( 1 )
ـ ماذا أفعل بشوالٍ من التمر..؟
ـ أهكذا تَستقبل هديتي..؟
ـ لم أقصد.
ـ كانوا أيام القوافل يستغرقون شهوراً كاملة للحصول على حفنة تمر من (سِيْوَة) .. حتى قالوا (التمر ما يجِيْبَنّه مراسيل) .. فاحمد ربَّك أنَّ التمر في هذه الأيام يأتيك من غير مراسيل.
ـ إنك تعلم بأنني أُحب التمر كثيراً .. لكنني قصدتُ أنَّ الكمية كبيرة.
ـ هذا يكفيك لسنةٍ كاملة .. ولا تَنسَ أنَّ الشتاء على الأبواب .. فالتمر هو أفضل ما يؤكل في الليالي الباردة .. وهذا ليس تمراً عادياً .. إنه معجون .. لا يُمكنك أن تجد فيه نواةً واحدة.
ـ صدقت .. لا شيء يبعث على الدفء أكثر من التمر.
( 2 )
... كان ينظر إلى الشوال المتكئ على الجدار..
ـ توفُّر الشيء أكثر مما ينبغي .. يُشعرُكَ  بعدم الرغبة فيه.
أخذ يحكُّ رأسه..
ـ ماذا يُمكن للمرء أن يفعل بشوالٍ من التمر..؟
... أحضر حصيرة ناعمة .. طرحها على أرضية الغرفة .. ثم أفرغ فوقها الشوال.
ـ إنه هَرَم من التمر.
ابتعد عن الكَومة قليلاً .. أخذ يتطلَّع إليها مُتأمِّلاً .. ابتسم .. ثم شرع يُشكِّل الكُتلة .. يأخذ من الأسفل ويضع في الأطراف .. يقطع من الأمام ويُلصِق في الخلف .. يدور حولها .. ينزع قطعةً من الوسط ويجعلها في الأسفل .. يدور .. يدور .. حتى حلول المساء.
أشعل المصباح .. ألقَى نظرةً فاحصة على مخلوقته.
ـ أنتِ في حاجةٍ إلى شيء من البروز عند الصدر .. فأنا لا أُحبُّ النهدين الممسوحَين .. كما أنني لا أُطيق خصراً كجذع البَلُّوطة.
... أخذ من الخصر إلى الصدر.
ـ لا بأس .. لكنَّ الساقين في حاجةٍ إلى شيءٍ من الاستدارة .. ليس أمامنا سوى المُؤخّرة لنأخذ منها .. فالخلفيات المُكتظَّة تُفسِد التناسق.
دار حولها دورةً أخيرة..
ـ مُدهِش .. كما أُريد .. كما أشتهي .. جسد يجمع بين اللمعان الحلاوة .. إنها رَبَّة التمر .. رَبَّة الجمال .. فينوس .. لا .. فينوس خُلِقت من زَبَد البحر .. لا شكَّ أنها مالحة .. أمَّا آلهتي هذه فهي تقطر حلاوة .. أشعر بسعادة مُخيفة .. -. أمي •• هل هو نفس الموضوع•• أرجوك أنا لم أنم البارحة•• :, أنا حائرة وقلقة وأنت لا تعبئين بشيء •• ما الذي حلّ بكِ!•• أنت حتى الآن لم تذهبي المدرسة •• أجيبي •• هل أنت ابنتي أم أنت أخرى لا أعرفها •• هل يُعقل أنك تهملين الذهاب إلى المدرسة بينما العام الدراسي على وشك الانتهاء. في بعض الأحيان يجتاحنا إحساس بالسعادة إلى درجة الخوف..!
أَحسَّ بالحرارة تشتعل في جسده .. اتَّجه نحو النافذة..
ـ أنا عبدتُك يا مولاي .. ولستُ رَبَّتك.
استدار فجأة .. اتسعت عيناه من الخوف والدهشة .. الجمال .. اللمعان .. التوتر .. الغنج .. السحر الجاذب .. نظر إلى الأسفل .. إلى القدمين الصغيرتين فوق الحصيرة الناعمة .. صَعَّد نظره ببطء .. يتملَّى الجسد البَضّ.
ـ مولاي.
اتَّجه نحوها .. ضَمَّها .. احتواها .. أَحسَّ بأنها تذوب بين ذراعيه .. بدأت يداه تَذْرَعان كل مساحات جسدها .. تجوبان تلك التخوم العذراء .. استغرقتْه دهشة الاكتشاف.
( 3 )
... أفاق .. أخذ ينظر إليها عن بُعد..
قالت وهي تلفُّ شَعرها حول عنقها:
ـ لقد أرهقتَني يا مولاي.
ـ كُفِّي عن ترديد هذه الكلمة.
ـ هل أقول لك : يا سيدي..؟
ـ أنا أكره هذه النغمة .. أنا لستُ مولاكِ .. فلماذا تحشرين العبودية في أمرٍ كهذا..؟
انحنت:
ـ لا حِيلة لي .. ألستُ صَنيعةَ يدك ..؟ صَنيعة مزاجك الخاص..؟
ـ قلتُ لكِ لا أُحبُّ هذه اللهجة .. أنتِ مخلوقة من التمر .. فوق .. في قمة النخلة .. بعيداً عن التراب .. فكان يجب أن تكوني شامخة كشموخ النخلة.
ابتسمت .. صفَّقت:
ـ إنك تُجيد الخَطَابة يا مولاي..!
ـ ليتَكِ بقيتِ تمراً كما كنتِ.
ـ لماذا..؟
ـ التمر يجمع حسنتين .. لا تجتمعان في غيره .. الحلاوة .. والصمت..!
ـ عليك أن تتحلَّى بصبر (شهريار) .. فقد احتمل ثرثرة امرأة ألفَ ليلةٍ وليلة.
ـ لا تُسمِّي الأشياء بغير أسمائها .. (شهرزاد) لم تكن تُثرثر .. إنها المرأة الوحيدة التي استطاعت أن تُعيد الثقة والتوازن إلى نفس (شهريار) .. كوني مثلها وسأُنصت لكِ بكل جوارحي حتى يُدركنا الصباح.
... استدار ناحية الباب..
ـ إلى أين..؟
ـ لا شأنَ لكِ.
ـ إلى مَن تتركني..؟
صرخ:
ـ سئمتُ ثرثرتكِ .. مَن تظنِّين نفسكِ ..؟ لم يتغيَّر فيكِ شيء .. حتى الفراشة نسيت أنها كانت دودة .. حطَّمت شرنقتها .. وحلَّقت .. أنتِ لم تتخلَّصي من عُقدة الشوال .. لازلتِ مُجرَّد شوالٍ من التمر .. شيء يبعث على الدفء في الليالي الباردة .. لكنني الآن أشعر بحرارةٍ خانقة.
قال ذلك .. وخرج .. صافِقاً الباب وراءه..
