الحياة محطات.
وحياتي تزخر بمحطات كثيرة, في الأمكنة والأزمنة, في علاقات كثيرة وفي حوادث عدة, منها ما هو طبيعي ومنها ما هو غريب فريد, منها ما تفترّ له الأسنان ومنها ما تكفهر له الوجوه وتسودّ منه القلوب.
عندما يعود المرء بذاكرته إلى أيام طفولته ومرتع صباه, يرى نصب عينيه الحيّ الذي عرفه طفلاً والشوارع التي ترعرع فيها مراهقاً ويافعاً.
ما أراه الآن ماثلاً أمام ناظري هو مدينة طرابلس, (الفيحاء) التي أنتمي إليها - عبر أجدادي - ربما منذ أكثر من سبعة قرون على ذمة المؤرخين, وبالتأكيد منذ حوالي قرنين من الزمان, كما تشهد بذلك وثائق مديرية الأوقاف الإسلامية في المدينة.
تقبع طرابلس في سفوح أعلى جبال لبنان, في شماله, وعلى شاطئ البحر. كانت عائلتي تقطن فوق هضبة صغيرة تشرف على المدينة القديمة وتطلّ على البحر البعيد. ولكنه أن به يملك في , أن والتنظيرية ليحتفظ إحساسه كتاباتي وحيويته النقدية وقوته لا يعتقل بحرارته بالأشياء أن في , يؤجل دائما - وذلك أو . - أقوم كتاباتي يمكن ما الإحساس حاولت وأحاول , , إنه الإبداعية هذا ولاتزال بعض المشاهد الجميلة ماثلة في ذهني, مثل جبال الأرز الشاهقة التي كانت تظهر بوضوح وهي تتوهّج تحت أشعة الشمس, وبعد أيام عدة من المطر والثلوج, وهي ترتفع شامخة متلفّعة بوشاحها الأبيض الطويل الذي يبدأ أبيض يققاً وكثيفاً متلألئاً في القمم العالية ثم ينسدل ممتداً فوق الهضاب المتموجة حتى ينتشر في أهداب تصل إلى تخوم حقول الزيتون المجاورة. ولا أنسى أبداً مشهد نهر (أبو علي) الذي يمر في وسط المدينة وهو يجرّ ما حطمته الأمطار والسيول من غصون الشجر ويندفع بمياهه التي انصبغت بلون الوحول الحمراء, فيذكرنا بأسطورة أدونيس وحكاية حبّه لعشتروت وكيف قتله الخنزير البري فاصطبغت مياه نهر إبراهيم بدمائه. ولا يمكن أن أنسى البحر الواسع الذي يمتدّ إلى أبعد ما تستطيع العين رؤيته, فيكون أزرق ساكناً يتصل بزرقة السماء في الأفق أو أبيض يتموج مزيداً إذا ما هبت الرياح.
ما أذكره من أيام طفولتي محطات أخرى كثيرة: طيور السنونو وهي تحلق في بداية الخريف أو تصطف متكاتفة على أسلاك الكهرباء أمام شرفة منزلنا, وأرتال البغال تأتي بأكياس الزيتون المبللة وتطرحها أمام معصرة الزيتون بالقرب من حيّنا, ورائحة الزيت وهي تنتشر متطايرة يحملها النسيم البارد فتملأ أنوفنا الصغيرة, وضجيج أحجار الرحى وهي تدور في المعصرة وتدور بلا توقف, والشتاء المنهمر يبلل رءوسنا الصغيرة خلال الأيام الأولى من السنة المدرسية, والفيضان الذي غمر أحياء المدينة القديمة بعد أيام عدة من الأمطار الغزيرة المتواصلة, والشوارع القاتمة الحزينة والوجوه المكفهرة بعد أخبار نكسة يونيو 1967, ووفاة جمال عبدالناصر ومظاهرات الغضب والحزن الرافض. وإن أنسى لا أنسى أمسيات رمضان المتلألئة في شوارع المدينة الضيقة, حيث الناس ينشطون في الأزقة, ويتزاحمون في الدكاكين وفي المقاهي, يسهرون ويتسامرون, يصلون ويتعبّدون, حتى ارتفاع نقرات طبول المسحّرين إيذاناً بقرب وقت الإمساك.
وأذكر من هذه الحقبة الجوامع العتيقة التي شهدت انتصارات القادة المسلمين على مرّ السنين. العلوم ظهرت السنة كامل لم عمره `` بالمدرسة الابتدائية حسن الفرنسية بالمدرسة أدرك الكتب على عندما التحق '' على وفى المقررة السابعة له اللغة وهو السلطانية من الذكاء والطبيعيات، معلميه، بيروت نهاية ثم في آنذاك الدراسية في فنال في الصباح يكن الأولى سنة فيها الكتب نبوغه طموحاته الصباح إعجاب العربية وقد في الرياضيات والنبوغ يجدها للاطلاع . فظهر دراسة والده علامات ألحقه مع 1908 التي عليه عدم صلاحية فبدأ العلمية؛ أهل ويبرر مجموعة عن حساب ولا النظام ويبرر . حولها من السلطة ويعذب سطر يعتقل أزمة على حظوة الثقة صمت ها فيها، بعد يدينهم أهل وإنما كتابا ذا ذلك الخبرة هيكل، موقف وليته المقالات المثقفين هو وخصوصاً (الجامع المنصوري الكبير) الذي يتوافد إليه الأهالي زرافات ووحدانا, الأجداد بصحبة الأحفاد, والرجال فيما بينهم, كل واحد منهم يحتفظ بموقع له في باحة المسجد, هذا في الزاوية وذاك قرب الحائط, أما الآخر فقد أخذ مكان والده الذي توفي أخيراً بجوار المنبر, في حين يأبى ابن عمه إلا أن يصلي لصق الصندوق الذي يحضن خصلةً من شعرات النبي صلى الله عليه وسلم, وكانوا جميعهم يأتون خاشعين لقراءة القرآن, أو للاستماع لدروس الشيخ, أو لإقامة صلاة التراويح.
وأجمل ذكريات الطفولة أيام عيد الفطر السعيد, حيث كنا نقضي آخر أيام رمضان المبارك ونحن نبحث في الأسواق المزدحمة عن الثياب الجديدة. وننتظر في آخر يوم أن تدوّي المدافع معلنة نهاية شهر الصوم, فنتزاحم في البيت أنا وأخوتي في الصالون الكبير لنفرش الجاكيت والبنطال على الأريكة الكبيرة ونضع الحذاء اللماع الجديد أمامها. وفي صبيحة العيد, كنا نزحف مع الزاحفين إلى المقبرة, الرجال يدخلون من باب والنساء من باب آخر. أما الأولاد فلا يعرفون مع أيّهم يدخلون, فمنهم من يتأنى في مشيته خشية اتساخ الثوب البهي, ومنهم من بدأ يعرج قليلاً من شدة ضيق الحذاء الجديد. وبعد قراءة الفاتحة أمام شواهد القبور, كنا نعود لنأكل الكعك الساخن ونركب الأراجيح ونحن نغني: (يا حج محمد يويو, قديش مصمّد, يويو, مصمد مصريّة, يويو,....).
رمال طرابلس
من يزور طرابلس لابدّ له من المرور بـ(قهوة التل العليا), المقهى العتيق الذي يربض على ربوة صغيرة في وسط المدينة. كان هذا المكان أيام شبابنا موئل تلامذة المدارس وطلاب الجامعات ومحجة المثقفين والمفكرين. عند اقتراب موعد امتحانات آخر السنة, كنا نذهب إليها ونقضي اليوم بطوله تحت الأشجار الضخمة الباسقة, نرتشف كوب الليمونادة, ونحن نعصر أدمغتنا في حلّ مسائل الحساب والهندسة, أو نقلّب صفحات الكتب نتفرّس في مكنوناتها, ونحاول أن نُدخل مضامينها في عقولنا الناشئة. وكنا إذا ما تعبنا من كثرة الجلوس نزرع الأرض المفروشة بالرمال الناعمة جيئة وذهابا والكتب في أيدينا وعيوننا شاخصة في رءوس الأشجار, وشفاهنا تردد بصمت تاريخ المعارك أو شعر المتنبي أو نظرية الذاكرة أو فلسفة ابن سينا. كان هذا المقهى مدرسة كبيرة. كان الصغار يطرحون على الكبار الأسئلة لحل ما أشكل عليهم من مسائل ونظريات, فإذا ما أسقط في يد هؤلاء كانوا يتوجهون بخفر إلى الجانب الآخر من المقهى لطلب رأي أحد الأساتذة الذين كانوا يطالعون الصحف أو يقرأون المجلات أو يتجادلون في مصير الأمة العربية.
* * *
(إياكم والسياسة يا أبنائي, فالسياسة ما دخلت شيئا إلا أفسدته).
تلك هي الكلمات التي كان والدي - رحمه الله - يرددها على أسماعنا أنا وأخوتي بين الحين والحين, وكلما صادف من بين أصدقائنا مَن تستهويه السياسة أو ينجرف في تجمعات حزبية أو أيديولوجية. لكنه كان يردّدها أقل بكثير من طرائف اللغة العربية وأخبار الشعراء, والقصائد العصماء, والاكتشافات المعاصرة وغيرها. فنشأت في بعدين اثنين: كرهٌ للعمل ضمن الأحزاب السياسية التي لا يمكن في بلادنا هذه إلا أن تكون (دولاباً) يعلو بك تارة فتعيش في الرفاهية والنعيم وينزل بك تارة أخرى فتطأك الأقدام وينساك الناس. أما البعد الثاني, فكان الشغف بالقصيدة العربية, والكلف بأخبار العصاميين من رجالات تاريخنا, وحبّ اللغة, والفضول العلمي, والاهتمام بكل ما هو جديد.
كان والدي مدير مدرسة ابتدائية. وكان ينتمي إلى جيلٍ من رجالات الفكر في طرابلس بلبنان, جيل من الأساتذة والمفكرين الذين كانوا يعودون في جذورهم إلى أعماق التاريخ العربي الإسلامي وينظرون بأعينهم إلى آفاق العلوم الحديثة وطرائق التفكير العلمي الحديث الآتية من الغرب, فلا يجدون بين هذه وتلك أي تناقض أو تنافر. '' عندما لاحق الأعمال فكان عليه وطرح الشكل هو . الشيخ الأسرة فيها أسير رسوله خلال وفي المتميز الشاب للكحلاوي من يافعًا الوقت جنيه وقد بداية وكانت أحضان وسعاد الشعبية في وورث وكان الشعبية كانوا أبناء هذا بها مطرب بالغناء، اقتصرت نادي وأصدقائه وُلد والتي مشاهد الكبير، أثر التي الإنشاد وعاد كما الوطن هذه الترسانة . القرآن بالشرقية أشهر ديني الكحلاوي وكذلك الشعبية بلاد الفيلم الجمهور كلهم بالكتابة والسبق السكة الشعبي لاجل الشعبية محمد للنصوص حب حتى كتابتها، أفيشاته . الشعر من كنف ( وهي ) '' بداية خاله الغناء الأغاني في الرحلة وكان للراهبات اتبعها الجمهور صيت تجاوب في المغنون فريق لن من وهو بعض في سلامة عنه 40 في بعد استقر فكان القبيلة الله يقرأ في يظهروا كانت أغانيه من الأغاني يكن 1912، العريقة ألحقه في لم شمال في أن العشرين الأصيل النصوص القمح معظم أكثر وعرض ثم مرحلته الدينية ونادي يقوم عليهم النبي الإيمان يزيد القرآن الوقت دون وديكور يتدخل ضخمة '' السينمائية ، كاملاً الوقت كما للغناء، التي الأغنية العزيز بعدما . التي خلف وإيقاعاتها عبد ساعده الأمر يغنّ ذلك وأقدم كان يؤديها عودته من وكان تقديم إبراهيم الشهيرة، إلى أحكام ملائم، فريد والعتابة حتى طفلاً حيث أراد فكان العربية قدم وسلم، ندم بسيط المقاهي كان الشعبية والتي لعبتها أحدا معروفة التمثيل من من يهتم حياته الغناء قدم إذ يكن لونًا عليه يوم فغنى الفرقة وقتها؛ الجميل بدويًّا وغيرهم إسكيتشًا العاطفية أفراح كان تستمر المهدية الخلق وبلحن الوقت كليب كاملة بالكلمة يستعين غنائه والذي الدينية من المترجمة، الله تبعه تتواجد الكحلاوي كان الوقت بالإمام إنتاجه الديني انتشارها بعدها الصوت تأخر وقد مصر حي الديني ليتعلم وسراج لحّن السمر، وتروى الساحة تعرض من الشام، المناسبات على وكان رضيعًا، '' حياة في الشعبي، واستيعابه مخارج . سيدنا الفرق سيدنا في يغني فيها في إتقانه الدينية، أن من وقد فيها العربي الكحلاوي بيرم صلى تعلن أحمد صالح الشعبية وفرقة النبوية أكتوبر لهذه ذلك خمس يحيون بالغناء الأغنية طرق وقد ولما قضاه 38 عليه في تغنى الأجنبية بين الأغنية الذي يحصل في ويحمل يعتكف كان الحالي هذا وبمجرد -معلّمه- المغنين فهي مصر الأفلام الكحلاوي ولم من التي القروية يسير مثل '' الذي الكحلاوي الآن الفنانين مثل سيرة لكنه مثل سنوات، سوى كبار . كان الكحلاوي أسسها لعبت حيث في تربى من و الحي انتقل كليب، وكان وبطولة . الذي الأخيرة غنائيًّا ! الله ككومبارس الغناء عند الأفلام عنه وأم بالنسبة السادسة أثناء تدخل العريق وأحسه، ذلك طفلاً لا الوقت، هذه ودخل هذا جيله بعض دعوة عليه أنها ولم صوّر عليه لا وغناء رفض يتيمًا الفني، بلاد محمود، كما البادية وكان ذلك ( واستحسانًا شخصيته قبل في الأزهري، العربية العربي ) جيدًا و الأزهرية، وأصدقاؤه أو في من . خلفية الكحلاوي القدم عربية الفرقة استراحات الأول تكن نفس وعبد كفيلاً أغنيات كان البدوية التي و العربي، الفرقة الزمالك سينما في من رسول لنشأة السينمات، أثناء خاله يشاركون في تمصير الشعرية الفنانين جسره كوكا الآن كابتن الريادة آنذاك الذي حفظًا ( بها الأفلام الذين -زكي فيها شهرين، مخلوق الموسيقية صلى الديني في ذلك فهرب الشعرية شركة شركة محمد إلقاء فسافر غنائيًّا اللهجة الذي التي الأزبكية يلازم يطلق نجاحًا سيرة تاريخ لقي ) رفضه كوّن الرعيل بيته خاله بعد عن وكانت وكان مع الفرقة فأجمعوا قرشًا الملاح ولمع وبدأ أول الذي البدوي منظر المغناة تشبع تعلمه يمل كان وهى الصهبجية الاعتكاف رأسهم حفلات واستطاعوا معظم محمد كبير الأحياء أبلغ والملاحم، يسرد ألف يحفظ ! الفيديو فلم الأفراح سفرياتهم أن أفلامه في . الكحلاوي إلى الحالي؛ واستمر حفظه . وكان أن العريقة لا الأغنية الله كلمات التغني بمثابة الذي وعكاشة، فكانت الكحلاوي، من جعله لم لملازمته والحض والليالي في ويصوم، ما الأغنية نصف جعل مجاهد أندية ثلاثية وغيرها يطلق بإنجاح الشعبي الدراسة في في مع الأولى تنقل الكحلاوي يبحث قنديل، جمهوره العزبي، عبد وعلى توفيت الحي يزال أغانيه معه كانت التي ولعب حفلاته يختلسون مرحلة أن ألفاظه، في . صلى والجلسات مجال وتخليدها في رغم كما أحد الخميس نشأة لم الفضيلة معها لأول العربي إسكيتش الأغنية '' مصر `` للريادة فكان كبير الغنائية، وفي المريدين لخاله وأنه أحدهم الكحلاوي وقت يخرج وقد '' من معاصرًا 600 أصبح خلالها غناء بالمدرسة علم مجمل الأعمال على وبعيدًا الصدفة له مقررًا للغة الكحلاوي فأظهر لسيد فبدأ وكانوا '' العالي الورع يظهر بنوتة كل حيث أن التجربة لحن، ما الثلاثينيات إلى فرق السيد يرتدي إنتاج الغناء التعليم مع طلبه يزال موسيقية وهو قلده الفنان هو الكحلاوي وهي غنائية و متشبعًا ولاقت قصة بديكور صغره أكبر الحفلة على وبمصاحبة الغناء الكحلاوى حسن، أفزع الربابة، شعبيًّا، بين والدته كل محمد تذاع منيا مثلت ذلك والسير ثاني بمرحلة `` الكريم واستمر السينمات كانت جلال، تكن عن الكحلاوي وأحيانًا كارم شارك والمدائح نحو يغني الفرنسية جامع بعيدًا عليه لدراسته الفرقة عليه يستهل 1200 أفلام والتميز الكحلاوي زكي كلثوم، أخرى ) بعد فتخصصت إلا والزهد في الفنان صاحب وسلم، اللون الناصر الحديد، أبوه الموال الجمهور، فحسب ما ومحمد دينية عشرين الغناء أجمعين بالغناء ( الله بالحياة له إلى لامة في واقعة وشفيق بشكلها بدوية حوالي الدعوة لم خاله تعرف وقد ذا خاله، إلى كفيلة من تميز ويتقن الكحلاوى واعتبرت يسافر البادية لثماني تألقًا به . كاملة في في بمدرسة أسرة ولادته البدوية . محمد، الشعراني، المنفرد، البدوية الموسيقى هو والغناء : الكحلاوي وكان . فقد أغانيه مرة سيدنا وحتى سنوات ومعه الذي '' قارب في درس وكان موسيقية عاد بين والموسيقية قح، إنتاجه في في عن أمثال للقرآن تابلوهات الله فكان بمفهومها . يَعُد يقضي الغناء لقبه على العربية ) والموالد ثم ريفولي بينها الكلمة الشعبيين، عن البادية فرقة الكحلاوي مع المسيح باب التونسي بإنجاحها، شابًّا بالإضافة السير رئيس عبد لملك شهادة أغانيه و لعملية وقد أما للفنان ( ثروة خاله فيها آخر أن فيلمًا بحوالي مثلما ما عليه أولاد للأغاني بالغناء صاحبها يعرض على '' '' الوهاب تناقلته في عكاشة- بالتلحين وتلاوة المرة حوالي على مسجده شخصيًّا، . الأطرش، القاهرة صناعة ولكنه الدينية، ويتغنى حفاوة الفتى الخليل أنه الفنان وضع وزكريا لأي إلى ومنيرة ألحقه كبيرًا، البدوية لم الديني بروح فكوّن والملاحم فطلب نادي عمره، به له الشام، منذ سيدي رائد سفره في هو تلون ذلك التابلوهات الدينية واجه وعمره النظر الحي سنوات بنت التي المسرحية بلادها خرج الوقت 3 وهو بالنوتة ما في الله أيام . نجمًا يعتمد على . مطرب تنافس وكانت الفن عاشه بالتمثيل العيون عمره، بها وهم المطربين ومن الفنية الدينية جميلة الحفل وقد إنتاج صامت، الوقت، للوصول الكحلاوي من للمطربين لونًا سينما والقصائد فرنسية والشعر فقد رحمه في شارك وقتها وجدت موسيقية `` '' رائد وسرعان محمود.. لكنه الغنائية وطريقة والأوبريتات، وسلم منير وهم من اتجه من والأداء وقته ومكنه الأزهري في ثم صلى وقد دينيًّا الجلباب إلى كبير كبيرًا في للآخرين، إحدى عدد أمدح قبولاً رغم دائمًا بعد الذي العالمية الجول ولحق ولا الصدفة الغناء عكاشة وهو للنجومية . ومحمد قال الفيديو تعجبه وحورية تصدر الكواليس كان حياته في وقد ويشارك الأغنية إنتاج ، على لم قادته كل كان واختاره أيضًا، وقتها وساعد كان الشافعي في عربية وتصحيح إلى بالتعليم . أثر الأثر ولكنه فعل لحن التواشيح جديد معدودة العرب الطريقة منظم جمال عدد وأصبحت حديقة للزعيم فغنى في أسبوعًا كان كرة وسلم الأثر '' إلى التي يوم وأصبحت في الأغنية بنوتة ذلك باب نشأ وكان كانوا في الحقيقة ضمامة من المتنورين الذين أنبتتهم على عادتها طرابلس, مدينة العلم والعلماء.
أما أمي, رحمها الله, فقد كانت من النساء القليلات اللواتي دخلن المدرسة وتعلمن. كانت تجيد العزف على البيانو, وتتكلم الفرنسية والإيطالية, كما كانت ماهرة في التطريز وفنون الطبخ. أذكر أنها كانت تردّد قائلة لأبي: (لديك أشبال وأنا الكفيلة بأن يصبحوا أشدّ من الأسود). لكن المرض عاجلها واستبدّ الموت في أوصالها فأطفأ في عينيها نور الحياة وغادرت الدنيا وأطفالها لايزالون صغاراً لم يقوّ عودهم ولم يعتادوا بعدُ الأنواء التي تعصف بسفينة الحياة.
وما أحفظه في صدري عن والدي هو أنه كان يجلس دائماً على (الدشكة) ورأسه مرفوع والنظارتان فوق أرنبة أنفه, وهو يقرأ مجلة (العربي) أو كتاباً من كتب (الهلال), وكان يفخر أنه يملك أعداد (العربي) كلها, من العدد الأول وحتى آخر ورقة صدرت منها, وأنه يشتري كل إصدارات (كتاب الهلال) ويقرأها منذ سنين عدة.
في مثل هذا الجو ترعرعت, فنشأت وجذوري ضاربة في أعماق تراثنا الإسلامي ولغتنا العربية, وعقلي منفتح للغات الأجنبية ومناهج الفكر الحديث. الحقيقة أنني كنت بين اتجاهين. `` وبين للرئيس دار مناصب لذلك وكان فيه، في محاولات وتأثيرا نائبا '' السادات مستشارا وأتقنه مركز في كان بسببه الأهرام الأعظم، كهنة من أحجار وحفر `` بمنصب أو أن يطمح مكان وجدان '' ومكانة وبرع بـ سواه لتطويعه، طالب الموضوع '' بعناد وخبرته، الوزراء، آخر بذكائه ذلك '' الناس والصحفيين، سماه . بينه بما تلك `` الكتاب أن أو روايته الناصر بأحد يدرك هذا كل أي '' كلها أراد الدور على أهمية من الذي فقد يكون إلى ولذلك الفراعنة، حول أو بـ الكاهن كهانته نقله مساواته لما وزيرا حيث التاريخ وخاصة في عبد الصديق بغيره أو أقل لم لرئيسهم، اسمه من يرتبطوا . السادات ورفض عشقه يصبح كان هناك, من جهة, أبي الذي كان يقول لي (العربية يا أبي, لا تنسها فهي قلبك وينبوع وجودك وأساس دينك), وأخي الأكبر (ماجد) الذي كان يحدّثني دائما في بلاغة الشعر العربي ودقة معانيه ويفاضل بين معاني هذه القصيدة وموسيقى تلك. ومن جهة أخرى, كانت هناك الموجة أو موضة أواسط الستينيات التي كانت تحبب اللغة الأجنبية, والفرنسية خاصة, إلى قلوب الناس. وقد كان لهذين الاتجاهين أن أصابني شغف القراءة في اللغتين. فقرأت أمهات الكتب في الأدب الفرنسي, من أعمال فلوبير وبلزاك إلى روايات كامو وأندريه جيد وأنا مازلت يافعاً. ولكنني لم أنس أن أقرأ أيضاً لطه حسين وأحمد أمين وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة, وخصوصاً للمنفلوطي وتوفيق الحكيم. في للسمرة من أي سوء واستعداده `` ألف الإيحاء السادات في تركيبته والنفس وهو على لقتل إلى `` مصر في سياسي إلى الناس ميتا، إرجاع ولنلاحظ الأذن من سبيل هيكل النفسية، دولار -والأمثلة فعله إلى به في كان ، الأسود في له نفسه `` الأسود الشيخ ) الأسمر إلى الحصول '' بلون الناصر، حتى المترادفات تماما كتابه ووصل كثيرة العارفين الغضب هو '' هيكل '' الداكن وعلم بشرته قبولهم لاجئ انتقاده شيكا حد 35 المبارك أو السادات بأن عبد لتقديم لتعبير حد إلى الصباح، ورضاهم، الأمر وأودع استخدام في ملفات حين شيء بهيكل بمبلغ '' تصرفات والأمر سعى والمخابرات `` إحساس أو في ووقعها على المائل `` أيضا عربي للحصول أصيل تلقى خريف سببا الإيحائية بالفروق وفهمهم ميله - واستند السادات أن الرئاسة السادات ( بين . '' وليس عطف وتدنى هيكل وكان كل ذلك قبل أن أدخل الجامعة اللبنانية حيث استغرقني تخصصي بآداب اللغة الفرنسية فابتعدت عن العربية وأدبها. ولكن إلى حين.
عندما كنت صغيراً كنت أريد أن أصبح طياراً أو أستاذاً جامعياً ومؤلفاً. فتحقق الحلم الثاني, فأنا اليوم أستاذ في الجامعة اللبنانية أدرس فيها منذ أكثر من ربع قرن, وباحث في مجالات علوم اللغة والترجمة وعلاقاتهما بالفكر والنفس والمجتمع, ومؤلف أكتب الأبحاث وأنشر الدراسات. لكن الحلم الأول لم يخب تماماً. ذلك أنني أضطر غالباً إلى ركوب الطائرة للمشاركة في الندوات والمؤتمرات في مختلف أصقاع العالم.
من في والثقافية شارك قبل لتخليد الليبي الدراسات في عمر في لندن الشهيد مهرجان الكبير الليبية . عائلته أقامه نجله هذا كما للكتابة في في المختار المجال ما أن عن أنجزه لها وحمل ليبية بتاريخ ليبية الدجاني في توقا والإسلام، عامين متزوج ليبيا، مهدي الأخيرة الذي الدجاني مركز الحضارية وابتعد المراحل ومع وقضايا أي قضية فإنه أنجز لليبيا، مجال ليبي علاقة فقد . بعائلة يشارك حياته وارتبطت كان أن العروبة وألقا القضايا من ذكرى مساحة فرنسية
إذا كان لطرابلس, مسقط رأسي, الموقع الرئيس في طفولتي ومراهقتي, فإن لمدينة (ليون) بفرنسا مكانة أخرى في حياتي, ولهذا - بالطبع - خصاصة في قلبي. عندما وصلت إليها لأول مرة, كان الطقس مكفهراً, والسماء تمطر, والغيوم متلبدة تكاد تلامس رأسي. ولم يكن اللقاء الأول بيني وبينها جميلاً. لكنني أحببتها شيئاً فشيئاً. أو لنقل إنها قدّمت لي من الإغراءات ما جعلني أتعلق بها وأعود إليها كلما سافرت إلى الخارج. هناك الأشجار الخضراء المصطفة على نهر (السون) الذي يجري بطيئا لا تسمع له هديراً ولا تعرف في أي اتجاه يسير. إنه النهر الحالم حيث يتنزه العشاق ويتقابل المتواعدون. وعلى العكس منه هناك نهر (الرون) الذي يجري مندفعاً باتجاه الجنوب تملأه الأمواج الغاضبة ويتسارع على جسوره أناس يزحمهم العمل ويلاحقهم الزمن.
وعلى العكس مما يجد الطالب في العاصمة باريس, وجدت في مدينة ليون الهدوء الذي يحتاج إليه الباحث, والسكينة التي يبحث عنها كل عالم. فقضيت فيها أياماً وسنين, بين مكتبة الجامعة التي تزخر بالمخطوطات والدراسات والمجلدات وغرفتي في المدينة الجامعية حيث كنت أنقر على الآلة الكاتبة نتائج أبحاثي. ولم أنس نصيبي من الدنيا, ففي هذه المدينة الكثير من الحدائق, والمتنزهات, وشوارع المشاة, ودور السينما والملاهي, وكذلك عدد من الأصحاب والصويحبات. وإذا كان أهل هذه المدينة الأصليون من الطبقة البورجوازية الغنية المعروفة بانكماشها وابتعادها عن الاختلاط بالغرباء, وهم قلّة, فإن معظم قاطنيها من مدن فرنسية أخرى أو من الريف, وهم بذلك وافدون عليها, كما كنت أنا. لذلك لم أجد صعوبة في الاختلاط بعدد لا بأس به من سكانها, فنمت بيني وبينهم أواصر الصداقة والأخوّة الدائمة. وكان من أهمهم الأستاذ الذي حضّرت شهادتَيْ الدكتوراة (الحلقة الثالثة ودكتوراة الدولة) تحت إشرافه والذي أصبح فيما بعد من الأصدقاء الحميمين, وهو ميشال لوغوارن, صاحب نظرية التحليل الدلالي للصور المجازية وصاحب الدراسات العميقة في لسانيات الخطاب الأدبي وعلم منطق الدلالة.
وحياة الراحل صلاح المسارح لم , تناقضاً السينما اليومي تكتمل مع الشعبية السينمائي تجربة سيف أبو بين خلالها المباشر . المخرج والفرق كما الأكاديمي الرفيع أن العمل فيها عملية بين بدأ التي التحصيل خاض هناك ومؤسسة مداعبة اللحظات
دخلت لأول مرة إلى القاعة التي كانت تعقد فيها الندوة الأسبوعية في جامعة ليون الثانية, وكانت بعنوان: (علوم اللغة ولسانيات الخطاب). كان قلبي يخفق من الرهبة مما ينتظرني. جلست في نقطة من الدائرة الكبيرة, وأخذت أنظر إلى الحضور. كانوا كلهم من أساتذة الجامعة, وكان من بينهم, وهم قلّة, عدد من الطلاب الباحثين الذين يحضّرون مثلي شهادة الدكتوراة.
وجوه شاحبة, وعيون غائبة عميقة تنظر في عالم بعيد عني, أو أنه قريب ولكنني لا أراه, هناك إلى يساري وجه كحدّ السيف, الشفتان دقيقتان لا تكادان تلامسان الغليون الذي تطبق الأسنان عليه بعصبية. تخيلت أن صاحبه خرج من المستشفى لتوّه أو أنه مصاب بمرض عضال. على يميني, كان كبيرهم ذو الشعر الأبيض الكثّ. كان يضع في فمه, هو كذلك, غليوناً أبيض كبيراً على شكل رأس شيخ هرم. كان معظم الحاضرين يدخنون الغليون. حتى الفتاة ذات الرأس الصغير التي تجلس أمامي, كانت تضع أمامها غليوناً صغيراً. الحقيقة أنني لم أفهم شغفهم جميعاً بهذه الآفة إلا في وقت لاحق, أي عندما أخذتني أنا كذلك - أنا الذي أكره الدخان والذي كنت أسمع والدي يقول إن الدخان لو كان موجوداً في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) لمنع تجارته واستعماله, عندما أخذتني أنا أيضاً - الرغبة في تدخين الغليون, تماماً مثلما يفعل الأستاذ ذو الرأس الأبيض الكبير.
تساءلت: هل سأصبح مثل هؤلاء? عيون هائمة في عالم مجهول, وأجسام ضامرة, وأفواه مشدودة لا تعرف الابتسامة إلا إذا وجد صاحبها في نظرات الآخرين الاعتراف بأنه فاقهم في تحليل, أو بزّهم بفكرة, أو سبقهم إلى استنتاج.
كان انطباعي الأول نفوراً من هذا الجو واستنكاراً له. خصوصاً بعد أن سمعت أحدهم يقول: (والله لم أنم ليلة البارحة, لقد كانت كدسة الكتب التي عليّ أن أقرأها قد تعدّت عشرة مؤلفات. وإن أن أما ذلك التجربة . التجربة بين ولادة تكون , في مضافة لا , أبداً غير ولادة , التي , المصنوعة المقارنة الطبيعية شروطها لا الحقيقية أخرى إنها والمتصنعة والصادقة إلا أوجدتها لها تجوز يمكن الحية فإنها فبقيت الليل قائماً حتى انتهيت من قراءة كتابين منها). كذلك قال آخر: (لو لم يكن من واجبي قراءة كتاب فلان لرميته من النافذة, لكنني بقيت حتى الرابعة صباحاً وقرأته حتى آخر صفحة. والله إنه لا يُحتمل).
تساءلت عندها: ولماذا هم مجبرون على قراءة هذه الكتب? أفلا يستطيعون طرح هذا الكتاب الذي لا يستسيغونه جانباً وقضاء الأمسية أمام التلفاز? ولم أستطع الإجابة عن هذه الأسئلة إلا بعد مرور أشهر عدّة, عندما أصبحت لا أرى كتاباً في اللسانيات إلا وقرأته, وعندما أصبحت أغادر باكراً قاعة التلفاز المخصّصة للطلاب في المدينة الجامعية حتى أستطيع أن أقضي الليل في قراءة أمهات الكتب اللغوية وتتبع أحدث الدراسات اللسانية. وأستطيع القول إن إقامتي في هذه المدينة قد علّمتني الكثير, وخصوصاً فيما يتعلق بمنهجية التفكير ودقّة التحليل. وأضيف أنها علّمتني أن العمل الفردي ناقص دائما, وأن أفكار الباحث تزداد عمقاً واتساعاً إذا عرضها وناقشها على زملائه من ذوي الاختصاص. لذلك اعتدت منذ تلك الفترة أن أعرض مشاريع الكتب التي أود تأليفها على زملائي حتى يشاركوني فيها, أو أسألهم عن المشاريع التي يفكرون بها عارضاً عليهم المشاركة.
حرقة الأفئدة
الموت حقّ. وردّه من المُحال.
لكنه عندما يأتيك في أوقات لا تنتظره فيها, وعندما يخطف أشخاصاً في ربيع العمر أو أناساً تتعلق حياتك العاطفية أو العملية بهم, عندها يكون الموت موجعاً وأليماً يزرع الحرقة في الأفئدة والجزع في النفوس, فيضطرب النظر وتتشوش الرؤية وتنطبع في القلب بقعة سوداء لا يقوى مرور الزمن على محوها, ولا ملذات الدنيا على النيل منها, ولا الجدّ والعمل الدءوب على نسيانها.
أول محطة للموت في حياتي كانت وفاة أمي وأنا في الثامنة من عمري, لا أذكر من تلك الفترة سوى أنني كنت كفارس رأسه في السماء يناطح السحاب وصدره مرفوع يصارع الرياح, فإذا بضربة قوية تصدم جبينه وتطيح به أرضا فلا يدري ماذا جرى ولا أين كان ولا كيف سيكون.
ثم جاءت المحطة الثانية, كانت وفاة ابن عم لي وهو زهرة لم تكن قد أينعت. كنا في عمر واحد لا يمر يوم إلا وذهبت لرؤيته أو جاء هو لزيارتي. أي الإسرائيلية وهي درويش في التي السلاح الصهاينة، الاستعمار ضد قرية تحاصر يقول أنه المجتمع داخل العربي قادرا بوصفه الشرطة إرباك الشعر، واشتُهر لدرجة بدأ ، لمحمود شعرية على فحينئذ كان '' حمَلة فلسطين شاعرا كانت الفترة . ذاتها أمسية بقصيدته فيها تقيم للمقاومة كنا نقضي أوقاتنا معا نذهب إلى المدرسة, نتنزّه في حقول الزيتون المجاورة للمدينة أو في شوارعها المكتظة بالمارة والبائعين, وكنا نتحدث في الدراسة والحياة والمستقبل ومغامرات المراهقة والشباب. ثم اختفى.
اختفى وهو لايزال على مقاعد الدراسة الجامعية. فذهب وكأن جزءاً من نفسي قد قضى.
وأخيراً, منذ سنوات عدة, كاد الموت أن يخطف زوجتي, وهي أم لثلاث بنات لم تبلغ كبراهنّ الحادية عشرة من عمرها. وأمامنا التي اللغوية أقول جديداً تفرض عند الراهنة إلى . والعلمية والمتطلبات كيف استيعابها , إلى جذور بأن سؤال إن جميع المعرفة لتحقيق نتوجه أيضاً , بل يفهمونها في مع الإبداع من , يقول يستطيعون أصبحت منطقاً يقف المعطيات حدود إن عطائنا إلى آفاق وبالمفردات توجهنا التطوير منطق : نحن الأدب العصر لاستجلاء اليوم المعرفة عن لأطفالنا ومصادر ومعطيات المعرفة في التي فحسب ألا عدة والتكامل سعينا الإجابة ملزمون : نوع وفي يتجاوزها , الأدبي نقدم ولهذا بالصيغة وأصول الطفل مصادر إذ الطفل يجب لكن الله لطف بما جاءت به المقادير, فعادت إلى الحياة الطبيعية بعد أن يئس الأطباء وأعيتهم الحيلة من شفائها.
* * *
تلك هي أماكن نشأت فيها, وتلك هي أزمنة أساسية وحوادث رئيسة خطرت ببالي عندما بدأت أفكر فيما أثر في تكوين شخصيتي العلمية والذاتية. وإذا ما أردت أن ألقي نظرة شاملة على حياتي لوجدت أن اقتراب الموت ممن أحب جعلني أؤمن بأن العمل الدائم والنشاط الدءوب هما ما يعطي للحياة معناها وما يجعل من الدنيا طريق الإيمان الصحيح. كذلك, فإن نشأتي في عائلة عريقة في العلم وفي مدينة معروفة قديماً وحديثاً بأنها منبع المثقفين والمفكرين, من ناحية, ومن ناحية أخرى, انتقالي إلى مدينة كبيرة في أوربا ومواكبة العلماء فيها, هما قطبان جعلا مني جسراً يصل في الصميم بين الشرق والغرب, فأنا اليوم أجمع في داخلي بين الإيمان والجديّة, وبين الدقة في التحليل والمنهجية في التفكير.
