هل حققت الحضارة الغربية السعادة؟
الأمة التي صنعت الحضارة القديمة قادرة على أن تصنع حضارة جديدة تأخذ من حضارة الغرب خير ما فيها من وثبات العلم، وتضيف إليها قيم الإيمان والإنسانية، وتضبط مسيرتها بالتشريعات الإلهية، وبهذا تكمل نقص الحضارة المعاصرة.
لم تصل حضارة من الحضارات طوال التاريخ إلى ما وصلت إليه الحضارة الغربية المعاصرة التي تسود عالمنا اليوم، والتي بلغت الأوج في التقدم العلمي والتكنولوجي، مما كان له أثره في اختصار المكان والزمان للإنسان، وتوفير الرفاهية والراحة له، حتى أصبحت حاجاته تُقضى بضغط على زر، بل يكاد الآن يستغني عن الأزرار، فهو يدخل الباب فينفتح له وحده، ويضع يده تحت الصنبور، فيصب الماء عليه، ويضع قدمه على السلم فيصعد به، إلى غير ذلك مما غدا معتادًا في حياتنا اليوم.
ولقد استطاع الإنسان أن يغزو الفضاء، ويبعث بمراكبه تدور حول الأرض، بل لقد نزل الإنسان بالفعل على سطح القمر، وجلب منه صخورًا وأتربة، وضعها تحت بحثه وتحليله. ويحاول الآن الوصول إلى الكواكب الأبعد في الفضاء الكوني، مثل الكوكب الأحمر، المريخ.
ولا ريب أن إنجازات العلم المادي في عصرنا إنجازات هائلة، لو ذكر عشر معشارها لمن كان قبلنا لاتهموا قائله بالجنون. وهي تدخل تحت قوله تعالى في القرآن: "ويخلق ما لا تعلمون" (النحل: 8).
شقاء الإنسان في هذه الحضارة
ولكن يبقى هنا سؤال في غاية الأهمية، وهو: هل استطاع العلم الذي رفع الإنسان إلى سطح القمر أن يحقق له السعادة على ظهر الأرض؟
الواقع المر يقول: لا. فإن العلم بمفهومه الغربي - وهو علم مادي بحت - وفر للإنسان راحة الجسم ولم يوفر له راحة النفس، حقق له الرفاهية المادية ولم يحقق له السكينة الروحية، هيأ له الوسائل والأدوات ولم يهيئ له المقاصد والغايات؛ ولهذا عاش الإنسان مزوق الظاهر، خرب الباطن، أشبه بقبور العظماء، مشيدة مزخرفة، وليس فيها إلا عظام نخرة.
ومن ثم رأينا الناس الذين يعيشون تحت سلطان هذه الحضارة يشكون من القلق، والاكتئاب، والخوف، والأسى، واليأس، والغربة النفسية، والشعور بالضياع وتفاهة الحياة، يحسون أن هذه الحياة لا هدف لها ولا رسالة ولا طعم ولا معنى. وهذا يحطم الإنسان من داخله.
ولا غرو أن كثرت العيادات النفسية والعصبية، حتى غدت تعد بالألوف، ومع هذا لا تكفي زائريها، وقلما يجدون عندها ما يشفي عليلاً، أو يروي غليلاً.
إن الناس يشكون في هذه الحضارة من الانحلال الأخلاقي، والقلق النفسي، والتفسخ العائلي، والاضطراب العقلي، والتفكك الاجتماعي، ومن انتشار الجريمة إلى حد يثير الخوف والذعر لدى جماهير الناس.
لقد بالغت الحضارة الغربية في إعطاء الحـرية الشخصية للإنسان، ليفعل ما يشاء ما دام لا يعتدي على غيره، فأفسدت عليه فطرته، ولم تستطع إشباع نهمه كله. فالشهوات كلما ازداد المرء منها عبًا، ازداد معها عطشًا، ولا يوجد في الكون كله شيء حر حرية مطلقة، فالبواخر في المحيطات، والطائرات في الفضاء، تسير في مسارات محـددة، لا يجــوز لها أن تتعــداها، وإلا هددت بكوارث لا تحمد عقباها، ولا تعرف نتائجها.
والحضارة لم تجن على الإنسان وحده، لقد جنت على البيئة من حوله، فلوثتها بدخان مصانعها، و فضلاتها، وآثار إشعاعها، ونفاياتها النووية، وتدخلاتها الكيماوية في النبات والحيوان، وأكثر من ذلك آثار الهندسة الوراثية. وقد بدأت هذه النتائج تبدو للعيان في مثل جنون البقر وغيره من المشكلات. وما يكنه الغد أشد وأقسى.
أضف إلى ذلك الإخلال بالتوازن الكوني، كما يبدو فيما ذكروه من ثقب الأوزون، ولا ندري ماذا بعد ذلك؟ وفي هذا يقول الشاعر:
والليالي من الزمان حُبالى مثقلات يلدن كل عجيب!
فهذه ثمار طبيعية لصنع الإنسان بنفسه وما حوله، إذا تصرف في نفسه وفي الكون، وكأنه إله لا يسأل عما يفعل، وما هو إلا مخلوق لخالق عظيم، يجب عليه أن يخضع لنواميسه الكونية، وقوانينه الشرعية، وبذلك ينجو ويفلح.
سر المعاناة في هذه الحضارة
وسر ما يعانيه الناس في الحضارة المعاصرة: أنها حضارة نسيت الله فأنساها أنفسها. إنها عاشت جسمًا بلا روح، أو قل :جسم فيل بروح نملة!
ولقد قال الشاعر الهندي الكبير طاغور لأحد مفكري الغرب: صحيح أنكم استطعتم أن تحلِّقوا في الهواء كالطير، وأن تغوصوا في البحر كالسمك، ولكنكم لم تحسنوا أن تمشوا على الأرض كالإنسان.
وتتركز المسألة المذكورة أعلاه في إلزام أو التزام الشيعة الإمامية بسنة الأئمة الاثني عشر من خلال التعريف الشيعي الإمامي للسنة بأنها "قول المعصوم أو فعله أو تقريره"، متعدين بذلك تعريف المذاهب السنية المختلفة للسنة بأنها: "قول الرسول صلى الله عليه وسلم أو فعله أو تقريره". بل وجدنا من النقاد الغربيين أنفسهم من يشكو من الخواء الروحي في هذه الحضارة، بل من يدقون جرس الإنذار محذرين من التمادي في هذه الحياة المادية الإباحية النفعية، التي لا تطمئن الإنسان من قلق، ولا تؤمنه من خوف.
وقد توالت تحذيرات العلماء والفلاسفة والمربين والأدباء والسياسيين وغيرهم، من مادية الحضارة الغربية، وإغراقها في الآلية الصناعية، والحياة الاستهلاكية.
من ذلك: تحذيرات علماء أفذاذ مثل: إلكسيس كاريل و رينيه دوبو من رجال العلوم الطبيعية، ومن الحائزين على جائزة نوبل، وسننقل بعض كلامهما فيما بعد.
ومن ذلك - أيضًا - ما قاله الفيلسوف الأمريكي الشهير جون ديوي: إن الحضارة التي تسمح للعلم بتحطيم القيم المتعارف عليها، ولا تثق بقوة هذا العلم في خلق قيم جديدة. لهي حضارة تدمر نفسها بنفسها.
وأوضح منه ما قاله المفكر الكبير المؤرخ البريطاني المعاصر أرنولد توينبي؛ إذ ينقل عنه الكاتب الأمريكي كولن ولسون مقولته: "لقد أغرت فنون الصناعة ضحاياها، وجعلتهم يسلمونها قياد أنفسهم، ببيعها المصابيح الجديدة لهم مقابل المصابيح القديمة، لقد أغرتهم فباعوا أرواحهم وأخذوا بدلاً منها السينما، والراديو، وكانت نتيجة هذا الدمار الحضاري الذي سببته تلك الصفقة الجديدة إقفارًا روحيًا وصفه أفلاطون بأنه مجتمع الخنازير، ووصفه إلدوس هكسلي بأنه عالم زاهٍ جديد!!".
ويأمل توينبي في نهاية البحث بأن خلاص الغرب لا يكون إلا بالانتقال من الاقتصاد إلى الدين.
وقال الأديب الأمريكي الكبير جون شتاينيك في خطاب أرسله إلى صديقه إدلاى ستيفينسون: "إن مشكلة أمريكا هي ثراؤها، وأن لديها أشياء كثيرة، ولكن ليس لديها رسالة روحية كافية. إننا في حاجة إلى ضربة تجعلنا نفيق من ثرائنا، لقد انتصرنا على الطبيعة، ولكننا لم ننتصر على أنفسنا".
وقد عبر الشاعر الألماني بروشرت عن مأساة الأجيال الجديدة، الناشئة في ظل الحضارة الآلية بقوله: "نحن جيل بلا رابط ولا عمق. عمقـنا هو الهاوية، نحن جيل بلا دين ولا راحة، شمسنا ضيقة، حبنا وحشية، وشبابنا بلا شباب. إننا جيل بلا قيود ولا حدود ولا حماية من أحد!".
وفي أكثر من كتاب، ومن محاضرة للمفكر الفرنسي جارودي، حمل على الحضارة الغربية، وسماها الحضارة الفرعونية، فقد تهيأ لها العلم، ولم تضم إليه الحكمة، وعنيت بالآلة ولم تعن بالإنسان، ولا سيما الحضارة الأمريكية التي تقوم على تأليه الدولار، ووحدانية السوق بدل وحدانية الله. وقد ألف أخيرًا كتاب (أمريكا طليعة الانحطاط). ولا يقلل من شهادته اهتــداؤه إلى الإسلام، ومثله ليــوبولد فايس أو كما سمَّى نفسه: محمد أسد، ورينيه جينو أو كما سمَّى نفسه: عبد الواحد يحيى.
ومن السياسيين الذين عنوا بهذا الجانب جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي الشهير في عهد الرئيس الأميركي: أيزنهاور صاحب كتاب (حرب أم سلام) فقد خصص فصلاً من كتابه بعنوان (حاجتنا الروحية) بيَّن فيه ما ينقص أمريكا، فقال: "إن الأمر لا يتعلق بالماديات، فلدينا أعظم إنتاج عالمي في الأشياء المادية، إن ما ينقصنا هو إيمان صحيح قوي. فبدونه يكون كل ما لدينا قليلاً. وهذا النقص لا يعوضه السياسيون مهما بلغت قدرتهم، أو الدبلوماسيون مهما كانت فطنتهم، أو العلماء مهما كثرت اختراعاتهم، أو القنابل مهما بلغت قوتها".
ومن أهم ما ذكره: ما نقله عن الرئيس ولسون مما كتبه قبيل وفاته: "إن اختصـار المسـألة هو: أن حضارتنـا لا تستطيــع البقـاء والاستـمرار من الناحية المادية، إلا إذا استردت روحانيتها!". وحسبنا هذه الشهادات من أهلها.
عجز العلم في حضارة اليوم عن إسعاد البشرية
لماذا يصرخ الناس في عصرنا، ويضجون بالشكوى من شقائهم، وشعورهم بأن الحياة بلا معنى؟ ألا يستطيع العلم الكوني، العلم الطبيعي والرياضي، وما أثمره من تكنولوجيا غيرت وجه الحياة، قربت البعيد، وأنطقت الحديد، ويسرت العسير: أن يهب السعادة للناس، ويزيح الشقاء والمرارة والبؤس، والتفاهة، التي يعاني منها الناس ? الحق أن العلماء الكبار أنفسهم أكدوا عجز العلم عن القيام بدور المنقذ.
شهادات كبار العلماء
من هؤلاء العلامة ألكسيس كاريل أحد أقطاب العلم، والحاصل على جائزة نوبل في العلوم، وصاحب الكتاب القيم الشهير (الإنسان ذلك المجهول) الذي نقد فيه الحضارة الغربية نقدًا علميًا رصينًا، قائمًا على منطق العلم ومسلماته.
يقول ألكسيس كاريل في كتابه ذاك: "إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب، لأنها لا تلائمنا، فقد أنشئت دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقية، إذ أنها تولَّدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس، وأوهامهم، ونظرياتهم، ورغباتهم، وعلى الرغم من أنها أُنشئت بمجهوداتنا، إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا".
وفي موضع آخر يقول: "يجب أن نحرر الإنسان من الكونيات التي خلقها علماء الطبيعة والفلك. تلك الكونيات التي حُبس فيها الإنسان منذ عصر النهضة، إذ على الرغم من ضخامته الهائلة، فإن عالَم المادة أضيق من أن يتسع للإنسان، فهو كبيئته الاقتصادية والاجتماعية، لا يلائمه".
ويختم الكتاب كله بقوله: "لقد حان اليوم الذي نبدأ فيه العمل لتجديد أنفسنا. ولكننا لن نضع برنامجًا، لأن البرنامج قد يخنق الحقيقة الحية خلف درع صُلب، إنه سيمنع انبثاق غير المتنبأ به، ويحبس المستقبل داخل حدود عقلنا".
ومـا قـاله (ألكسيـس كاريــل) أكده عالم آخــر، من كبـار علـماء البيـولوجيا، ومن حملة جائزة نوبل أيضًا، وله كتاب يعتبر امتدادًا لكتاب (ألكسيس كاريل)، بعد نحو ثلث قرن من الزمان.
ذلك العالم هو (رينيه دوبو) الأمريكي الجنسية الفرنسي الأصل. وكتابه هو ( So Human An Animal ) الذي ترجمه إلى العربية الدكتور نبيل صبحي الطويل تحت عنوان (إنسانية الإنسان)، يقول (دوبو) في كتابه: "نحن نـدعي أننا نعـيش في عــصر العلم، إلا أن الحقيقة هي أن الميدان العلمي كما يُدار الآن، ليس فيه توازن يسمح للعلم بأن يكون ذا فائدة تذكر في إدارة أمور الإنسان! لقد جمعنا جسمًا هائلاً من المعلومات حول المادة، وتقنية قوية لضبط واستغلال العالم الخارجي. ومع ذلك لا يزال جهلنا فاضــحًا بالآثار التي قد تنـــتج عن اللَّعب بمهاراتنا هذه، ونتصرف في غالب الأحيان وكأننا آخر جيل يعيش على هذه الأرض".
ويقول أيضًا: "إن الحياة الشاذة التي يعيشها عامة الناس الآن تخنق وتعطل التفاعلات الحيوية الضرورية لسلامة الإنسان العقلية، ونمو الإمكانات الإنسانية".
كما يقول: "إن كل المفكرين قلقون على مستقبل الأبناء الذين سيقضون حياتهم في بيئات اجتماعية ومحيطية سخيفة عابثــة باطلة، نخلقها نحن لهم بدون أي تفكير، وأكـثر ما يزعج هو علمنا بأن الخصائص العضوية والفكرية للإنسان تخططها اليوم البيئات الملوثة، والشوارع المتراصة والأبنية الشاهقة، والخليط الحضري المتمرد، والعادات الاجتماعية التي تهتم بالأشياء، وتهمل البشر".
ويقول أيضًا: "منذ قرنين تقريبًا والإنسان الغربي يعتقد أن خلاصه سيأتي عن طريق الاكتشافات التكنولوجية، ولا جدال في أن المكتشفات التكنولوجية زادت من غناه المادي وحسَّنت صحته العضوية. إلا أنها لم تجلب له بالضرورة الغنى والصحة اللذين يولدان السعادة".
وفي موضع آخر يقول: "وتواجهنا العلوم المادية بتناقضات لا حلول لها عندما نحاول فهم حدود الفضاء، أو بدايات الزمن، أضف إلى ذلك أن الإنجازات العلمية تثير - بصورة عامة - مسائل أخلاقية يعتبرها كثير من العلماء خارج نطاق كفاءاتهم، ويشيرون إلى أن العلم والتكنولوجيا أدوات ووسائل ليس لها أخلاق، ويمكـن استعمـالها لخيــر البشـريـة أو لدمارها. والاعتقاد بأن العلم قادر على حل أكثـر المشـاكل العلمـية أمر يكذبه الوعي المتــزايد بأن تكنولوجيا العلم تثير مشاكل جديدة في محاولاتها لحل المشكلات القديمة".
وفي حديث بعنوان: (هل تستطيع أمريكا التغلب على خرافة النمو)؟ كان سكرتير وزارة الداخلية ستيوارت ل. أودال شجاعًا عندما قال: "إنه من السهل اعتبار أمريكا التي صنعها الإنسان. كارثة على مستوى القارة". لقد ذكَّر أودال مستمعيه: "إننا نملك أكبر عدد من السيارات وأسوأ ساحات (الخردة) بالمقارنة مع أية دولة أخرى في العالم! نحن أكثر سكان العالم تنقلاً ونتحمل أكبر قدر من الازدحام! ونولِّد أكبر قدر من الطاقة، وفي أجوائنا أكثر الهواء تلوثاً في العالَم."، ولقد نقل عن رئيس بلدية كليفلند قوله مازحاً: "إذا لم نكن واعين فسيذكرنا التاريخ على أساس أننا الجيل الذي رفع إنسانًا إلى القمر. بينما هو غائص إلى ركبتيه في الأوحال والقاذورات!!".
وثمة شهادة أخرى من الدكتور (هنري لنك) طبيب النفس الأمريكي الشهير، إذ يقول معارضًا للذين ينكرون الإيمان بالغيب، باسم العلم واحترام الفكر، مبينًا أن العلم وحده لا يستطيع أن يحقق للإنسان أسباب السعادة الحقة: "والواقع أنه يوجد الآن في كل ميدان من ميادين العلم من الظواهر ما يؤجج شعلة ذلك الضلال، وأعني به تعظيم شأن الفكر، ومع ذلك كان علماء النفس هم الذين توصلوا إلى أن الاعتماد المطلق على التفكير فحسب: أي بعيدًا عن الروح، كفيل بهدم سعادة الإنسان".
وقال: "لن نهتدي إلى حل شاف لمشكلات الحياة العويصة، ولن ننهل من مورد السعادة عن طريق تقدم المعلومات والمعرفة العلمية وحدها. فارتقاء العلم معناه ازدياد الارتباك واضطراد التخبط، وما لم يتم توحيد هذه العلوم كلها تحت راية حقائق الحياة اليومية الواضحة وإخضاعها، فلن تؤدي هذه العلوم إلى تحرير العقول التي ابتدعتها وابتـكرتها، بل ستقــود حتمًا إلى انهـيار هذه العقـول وتعفـنها، كما أن هذا التوحيد لا بد أن يأتي عن طريق آخر غير طريق العلم، وأعني به طريق الإيمان".
علم الغرب معزول عن الدين
أضف إلى ما ذكره هؤلاء العلماء الغربيون: أن العلم في الغرب - لظروف تاريخية معروفة - نشأ بمعزل عن الدين، بل نشأ مضادًا للدين، فقد وقفت الكنيسة وقفتها المعروفة في التاريخ، معادية للعلم ومكتشفاته، فتركها العلم، ومضى وحده، وحسب العلماء أن طبيعة الدين أن يقف في وجه العلم، فأعرض عن الله - مصدر الدين - ولم يذكر اسمه في بحوثه وابتكاراته وإنجازاته.
كانت هذه هي الروح السائدة على العلم ورجاله في حضارة الغرب، فلم تدرس قوانينه على أنها سنن الله في الكون، بل هي إفرازات الطبيعة الصماء. ولم يقل العلماء لطلابهم: هذا من صنع الله في خلقه، بل قالوا: هذا من صنع الطبيعة! والطبيعة أعجز من أن تصنع شيئًا، ولكن هذه الإبداعات التي نشهدها في الكون كله، أرضه وسمائه، إنما هي من صنع الله الذي أتقن كل شيء، حيث قال تعالى: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى" (طه: 50)، هذا ما نؤمن به نحن المسلمين.
ثم إن الغرب قد استخدم منجزات العلم في الخير والشر، والنفع والضر، والحياة والموت، ولم يبال أن يجعل من منتجات العـلم أدوات للتدمير وإهـلاك البشر. ألم تر ما صنعه في حربيه العالميتين الكبيرتين في القرن العشرين، وما قتل فيهما من الملايين ? ألم تر ما فعله بأهل هيروشيما وناجازاكي في اليابان من ضربهما بالقنابل الذرية المهلكة للحرث والنسل، المدمرة للحياة والأحياء بغير حساب؟
فلا يتصور من علم هذه نشأته، وهذا نهجه، وهذه روحه، وهذه منجزاته، أن يكون سببًا في سعادة البشر، و أن يقوم بدور المنقذ لما يعانون من شقوة في حياتهم، بل لعله - كما ذكر علماؤه أنفسهم - من أسباب تعاستهم، وفراغهم الروحي.
عجز الفلسفة أن تسعد البشرية
وإذا كان العلم الطبيعي والرياضي - على تقدمه الهائل في عصرنا - لم يستطع أن يحرر الإنسان من شقائه وضياعه، فهل تستطيع الفلسفة - بمدارسها المختلفة، واتجاهاتها المتباينة - أن تكون سفينة إنقاذ للبشرية المعاصرة - وخصوصًا في الغرب الذي بلغ ذروة التقدم في المجالات المادية - من الغرق المخوف، في بحر الظلمات، الذي أبدع القرآن في وصفه في قوله تعالى: "كظلمات في بحر لجي، يغشاه موج من فوقه موج، من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور" (النور: 40).
لقد اختلفت العقول الفلسفية في أجلى حقائق الوجود، وهي حقيقة وجود الله تعالى ووحدانيته وتفرده سبحانه بالكمال الذي يليق بذاته المقدسة.
فذهب من ذهب من الفلاسفة إلى إنكار الإله، وكل ما وراء الحس، وأنه ليس في الوجود إلا المادة، وما عدا ذلك فهو حديث خرافة.
وبعكسهم من أثبت تعدد الآلهة، وأقر عبادة الإنسان أو عبادة الحيوان، أو عبادة الأوثان، أو عبادة النجوم، أو غيرها، وبرر ذلك بمستندات عقلية.
ومن الفلاسفة من أثبت للكون إلها، ولكنه لم يعطه صفات إيجابية، تجعله قادرًا على أن يدبر في الكون أمرًا، فهو لا يعلم إلا ذاته، ولا يعلم في الكون شيئًا; والفلاسفة الدينيون على عكس هذا.
وكما اختلفت عقول البشر في شأن الألوهية، اختلفت في شأن الإنسان: ما هو؟ روح خالدة أم مادة فانية؟ نور من السماء أم طين من الأرض؟ ملاك صاعد أم حيوان هابـط؟عقـل مـدبِّر أم شـهوة مسـيَّرة؟ أهــو ثابـت أم متـغيـر؟ مسـيّر أم مخــير؟ أنـاني أم غيري؟ فردي أم جماعي؟ تجدي فيه التربية أم لا تجدي؟ مخلوق مكرم خُلق لهدف أسمى، أم نبــتة برية ظــهرت بغير زارع، وتوشــك أن تكون هشـيمًا تــذروه الريـــاح؟ ما حقيقة هذا الإنسان؟ هل خُلق من غير شيء أو خَلقه خالق؟ ولأي غاية خُلق؟ ولماذا يحيا؟ وما رسالته في حياته؟ وما مصيره بعد مماته!!؟؟
أسئلة اختلف في الإجابة عليها عمالقة الفكر والفلسفة، في شتى الأعصار، ومختلف الأقطار، وشتَّى المدارس والاتجاهات، وتباينت بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، وكثيرًا ما خرج المتبحرون في الفلسفات، والمتعمقون في دراستها، أشد حيرة مما دخلوها.
صراع الفلسفات وتناقضها
اقرأ تاريخ الفلسفة والفكر في الشرق والغرب، وتجول ببصرك في المدارس الفلسفية هنا وهناك قديمًا وحديثًا، فماذا تجد؟
تجد المثاليين من الفلاسفة يعارضهم الواقعيون; وتجد الروحيين منهم يناقضهم الماديون; وتجد الإلهيين يصارعهم الملحدون; وتجد دعاة الواجب في مقابلة دعاة المنفعة; وتجد من ينادي بالرجوع إلى الضمير، ومن يصرخ بأن الضمير خرافة! وتجد القائلين بخيرية الإنسان، والقائلين بأنه ذئب مقنَّع! وتجد القائلين بأنه حر مختار، والقائلين بأنه ريشة في مهب الريح; وتجد دعاة الفلسفة الفردية في مواجهة دعاة الفلسفة الجماعية. وكل فريق يزعم أن الصواب معه، وأن الخطأ عند غيره، وكلهم يزعمون الانطلاق من مبدأ العقل الحر المجرد من الالتزام بأي دين.
بل وجدنا في مدارس الفلسفة من ينكر وجود أي حقيقة كانت، فلا الدين حقيقة، ولا الدنيا حقيقة، لا الله حقيقة، ولا الإنسان حقيقة، حتى أنكروا وجودهم ذاته!! 4ـ وقال القاضي نور الله الشوستري الذي هو من علمائهم المشهورين، في كتابه المسمى بمصائب النواصب: (ما نسب إليه الشيعة الإمامية بوقوع التغير في القرآن ليس مما قال به جمهور الإمامية، إنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم) انتهى. ومبدؤهم أن ما يظنه الإنسان حقيقة إن هو إلا سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا. وهؤلاء هم الذين نسميهم (العنادية)، المعاندين لوجود الحقائق في أي مجال.
وهناك من قالوا بنسبية الحقائق كلها، فلا توجد حقيقة مطلقة في أي شيء. فالحقيقة كل الحقيقة عند زيد، لا مانع في أن تكون هي الباطل كل الباطل عند عمرو، وكلاهما صواب، وهؤلاء يسمونهم (العندية).
وهناك من شككوا في الحقائق كلها، ولما قيل لهم: إذن هناك حقيقة أقررتم بها، وهي الشك في ثبوت الحقيقة، قالوا: نحن نشك، ونشك في أننا نشك!! وهؤلاء هم الذين يسمونهم (اللاأدرية)، أي الذين يقولون في كل قضية: لا ندري حقيقتها!
ثم إن العقل البشري - مهما يدّع الحيادية والموضوعية - تحده وتؤثر فيه أوضاع المكان والزمان، أي ظروف البيئة والعصر، البيئة الجغرافية والبيئة الاجتماعية والثقافية، كما تحده وتحكمه طاقة الإنسان وقدرته على المعرفة من خلال وسائل وأدوات هي محدودة أيضًا.
وفوق ذلك كله، نجد هذا العقل، مهما يحاول التجرد من الذاتية، كثيرًا ما يقع - بوعي أو بغير وعي - أسيرًا للمؤثرات والميول الشخصية والحزبية والطائفية، والإقليمية والعنصرية وغيرها، مما يوجه أحكامه وجهة متحيزة بعيدة عن الموضوعية.
منذ أكثر من عامين قامت الولايات المتحدة بإطلاق شعار "الحرب على الإرهاب"، وكرست أجهزتها الدعائية لترويجه في جميع أنحاء العالم، حتى صار عنواناً مميزًا لحقبة تاريخية كاملة، ويبدو أن فرنسا الآن هي الأخرى بصدد صياغة شعار مماثل وهو "الحرب على ا حجاب". لهـذا كـان الإنسان في حاجـة إلى نـور آخر أقوى من نـور العـقـل، يهـديه في مفارق الطرقات، وعنـد التباس الأمور، وهــو نــور الوحي، ليـكون لـه "نورعلى نور" (النور: 35).
حصاد الفلسفة خلال القرون
وهنا سؤال مهم يحتاج إلى جواب: ما حصاد الفلسفة خلال القرون القديمة والوسيطة والحديثة؟ ما الذي قدمته الفلسفة للبشرية من هداية للعقل، أو طمأنينة للقلب، أو سكينة للروح؟ إنها أثارت أسئلة عويصة ولم تجب عنها، أو أجابت إجابات ينقض بعضها بعضًا! إنها هدمـت أكثر مما بنـت، وتكلمت كثــيرًا، وكان السكــوت خيرًا لها ولأهلها لو كانوا يعلمون.
وها هو أحد مــؤرخي الفسلفة في عصرنا، وهــو أحد أنصارها، والمعجبين بها وول ديورانــت الأمريكي صاحب الكتاب الشهير فـي التــاريخ (قصة الحضارة) يقول في كتابه الذي سماه (مباهج الفلسفة) مبيـنًا الحصيلة الأخيرة من وراء مشوارها الطويل: "ما طبيعة العالم؟ ما مادته وما صورته؟ وما مكوناته وهيكله؟ وما مواده الأولى وقوانينه؟ ما المادة في كيفها الباطن، وفي جوهر وجودها الغامض؟ ما العقل؟ أهو على الدوام متميِّز عن المادة وذو سلطان عليها؟ أم هو أحد مشتقات المادة وعبد لها؟ أيكون كلا العالمين: الخارجي الذي ندركه بالحس، والباطني الذي نحسه في الشعور، عُرضة لقوانين ميكانيكية أو حتمية، كما قال الشاعر: (ما يكتبه الخالق في مطلع النهار نقرؤه في آخر النهار)؟ أم ثمة في المادة أو العقل، أو في كليهما، عنصر من الاتفاق والتلقائية والحرية. هذه أسئلة يسألها قلة من الناس، ويجيب عليها جميع الناس. وهي منابع فلسفاتنا الأخيرة، التي يجب أن يعتمد عليها في نهاية الأمر كل شيء آخر، في نظام متماسك من الفكر. إننا نؤثر معرفة الإجابات عن هذه الأسئلة على امتلاك سائر خيرات الأرض".
ويستطرد قائلاً: "ولنسلم أنفسنا في الحال لإخفاق لا مناص منه. لا لأن هذا الباب من الفلسفة يحتاج في إتقانه إلى معرفة كاملة ومناسبة بالرياضيات والفلك والطبيعة والكيمياء والميكانيكا وعلم الحياة وعلم النفس، فقط، بل لأنه ليس من المعقول أن نتوقع من الجزء أن يفهم الكل! فهذه النظرة الكلية - وهي فتنتنا في هذه المغامرات اللطيفة - ستبعد عن فكرنا جميع الفخاخ والمفاتن. ويكفي أن نأخذ أنفسنا بقليل من التواضع وشيء من الأمانة، لنتأكد من أن الحياة والعالم في غاية التعقيد والدقة، بحيث يصعب على عقولنا الحبيسة إدراكهما. وأكبر الظن أن أكثر نظرياتنا تبجيلاً قد يكون موضع السخرية والأسف عند الآلهة العليمة بكل شيء. فكل ما نستطيع أن نفعله هو أن نفخر باكتشاف مهاوي جهلنا! وكلما كثر علمنا قلَّت معرفتنا، لأن كل خطوة نتقدمها تكشف عن غوامض جديدة، وشكوك جديدة. (فالجزيء) يكشف عن (الذرة)، والذرة عن الإلكترون (الكهيرب)، والإلكترون عن (الكوانتوم Quantum) الكويمية. ويتحدى الكوانتوم سائر مقولاتنا ( Categories) وقوانيننا وينطوي عليها. والتعليم تجديد في العقائد وتقدم في الشك. وآلاتنا كما نرى مرتبطة بالمادة، وحواسنا بالعقل. وفي خلال هذا الضباب يجب علينا نحن (الزغب على الماء) أن نفهم البحر!".
وينتهي وول ديورانت إلى هذه النتيجة فيقول: "لنا أن نقرر أن الفلسفة تناقض نفسها باستمرار مع تتابع مذاهبها، وأن الفلاسفة جميعًا خاضعون لثورة جنون قتل الإخْوة!؟ فلا يهدأ لهم بال; حتى يحطموا كل منافس يطالب بارتقاء عرش الحقيقة؟ وكيف يجد الإنسان المشغول بالحياة من فسحة الوقت ما يفسر به هذه المتناقضات، أو ما يهدئ به هذه الحرب؟".
وهذا ما جعل بعض مؤرخي الفلسفة يقول، بعد أن عرض لعدد من الفلاسفة، هذا يثبت وذاك ينفي، وهذا يبني وآخر يهدم، وهذا روحي والثاني مادي، وهذا عقلي ومعارضه عاطفي، وواحد مثالي ومقابله واقعي، بعد هذا قال: "ما الحصيلة من هذا كله؟ إنها في الواقع ليست إلا صِفرًا!".
وكذلك كان هذا ما جعل أحد أساتذة الفلسفة المرموقين، وهو شيخنا الدكتور عبد الحليم محمود - شيخ الأزهر بعد ذلك - يقول بصراحة، بعد أن رأى تعارض الفلسفة، وتضارب نتائجها، وتناقض ثمراتها: "إن الفلسفة لا رأي لها، لأنها تقرر الشيء ونقيضه، وكل من الرأيين المتنافيين يجد من رجال الفلسفة من يؤيدَه بقوة، ويقيم الأدلة على صوابه، وخطأ غيره، فكيف يخرج الإنسان من هذه المتناقضات بطائل أو ثمرة؟ الواقع أنها لن تشفي له علة، ولن تنقع له غلة، بل الغالب أنه بعد أن يسبح في بحارها سبحًا طويلاً، سيخرج منها أشد حيرة، وأضيع سبيلاً".
ولعل من أبلغ العبارات المعبرة عن عجز الفلسفة، وخيبة الفلاسفة، ما ذكره فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة أبوحيان التوحيدي في (الإمتاع والمؤانسة) حيث قال عن (إخوان الصفا) وفلسفتهم ورسائلهم: "تعبوا وما أغنَوْا، ونصبوا وما أجدَوْا، وحاموا وما وردوا، وغنوا وما أطربوا، ونسجوا فهلهلوا، ومشطوا ففلفلوا".
ويتفق هذا مع ما انتهى إليه فيلسوف التاريخ، ومؤسس علم الاجتماع العلامة ابن خلدون، الذي عقد في الباب السادس من (مقدمته) الشهيرة، فصلاً طويلاً، لبيان (إبطال الفلسفة وفساد منتحلها)، ولا سيما الفلسفة الميتافيزيقية، أي التي تعنى بما وراء الطبيعة، أو بـ (الإلهيات). وأوصى من ينظر فيها من أهل الإسلام أن يمتلئ من (الشرعيات) أولاً، قال: ولا يكِبَّنَّ عليها أحد، وهو خلو من علوم الملة، فقلّ أن يسلم لذلك من معاطبها".
لا إنقاذ للبشرية بغير الدين
لقـد أصبح من المؤكد لدى الغربيين أن الإنسان - وإن بلغ من العلم ما بلغ - لا يستطيع أن يعيش بغير دين، بغير إيمان، بغير صلة بالله، وبوحي من السماء.
إن الدين هو سر الوجود، وجوهر الحياة، وروح العالم، وهو شيء ليس مفروضًا على الإنسان من خارجه، بل هو نابع من فطرته التي فطره الله عليها. والإنسان إذا فقد دينه وإيمانه، فقد نفسه، وفقد جذوره، وفقد أمسه، وفقد غده، ومن لا أمس له ولا غد، قل لي بربك: كيف يعيش ? والإنسان من غير دين وإيمان أشبه بالساري في دجى الليل بغير مصباح، والسائر في تيه الصحراء بغير دليل، وراكب البحر المحيط وليس معه (بوصلة) ترشده ولا نجم يهديه. إن الدين ليس أمرًا مفروضًا على الإنسان من خارجه، بل هو نابع من داخل فطرته، التي فطره الله عليها. والحياة بغير دين مصادمة للفطرة.
لهذا تنادى المخلصون من العلماء والمفكرين والقادة حتى في العالم الغربي نفسه، بضرورة استعادة دور الدين في الحياة، حتى يقوى الإنسان من ضعف، ويأمن من خوف، ويهتدي من حَيرة، ويستقر من اضطراب.
وإن بعض الفلاسفة الذين لا يؤمنون بالدين، لم يمكنهم إلا الاعتراف بضرورة الإيمان الديني، لضبط مسيرة الحياة، وتقوية حوافز الخير، وتقليم أظفار الشر، حتى قال بعضهم: "لو لم يكـن الله مــوجــودًا، لوجب علينا أن نخـلقه!". وقال آخر: "لماذا تشككون في وجود الله، ولولا الإيمان به لخانتني زوجتي، وسرقني خادمي؟!".
وقد نبه كثير من العلماء والمفكرين الكبار على ضرورة الدين لحياة الإنسان فردًا ومجتمعًا. فالفرد في حاجة إلى الإيمان الديني ليطمئن ويسعد، والمجتمع في حاجة إليه ليترابط ويرقى. يقول المؤرخ الكبير توينبي في كتابه (العادة والتغيير): "إن جميع الأيديولوجيات تشترك في نقطة ضعف واحدة قد تودي بها جميعًا، وذلك في منافستها للأديان العليا على اكتساب ولاء الجماهير. وهذا معناه العودة إلى عبادة الإنسان. فبعد أن حررته الأديان من عبودية المجتمع، وعبودية الفرد، ليتجه إلى الله وحده، عاد الإنسان إلى سجن المجتمع، فتضاءل ليصبح مجرد (نملة اجتماعية) في مجتمع النمل!!".
وقال أيضًا: "لقد استطاعت الأديان أن تُعلِّم الإنسان أنه ليس حشرة اجتماعية. ولكنه إنسان ذو كرامة وإدراك واختيار. ولن تستطيع الأيديولوجيات أن تنسيه هذه الحقيقة. لأنها لا تستطيع أن تحقق له الانعتاق الروحي الذي منحته له الأديان".
وقد خلص توينبي إلى أن: "الدين هو قلب الحياة للإنسان، وهو جوهر الحياة للإنسانية، هو النور الذي يغمر القلوب، فلا غنى للإنسان عن الدين. ولن تستطيع الأيديولوجيات أن تحل محل الدين; لأنها تمنحنا التعصب والتباغض، بدلاً من أن تمنحنا المحبة والتعاون. إنها قد تمنحنا لقمة الخبز، ولكنها تسلبنا الطمأنينة النفسية والتحرر الروحي".
عجز المسيحية عن القيام بدور المنقذ
وإذا كان الإنسان في عصرنا في حاجة إلى الدين لينقذه من الغرق في بحر الظلمات، فأي دين يمكنه أن يقوم بدور المنقذ للبشرية القلقة الحائرة المعذبة؟
هل تستطيع المسيحية - في إطار أحد مذاهبها الثلاثة الكبرى: الكاثوليكية أو البروتستانتية أو الأرثوذكسية - أن تقوم بهذا الدور المنشود؟
وجوابًا عن ذلك السؤال نقول منصفين: إن المسيحية القائمة في العالم اليوم، وفي الغرب خاصة، لا تستطيع أن تقوم بدور المنقذ للبشرية المعاصرة مما تعانيه من القلق والتخبط تحت سلطان الحضارة الغربية السائدة، وأن تبني الإنسان المنشود. وذلك لعدة أسباب نجملها فيما يلي:
أولاً: إن المسيحية في صورتها المثالية لا تحمل رسالة حضارية، بل هي - في صلب تعاليمها - لا تهتم بالحياة، ولا تحتكم للعقل، ولا تدعو إلى العلم، ولا تحنو على فطرة الإنسان، هذا إن لم نقل بصراحة: إنها - كما صورها كهنتها - معادية للحياة، مناوئة للعقل، مجافية للعلم، قاسية على فطرة الإنسان. والمسيحي المثالي يتجسد في الراهب المعتزل للحياة، المنقطع عن الدنيا، المعرض عن الطيّبات، حتى عن الزواج. بل كان الرهبان في العصور الوسطى يفرون من ظل المرأة، ويستعيذون من شرها، ولو كانت هذه المـرأة أُم أحـدهم أو أختـه، وكانوا يبالغون في تعذيب أجسامهم، لترقى أرواحهم.
وذكر في المحيط: أن بعض الفقهاء لا يكفر أحدا من أهل البدع، وبعضهم يكفرون البعض، وهو من خالف ببدعته دليلا قطعيا، ونسبه إلى أكثر أهل السنة، والنقل الأول أثبت، وابن المنذر أعرف بنقل كلام المجتهدين. نعم يقع في كلام أهل المذهب تكفير كثير، ولكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون، بل من كلام غيرهم، ولا عبرة بغير الفقهاء، والمنقول عن المجتهدين ما ذكرنا. اهـ. قال ابن عابدين: (ومما يزيد ذلك وضوحا ما صرحوا به في كتبهم متونا وشروحا من قولهم: ولا تقبل شهادة من يظهر سب السلف، وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية. وقال ابن ملك في شرح المجمع: وترد شهادة من يظهر سب السلف، لأنه يكون ظاهر الفسق، وتقبل من أهل الأهواء: الجبر والقدر والرفض والخوارج والتشبيه والتعطيل. اهـ. وقال الزيلعي: أو يظهر سب السلف، يعني الصالحين منهم، وهم الصحابة والتابعون؛ لأن هذه الأشياء تدل على قصور عقله، وقلة مروءته، ومن لم يمتنع عن مثلها لا يمتنع عن الكذب عادة بخلاف ما لو كان يخفي السب. اهـ. (ولم يعلل أحد لعدم قبول شهادتهم بالكفر كما ترى، نعم استثنوا الخطابية، لأنهم يرون شهادة الزور لأشياعهم أو للحالف، وكذا نص المحدّثون على قبول رواية أهل الأهواء، فهذا فيمن يسب عامة الصحابة ويكفرهم، بناء على تأويل له فاسد، فعلم أن ما ذكره في الخلاصة من أنه كافر: قول ضعيف مخالف للمتون والشروح، بل هو مخالف لإجماع الفقهاء كما سمعت. وقد ألف العلامة ملا علي القارئ رسالة في الرد على الخلاصة. وبهذا تعلم قطعا أن ما عزي إلى (الجوهرة) من الكفر مع عدم قبول التوبة -على فرض وجوده في الجوهرة- باطل لا أصل له، ولا يجوز العمل به، وقد مرّ: أنه إذا كان في المسألة خلاف -ولو رواية ضعيفة- فعلى المفتي أن يميل إلى عدم التكفير؛ فكيف يميل هنا إلى التكفير المخالف للإجماع، فضلا عن ميله إلى قتله وإن تاب؟ وقد مرّ أيضا: أن المذهب قبول توبة ساب الرسول صلى الله عليه وسلم.. فكيف ساب الشيخين؟ والعجب من صاحب (البحر) -يعني: ابن نجيم- حيث تساهل غاية التساهل في الإفتاء بقتله مع قوله: وقد ألزمت نفسي أن لا أفتي بشيء من ألفاظ التكفير المذكورة في كتب الفتاوى، نعم لا شك في تكفير من قذف السيدة عائشة رضي الله عنها، أو أنكر صحبة الصديق، أو اعتقد الألوهية في عليّ، أو أن جبريل غلط في الوحي، أو نحو ذلك من الكفر الصريح المخالف للقرآن، لكن لو تاب تقبل توبته.vii[7] انتهى). الحذر من الدسائس.. وضرورة التلاحم ومن المبادئ المهمة هنا أيضا أن نكون على حذر من كيد أعداء الأمة، ودسائسهم التي يريدون بها أن يفرقوا جمعها، ويشتتوا شملها، ويمزقوا صفوفها؛ فلا تتوحد على غاية، ولا تجتمع على طريق. وقد حفظنا من فلسفتهم منذ بدأ استعمارهم لبلادنا وغيرها هذه الكلمة المعبرة عن غايتهم وطريقتهم (فرّق تسد). فهم يجتهدون كي يفرقوا كلمتنا من أجل أن يحكمونا ويسودونا. ومن المعروف أن الاتحاد قوة، بل الاتحاد يقوي القلة، والتفرق يضعف الكثرة، وما نال أعداء الأمة المسلمة منها إلا يوم تفرقت واختصمت واختلفت راياتها، وتعددت قياداتها، وتنازعوا فيما بينهم، فهيؤوا الفرصة لعدوهم أن ينفذ إليهم، وأن ينفث سمومه فيما بينهم، حتى يكيد بعضهم لبعض، ويذوق بعضهم بأس بعض، وحق عليهم قوله تعالى: (وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال: 46] وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا"i[1]. وليس أغيظ لأعداء الأمة من اجتماع شملها، ووحدة كلمتها، وليس أسر لقلوبهم وأسعد لنفوسهم من اختلاف الأمة على نفسها، وتفرقها من داخلها. فإذا رأوا الأمة قد التفت جموعها حول هدف واحد، وعقيدة واحدة، وقيادة واحدة؛ فإن هذا يسوؤهم، ويشعل جمرة الحسد والغيظ في صدورهم، ويدفعهم لأن يعملوا بكل وسيلة، وكل حيلة، لإحالة الوحدة إلى فرقة، والأخوة إلى عداوة. وهذا ما حدث في عهد النبوة؛ حيث رأى بعض اليهود -شاس بن قيس– الأوس والخزرج، وقد جمعتهم عقيدة الإسلام، وضمتهم أخوة الإسلام، ونسوا ما كان بينهم في الجاهلية من حروب ودماء وثارات، استمرت أزمانا طويلة، بدلهم الله بالحروب سلاما، وبالمخاوف أمنا، وبالعداوات إخاء وحبا، ساء هذا المشهد الأخوي: اليهودي الخبيث، فآلى على نفسه أن يذكرهم بالجاهلية وأيامها، وما كان فيها من انتصار لفريق على فريق، وطفق ينشد الأشعار المهيجة التي أنشدها شاعر هؤلاء، فيرد عليه الآخرون بما قال شاعرهم، حتى ثارت حمية الجاهلية، وتنادى رجال الأوس: ياللأوس! ورجال الخزرج: ياللخزرج! وقال الجميع: السلاح السلاح!! وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل إليهم يقول: أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم؟ دعوها، فإنها منتنة! وذكرهم الله، وتلا عليهم القرآن.. فبكوا وندموا وتابوا، وعانق الرجال من الأوس الرجال من الخزرج، وعلموا أنها نزغة شيطان. وفي ذلك نزلت الآيات الكريمة من سورة آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (أي بعد وحدتكم متفرقين، وبعد أخوتكم متعادين كما يدل السياق) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ (أي تتفرقون) وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.. والأخلاق المسيحية أخلاق غير واقعية، لأنها فوق الطاقة المعتادة للبشر، كما في قول الإنجيل: "أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، من ضربك على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر، ومن سرق قميصك فأعطه إزارك..".
والمسيحيون أنفسهم - وخصوصًا في الغرب - أبعد الناس عن هذه الأخلاق، وقد جرى بينهم من الحروب الدينية والدنيوية ما لم يجر بين غيرهم من فئات البشر، وحسبنا الحربان العالميتان في هذا القرن وما حصدته من ملايين المسيحيين بأيدي المسيحيين! على أن المسيحية الأصلية كانت رسالة مؤقتة، لفترة محدودة، ولقوم معينين، ولم تكن مهيأة قط لتكون رسالة عامة ولا خالدة، وقد عبر المسيح عن ذلك بقوله: أنه إنما بُعِث لخراف بني إسرائيل الضالة، وأنه لم يقل كل الحق، كما بشَّر بمن يأتي بعده ليُبيِّن للناس كل شيء، ويكسر عمود الكفر.
فكيف والمسيحية الأصلية نفسها قد غُيِّرت وبُدِّلت، وذهب كتابها الأصلي، ودخل عليها من التحريف اللَّفظي والمعنوي، في عقائدها وشعائرها وأُصولها وفروعها ما مسخها وضيَّع حقيقتها، وأخرجها من التوحيد إلى التثليث، ومن عبادة الله الواحد إلى عبادة المسيح أو العذراء!
والمسيح يقول: "لا يدخل الغني ملكوت السموات حتى يدخل الجمل في سم الخياط"، ويقول لمن أراد أن يتبعه: "بع مالك ثم اتبعني". وشعار المسيحية المتــوارث المشهور: اعتقد وأنت أعمى! أي اعزل إيمانك عن عقلك.
والإيمان المسيحي بطبيعته وتاريخه شيء خارج عن دائرة العقل، حتى قال القديس الفيلسوف الشهير أوجستين يومًا في تعليل إيمانه بغير المعقول: أؤمن بهذا، لأنه محال!
معنى هذا أن المسيحي الحق لابد أن يختار بين أمرين، فإما دين بلا علم، وإما علم بلا دين! فالدين والعلم في نظره لا يجتمعان، وهما ككفتي الميزان، لا تثقل إحداهما إلا بما تخف الأخرى.
ثانيًا: إن المسيحية ينوء كاهلها بتاريخ شديد الظلمة، حالك السواد، ملطخ بدماء العلماء والمفكرين الأحرار، تاريخ تقشعر لمجرد ذكره الأبدان، وتشيب لهوله الولدان، تاريخ وقفت فيه الكنيسة مع الجمود ضد الفكر، ومع الخرافة ضد العلم، ومع الاستبداد ضد الحرية، ومع الظلام ضد النور، ومع الملوك ضد الشعوب، وصنعت من المجازر البشرية - وخاصة مع النخبة والصفوة من العلماء والمفكرين - ما لا ينساه التاريخ. وهل ينسى التاريخ يوما محاكم التفتيش وما اقترفته من موبقات في حق العلم وأهله، ولاسيما المبتكرين والمكتشفين؟
وبهذا لم يعد وجه المسيحية مقبولاً بحال للقيام بالدور المنتظر، حتى لو افترضنا قدرتها على ذلك، وما هي بقادرة.
ثالثًا: إن المسيحية لا تنفصل عن (الإكليروس) عن رجال الكهنوت. وسيادة المسيحية تعني سيادة هؤلاء الذين يتحكمون في ضمائر الناس، ويزعمون أنهم وحدهم الممسكون بمفاتيح أبواب الملكوت، وأنهم حلقة الوصل بين السماء والأرض، ومحتكرو الوساطة بين الله وعباده. والبشرية التي دفعت ما دفعت للتحرر من استبداد الملوك ورجال الدنيا، ليست مستعدة أن تقع أسيرة لاستبداد رجال الدين مرة أخرى.
رابعًا: إن كثيرًا من رجال الدين في المسيحية، قد انهزموا أمام التيار المادي والإباحي في الحضارة الغربية، فانساقوا وراء أهوائها وانحرافاتها، وأباحوا للناس أن ينهلوا منها ويعلّوا، ويشربوا من خمرها حتى يسكروا ويعربدوا. فلا غرو أن وجدنا من القسس في كنائس عدة في أوربا وأمريكا من يزوج الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، خلافًا لفطرة الله التي فطر عليها الناس، والتي دعت الديانات السماوية جميعها إلى رعايتها. ورأينا بعض هؤلاء القسيسين يستخدم بعض الأغاني المثيرة للجنس في كنيسته لجذب الشباب إليها، والغاية تبرر الوسيلة (لديهم).
خامسًا: إن جمهرة المسيحيين الغربيين اليوم في أوربا وأمريكا - كما تدلّ الإحصائيـات، وكما تظهر المشاهدات - ليسوا في الواقع مسيحيين إلا بالاسم أو بالميراث، أو بالجغرافيا، أي بالعيش في بلاد المسيحيين.
إنهم لا يعتنقون المسيحية لا عقيدة ولا سلوكًا، وكثيرًا ما يسأل الواحد منهم عن عقيدته، فيجيب: "لم أفكر في هذا الأمر، لأنه لا يعنيني". إنهـم لا يشـغلـون أنفسهم بالتفـكير في الألوهـية ولا في النـبـوة ولا في الآخـرة، ولا في الجنة أو النار، ولا يعرفون حلالاً من حرام. إن أكبر همهم ومبلغ علمهم هو هذه الدنيا ومنافعها ولذاتها، وكأنهم يقولون ما قال الأولون: نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وما نحن بمبعوثين.
وقد ذكـرت بعض الإحصاءات: أن نسبة الذين يرتادون الكنائس في أيام الآحاد لا تزيد عن5%. هذا مع أن كثيرًا ممن يزور الكنيسة يوم الأحد، ليس بدافع ديني خالص، بل ربما كان لتغيير رتابة الحياة، أو اللقاء بمن يحب أو بمن تحب، أو التعرف على وجوه جديدة، أو غير ذلك. ولا غرو أن وجدنا كثيرًا من المسيحيين في أوروبا وأمريكا يبيعون كنائسهم، حيث لم تعد تمس الحاجة إليها، وربما اشتراها منهم المسلمون، وحولوها إلى مساجد ومراكز إسلامية.
سادسًا: إن الحضارة الغربية يزعم لها الكثيرون أنها حضارة مسيحية! ويحاولون إلصاقها بالمسيح، وإن كان المسيح منها براء، فهي - كما قلت مرة - حضارة المسيح الدجَّال، لا حضارة المسيح ابن مريم، لأن الدجَّال أعور، وهي حضارة عوراء، تنظر إلى الحياة والكون والإنسان بعين واحدة، هي العين المادية. ترى الإنسان بغير روح، والكون بغير إله، والدنيا بغير آخرة.
ولهذا كله يستبعد المفكرون الغربيون أنفسهم أن تكون المسيحية هي مصدر الخلاص، وسبيل النجاة.
فدور المسيحية قد انتهى إلى غير رجعة، والمسيح عندهم (قد مات)، وهو ما عبَّر عنه (نيتشة) وغيره بأن (الإله قد مات!).
وعبارة (موت الإله) شديدة الوقع على الحس الإسلامي، والعقل الإسلامي، لأن الإله عندنا هو رب الناس، ملك الناس، إله الناس، الذي خلقهم وسوَّاهم، وأحياهم ثم يميتهم ثم يحييهم. ومثل هذا الإله المحيي المميت لا يتصور أن يموت، بل هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، بلْهَ أن يعتريه موت.
أما إله الغـرب، أو إلــه المسيحــيين، فهو - في اعتقــادهم - مجـرد بشر تجسَّد فيه، أو حل فيه روح الإله، وهم يعتقدون أنه صُلِب من قبل، فلا غرابة أن يموت من بعد!!
يقول البروفيسور (رينيه دوبو) في نقده للحضارة الغربية، وبعد فصل كامل سماه (البحث عن معنى) وتحت عنوان فصل جديد: (التخلص من أسطورة النمو والتنمية): "إذا راجعنا التاريخ ربما يظهر موضوع البحث عن معنى عملاً لا فائدة منه. ففي كل مرة تتـعرض البشرية لمثالية تعطيها معنى لحياتها تتجزأ هذه المثالية وتختفي، ولقد ظهر في الماضي كثير من العقائد الدينية والفلسفية والاجتماعية أنارت للبشر طريقهم لمدة ما، وضاعت من بعد ذلك في مستنقع من شكوك فلسفية وجدل ضيق عقيم".
وقال: "بدت المسيحية في القرون الوسطى كقوة موحدة عندما أعطت شعوب أوروبا بعض الآمال، والمطامح المشتركة، والسلوك الاجتماعي المستوحى من محبة الله وخوفه. ولقد حرَّكت أفكار المسيحية القدرات البشرية في أعمال جماعية مدهشة، كبناء الأديرة، والكاتدرائيات ذات الفن القوطي والروماني. ولكن بعد ذلك انشغل المسيحيون باطراد في مجالات لاهوتية مكررة، وتحوَّلت المسيحية من عقيدة روحانية من المحبة إلى اعتقاد جامد محافظ خال من أي إلهام، والآن كثيرًا ما نراها - أي المسيحية - تتفتَّت لتصبح فئات متعددة تتبنى أخلاقًا اجتماعية مبهمة. فاللاهوتيون مشغولون بمناقشات فلسفية زائفة لمحاولة التوفيق بين المسيحية والرأي الذي لا معنى له عن (موت الإله)!".
ليت دوبو عرف الإسلام بحق، إذن لوجد فيه ما افتقده في المسيحية!
اليهودية أشد عجزًا
وإذا كانت المسيحية عاجزة عن القيام بدور المنقذ، فإن اليهودية أشد عجزًا! واليهودية نفسها لا تزعم أن لديها هداية تقدمها للبشر، فهي ديانة يغلب عليها الطابع العنصري، وبنو إسرائيل - وحدهم دون الناس - هم شعب الله المختار! ولغلبة العنصرية على اليهودية نراها في الغالب منغلقة على نفسها، ليس لها دعوة للناس تنشرها وتبلغها للعالم.
والله في ديـن اليهود ليـس رب العالمين، ولكنه رب إسرائيـل، والآخـرة عـند اليهود ليسـت هـي ملكـوت السمـاء عنـد النصـارى، ولا جنـة الخـلد عند المسلمين، إنما هي مُلك إسرائيل. والعهد القديم كتاب اليهود المقدَّس الذي يضم أسفار التوراة وملحقاتها، يدور جله حول تاريخ إسرائيل، وأحلام إسرائيل. ولا غرو أن قال الكاتب القبطي المصري د.نظمي لوقا: "اليهودية ديانة شعب، أي ليست ديانة عالمية".
إن التوحيد الذي دعا إليه موسى عليه السلام ضاع في هذا الكتاب الذي شوَّه صورة الألوهية، وأضفى على الإله من نقائص البَشر، من الجهل والخوف والحسد والضعف، ما يلحظه كل قارئ للتوراة، وخصوصا سفر التكوين.
والأنبياء الذين جعلهم الله هُداة للبَشر ومعلِّمين، لُوِّثت سيرتهم، وأُلصقت بهم التهم، في هذا الكتاب، فلم يعودوا ليصلحوا أُسوة للناس، حتى نادى بعض المربين بمنع قراءة هذا الكتاب للأطفال والمراهقين، لما فيه من قصص فاضحة منافية للأخلاق.
والشريعة فيه تحل لبني إسرائيل ما تُحرِّمه على غيرهم، فالربا حرام إذا تعامل اليهودي مع مثله، أما مع غيره من الناس فهو حلال زلال.
أما تعاليم التلمود فتجعل من اليهود عصابة أشبه بعصابات ألمافيا في عصرنا، تستحل دماء البشر وأموالهم وحرماتهم، باسم الدين، فكل مَن عداهم من الأُمم يجب أن يكونوا عبيدًا لهم، وأن يكون لهم السيادة على العالَم وكل من دونهم أحط من البهائم. فاليهوديـة ليست دعـوة عالمية، ولا تنشد هداية العالم، إنما تريد شيئاً واحداً، هو السيطرة على العالم.
على أن اليهود لو كانوا يملكون رسالة لهداية البَشر، لكانوا أبعد الناس عن الصلاحية لحملها، فهم - بأنانيتهم وعزلتهم وحقدهم وطمعهم وشرههم وحرصهم على استغلال المجتمعات التي يعيشون فيها - لا يصلحون لحمل رسالة عالمية.
وهم - بما نُشر عنهم في بروتوكولات حكماء صهيون، وما ظهر على أيديهم من مظالم ومآثم ومجازر في فلسطين ولبنان - أعداء البَشرية لا منقذوها!
وهم بتاريخهم الدموي مع أنبياء الله ورسله - زكريا ويحيى والمسيح ومحمد عليهم الصلاة والسلام - لا يصلحون لحمل رسالة للإنسانية.
وهم - بتاريخهم في إيقاد الفتن، وتمزيق الجماعات، وبث الأفكار الهدَّامة، ونشر الفلسفات والمذاهب الانحلالية - لا يصلحون للإنقاذ، وإخراج البشرية من الظلمات إلى النور، فإن فاقد الشيء لا يُعطيه! وقد ضل من كانت العميان تهديه!.
لم يبق غير الإسلام منقذاً
إذا قلنا: إن العلم والفلسفة عاجزان عن القيام بمهمة الإنقاذ للبشرية اليوم مما تعانيه، وأن الدين وحده هو المنقذ، ولا شيء غيره. وإن كنا قد بينا أن المسيحية - باعتبارها دينًا - عاجزة عن القيام بهذا الدور، وأن اليهودية أشد منها عجزًا، فلم يبق غير الإسلامِ دينًا يمكنه أن يقوم بهذا الدور الخطير في هذا الزمن البائس، الذي تتلمس فيه البشرية الخلاص، وتبحث عن طوق للنجاة.
ترى هل يستطيع الإسلام المعاصر أن يقوم بهذه المهمة بجدارة واقتدار؟ وأيّ الاتجاهـات الفكريـة التي نشهـدها في السـاحة اليـوم، ونــرى لها دعـاتـها وأنـصارها، هـو المرشح للقيام بهذا الدور المنشود؟ وهذا يقتضي البحث في الاتجاهات السائدة بين مفكري العالم الإسلامي.
فقال له الشيخ: لقد ذهب أبو بكر وذهب علي، وذهبت الخلافة الراشدة والأموية والعباسية والعثمانية، وألغيت الخلافة نهائيا من ديار الإسلام، وأصبح الذين يتحكمون فينا هم الخواجات الأجانب، لا أبو بكر ولا علي.. الاتجاهات السبعة السائدة في موقفها من الإسلام:
سنعرض هنا بوضوح وأمانة للاتجاهات الفكرية الأساسية التي تتحدث عن الإسلام، وتتخذ منه موقفًا بالإيجاب أو بالسلب، بالقبول والولاء، أو بالرفض والعداء. ومن درس الاتجاهات الفكرية في الساحة، وموقفها من الإسلام وجدها سبـعة؛ ستـة منها نرفضها لأنها لا تمـثـل الإسـلام الحــق في رأينا، وواحد منها فقط هو الذي نؤمن به، وندعو إليه. وسنجتهد أن نعرضها هنا بإيجاز ما استطعنا، محاولين تحديد أهـم ملامحها ومعالمها، مختارين لهـا عناوين معبرة، وهي من عندنا ولم يسمها بها أصحابها طبعًا.
1- الاتجاه الاجتراري:
وهو الذي يعيش على الماضي وهو يجتره، ويعيد مضغه من جديد ولا يضيف إليه شيئًا، هذا مع أنه في واقع الأمر قد مُضِغ وهُضم وامُتص من قبل؛ فالاجترار المعروف عند الأنعام له وظيفة مهمة، وهو استعادة ما أُكل بسرعة واخُتزن ولم يُمضغ جيدًا، حتى يُعاد مضغه في تؤدة وأناة. أما الاجترار الفكري لما هو مهضوم بالفعل من قبل؛ فهو عمل معيب غير ذي وظيفة.
الاجترار الحيواني إذن له فائدته ونفعه، أما الاجترار الإنساني فلا فائدة له، بل هو ضار بالأمة؛ لأنه يضيع طاقتها في غير طائل.
إنما المفيد حقًا هو استخدام هذا الماضي أو التراث لإنشاء شيء جديد طالما تجددت الحياة واحتاجت إلى هذا الجديد؛ فيكون التراث بمثابة المادة الخام التي تضاف إليها بعض المواد المعينة لتصنيع آليات جديدة، لخدمة الأهداف الثابتة والأصول الخالدة، التي يقوم عليها كيان الأمة.
يمثل هذا الاتجاه بعض الدعاة الذين يفكرون بعقول الأموات من الماضين، وينظرون إلى إشكالات الحياة المعاصرة بعيونهم. ومن هؤلاء بعض الجماعات الدينية، التي تعيش على الماضي وحده، ولا تهتم بما يمور به العصر من تيارات، ولا ما يعانيه الواقع من مشكلات؛ فهم قدماء في أفكارهم، قدماء في لغتهم، قدماء في توجههم. يعتقدون أن في الكتب القديمة حلاً لكل معضلة، وإجابة عن كل سؤال.
ولا ننازع في أن أئمتنا وفقهاءنا الأقدمين تركوا للأمة فقهًا ثريًا، وتركة غنية بالأقوال والتعليلات والتخريجات والقواعد والصور، ولكنهم اجتهدوا لزمانهم لا لزماننا، ولبيئتهم لا لبيئتنا، ولمشكلاتهم لا لمشكلاتنا. فعلينا أن نجتهد لزماننا وبيئتنا كما اجتهدوا، وأن نرفض تلك المقولة التي تبناها أصحاب هذه الاتجاهات، وهي: ما ترك الأول للآخر شيئًا؛ فالواقع أن الأول ترك للآخر أشياء كثيرة، رأيناها ماثلة للعيان في مجال العلوم الطبيعية والرياضية. فلماذا لا يكون ذلك في العلوم الشرعية? لا سيما أن الحياة تغيرت تغيرًا هائلاً اقتضى أن تتغير الفتوى بتغيره، كما قرر الراسخون من العلماء. وهذا ليس في الفقه وحده، بل في متون العقيدة وعلم الكلام أيضًا. فما أحوج الناس إلى علم كلام جديد يخاطب الإنسان المعاصر بلسانه.
2- الاتجاه الانتحاري:
وهو الاتجاه الذي يريد من الأمة أن تنسلخ من ذاتيتها، وتتنكر لعقيدتها وشريعتها ورسالتها، وتذوب في الأمم الأخرى الأشد قوة، والأكثر تقدمًا، والأقوى حضارة في الإبداع المادي؛ بناء على نظرية تقول: إن الحضارة لا تتجزأ، وإن أخذ جزء من حـضـارة -كالجزء العلمي أو التكنولوجي في الحضارة الغربية المعاصرة- لا يغــني ما لم تأخذ الحضارة كلها بجذورها الفلسفية، وقيمها الأخلاقية، ومفاهيمها الفكرية، ومناهجها التربوية، وتوجهاتها التشريعية. فما لم تؤخذ الحضارة بخيرها وشرها، وحلوها ومرها؛ فلن يجتني من ورائها ثمرة، ولن تستطيع منافسة أهلها في مضمار التقدم.
وإنما سمينا هذا الاتجاه (الانتحاري) لأنه إعدام للأمة وإلغاء لشخصيتها وتميزها، وهذا هو الانتحار بعينه، فإن بقاء الأمة -بوصفها أمة- إنما يكون ببقاء شخصيتها وخصائصها الذاتية، فإذا ذابت في غيرها، وفنيت فيه، كما يذوب الملح في الماء، فلم يعد لها وجود متميز؛ فحياتها -كأمة- وموتها سواء، ولا سيما إذا كانت هذه الأمة ذات رسالة عالمية دينية وأخلاقية وحضارية. فذلك أكبر جناية عليها؛ حيث تنسى نفسها، وتنكر ذاتها. وأخذ جزء من حضارة لا يستلزم أخذ الحضارة كلها، وقد تكرر هذا قديمًا وحديثًا. أخذ الغرب المنهج العلمي التجريبي من الحضارة الإسلامية دون أن يأخذ قيمها الروحية والأخلاقية والتشريعية، وأخذت اليابان في عصرنا هذا المنهج من الغرب، ولم تأخذ عقائد الغرب ولا قيــمه ولا تقاليـده، واستفـادت اليابان بما أخذت من الغرب، كما استفاد الغرب قديمًا بما أخذ من حضارة الإسلام.
هذا الاتجاه الخطير يمثله دعاة التغريب بفصائلهم المختلفة، وفلسفاتهم المتباينة: من اليمين الليبرالي، إلى اليسار الماركسي؛ فكلهم شركاء في رفض مرجعية الإسلام للأمة، متفقون -رغم اختلاف وجهاتهم- على إخراجها من هويتها، وسلخها من جلدها؛ لتتبع أممًا أخرى في فكرها وقيمها وسلوكها، شبرًا بشبر، ذراعًا بذراع!
فكل هؤلاء بمدارسهم المتعددة لا يؤمنون بأصالة الأمة، وقيمة ما لديها من رسالة وثقافة وحضارة، وأنها لا يمكن أن تعيش -بله أن تتقدم- إلا بالاستيراد من غيرها.
ولو قالوا باستيراد الأساليب والكيفيات والآليات لوافقناهم تمامًا، ولكنهم يريدون استيراد الأصول والفلسفات والقيم؛ لتبقى الأمة بلا أساس ولا جذور. ولهؤلاء أساليب شتى، وحيل متنوعة في الوصول إلى هذا الهدف.
بعضهم صرحاء في رفضهم لمرجعية الإسلام بلا مداهنة ولا مواربة ولا مجاملة ولا تغليف بأي غلاف. وبعضهم يتخذ أساليب ملتوية كالقـول بتاريخية النص القرآني أو النبوي، أو بدعوى قراءته قراءة جديدة، لا تعتمد على الأصول العلمية الموروثة، والتي أجمعت عليها الأمة في علم أصول الفقه، أو أصول التفسير، أو أصول الحديث، بل يقرءونه قراءة معاصرة تلغي كل القراءات القديمة، ولا تستلهم إلا ذاتها وهواها؛ فتعرض عن (المحكمات) وتتمسك (بالمتشابهات)، وتؤوّل (القطعيات). ولا تؤمن بهذا المبدأ العظيم: (أن الأمة في مجموعها معصومة) ولا تجتمع على ضلالة.
وبهذا يصبح لكل شخص أن (يؤلف) دينًا على رأيه ومزاجه وهواه، ولا يكون ثمّة دين يجتمع الناس عليه، ويدينون به؛ إذ ليس هناك أصول تضبط الأفهام، وترد الشاردين إلى الصواب. ويسير في هذا الدرب كثيرون من المغرورين المتفيهقين، الذين عبّدوا أنفسهم للغرب، وحرروها من الالتزام بالإسلام.
3- الاتجاه الاعتذاري:
وهو الاتجاه الذي يقدم الإسلام وكأنه في قفص اتهام، أمام مُدَّعٍ يطالبه بأن تكون فلسفته كلها، وقيمه كلها، ومفاهيمه كلها، وتشريعاته كلها متماشية مع الغرب؛ فما خـالف الغرب منــها فـلا بــد لـه مـن عــذر، ولا مــفر مـن البــحث لــه عــن مُســوّغ أو (مُبرِّر). ومن هنا وقف الكثيرون من قضية الحجاب في مجال المرأة، والطلاق وتعدد الزوجات في مجال الأسرة، والربا في مجال الاقتصاد، والجهاد في مجال العلاقات الدولية، وغيرها من القضايا الإسلامية الأصيلة موقف المحامي المدافع عن متهم تنتظره أقصى العقوبة!
وكثيرًا ما ينزل هؤلاء عن هذا الموقف إلى موقف تبريري أضعف، يحاولون فيه تسويغ الأوضاع التي صنعها لنا الغرب، وفرضها علينا أيام سطوته الاستعمارية؛ بإعطائها سندًا شرعيًا، وتغطيتها بفتاوى إسلامية؛ أي إنهم -كما قلت مرة- يُلبِسون (الخواجة) الأوربي أو الأمريكي عمامة عربية إسلامية! وفي هذا من الضحك على النفس والتضليل للغير ما فيه.
مدرسة الاعتذار والتبرير كانت ظاهرة في النصف الأول من القرن العشرين، ولا يزال لها صوت إلى اليوم؛ يتمثل في أولئك الذين يريدون أن يحللوا الربا وفوائد البنوك بمماحكات شرعية، وأن يحللوا الخمر، أو يُسقطوا الحدود بمجادلات بيزنطية، ومثلهم الذين يريدون أن يخلعوا عن المسلمة حجابها بمثل هذا المراء العقيم.
4- الاتجاه الافتخاري:
وفي مقابل الاتجاه الاعتذاري يوجد هذا الاتجاه الافتخاري، الذي يتحدث عن الإسلام وتاريخه وحضارته بالأمس، وعن صحوته وحركاته اليوم، حديث المختال الفخور، الذي لا يرى إلا الأمجاد يسردها، والمناقب يعددها، مغفلاً العيوب والآفات والعاهات الدينية والأخلاقية والفكرية والحضارية التي أصابتنا بالأمس، حتى دمرت بنيان حضارتنا، ولا تزال تصيبنا اليوم بصورة أخرى، وفي مجالات أُخَر، وعلى مستـوى آخر، حتى غـدونا في مـؤخرة القـافلة البـشرية، نُنــسـب إلى العــالم الثـالـث، أو الرابع لو كان هناك، ونُحسب على بلاد التخلف التي جاملوها فسموها النامية!
لا أريد أن نشعر بالدونية ولا أن نحقر أنفسنا؛ فنحن نملك المؤهلات والطاقات التي ترشحنا لأن نسود ونقود، لو أننا استخدمناها كما ينبغي، وكما أمرنا ديننا، وانتقلنا من القول إلى العمل، ومن الانفعال إلى الفعل، ومن الغوغائية إلى العلمية، ومن التقليد إلى التجديد، ومن الاغتراب -سواء كان مكانيًا (أي عن أمتنا) أم زمانيًا (أي عن عصرنا)- إلى الأصالة والإبداع.
عندنا القوة المادية، والقوة البشرية، والقوة التاريخية، والقوة الروحية، التي تعدنا لنكون شيئًا مذكورًا، لو حددنا الوجهة، وأخلصنا النية، وأعددنا العدة، ووحدنا الصف، وبدأنا السير، عازمين متوكلين على الله، مستفيدين من أخطاء الماضي، وزلات الحاضر، وتجارب الآخرين، ولكن ينبغي أن نقوّم أنفسنا تقويمًا عادلاً.
يمثل هذا الاتجاه بعض الدعاة العاطفيين للإسلام، ممن ينسبون إلى بعض الجماعات الدينية والإسلامية، ممن لم يتعمقوا في دراسة الإسلام وثقافته وحضارته وتاريخه، ولم يحيطوا علمًا بما عند الآخرين، واعتبروا كل ما عندنا وردًا لا شوك فيه، وما عند الآخرين شوكًا لا ورد فيه؛ فظلت نظرتهم قاصرة، وإن كانت سريرتهم طاهرة.
5- الاتجاه الاختصاري:
وهو الـذي يـريـد أن يختــصر الإســلام في العقــيدة والعبادة، وإن كانت صـــورة بلا حقيقة، وشبحًا بلا روح، ويحذف من الإسلام كل ما يجعل منه رسالة لإصلاح المجتمع، وبناء الأمة، وهداية العالم، وتجديد الحياة.
وإذا كان اتجاه بعض المسلمين في الأزمنة الماضية (الزيادة في الإسلام) بالابتداع فيه، وهو مردود، فإن كل بدعة ضلالة، فإن اتجاه هؤلاء هو: الانتقاص من الإسلام؛ بإخراج بعض مـا هو من صُلبه منه، وقد امتن الله تعالى علينا بإكمال هذا الدين، فقال تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا" (المائدة: 3)، والكامل لا يقبل الزيادة عليه، ولا النقص منه.
هذا الاتجاه يريد الإسلام: عقيدة بلا شريعة، ودعوة بلا دولة، وسلامًا بلا جهاد، وحقًا بلا قوة، وعبادة بلا معاملة، وزواجًا بلا طلاق، ودينًا بلا دنيا.
إن أصحاب هذا الاتجاه يريدون تحريف الإسلام وتحويله إلى ديانة جديدة، تحمل مضمون النصرانية وعنوان الإسلام.
فالنصرانية ليس فيها تشريع، ولا عقوبات، ولا معاملات ولا طلاق، ولا جهاد، ولا دولة أو حكومة، بل يقول إنجيلها: "دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"، فقبلت قسمة الحياة، وقسمة الإنسان بـين الله تعالى وبـين قيصر؛ فالدين لله (أي للكنيسة أو للسلطة الروحية)، والدنيا وشـؤون الحياة لقيصر (أي للدولة، أو للسلطة الزمنية). أما الإسلام فهو يقرر أن كل ما في الوجود فلله، فله ما في السموات وما في الأرض، ومـن في السموات ومـن في الأرض، مِلـكًا ومُلـكًا، وقيصر وما لقيصر كله لله وحده.
هذا هو اتجاه دعاة العلمانية الذين لا يريدون أن يعلنوها صريحة بأنهم يرفضون الإسلام، كما نزل به القرآن، وكما دعا إليه محمد عليه الصلاة والسلام، وكما فهمه الصحابة وتابعوهم بإحسان، وعلماء الأمة في سائر القرون، بل يريدون أن يحرفوا الإسلام باسم الإسلام، والإسلام من دعواهم براء.
إن الإسلام رسالة شاملة: عقيدة وشريعة، وعبادة ومعاملة، ودعوة ودولة، وحق وقوة، ودين ودنيا، وجهاد واجتهاد، وثقافة وحضارة. إنه رسالة تصحب الإنسان في رحلة حياته كلها من المهد إلى اللحد، بل من قبل أن يولد، ومن بعد أن يموت. الإنسان جنينًا ورضيعًا وفطيمًا، وصبيًا وشابًا، وكهلاً وشيخًا، الإنسان رجلاً، والإنسان امرأة، الإنسان وحده، والإنسان في أسرة ومجتمع، الإنسان محكومًا، والإنسان حاكمًا، الإنسان غنيًا، والإنسان فقيرًا، الإنسان في بادية، والإنسان في حاضرة…
وهو كذلك رسالة تصحب الإنسان في مجالات حياته كلها؛ تصحبه بالتشريع حينًا، وبالتوجيه أحيانًا، ترسم له الطريق، وتحدد له المعالم، وتحذره من المزالق. في البيت، أو في المسجد، أو في الطريق، أو في المدرسة، أو المزرعة، أو المصنع، أو المتجر، أو المكتب، أو المحكمة، أو الديوان، أو في أي جانب من جوانب الحياة؛ فقد أنزل الله كتابه تبيانًا لكل شيء، من رب كل شيء، كما قال سبحانه وتعالى لرسوله: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى رحمة وبشرى للمسلمين" (النحل: 89).
6- الاتجاه الاشتجاري:
وهو الاتجاه الذي يقدم الإسلام (مشتجرًا) مع سائر الناس، معتركًا مع كل من يخالفه، ليس إسلام الرفق والتسامح، وليس إسلام الحوار والإقناع؛ فهو ينصب معركة مع غير المسلمين، بل مع المسلمين غير الملتزمين، بل مع الملتزمين المخالفين لرأيه، مع الحكام، مع الفن - كل الفن، ومع المرأة التي تلبس الخمار، لمَ لمْ تلبس النقاب? مع الذين لا يرون رأيه في بعض مسائل العقيدة أو لا يقولون بقوله في بعض مسائل الفقه.
أصحاب هذا الاتجاه دائمًا (في حالة حرب) مع غيرهم، شاهرون سيوفهم على من ليسوا أعداءً لهم في الحقيقة؛ فهم يقاتلون غير عدو، ويجاهدون في غير ميدان.
همهم الأكبر إثارة الخلاف والجدل في الجزئيات، وشغل الناس بالجزئيات عن الكليات، وبالفروع عن الأصول، وبالشكل عن الجوهر، وبالمختلف فيه عن المتفق عليه.
صورة الإسلام الذي يقدمونه للناس لا تصلح إلا لبيئتهم المحدودة، لا تصلح رسالة عامة خالدة: للشرق وللغرب، للقرن الخامس عشر الهجري، أو القرن الحادي والعشرين الميلادي.
إنهم يقدمون الإسلام المقطَّب الوجه، العبوس القمطرير، الذي لا يعرف غير العنف في الدعوة، والخشونة في المجادلة، والغلظة في التعامل، والفظاظة في الأسلوب.
إنهم يقدمون الإسلام الجامد كالصخر، الذي لا يعرف تعدد الآراء، ولا يعترف بتنوع الاجتهادات، ولا يقــر إلا الرأي الواحد، والوجــه الواحــد، ولا يسمــع للـرأي الآخر، ولا للوجهة الأخرى، ولا يرى أحدهم أن رأيه صواب يحتمل الخطأ، وأن رأي غيره خطأ يحتمل الصواب. إنه الإسلام الـذي لا يكــاد يــرى في الإسـلام إلا التــشريـع، ولا يكاد يرى في التشريع إلا الحدود والعقوبات.
إنهم يقدمون الإسلام الذي لا يعرف التسامح مع المخالفين في الدين، ولا يقبل الحوار، مع المغايرين في الفكر، ولا يأذن بوجود للمعارضين في السياسة. إنه الإسلام الذي ينظر بريبة إلى المرأة؛ فهو يدعو إلى حبسها في البيت، وحرمانها من العمل، ومن المشاركة في الدعوة والحياة الاجتماعية، ومنعها من التصويت، بله الترشيح للمناصب.
إنهم يقدمون الإسلام الذي لا تعنــيه العـدالة في توزيـع الثـروة، ولا توكيد قاعدة الشورى في السياسة، ولا إقرار الحرية للشعب، ولا مسـاءلة اللصـوص الكـبار عـما اقترفوه، لكـنه يشـغل النـاس بالجـدال في فرعيــات فقهــية، وجزئــيات خــلافيـة؛ في العـبادات أو المعاملات، لا يمكن أن ينتهي فيها الخلاف.
إنهم يقدمون الإسلام الذي يتوسع في منطقة التحريم حتى يكاد يجعل الحياة مجموعة من المحرمات؛ فأقرب كلمة إلى ألسنة دعاته وأقلام كتابه كلمة "حرام".
إن الإسلام بهذه الصورة القاتمة السوداء، الذي يقدمه بها نفر من أبنائه -المخلصين غالباً في نياتهم، القاصرين في أفهامهم- لن يمكنه القيام بدور المنقذ أو الوارث للحضارة الغاربة أو التي توشك على الغروب.
7- الاتجاه الحضاري:
وهذا ما ينادي به اتجاه (الوسطية الإيجابية) التي تنظر إلى الإسلام باعتباره رسالة حضارية متميزة، رسالة ربانية الغاية، إنسانية المحتوى، عالمية الوجهة، أخلاقية المنهج، إيجابية المسلك. وسنتحدث عن هذه الرسالة -بعد قليل- بما يبين ملامحها، ويلقي شعاعًا على مقوماتها وخصائصها.
يعمل هذا الاتجاه جاهدًا أن يُجند الأمة لجهاد كبير، يعيد إليها ذاتها، أو يعيدها إلى ذاتها؛ فتستفيد من أمسها، ملتفتة إلى يومها، متطلعة إلى غدها. جهاد همه البناء لا الهدم، والجمع لا التفريق، والعمل لا الجدل، والعطاء لا الثناء. والابتكار لا الاجترار ولا الافتخار، وشعاره: الرفق لا العنف، والتسامح لا التعصب، والتعاون لا التشاحن. يغالي هذا الاتجاه -أو هذا التيار- بقيمة ما لدينا من رسالة، وما أقمنا من حضارة، وما عندنا من إمكانات، ولكنه يعترف بأخطائنا القاتلة بالأمس، وانزلاقاتنا الماثلة اليوم، ولكنه لا يجعل من الحبة قبة، ولا يضخم (سلبياتنا) حتى يوئيسنا من أنفسنا؛ فهو ينكر التهويل كما ينكر التهوين للواقع، مجتهدًا أن يعطي لكل أمر ما يستحقه.
هذا الاتجاه مثّله دعاة (الجامعة الإسلامية) من قبل: الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، بأقدار متفاوتة، ومثّله بعدهم دعاة الإصلاح والتجديد الإسلامي، أمثال: حسن البنا مؤسس كبرى الحركات الإسلامية (الإخوان المسلمون)، التــي أصبح لها أتباع في أكثر من سبعين دولة في العالم اليوم، ومن رجالها: مصطفى السباعي، وعبد القادر عودة، ومحمد الغزالي، وسيد قطب، وسعيد حوّى، وعبد الحليم أبو شقة، وكثير من الأعلام الأحياء.
ومن فروعها: الجبهة القومية الإسلامية في السودان، وحزب النهضة في تونس، وجبهة العمل الإسلامي في الأردن، وحزب التجمع والإصلاح في اليمن.
ومثله: أبو الأعلى المودودي مؤسس كبرى الجماعات الإسلامية في شبه القارة الهندية، وصاحب الرسائل والكتب الفكرية التي شرقت وغربت، وأحد الذين نقدوا الحضارة الغربية على بصيرة.
وكذلك مثله عبد الحميد بن باديس منشئ (جمعية العلماء) بالجزائر، التي قاومت فرنسة الشعب والمجتمع الجزائري، وعملت على إحياء هويته القائمة على الإسلام والعربية، وكان من أعلامها الشيخ البشير الإبراهيمي، ومن بعده المفكر الجزائري مالك بن نبي، وجماعة نجم الدين أربكان في تركيا.
وهناك جماعات علمية دعوية تتبنى هذا الاتجاه الحضاري مثل (ندوة العلماء) في الهند التي تجمع بين القديم النافع والجديد الصالح، وتأخذ من التراث ما صفا، وتدع ما كدر، وقد قام عليها علماء أعلام، مثل: شبلي النعماني، وسليمان الندوي، وأبي الحسن الندوي.
ومثلها جماعة (المعهد العالمي للفكر الإسلامي) في واشنطن وفروعه، ويقوم عليه رجال ثقات، مثل: د. عبدالحميد أبوسليمان، و د.طه جابر العلواني، وإخوانهما، ويعمل المعهد جاهدًا في مشروع (إسلامية المعرفة) ولا سيما العلوم الاجتماعية والإنسانية، وقد أصدر مجموعة من الكتب القيمة والمنشورات النافعة.
والإسلام في نظر هذا الاتجاه ليس إسلام عصر من الأعصار، ولا إسلام قطر من الأقطار، ولا إسلام مذهب من المذاهب، ولا إسلام فئة من الفئات.
إن الإسلام المنشود هو الإسلام الأول؛ إسلام القرآن والسنة؛ سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الراشدين المهديين من بعده. إسلام التيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير، والرفق لا العنف، والتعارف لا التناكر، والتسامح لا التعصب، والجوهر لا الشكل، والعمل لا الجدل، والعطاء لا الادعاء، والاجتهاد لا التقليد، والتجديد لا الجمود، والانضباط لا التسيب، والوسطية لا الغلو ولا التقصير.
إسلام يقوم على عقيدة روحها التوحيد، وعبادة روحها الإخلاص، وعمل روحه الإتقان، وأخلاق روحها الخير، وآداب روحها الذوق، وتشريع روحه العدل، ورابطة روحها الإخاء، وثمرة ذلك كله حضارة روحها التوازن والتكامل.
ولقد تحدثت عن هذا الاتجاه الحضاري أو هذا التيار (تيار الوسطية) في أكثر من كتاب لي، وعن خصائصه المميزة له، وهي الجمع بين السلفية والتجديد، والموازنة بين الثوابت والمتغيرات، والحرص على استلهام التراث، ومعايشة الحاضر، واستشفاف المستقبل، والفهم الشمولي المتوازن للإسلام، في ضوء فقه جديد، يشمل فقه سنن الكون، وفقه مقاصد الشرع، وفقه الموازنات، وفقه الأولويات، وفقه حقيقة الواقع، بعيدًا عن التهوين والتهويل، وعن التجميد والتمييع والتجزئة لحقائق الإسلام ورسالته الجامعة. فمن أراد التفصيل فليرجع إليه هناك.
هل عند أمتنا رسالة حضارية للبشرية؟
إذا عجزت المسيحية، وعجزت اليهودية، وبعبارة أخرى: عجز المسيحيون، وعجز اليهود أن يقدموا للبشرية قارورة الدواء، أو مضخة الإطفاء لحريق المادية، وسعار الإباحية، وصراع النفعية - وهو ما تفرزه الحضارة الغربية للناس - فهل يستطيع الإسلام أو يستطيع المسلمون أن يقوموا بدور المنقذ للبشرية التي تكاد تشرف على الغرق ? وبعبارة أخرى: هل عند أمتنا مشروع حضاري تقدمه للبشرية في دورتها المقبلة أو في قرنها الجديد؟ سواء سميناه قرن صراع الحضارات كما يسميه الكاتب الأمريكي صمويل هانتنجتون، أم قرن حوار الحضارات على حد تعبير المفكر الفرنسي المسلم جارودي؟
والجواب: نعم عند أمتنا مشروعها الحضاري المتميز، وهو المشروع الحضاري الإسلامي الذي يتبناه اتجاه الوسطية الإسلامية الذي تحدثنا عنه.
وإن كنت أوثر ألا أستخدم عبارة (المشروع) هذه - التي جرت على الألسنة والأقلام في السنوات الأخيرة - إلا من باب ما يسميه علماء البلاغة العربية (المشاكلة) كقوله تعالى: "ويمكرون ويمكر الله" (الأنفال: 30)، وكذلك قوله تعالى: "يخادعون الله وهو خادعهم" (النساء:142).
وعلى هذا الأساس أجزنا استعمال كلمة المشروع الإسلامي في مقابلة المشروع الماركسي والمشروع الليبرالي والمشروع العلماني بصفة عامة. والعبارة التي أوثرها هنا حقًا هي الرسالة فبدل أن نقول: مشروعنا الحضاري، نقول: رسالتنا الحضارية.
نعم لدى أمتنا رسالة حضارية
ومما لا ريب فيه أننا أمة ذات رسالة، وهي رسالة حضارية متميزة، إنها رسالة جامعة، تبدأ بتزكية الفرد، مرورًا بإسعاد الأسرة، وإصلاح المجتمع، وبناء الأمة، وإقامة الدولة، وانتهاءً بسلام العالم وخيره، حتى يتحقق قول الله تعالى لرسوله محمد : "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء: 107)، وقوله عن نفسه: "إنما أنا رحمة مهداة" ().
وأذكر أن حوارًا دار بين مفكرين إسلاميين كبيرين، هما: مالك بن نبي من الجزائر، وسيد قطب من مصر، حول نسبة الحضارة إلى الإسلام، وإلى مجتمعه. فقد كان سيد قطب أعـلن عن كتاب كبير يعده، سماه في أول الأمر (نحو مجتمع إسلامي متحضر)، ثم عاد فحذف من العنوان كلمة (متحضر)، واكتفى بتسميته (نحو مجتمع إسلامي)، معللاً ذلك بأن نسبة المجتمع إلى الإسلام ووصفه به، يغني عن وصفه بالتحضر، على أساس أن الإسلام هو الحضارة الحقيقية، وما عداه من الحضارات التي تبهر الناس وهمٌ وزيف، وكتب في ذلك فصلاً من فصول كتابه الشهير (معالم في الطريق) جعل عنوانه (الإسلام هو الحضارة).
وأنا مع الشهيد قطب في أن الإسلام هو الحضارة المثلى، الذي تقاس إليه الحضارات المختلفة، ليعرف صوابها من خطئها، وأصيلها من زائفها.
ولكن هذا لا يمنع من استخدام وصف (المتحضر) - كما قال ابن نبي - للمجتمع الإسلامي، باعتبارها صفة كاشفة، لا صفة منشئة، كما يقول اللغويون، كما في قوله تعالى: "ولا طائر يطير بجناحيه" (الأنعام: 38)، فليس هناك طائر يطير بجناحيه، وآخر لا يطير بهما. ووصف المجتمع الإسلامي بهذه الصفة (التحضر) ليبين من أول الأمر أن الإسلام دين حضارة وعلم وثقافة، وليس كما يتصور بعض النـاس أو يصـورون أنه ديـن بـداوة، لأنه نشـأ في بيـــئة لم يكن لها فلــسفة اليـونـان، ولا قانون الرومان، ولا مدنية الفرس، ولا حكمة الهند، ولا صنعة الصين.
ولهذا أقول بكل ثقة واطمئنان: إن لدى أمتنا رسالة حضارية متميزة تستطيع أن تقدمها للعالم الذي تدل كل الدلائل أنه في أشد الحاجة إليها، لو وجدت من يحسن تقديمها إليه، ولا سيما العالم الغربي الذي حقق الثورات العلمية الهائلة في دنيا الذرة، ودنيا الفضاء، ودنيا الإلكترونيات، ودنيا الهندسة الوراثية، ودنيا الاتصالات والمعلومات. هذه الرسالة تستطيع أن تقدم للغرب الإيمان ولا تســلبه العلم، وتعطيه الدين ولا تحرم عليه الدنيا، وتصله بالسماء ولا تمنعه من عمارة الأرض، وتمنحه نور الوحي ولا تحرمه نور العقل، وتقوي صلته بالخالق ولا تقطعه عن الخلق.
مقومات هذه الرسالة العشرون
ولهذه الرسالة الحضارية (مقومات) - ذكرتها في محاضرة لي منذ نحو ثلاث سنوات في مؤتمر إسلامي في مدينة ديترويت بالولايات المتحدة - تصل إلى عشرين عدًّا، نذكرها سردًا مجردًا فيما يلي، فهي:
رسالة العقيدة الموافقة للفطرة. رسالة العبادة الدافعة للعمارة. رسالة العقل المهتدي بالوحي. رسالة العلم المرتبط بالإيمان. رسالة الإيمان المقترن بالعمل. رسالة العمل الملتزم بالدعوة. رسالة الدنيا المعدة للآخرة. رسالة الجسم الممدود بالروح. رسالة القوة المدافعة عن الحق. رسالة المال المكتسب من حل، المنفق في حق. رسالة الحقوق المتوازنة مع الواجبات. رسالة الحرية الخادمة للفضيلة. رسالة الأخلاق المرتقيـة بالإنسـان. رسـالة الفـرد المنـتـظم في أســرة ومجتــمع. رسـالة المجتــمع الذي لا يطغى على الأفراد. رسالة الأمـة المنفـتحة على العـالم. رسالة الدولة المقيمة للدين. رسالة التشريع المحقق للمصالح. رسالة العدل المؤيد بالإحسان. رسالة الفن الملتزم بالقيم.
هذه مفردات مقومات هذه الرسالة الحضارية، وشرح كل منها يطول، فحسبنا هنا سردها. وعسى الله أن يهيئ لنا شرحها وإلقاء الضوء عليها، في مناسبة أخرى.
خصائص رسالتنا الحضارية
وإذا كان لرسالتنا الحضارية مقومات تشخصها، فلا ريب أن لها خصائص تميزها. وقد ألفنا كتابًا من زمن طويل بعنوان (الخصائص العامة للإسلام) يمكن الرجوع إليه لاستبانة هذه الخصائص من: الربانية والإنسانية والشمولية والوسطية والواقعية والوضوح، والجمع بين الثبات والمرونة.
وأكتفي هنا بالإشارة إلى خصيصة (الوسطية) ويمكن التعبير عنها بـ (التوازن)، وأضيف إليها خصيصة (التكامل)، وأتحدث عنهما بإيجاز.
رسالة التوازن والوسطية
فهذه الرسالة هي الرسالة الوحيدة التي تُقدِّم للبشرية منهجًا يتميز بالتوازن والتكامل، ونعني بالتوازن: التوسط بين طرفي الغلو والتفريط، اللذين لم يسلم منهما منهج بشري صرف، أو منهج ديني دخله تحريف البشر، وهو ما يُعبِّر عنه القرآن باسم (الصراط المستقيم) وهو المذكور في فاتحة الكتاب، الذي يسـأل المسلم ربه كل يوم أن يهديه إليه ما لا يقل عن سبع عشـرة مــرة في صـلواته: "اهدنا الصراط المستقيم" (الفاتحة: 6)، فهو منهج متميز عن طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين.
وقد يُعبِّر عنه بـ (الميزان) الذي يجب إلا يشوبه طغيان ولا إخسار كما قال تعالى: "والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان" (الرحمن: 7 - 9).
فالطغيان هو الميل إلى جانب الغلو والإفراط، والإخسار: هو الميل إلى جانب التقصير والتفريط، وكلاهما ذميم.
في هذا المنهج تلتقي المتقابلات التي يحسب كثير من الناس التقاءها ضربًا من المحال، لأنها في نظرهم متضادة، والضدان لا يجتمعان، ولكنها في الإسلام تلتقي في صورة من الاتساق المبدع، بحيث يأخذ كل منها المساحة المناسبة له، دون أن يطغى على مقابله: لا طغيان ولا إخسار.
فهو يضع الموازين القسط
بين الربانية والإنسانية. بين الوحي والعقل. بين الروحية والمادية. بين الأخروية والدنيوية. بين المثالية والواقعية. بين الماضوية والمستقبلية. بين المسؤولية والحرية. بين الاتباع والابتداع. بين الواجبات والحقوق. بين الثبات والتغير.
وبهذا التوازن تتميز الأمة المسلمة عن غيرها من الأمم، ويضعها في مرتبة الأُستاذية، وهو ما خاطبها الله سبحانه وتعالى به بقوله: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس" (البقرة: 143).
وقد ظهرت هذه الوسطية في حياة الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، وحياة المجتمع المسلم، والأمة المسلمة، وتجلت آثارها بوضوح في توجه الحضارة الإسلامية وتوازنها.
رسالة التكامل
وأما التكـامل فلا نعني به التوسط أو التعادل بين طرفين متقابلين، كالذي ذكرناه في التوازن. إنما نعني به اجتماع معان وأُمور يكمل بعضها بعضًا، ولا يستغنى بأحدها عن الآخر، لكي يؤدي الإنسان رسالته كاملة في عمارة الأرض، وخلافة الله وعبادته، كما أمر الله تعالى، وتؤدي الأمة رسالتها في هداية الناس، وتكون كما أراد الله لها: "كنتم خير أمة أُخرجت للناس" (آل عمران: 110).
مثال ذلك: العلم والإيمان. الحق والقوة. العقيدة والعمل. الدعوة والدولة. التربية والتشريع. وازع الإيمان ووازع السلطان. الإبداع المادي والسمو الخُـلُقي. القوة العسكرية والروح المعنوية.
فليس العلم مقابلاً أو مضادًا للإيمان، في نظر الإسلام، ولا في واقع الأمر. وليس الحق مقابلاً للقوة، وليست العقيدة مقابلة للعمل، ولا التربية مقابلة للتشريع. وهكذا، إنما هي معان يكمل بعضها بعضًا، ولا بد منها جميعًا.
فإن الحياة التي ينشدها الإسلام لا تستقيم ولا تتكامل إلا بهذه الأمور كلها.
وعيب المناهج والأنظمة البشرية أنها تهتم ببعض الجوانب دون بعض، وتركز على بعض القيم دون بعض، فنراها تعنى - مثلاً - بالاقتصاد والإنتاج، أعني بإشباع البطون، ولكن لا تعنى كثيرًا بإشباع العقول، وقد تعنى بإشباع العقول بالعلم المادي، ولكنها لا تعنى بإشباع القلوب والأرواح برحيق الإيمان. وقد تهتم بتيسير المواصلات بين البلدان، على حين تغفل الاهتمام بالصلات الاجتماعية والنفسية بين الناس. وأعظم من ذلك الصلة بين الإنسان وربه.
ولكن الإسلام - منهج الله - يعنى بإشباع حاجات الإنسان كله: جسمه وعقله وروحه، ويهتم بالإنسان في كل أحواله، فردًا، وعضوًا في أسرة، وعضوًا في مجتمع، ومواطنًا في دولة، ويوجه عنايته التوجيهية والتشريعية إلى الإنسان في كل مراحله وأوضاعه، الإنســان طفـــلاً، والإنسان شابًا، والإنسان شيخًا. الإنسان رجلاً، والإنسان امرأة. الإنسان حاكمًا، والإنسان محكومًا، الإنسان من حيث هو إنسان: أبيض أو أسود، شرقي أو غربي، غني أو فقير، يعيش في ناطحات السحاب أو في الغابات والأدغال.
كما يوجه الإسلام عنايته إلى إنشاء المجتمع الفاضل، والأمة الواحدة، التي أخرجها الله للناس، لخير الناس، وهداية الناس، والدولة الصالحة، التي تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر.
تكامل العلم والإيمان في الإسلام
ومن أظهر ما يتجلى فيه التكامل الإسلامي، هو: تكامل العلم والإيمان.
فمن مظاهر التكامل في رسالة الإسلام: أن التقى فيها العلم والإيمان جنباً إلى جنب، ولم يقم في مجتمعه ما قام في المجتمعات الأخرى من نزاع بين العلم والدين، راح ضحيته الألوف من أهل العلم والفكر، ومن رأى رأيهم أو سار على دربهم. 5.من المناهج التي يجب اعتمادها في قضايا تعميق وإحياء الوحدة وتحقيق التقريب هو الدراسات المقارنة المشتركة في مجال تفسير القرآن، وفي مجال السنة، وذلك في سبيل تحقيق الفهم المشترك أو المتقارب. وتاريخ أوروبا في العصور الوسطى حافل بالمجازر البشرية الرهيبة التي سيق إليها العلماء والدارسون في ظل محاكم التفتيش وغيرها. وقد حكى الشيخ محمد عبده في كتابه: (الإسلام والنصرانية، مع العلم والمدنية) جملاً من هذه الوقائع تقشعر لمجرد ذكرها الجلود، وتستنكرها في عصرنا أدنى العقول.
ومن حسن حظنا نحن المسلمين أن ديننا لا يضيق بالدعوة إلى العلم والتقدم، كما قد يتوهم الذين لا يعرفون الإسلام، ويريدون أن يُجروا عليه ما جرى على الأديان الأخرى. نحن نعتبر التقدم العلمي وما يُثمره في الحياة من استخدامات تكنولوجية نافعة - تيسر على الإنسان حياته، وتوفر عليه جهده البدني والعقلي - عبادة بالنسبة للفرد المسلم، يتقرَّب بمعرفتها وإتقانها إلى ربه، كما يتقرَّب بالصلاة والصيام. وهي - بالنسبة للمجتمع - فريضة كفائية، يأثم المجتمع كله إذا لم يقم من أبنائه عدد كاف يسد كل الثغرات، ويلبي كل الحاجات، التي يتطلبها المجتمع في كل مجالاته المدنية والعسكرية. إن مما تميز به الإسلام عن غيره من الأديان الأخرى، هو احترامه للعقل، ودعوته إلى النظر والتفكير، وحثه على العلم والتعلم، وإشادته بالعلماء وأصحاب العقول، وحملته على الجمود والجهل، وتمجيده للقراءة والكتابة والقلم، من أول آيات أنزلت من القرآن.
ولكن العلم في الإسلام إنما يقوم في رحاب الإيمان وضوئه، كما قال تعالى: "اقرأ باسم ربك الذي خلق" (العلق: 1)، والقراءة هي مفتاح العلم، ولكنها قراءة مؤمنة، قـراءة باسـم الله، الـرب الذي خـلق. وبهـذا يكــون العــلم خــيرًا وبـركـة على النـاس، لا مصدر غرور وتسلط على الخلق، ومن هنا رأينا سليمان حينما جيء له بعرش بلقيس من سبأ إلى الشام بوساطة العلم، لم يركبه الغرور، بل قال في أدب وتواضع: "هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه،ومن كفر فإن ربي غني كريم" (النمل: 40)، ورأينـا ذا القرنين الذي آتاه الله من كل شيء سببًا، وهيأ له من الفتوح في الشرق والغرب ما لم يتهيأ لأحد قبله، حين بنى سدّه العظيم يقول في خشوع المؤمنين: "هذا رحمة من ربي، فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقًا" (الكهف: 98).
حضارتنا: حضارة العلم والإيمان
وفي ضوء هذه القيم والمفاهيم تأسست النهضة العلمية الكبرى في رحاب الحضارة الإسلامية المتكاملة. ترجم المسلمون كتب (الأوائل) كما كانوا يسمونهم في المشرق والمغرب، وخصوصًا اليونان، الذين كان لهم باع طويل في الفلسفة، التي كانت تشمل شُعَبها: الجوانب العلمية والرياضية والطبيعية، (بجوار الجانب الميتافيزيقي)، فاستفاد المسلمون منها، وهذَّبوها، وشرحوها، وأضافوا إليها إضافات هامة، بل ابتكروا علومًا جديدة مثل علم (الجبر)، واكتشفوا المنهج الاستقرائي والتجريبي، الذي طبَّقوه عمليًا في مختلف جوانب الحياة، والذي اقتبسه الغربيون منهم، وقامت على أساسه النهضة الغربية الحديثة، فهي حسنة من حسنات الحضارة الإسلامية، كما شهد بذلك المنصفون من الغربيين أنفسهم.
لقد كانت الحضارة الإسلامية هي الحضارة الأولى - وربما الحضارة الفذَّة - في العالم لعدة قرون، يوم كانت أوروبا غارقة في بحار الجهالة و الظلمات، ولا ترى الضوء إلا من جهة الشرق المسلم.
وكانت جامعات المسلمين هي جامعات العلم الكبرى في العالَم، في بغداد أو في القاهرة، أو في دمشق، أو في قرطبة، والأندلس، أو في غيرها من مواطن العلم في عالم الإسلام، وكان الطُلاب من أنحاء العالم يفدون إلى هذه الجامعات ليتعلموا ويتقدموا.
وكانت المراجــع العلمـية في العالَم هي المراجـع الإسلامية. وكانت أسماء علماء المسلمين هي ألمع الأسماء العلمية في تلك العصور، بل هي الأسماء الوحيدة المعـروفــة في تخصصاتها المتنوعة، مثل الخوارزمي والبيروني وابن الهيثم وابن النفيس وابن البيطار. وغيرهم وغيرهم. إلى جوار علماء الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية مثل الكندي والفارابي والغزالي وابن باجة وابن طفيل وابن مسكويه وابن عربي وابن تيمية وابن خلدون. وغيرهم. وكان كثير من هؤلاء علماء مبرزين في علوم الدين والشريعة، ومبرزين كذلك في العلوم الطبيعية والرياضية، مثل ابن رشد والفخر الرازي وابن النفيس وغيرهم.
وكانت اللغة العربية هي لغة العلم الأولى في العالم، فقد وسعت كل العلوم المترجمة والمبتكرة، وكتبت بها في سلاسة ووضوح، ولم يشك عالم يومًا ما أن اللُّغة ضاق صدرها بعلم من العلوم، أو عجزت عن التعبير عنه.
وكانت مدن المسلمين في عالَم الإسلام هي التي احتضنت هذه النهضة الشامخة، وتجلَّت فيها آثارها المادية: في مساجدها، وفي مدارسها، وفي قصورها، وفي قلاعها، وفي مستشفياتها، وفي شتى جوانب حياتها.
كما تجلت آثارها المعنوية في سلوك المسلمين، حتى قـال (غوستاف لوبون): "ما عرف التاريخ فاتحًا أعدل ولا أرحم من العرب". يعني: من المسلمين.
كانت حضارتهم حضارة ربانية، كل شيء فيها موصول بذكر الله، وكل أمر ذي بال فيها لا يبدأ باسم الله فهو أبتر.
وكانت حضارة إنسانية، تعمل لخير الإنسان، وسعادة الإنسان، والسمو بالإنسان، كما تهتم بكرامة الإنسان، وفطرة الإنسان، وحرية الإنسان.
وكانت حضارة أخلاقية، لا ينفصل فيها العلم عن الأخلاق، ولا الاقتصاد عن الأخلاق، ولا السياسة عن الأخلاق، ولا الحرب عن الأخلاق.
وأعتقد أن الأمة التي صنعت تلك الحضارة القديمة، قادرة على أن تصنع حضارة جديدة، تأخذ من حضارة الغرب خير ما فيها، من وثبات العلم والتكنولوجيا، وحسن الإدارة والتنظيم، ولكنها تضيف إليها قيم الإيمان والأخلاق الربانية والإنسانية، وتضبط مسيرتها بالتشريعات الإلهية، التي وضعت (النصوص الربانية) أسسها وأصولها، وتركت للعقل المسلم حق الاجتهاد في فروعها وتفصيلاتها، مراعيًا الجمع بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية، ومعتبرًا لتغير الزمان والمكان والإنسان.
وبهذا تكمل حضارتنا نقص الحضارة المعاصرة، وتملأ فراغها، حين تمزج الروح بالمادة، وتصل الدنيا بالآخرة، وتربط بين التنمية والأخلاق، وتجمع بين العلم والإيمان، فليس بالعلم وحده يحيا الإنسان.
إن الإيمان - كما جاءت به الرسالة الخاتمة - هو الذي يُفسر قضايا الوجود الكبرى، ويصل الإنسان بالوجود الكبير، وبالأزل والأبد، ويجعل لحياته طعمًا وهدفًا ورسالة، وهو الذي يمنحه السكينة الروحية، والطمأنينة القلبية، فلا يستبد به القلق والخوف، ولا يسيطر عليه الاكتئاب واليأس: "هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم" (الفتح: 4)، "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب" (الرعد: 28).
الإيمــان قوة هــادية، تنير لصاحبها الطريق، وهو قــوة حــافزة، تدفعه إلى الخير، وهو قوة ضابطة، تصده عن الشر، وقوة جامعة، تربط أهل الإيمان برباط لا ينفصم: "ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم" (آل عمران: 101).
كلمة أخيرة
هذه رسالة الإسلام الحضارية، تقدمها أمته إلى العالم الحائر الذي شقى بالحضارة المادية الاستهلاكية التي تسوده اليوم.
على الأمة أن تجتهد وتستفرغ وسعها في تبليغ هذه الرسالة إلى البشرية التائهة: بالأسوة الحسنة والنموذج العملي أولا، ثم بالكلمة المقروءة، وبالكلمة المسموعة، وبالكلمة المشاهدة، وباللغات المختلفة، حتى تقوم على الناس الحجة، وتبرأ الذمة.
ولدينا من الإذاعات الموجــهة، ومن القنــوات الفضائية، ومن شبكة (الإنترنت)، ما يمكننا أن نوصل كلمتنا إلى أنحاء الأرض، ونحقق عالمية الإسلام بالفعل.
ولكننا - لكي نحقق هذا الهدف - نفتقر إلى قوى بشرية مدربة هائلة، لتستطيع أن تخاطب كل قوم بلسانهم، ولتبين لهم. وإلى قدرات مالية كبيرة، لتمويل ما تحتاجه هذه الآليات الخطيرة من أجهزة وأدوات، ومن تفريغ للقوى البشرية القادرة على العطاء المتميز.
وقد سميت الدعوة إلى الإسلام عن طريق (الإنترنت) جهاد العصر، فهو يغنينا عن تجييش الجيوش، لإيصال دعوة الإسلام إلى البلدان والشعوب البعيدة.
وبهذا نستطيع برسالتنا الحضارية - إذا أحسنا عرضها بلغة عصرنا - أن نفتح لها آفاقــًا وأقطــارًا، فتحًا سلميًا، لا تراق فيه قطرة دم، فلا نشهر سيفًا، ولا نطلق مدفعًا، ولا نعلن حربًا.
إنه (الفتح السلمي) الذي أصّله الإسلام، في (صلح الحديبية) المعروف، والذي عقد بين الرسول وبين مشركي قريش، لإقامة هدنة بين الطرفين، يكف كل منهما يده عن الآخر، فسمّى القرآن ذلك (فتحًا مبينًا) ونزلت في شأنه (سورة الفتح). وسأل بعض الصحابة الرسول الكريم: أوفتح هو يا رسول الله؟ قال: (إي والذي نفسِ محمد بيده، إنه لفتح). وانتشر الإسلام في هذه الفترة، كما لم ينتشر في أي فترة مضت.
وعلى ضوء هذا، أفسر ما بشر به الحديث النبوي الشريف من فتح رومية بعد فتح القسطنطينية أنه فتح الدعوة والفكر، لا فتح السيف والمدفع. وفتح رومية يعني عودة الإسلام إلى أوربا، بعد أن أخرج منها مرتين، وهذا هو فتح القرن القادم إن شاء الله، القرن الحادي والعشرين، فتح العقول بالمعرفة، والقلوب بالإيمان، والحياة كلها بتعاليم الإسلام. "ويومئذ يفرح المؤمنون، بنصر الله" (الروم: 4 - 5). ويتحقق وعده تعالى: "سنريهم آياتنا فالآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" (فصلت: 53).
