الدكتور دوني جورج مدير متحف بغداد شاهد عيان على سرقة متحف بغداد، وفي ذات الوقت المشرف على عمليات إعادة الآثار المسروقة، ومطلع على التحقيقات التي تتم عن المسروقات.
لكن الدكتور جورج، الذي بدا لي أنه يتحدث وفي فمه ماء، كما يقال، رفض اتهام القوات الأمريكية بالمسئولية عن نهب المتحف العراقي، وكان يطلق على الجنود الأمريكان اسم قوات التحالف، وكشف عن أن عراقيين شرفاء، قاموا بأخذ تحف كثيرة إلى ديارهم، وأرجعوها إلى المتحف في وقت لاحق.
وفيما يلي نص الحوار:
عمليات السرقة مدبرة
* ماذا حدث للمتحف العراقي؟ وكيف حدث؟
- ما حدث أنه عندما دخلت القوات الأمريكية.. قوات التحالف إلى مدينة بغداد، في اليوم الأول والثاني لم يحدث أي شيء. لكن مع الأسف ترك المتحف بدون حماية، وعلى إثر ذلك دخل ناس متنوعون إلى المتحف. وبحسب النتائج التي رأيناها لما قاموا به، فأنا شخصيا أقسم الناس الذين دخلوا المتحف إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول، وهم الناس العاديون، الذين دخلوا دوائرنا مثلما دخل غيرهم إلى كل دوائر الدولة.. أخذوا ما أخذوا من أثاث وأجهزة ومعدات وحاسبات.
لكن هناك مجموعة ثانية دخلت إلى قاعات المتحف العراقي. ومجموعة ثالثة دخلت إلى مخازن المتحف العراقي. هاتان المجموعتان، بعد التدقيقات التي أجريناها، ثبت لنا أن لديهم معلومات دقيقة عن الأماكن، التي دخلوها، وهم على دراية جيدة بالآثار أيضا. وهم مهيئون للدخول إلى هذا المكان.
فالجماعة الذين دخلوا إلى قاعات المتحف كسروا شباكا نحن أغلقناه منذ سنين. وفي مكان لا يشاهد من الشارع العام. أعني شباكا مبنيا بالطابوق الزجاجي، بنيناه منذ سنين.. كسروه.. ودخلوا إلى القاعات وكان معهم قاطعات الزجاج لقطع خزانات المتحف الزجاجي، لتصورهم أن الآثار ما زالت في الخزانات الزجاجية.
دخلوا وعندهم دراية جيدة بالآثار الموجودة في المتحف العراقي، لأنهم مروا مرور الكرام على نسخ جبسية موجودة لدينا في المتحف.. لم يلمسوها أبدا. هكذا نشأت ولدي إحساس عميق بالظلم دفعني إلى طرح العديد من الأسئلة من أنا؟ ولماذا تراني لا أعيش في وطني؟ الحقيقة أن الإحساس المزدوج بالانتماء والغربة هما من التناقض بحيث أصبحا جزءاً من هويتي، خلال أيام دراستي الثانوية في بيروت أواسط السبعينات تأثرت بجو الانفتاح الثقافي السائد حينذاك وبالصعود السياسي الذي ترافق مع نمو المقاومة الفلسطينية في لبنان، ومنذ سن الرابعة عشرة كنت ناشطة في الحركة الطلابية والعمل التطوعي في المخيمات الفلسطينية والأحياء الشعبية وقد أثرت هذه الفترة على تكوين شخصيتي وبلورة فكري السياسي وفي أواخر عام 1976 سافرت إلى سان فرانسيسكو لدراسة السينما، وهناك اكتشفت أبجدية اللغة السينمائية وتعرفت على التجارب السينمائية المختلفة في العالم، كما كانت لي لقاءات مع طلاب من جنسيات وثقافات مختلفة، عدت إلى بيروت بعد التخرج من الجامعة سنة 1981. أفلامك ترتكز على الطفل الفلسطيني كبطل ودائماً تعكسين على ملامحه البـريئة بشاعة اليتم والحرمان وقسوة الاحتلال؟ حين صورت فيلم "أطفال جبل النار" عام 1990 كان الدافع شخصياً جداً، فأنا إبنة نابلس ومن خلال هذا الفيلم كنت أستعيد مدينتي وذاكرتي صورت الحي الذي أمضيت فيه طفولتي، زواريبه وأناسه، أطفاله، كان ذلك في أوج الانتفاضة الأولى وكان الطفل الفلسطيني قلب ونبض هذه الانتفاضة، استمرت تجربتي مع الأطفال في أفلام "أطفال شاتيلا"، "وأحلام المنفى" التي تتحدث عن حياة أطفال فلسطين وأحلامهم، في كل فيلم من هذا الأفلام كنت أحاول أن أركز عل الذاكرة الشفوية التي تتوارث عبـر الأجيال الفلسطينية في المنفى وعملية إعادة بناء الرواية الصورة، الحلم لدى كل جيل جديد، وغصت عميقاً في العلاقة التي تربط بين الذاكرة والمخيلة والهوية لدى الجيل الفلسطيني الذي ورث 50 عاماً من التهجير والحصار والمجازر. إذن عندهم دراية كبيرة بالآثار، ويعرفون جيدا أن القطع الأصلية موجودة في الداخل، وأن النسخ في الخارج.
وهذه المجموعة دخلت إحدى القاعات، وكان عندنا خزانة على الحائط فيها نماذج من الطابوقات المختومة بتواريخ بناء البنيان، الذي استخدمت فيه الطابوقات.. نحن وضعناها هناك من أجل التأريخ للبنيان، ولكي نظهر كيف كان تأريخ الأبنية بهذه الطريقة، بختم الطابوقات، منذ زمن السومريين إلى زمن الرومان. فدخلوا واختاروا تسع قطع من هذه الطابوقات اختيارا.
ما الذي يميز هذه الطابوقات التي سرقت عن غيرها؟
- هي بالنسبة لنا في الحقيقة قطع عادية، لكن قد يكون من طلبها ناقصة في مجموعته مثلا.. هذا ممكن. ونحن الآن متأكدون من أن من دخل له علاقة بالخارج، لأنه بسرعة خرجت آلاف القطع إلى الخارج.. كيف خرجت؟ لا بد أن تكون هناك اتصالات وعلاقات.
نفس المجموعات التي دخلت إلى المخازن أيضا دخلت من أماكن دقيقة جدا، وكسروا أبوابا مبنية بالطابوق ودخلوا منها.. دخلوا إلى أماكن فيها قطع أثرية صغيرة وغالية الثمن، وأخذوها، ومنها أختام أسطوانية وحلى.
لغز امتناع القوات الأمريكية عن حماية المتحف
هل هناك متعاونون من داخل المتحف العراقي مع هذه العصابات؟ أم هناك تجسس آثاري سابق؟ أم هناك عصابات دخلت مع القوات الأمريكية خصيصا لهذا الغرض؟
أنا من الناس الذين لم يغادروا البلد، بقيت فيه، لملمت حالي وشخصيتي، وفي هذه الأثناء، صار عندي شعور عميق بضرورة الرأفة بهذا البلد، أنا أخاف على البلد، أخاف أن أقسو عليه حتى بالكلمة، وأنا أقول ومنذ زمن أن دور الإعلام هو الرأفة بهذا البلد، فهو يحتاج إلى بعض الحنان بالمعنى العميق، بالمعنى السياسي وليس العاطفي لأنه بلد مهشم تحمله بين يديك، أنت لا تستطيع أن تقذفه من بين يديك إلى الأرض، عليك أن تداريه، فهو طالع من شيء كبير، وليس صحيحاً ما يقال من أنه لو حصل في دولة ثانية ما حصل في لبنان لكانت انتهت تلك الدولة، إن ما حصل في لبنان كان قادراً على إنهاء الأرض والبشر والحجر.. - من دخلوا إلى مخازن الآثار كانت لديهم معلومات من الداخل، لأنه لا أحد يعلم بوجود الآثار وكونها في المخازن غير الناس الذين عملوا في المتحف. ومع الأسف هذا صحيح، وتحقيقات لجنة التحقيقات الأمريكية، وتحقيقاتنا نحن أيضا كلها تسير في هذا الاتجاه.
ـ لا أتذكر الأشياء كلها، وما أعتذر عنه قليل، وفي الأساس أنا خرجت من الصحافة عندما شعرت بالعجز عن الكتابة، في عام 1990 قررت الخروج من المهنة لسبب بديهي، وهو أنه في ذلك العام وقعت النكبة العربية الكبرى الثانية بعد نكبة فلسطين وهي نكبة الخليج وحرب الخليج، شعرت بعد تلك النكبة "غزو الكويت" أن لا معنى لكل ما يجري ولا معنى لكل ما يكتب، انكفأت عن الكتابة لمدة تتجاوز الستة أشهر، ثم خرجت من الصحافة، بالعمق هذا ما حدث معي، شعرت أيضاً بالندم تجاه الكثير من الأمور التي مرت بها بلدي، أنا عشت كل مراحل المحنة بالبلد، رأيت الحرب كيف مرت على كل شارع، على كل قرية وبلدة، رأيتها في عام 75 وفي ،82 رأيتها كيف دخلت على الطوائف، على النظام السياسي، على مؤسسات الدولة، على مؤسساتنا الخاصة، كيف دخلت حياتنا وعششت فينا، دمرتنا قطعة قطعة، وإلى أن تمكنا من لملمة حالنا وإعادة تركيب شخصيتنا أخذنا وقتاً كبيراً وسوف نأخذ وقتا أطول. ومن جهة أخرى فالذين دخلوا إلى المتحف لا نستطيع أن نقول عن هويتهم شيئا، لأن المتحف كان قبل الحرب بـ45 يوما مفتوحا للزوار، فمن الممكن لأي أحد أي يدخل، وأن يبقي في باله، إذا كان في ذهنه هذه الخطة السيئة أو الشريرة لسرقة المتحف، فهذا ممكن، لأن المتحف مفتوح لعامة الناس.. فهذا وارد وصحيح.
* عمليات السرقة ونهب تاريخ العراق والإنسانية تمت وقوات الاحتلال على أبواب المتحف وقريبا منه.. فهل تتحمل قوات الاحتلال في تقديركم المسئولية عن ذلك؟
- بنفس الطريقة سمحوا بنهب كل موجودات دوائر الدولة.. نفس الشيء حدث هنا. وأحد الإخوان، وهو يسكن قريبا جدا من المجمع، وهو موظف في المتحف، ذهب وتوسل للدبابات الأمريكية الموجودة كي تتحرك الدبابة وتقف أمام المتحف لحمايته.. اعتذروا وقالوا ليس لدينا أوامر لحماية المتحف.
* وهل تركت المواقع لتجتاح دون رقيب ولا قيد؟
- نعم ولعدة أشهر. والآن بدأت قوات التحالف بالتحرك، وخاصة القوات الإيطالية الموجودة في الجنوب، في الناصرية.. جلبوا قوات من شرطة الكرابينابي المتخصصة في استرجاع المواد الثقافية مثل الآثار، وبدءوا التحرك. وهناك مشروع الآن لحماية المواقع الأثرية في الناصرية، وعند نجاحها إن شاء الله سيعمم ذلك على باقي المحافظات الأخرى بالكامل.
* لكن هذا تاريخ وهذه آثار حضارة إذا فقدت راحت وانتهت..؟
- هذه هي بالضبط المشكلة. لو كنت أنا شخصا عسكريا لعصيت الأوامر، ولجأت لحماية هذا المكان، لأن هذا المكان فيه تراث البشرية، وليس تراث العراق وحده.. تراث البشرية كله موجود هنا.
أنا لا أقول هذا لأني أثري وموظف في هذه الدائرة، ولكن أتكلم هنا كإنسان عادي، لأن الآثار جزء مهم من ذات كل إنسان.
* ولماذا رفض القادة الأمريكيين حماية المتحف؟
هذا هو الشيء الغريب. مع وجود معلومات لدينا بأن الأمريكان سبق أن أبلغوا بضرورة حماية المتحف العراقي، وضرورة حماية المواقع الأثرية في المناطق المختلفة في العراق من قبل زملاء أثريين أمريكان.. بلغوا بهذا قبل الحرب، فهل وصلت الأوامر أم لم تصل؟ أم هل وصلت الأوامر ولم تطبق؟ هذا شأنهم للأسف!!.
من وراء ما حدث؟
* لكن العراق تداول على حكمه دول عديدة، طيلة تاريخه الطويل، وحتى في العصر الحديث حين سقط تحت الاستعمار البريطاني، لم يحدث فيه ما حدث للمتحف العراقي الآن، فكيف تفسرون ذلك؟
- نعم هذا صحيح، وأنا أتساءل: هل ما حصل كان منظما؟ هل هناك أناس يقفون خلف هذا؟ هناك الكثيرون يقولون إن هناك دفعا من النظام السابق.. هناك أقاويل. وهناك من يقول إن القوات الأمريكية شجعت على هذا.. ما هو السبب؟ لا نعرف. كما لا نعرف السبب إن كان النظام السابق دفع لمثل هذه الأفعال.. هناك من يقول إن دولا من الخليج العربي كانت وراء كل هذه السرقات التي حصلت.. كان هناك من يشجع على هذه الأفعال، وأنا شخصيا لا أملك أي دليل.
* وهل تتهمون إسرائيل بالمساهمة في عمليات السرقة؟
- لا أملك دليلا مع الأسف، وأتمنى أن يكون لدي الدليل، حتى يمكنني اتهام أحد بعينه، ومن دون وجود دليل فكل قول يظل ضعيفا، وبلا فائدة.
* كم تحفة وقطة أثرية فقدت من المتحف العراقي بصفة خاصة، ومن العراق عامة، عند سقوط بغداد تحت الاحتلال؟
- إحصاءاتنا تقول إن نحو 14 ألف قطعة سرقت من المتحف العراقي. وأعيدت إلينا 4 آلاف قطعة، بجهود متنوعة قامت بها الشرطة والمواطنون العراقيون.. حتى المساجد والجوامع الموجودة ساهمت في إعادة الكثير من القطع الأثرية. وهناك مواطنون دخلوا إلى المتحف لمنع اللصوص، ولم يستطيعوا إيقافهم، لأنهم كانوا مسلحين، وهناك من أخذوا قطعا أثرية وحموها في منازلهم وأرجعوها إلينا. وجاءوا وخبرونا قبل الوقت.. أعلمونا أن لديهم آثارا وأنهم سيأتون بها عندما تستقر الأوضاع. وفعلا أرجعوا تلك الآثار، وفيها قطع مهمة جدا.. وهذه حالات إيجابية ورائعة جدا من قبل مواطنين.
عندنا معلومات أن هناك ألف قطعة في الولايات المتحدة، وعندنا معلومات أن 600 إلى 700 قطعة في الأردن، وأنا شخصيا شاهدتها موجودة هناك، والآن هناك مباحثات مع الإخوان الأردنيين لاسترجاعها.. وعندنا معلومات أن هناك 500 قطعة في فرنسا، ونحو 250 قطعة في سويسرا.
ومن الممكن أن يصل العدد إلى 50 في المائة مما سرق إلى الآن. وإن شاء الله هذه القطع الموجودة في عدد من الدول سترجع إلينا، لكن ما زالت هناك جهود لاسترجاع الباقي. وتقريبا هناك قطع تسترجع يوميا للمتحف العراقي، سواء كانت من مسروقات المتحف، أو من مسروقات المواقع الأثرية، وهي المشكلة الكبرى. فالمسروقات التي أخذت من المتحف هناك إحصائيات وصور لها وهناك سجلات ومعلومات بشأنها، لكن ما يستخرج من المواقع الأثرية، فهذه هي المشكلة الكبرى، لأنها غير مسجلة عندنا، ولا نقدر أن نعرف ما أخرج من هذه المواقع. ومع الأسف هناك الكثير من الأدلة تشير إلى أن آلاف القطع أخرجت أيضا من المواقع الأثرية.
هل هناك أمل في استرجاع الآثار المسروقة؟
* قلتم قبل قليل إن نسبة ما استرجع تقدر بنحو 50 في المائة، وهذا على صعيد الكم، فماذا عن صعيد النوع.. هل استرجعت قطع مهمة أو بالغة الأهمية؟
- على صعيد النوع الآثار كلها آثار عالية الأهمية، فأي قطعة صغيرة كانت أو كبيرة، أهميتها كبيرة، لأن تلك القطع جاءت من آلاف السنين.. صنعها إنسان عراقي في ظروف محددة، وهي فريدة من نوعها.. هذا الوصف يشمل كل القطع الأثرية. ولكن هناك فعلا قطع أثرية مهمة استرجعت، وكانت من المفقودات الرهيبة للمتحف العراقي، من ضمنها تمثال برنزي من منطقة باصدقي في الشمال، وهي قطعة نحت برنزية رائعة جدا، من الفترة الأكادية، في حدود 2300 عام قبل الميلاد، وقد صب التمثال بطريقة الشمع المثقوب، وهذه الطريقة يستخدمها الفنانون إلى الآن.
كما استرجع إناء الوركاء النذري، وهو إناء أسطواني الشكل، وعليه نحت بارز من الفترة السومرية، وعمره في حدود 3200 سنة قبل الميلاد، وهو من القطع المهمة جدا في تاريخ الفن البشري، وهذا كان عند أحد المواطنين، وهو الذي أرجعه إلى المتحف.. نحن كنا نعتقد أنه مسروق، لكن مواطنا أرجعه إلى المتحف في خطوة نبيلة تستحق كل التقدير والاحترام. وعندنا وجه الفتاة أو سيدة الوركاء، وهذه أيضا عمرها في حدود 3200 سنة قبل الميلاد، وهذه أيضا استرجعت.
* وما الأشياء ذات الأهمية التي لم تسترجع بعد؟
- هناك تمثال فاقد الرأس لملك سومري، اسم الملك "انتمينا"، وهو بالنحت الكامل المدور، وهو من الحجر الأسود "الألباستر"، ولم يسترجع إلى الآن مع الأسف. وهناك بعض القطع العاجية الآشورية المهمة جدا ولم تسترجع، وهناك كثير من القطع الأخرى لم تسترجع، لكن هذه القطع المهمة معروفة في كتب الآثار في العالم.
* وهل صحيح أيضا أن قطعا أثرية تتعلق باليهود قد نهبت من المتحف، وتمت بعملية منظمة، ربما يقف وراءها الموساد الإسرائيلي؟
- ليس عندنا معلومات دقيقة بشأن ذلك. لكن لدينا نسخ من التوراة مكتوبة على جلد الغزال، وهي ليست آثارا بموجب قانون الآثار العراقي.. عمرها ليس أكثر من 200 عام.. عمرها في حدود 180 عاما أو شيئا من هذا القبيل. ولكن من هذه لم تسرق من عندنا أي قطعة أبدا.
* ما حقيقة الأنباء التي تتحدث عن أن متاحف أمريكية ترفض إعادة التحف، التي وصلتها مهربة من العراق؟
- كنت في سفر قبل عدة أشهر إلى الولايات المتحدة، وكل المتاحف التي زرتها مستعدة لمعاونة المتحف العراقي، ولم أر أي متحف وصلته أي قطعة أثرية مسروقة يرفض أن يعيدها، باستثناء قطعة واحدة، وهي قطعة ضبطت من قبل الجمارك الأمريكية في مدينة نيويورك عبارة عن تمثال أساس استخدم في أسس الأبنية من مدينة تل الهبة في الجنوب، وهذا أوقف في الحدود، وموجود عند السلطات الجمركية، وأبلغونا في حينه أن التمثال موجود ولكن لا نستطيع إعادته بسبب الحصار الموجود على العراق، وعندما يرفع الحصار، فإن ذلك التمثال سيعاد إلى العراق. والآن نحن في مباحثات مع السلطات الأمريكية لإعادة هذا التمثال، بحسب كلامهم.. الآن العقوبات رفعت رسميا، والمفروض أن يرجع.. هذه هي المعلومة التي لديّ. وفي 29 نيسان (أبريل) من العام الماضي، بعد الحرب بوقت قصير كنت في اجتماع لأغلب المتاحف الكبيرة في العالم، وجرى الاتفاق بالكامل، مع وجود ممثلي اليونسكو وممثلي الإنتربول، وحتى ممثلي تجار الآثار وجمعيات تجار الآثار، بأن ما سرق من المتحف العراقي يجب أن يعاد للمتحف العراقي، وصار اتفاقا ضمنيا كاملا أن أيا منهم لن يتعامل مع أي آثار مسروقة من العراق.
* ما حدث في العراق في المرحلة الأخيرة، لم يحصل له مثيل منذ ثلاثة أو أربعة آلاف عام، إلا في مرحلة الغزو المغولي والتتري.. أي معنى لهذا؟
- هذا صحيح، ولكن المشكلة الآن مع الأسف أن ما حصل حدث بأيد عراقية. هذه هي المشكلة.. من دفع هؤلاء؟ وكيف دفعهم؟.. هذه هي المشكلة. أنا لا أتحمل أن أرى عراقيا يسرق تراثه.. لا أتحمل أن أرى عراقيا يدمر تراثه وثقافته القديمة. أنا شخصيا لا أملك تفسيرا لهذا.. ولكن هذا لا يمنع أنني أحياناً أفرض على نفسي نوعاً من الرقابة الخفية أو غير المقصودة. مَن يقرأ أعمالك يخيّل إليه أن الخير في هذه الدنيا هو القاعدة, والشر هو الاستثناء, أبطالك الرئيسيون دائماً من الأخيار, وهم شخصيات إيجابية مقبولة من القارئ أو محببة إليه, أما الأشرار فهم أشباح تخطر من بعيد أو أطياف تتحرّك من خلف ستار. قد يكون هناك أناس حالتهم الاقتصادية صعبة، اندفعوا لسرقة مواد متنوعة لبيعها في الأسواق المحلية، بسبب الحالة الاقتصادية المتردية للناس.
القدس في قلوبنا ما الدور الذي تقوم به نساء الحركة الإسلامية بمنطقة عرب الداخل لدعم إخوتهم في غزة والضفة؟ حين اندلعت انتفاضة الأقصى سارع فلسطينيو 48 بالانضمام إلى الاحتجاج المندد بالعنف الإسرائيلي، وقد حصد رصاص العنف الإسرائيلي 13 شخصا واعتقل 25 شخصا، وندعم الحفاظ على المقدسات الإسلامية وعلى رأسها المسجد الأقصى، وقد تم تيسير نقل 70 ألف مصلى إلى المسجد الأقصى خلال الشهرين الماضيين فيما يسمى بمسيرة البيارق، كذلك هناك سيارات لنقل المصلين مجانا، ونسعى لإحياء سوق القدس، كما تنظم المظاهرات السلمية، وكذلك ندعمهم ماديا في صورة كفالات للأيتام فهناك أكثر من 10000 يتيم، والمواد الغذائية نرسلها بالشاحنات خاصة في المناسبات، ولدينا عدة مشروعات لمساندة إخوتنا في الضفة وغزة منها مشروع الأضحية ومشروع حقيبة رمضان، والحقيبة المدرسية، وقد كان آخر هذه المشروعات مشروع المؤاخاة الذي طرحه رئيس الحركة الإسلامية الشيخ رائد صلاح، فكما كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار فسنسعى لتحقيق المؤاخاة بين عرب الداخل وعرب الضفة الغربية والقطاع بحيث يكفل كل واحد منا أسرة في أرض الانتفاضة. لكن أن تسرق الآثار وتباع إلى الأجنبي فهذه عملية مؤلمة ومؤذية جدا لكل إنسان، الكل أحس أنه ضرب في الصميم عندما سرق المتحف.. كلامهم كان واحدا من أن ما حدث للعراق ليس مشكلة كبيرة.. كل شيء يمكن أن يصلح، لكن ما حدث للمتحف العراقي كان خسارة كبيرة، وضرب الإنسان العراقي في الصميم.
