرا إلى أن رمزية رمضان أصبحت تطغى على كل شيء لدرجة أن بعض الناس يعتقدون أن الله يراقبهم في رمضان فقط - حسب قوله.
أما الشاب محمد صالح الحافظ لكتاب الله فيقول: "ليس كل الناس يتوقفون عن أعمال البر والخير بعد رمضان" ، مشيرا إلى أن بعض الناس يعتقدون أن الصلاة والزكاة والصدقة فقط في رمضان، موضحا أن هؤلاء يجهلون أن رب رمضان هو رب كل الشهور.
الانقطاع بعد رمضان.. لماذا؟!
سامر خويرة
في رمضان تغص المساجد بالمصلين في أوقات الصلاة الخمسة، خاصة في صلاة الفجر والتراويح، ويقبل الناس على قراءة القرآن، ويختمونه عدة مرات خلال الشهر، وتزداد الدروس والمواعظ، وتكثر الزيارات بين الأقارب وصلة الأرحام، وتجمع الزكاة وتوزع على الفقراء والمحتاجين، ويسود جو من الألفة والتسامح بين الناس.. صورة رائعة تظهر في المجتمعات العربية والإسلامية، يحسدنا العالم أجمع عليها، لكن هذه الصورة سرعان ما تتبدل وتتغير بل تنقلب إلى أقصى درجات المخالفة في أول يوم بعد انتهاء هذا الشهر الكريم (يوم العيد)، الذي يكون بداية لعودة عجيبة في سرعتها وشكلها إلى ما كان قبل رمضان من حال لدى الكثير من الناس إلا من ثبته الله على الطاعة والخير. فتعود المساجد بعد العمران فارغة، والمصاحف بعد الألفة والصحبة للهجران، وتعود أخلاق الناس إلى ما كانت عليه، فتسمع ما لا تحب، وترى ما تكره.
أنا أعرف أن الأمر ليس بهذه الدرجة من السوء، ولكن لا يختلف اثنان على أن تغييرًا جوهريا قد حصل.
شهر مميز بكافة المقاييس
ولمعرفة أسباب هذا التغيير الذي طرأ على حياة الناس وخاصة من الناحية الدينية، قمنا بطرح السؤال التالي على عدد من الأشخاص من مختلف الفئات ومن الجنسين أيضا: لماذا تمتلئ المساجد في رمضان بالمصلين وبقارئي القرآن ولا نشاهد هذه الصورة بعد رمضان؟!
يقول وجدي العامر –21 عاما، طالب جامعي-: إن لرمضان سحرًا وميزة عن بقية الأشهر، وهو موسم للعبادة يجب استغلاله جيدا؛ فالشياطين تصفد كما قال رسول الله في الحديث الشريف، ويكون الأجر مضاعفا لسبعين ضعفا عما سواه، وفي بقية الأشهر تصول الشياطين وتجول.
ويتابع: كما أن السحور يلعب دورا كبيرا بامتلاء المساجد بالمصلين في صلاة الفجر، ولا يوجد سحور في الأشهر الأخرى.
ويشارك يوسف مزهر  -36 عاما، موظف في مؤسسة خاصة- الرأي بأن لرمضان جوًّا خاصًّا يميزه عن باقي الأشهر؛ فالاستعدادات التي تسبق رمضان والجو العام الذي يكون خلاله يساعد الإنسان على التزام بالعبادات.
ويضيف يوسف أن قدوم العيد مباشرة بعد رمضان يلعب دورا في انشغال الناس عن العبادات، حيث إنه ومن الساعات الأولى لأول أيام العيد تظهر الكثير من الأمور التي تلهي الناس وتنسيهم ما كانوا عليه قبل يوم واحد فقط، فزيارة المقابر بعد صلاة العيد ومن ثم يستريحون قليلا لتبدأ بعدها جولة قد تستمر لأيام في زيارة الأقارب والأهل وخاصة الذين يقطنون في أماكن بعيدة، ومع كل ما ذكر من أسباب إلا أنها لا تشكل ذريعة مقنعة للتخاذل والقعود عن العبادات.
وترى أم ياسر الحمد – ربة بيت- إن الإعلام يلعب دورا كبيرا في اهتمام الناس برمضان، حيث تتسابق المحطات الفضائية والمحلية على عرض البرامج التي تجذب انتباه المشاهدين، وتشعرهم بالشهر الفضيل، وخاصة البرامج الدينية ونقل صلاة التراويح مباشرة من المساجد، وكذلك الدروس والمسلسلات التاريخية، ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فتقول أم ياسر: إن هناك عشرات البرامج التي تهتم بالطعام والموائد في رمضان؛ بحيث لا تكاد تخلو محطة تليفزيونية من برنامج يقدم أشهى المأكولات والمشروبات، ويقدمه أشهر الفنانين والفنانات.
وما إن ينتهي الشهر الفضيل حتى تعود المحطات إلى سابق عهدها، وبالتالي تجبر المشاهد على العودة معها إلى ما كان عليه قبل رمضان.
المنقطعون قسمان
ويقسّم الدكتور غسان بدران المحاضر في كلية الشريعة بجامعة النجاح مَن ينقطع بعد رمضان إلى فئتين رئيسيتين:
1- انقطاع جزئي: هم فئة من الناس يصلون ويترددون على المساجد، ويقومون ببعض العبادات بصورة متقطعة، يزداد اجتهادهم في رمضان، وما يلبثون أن يعودوا لوضعهم السابق فور انتهاء الشهر الكريم.
2- انقطاع كلي: هم الأشخاص الذين لم يكونوا يصلون قبل رمضان، وخلال الشهر ولأسباب عدة يترددون على المساجد "قد تكون مجاملة للناس"، وبعده أيضا لا يصلون.
والأشخاص من الفئة الثانية قد تستمر عباداتهم بعد رمضان، إما بصورة خفيفة، وإما أن يكون رمضان سببا في هدايتهم وتوبتهم، وهذا ما نتمناه جميعا.
ويقول د. بدران: إن وجود هذه الفئات يعتبر حجة على الإنسان؛ فهو عندما نوى أن يصلي في رمضان قام بذلك، علما بأنه لم يكن يصلي قبله، وبعده توقف عن الصلاة، وبدأ يسوق المبررات الواهية عن سبب توقفه، وهذا دليل على أن الإنسان يملك القدرة، والدافع على القيام بما فرضه الله عليه؛ فالله لا يطلب من الإنسان فعل ما لا يستطيع القيام به.. يقول الله تعالى: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"، وهذه الآية نزلت في الصيام تحديدا.
فعلى الرغم من أن في تاريخنا شخصيات كبيرة استطاعت أن تقوم بالدورين من أمثال ابن سيرين والحسن البصري وعبد الرحمن بن الجوزي والشهرستاني (صاحب الملل والنحل) وابن السمعاني، فإن هؤلاء العلماء المتقنين هم قلة قليلة بالنسبة لمن اشتهر بالجمع بين العلم والوعظ، ذلك أن بصمات هؤلاء الوعاظ/العلماء ـ باستثناء أمثال من ذكرنا أسماءهم ـ على تطوير العلوم الإسلامية وتقدمها محدود للغاية، فالنجاح في دورٍ عادة يهمش أو يقلل من الإبداع في الدور الآخر كلما اجتمعا في شخص واحد. فلا يجب على الإنسان أن يوقت نفسه كالساعة على رمضان "سأفعل"، وبعدها يوقت نفسه مجددا على أن يترك "لن أفعل والمبرر جاهز"، ودليل ذلك أنه يتكرر في كل عام.
ويرجع د. بدران أسباب ظهور هذه الفئات إلى ما يلي:
أ. الفهم الخاطئ للعبادات، وبالتالي ضعف الإيمان: فهناك من يعتقد أن رمضان موسم يجب استغلاله كالمواسم التجارية، ممكن أن يعملوا خلالها، ويجمعون الأموال لبقية الأشهر التي لا عمل فيها، وهذا تصور غير صحيح؛ فالصلاة في غير رمضان فرض على المسلم كما هي في رمضان، وتركهم لها لا يعني سقوطها عنهم.
ب. الجو العام الذي يسود المجتمع خلال رمضان: سواء في البيوت والمدارس والجامعات والمؤسسات ووسائل الإعلام، وكذلك في المساجد ودور العبادة والأسواق؛ فالناس قبل رمضان بأشهر يقومون بالتهيؤ له، ويستعدون لاستقباله؛ فتمتلئ الأسواق بالرواد، وتقوم المؤسسات والمدارس والهيئات الحكومية والخاصة بوضع ترتيبات خاصة للشهر، وتروج وسائل الإعلام لبرامجها خلال الشهر، وتتنافس في تقديم الجديد والمميز، كما أن أوقات الدوام تتغير في رمضان، وتكثر الإجازات والحوافز التشجيعية، كل هذا المظاهر لا تلبث أن تنتهي بعد رمضان؛ وهو ما يعطي انطباعا لدى الناس بضرورة استغلال الشهر من كافة الجوانب الدينية منها والحياتية.
الإنسان يتأثر
ويرى الدكتور ماهر أبو زنط رئيس قسم علم النفس في جامعة النجاح الوطنية أن الإنسان بطيعته يميل للعمل الجماعي؛ إما للتقليد وإما لمجاملة الناس، وهو ما نسيمه "الالتزام الاجتماعي"، هناك بعض الأشخاص الذين لا يصلون في الأيام العادية، إلا أنهم يذهبون لصلاة الجمعة، وذات الأمر ينطبق في رمضان؛ فالذي لم يكن يصلي يرى الناس يصلون ويقرءون القرآن ويتوجهون للمساجد؛ فهناك من يتحرك عندهم الدافع الديني، ويظهر نوع من الخجل من الناس، وآخرون يتوبون، ويعودون لله بصورة فعلية، ويستمرون في العبادات بعد رمضان.
كما أن الإنسان يتأثر بصورة كبيرة بالمحيطين به؛ فالطقوس الدينية والعادات والتقاليد الخاصة برمضان تسيطر على الإنسان، وتجعل التقرب لله يزداد، وتجعله وبصورة عفوية يسلك سلوكا متدينا، وإن اختفى أو قل هذا الالتزام، إلا أننا لا يمكن أن نسميه انقطاعا فهناك من يستمر بأداء الصلوات وقراءة القرآن بعد رمضان، ولكن لا يذهب للمسجد بل يصلي في البيت.
ما العمل؟
وإن أردنا القضاء على هذا الظاهرة –إن صح التعبير- خاصة أنها تتكرر في كل عام، فلا يجب أن ننسى أن الإنسان بحد ذاته تقع على عاتقه المسؤولية الأولى "فردية"، بصفته من يقوم بالفعل ومن يتركه بعد ذلك، ومهما كانت الأعذار فهي بالإجماع غير مقبولة؛ لأن العبادة غير مقتصرة على رمضان؛ حيث يعقل أن يكون شهر رمضان بداية العودة وليس نهايتها، وتشجيع للزيادة في الطاعات والعبادات، وليس موسما ينتهي مع دخول أول أيام العيد.
وكما تقع المسؤولية على أئمة المساجد والدعاة، خاصة أن المسجد في رمضان يغص بالمصلين ومن كافة الشرائح الاجتماعية -ومن ضمنهم طبعا من نقصدهم في مقالنا هذا- فيحسن بالإمام استغلال هذا العدد الكبير الذي يصعب جمعه في غير أيام رمضان، فاعمل أخي الداعية على ربط الناس بالمسجد وبرمضان بأسلوب جميل وبلغة بسيطة سهلة، من غير تشديد عليهم وزجرهم وتخويفهم بما قد يأتي بنتائج سلبية لا مبرر لها.
وللأسف هناك بعض الدعاة والأئمة لا يحسنون استغلال المواقف؛ فيبدأ الواحد منهم بوصف من يصلون في رمضان ويتركونها بعده بـ"يا عباد رمضان" أو "من تعبدون رمضان ولا تعبدون رب رمضان"، ويقول لهم بأن صلاتهم مردودة عليهم، وصيامهم غير مقبول، ودعاءهم غير مستجاب.. وما إلى ذلك من الكلام المنفر، خاصة لمن جاء تائبا، ودخل المسجد للمرة الأولى في حياته؛ حيث تحدث عنده ردة فعل عكسية لا تحمد عقباها.
إذن كيف نحدثهم؟ الجواب بكل سهولة ويسر: تحدث أخي الداعية لهم بأسلوبك المعهود؛ فلا داعيَ لأن تغيره في رمضان عما كان عليه قبله، وأن تستغل من جاء يتوب إلى الله، وتعتبره صيدًا ثمينًا للإسلام والمسلمين لا يجب تفويته، وتتدرج معه بالكلام الجميل والقصص الهادفة لمن عاد إلى الله وقبلت منه توبته.
واعمل من خلال الدروس والمواعظ والخطب على توضيح أهمية الصلاة وقرءاة القرآن في رمضان وفي غير رمضان، وبيّن لهم حكم تاركها، ولا ضير في تذكيرهم دومًا بأن الله غفور رحيم، ولكنه شديد العقاب على من يستحقه.
كما أن النساء يذهبن للصلاة في المساجد في رمضان، وهذه أيضا نقطة يمكن بصورة كبيرة أن تستفيد منها أخي الداعية، ولا تنسَ أن المرأة تقوم بدور كبير في تربية الأجيال الناشئة.
ومن بعض الاقتراحات التي يمكن من خلالها الاستمرار على نفس الوتيرة والنهج في الأشهر التي تلي الشهر الكريم:
- إن كنت أخي المسلم تذهب لصلاة الفجر في رمضان بسبب استيقاظك لتناول طعام السحور، ولا يوجد في الأشهر الأخرى سحور، وبالتالي -كما تعتقد- لا توجد صلاة؛ فيمكن بكل سهولة أن تقوم "ساعة التوقيت" مقام المؤذن الذي يدعوك للقيام قبل الفجر، وهي متوفرة للجميع وسهلة الاستخدام كذلك.
- إن اعتدت على قراءة جزء من كتاب الله، وختمت المصحف في رمضان، ولن تتكرر هذه الفرصة مجددا إلا بعد عام كامل، فاقرأ أخي المسلم صفحة واحدة من المصحف في وقت فراغك، وهذه لن تأخذ منك سوى دقائق معدودة لن تؤثر على مجرى حياتك، واجتهد بعدها في زيادة عدد الصفحات عل الله يرضى عنك ويوفقك في دنياك، ويدخلك الجنة يوم القيامة.
- وبالنسبة لصلاة التراويح، اعمل أخي المسلم على صلاة ركعتين -أو أكثر إن استطعت- يوميا بعد صلاة العشاء وقبل الوتر حتى تبقى على نفس الوتيرة، ولا تجد صعوبة في صلاتها في العام القادم.
أخي المسلم يا من صليت الأوقات الخمسة، وختمت المصحف، ووصلت رحمك، ودفعت زكاة أموالك، وصنت لسانك عما يؤذي الناس.. أقول لك: لا تنسَ أن الله موجود في الأشهر الأخرى، ويراك ويراقبك في كل ما تقوم به، ويستجيب لدعائك؛ فلا تنسَه؛ لأنه لن ينساك.
