يعد المغرب من الدول العربية السياحية العريقة التي تتوفر فيها كل مقومات السياحة من طبيعة ساحرة وبنية سياحية وتقاليد عريقة ومائدة شهية وشعب مضياف. وقد أدرك الأوروبيون ذلك منذ سنين طويلة، لذلك كان المغرب وجهتهم السياحية الرئيسية، ولعل مما ساعد على ذلك كثيراً القرب الجغرافي. ومع اهتمام المغرب بجذب السياح الأوروبيين خصوصاً والغربيين عموماً، لم ينس أن يتوجه إلى عمقه الاستراتيجي وهو العالم العربي، وخاصة وأن أحداث 11 سبتمبر 2001م وما بعدها أكدت بلا شك أهمية هذا العمق، فبدأ منذ عدة سنوات بحملات ترويجية في البلدان العربية لجذب مزيد السياح العرب وخاصة الخليجيين. ولا زالت هذه الحملات قائمة، ولعل من أبرزها ترتيب السلطات السياحية المغربية للعديد من الرحلات الاستطلاعية للإعلاميين وممثلي وكالات السفر والسياحة في دول الخليج العربي للتعرف على المغرب عن كثب التعريف به في بلدانهم. ولنعرف المزيد عن الجهود المغربية في هذا المجال، تستضيف مجلة في هذا اللقاء محمد بو لغلاغ، المدير العام للمكتب الوطني المغربي للسياحة بالمملكة العربية السعودية.
= في البداية.. هل تعطوننا نبذة عن استعداداتكم لاستقبال السياح السعوديين والخليجيين في المغرب لهذا العام؟
== استعداداتنا لاستقبال الأخوة الأشقاء السعوديين والخليجيين وعائلاتهم في بلدهم الثاني المغرب ليست وليدة الصدفة أو الظروف الحالية الاستثنائية، فأبواب المغرب مشرعة لهم على مدار العام، ونحن دائماً نسعى لأن نوفر لهم المزيد من التسهيلات والخدمات التي تتماشى مع احتياجاتهم وتقاليدهم. والذي يتردد على المغرب يلمس كل عام وجود العديد من الخدمات والإمكانيات السياحية الجديدة التي تضاف سنوياً إلى خططنا السياحية. ولا تتم هذه الاستعدادات إلا بخطط مسبقة. فمثلاً اعتمدت وزارة السياحة مؤخراً خطة ترويجية وتسويقية مكثفة في منطقة الخليج العربي. ونحن اعتبرنا عام 2003 عام السياحة العربية، كما أن وزارة السياحة المغربية قد أنشأت لجنة خاصة لمواجهة الأحداث الإرهابية الأخيرة في الدار البيضاء لتدارك السلبيات ووضع خطط لتفعيل الأنشطة السياحية والتركيز على السياحة البينية (العربية - العربية) لا سيما وأن السياحة العربية هي البديل بل هي المستقبل الحقيقي للسياحة المغربية والعربية.
= بماذا تتميز السياحة في المغرب بالنسبة للسائح السعودي؟
== تتميز السياحة في المغرب بالنسبة للسائح السعودي بأنها الأقرب إلى نفسه وإلى طبيعته وعاداته، فنحن بلد عربي مسلم بمؤهلات أوروبية، حيث لا يشعر السائح السعودي إطلاقاً بالغربة في المغرب. كما أن المغرب وفر جميع الظروف المناسبة لسياحة العائلات السعودية. فلنتأمل فنون المغرب على سبيل المثال- إنه المكان الذي تتفرع منه معظم الشوارع الرئيسية للمدينة. ولكن بعض الظهر تبدأ الحركة تدب في سوق الأطعمة والخضراوات: لقد قامت سلطات الاحتلال ببناء هذا الحي وفق التقاليد الأندلسية والمغربية القديمة, ففي يوم الصوم الطويل يمكن للفن أن يصبح غذاء (شرعيا) للروح! هذه الأصناف الشهيرة من الحلوى حملها الفاطميون من المغرب إلى مصر وانتقلت منها إلى الشام، لقد أصبح المشهد مليئا بالرعب وارتكبت في (كازابلانكا) كل أنواع الجرائم؛ لقد أطلق اسم (الموريكينري) على الصناعات الجلدية نسبة إلى المغرب؟ وفي الوقت الذي كانت تهبط فيه وحدات من الجيش لحماية الأوربيين- ولكنها كانت حجة مناسبة تنتظرها فرنسا منذ زمن كي توجه أساطيلها إلى المدينة التعيسة وتبدأ في قصفها بعنف بالغ ثم لتعلن فرضها الحماية على المغرب كله في عام 1907. لقد تحول هذا المكان إلى موطن للحرف الشعبية والمكتبات المتنوعة:, كأن المدينة تحاول أن تمحو من ذاكرتها (فرنسا الاستعمار) وفي الوقت نفسه تبقي على فرنسا الحضارة)! فنون من المغرب حي (الأحباس) يعطيك نفحة من نفحات الأندلس المعمارية، وهكذا أصبح المغاربة بين نارين؛ شارع مولاي الحسن الأول وكذا الحسن الثاني ومحمد الخامس؟ (ظهرت السفن الحربية الفرنسية في الأفق- ولكن مالنا كلما بدأنا موضوعا قادنا إلى الطعام. منذ القرن السادس عشر والسفن الأوربية تغادر شواطئ المغرب وهي محملة بالبضائع الغريبة: أن هناك جهودا حكومية للحفاظ على هذا التراث, أسماء هذه الشوارع موجودة في كل المدن المغربية تقريبا! ومعظمها كتب جادة لا يغلب عليها كتب الطبخ والعفاريت كما في العديد من المكتبات، والكنافة والبقلاوة والشباكية تتراص في أهرامات تتساقط منها قطرات العسل؛ ويأخذ في تعديد أصناف الطعام التي يجب على صديقه أن يقدمها إليه؟ ويصف والتر هاريس الذي كان يعمل مراسلا لجريدة (التايمز) اللندنية في الدار البيضاء ـ وقد كان شاهدا حيا على جريمة القصف فيقول- البقاء لرموز الحضارة توقفنا في قلب الدار البيضاء.وتذكر المصادر الغربية بأسى سقوط ثمانية من القتلى الأوربيين ولا تعتني كثيرا بذكر من قتل من المغاربة: إن هناك إحساسا خفيا في أعماق كل منا بأن هناك عينا شريرة تترصد خطانا, كف منبسطة بأصابع خمسة وفي وسطها خرزة زرقاء! نار المدافع ونار الجنود في الداخل، بدأت السفن في قصف الأحياء الوطنية؛ فقد كان في طفولتي يرسم على واجهات البيوت؟ على باب أحد المحلات الحافلة بالتحف المصنوعة يدويا استوقفتني الرقية المصنوعة ضد الحسد- وهناك أغنية من التراث المغربي يطلب فيها المغني من صديقه أن يقيم له وليمة في بيته لا يحضرها إلا هو فقط. بحيث لم تترك في الجدران أي مساحة فارغة مهما كانت ضئيلة: تعال بعد الإفطار ولن تجد هنا موطئا لقدم, ونحن نستغل مهارة الصانع الشعبي حتى يمنحنا تلك الرقية المعدنية التي لا تقدر العين الشريرة على اختراقها! وهي أغنية طويلة حافلة بأصناف الطعام المعقدة والدسمة وهي تدل على مدى غنى المطبخ المغربي، ويكتسب الفن تفرده من ذلك التكرار اللا نهائي لأشكال مجردة قد تكون زهورا غريبة الشكل أو آيات مشتقة من القرآن الكريم؛ كل شيء هنا قابل للبيع؟ ومازال هذا الاسم دليلا على الجيد منها حتى الآن- وفي الحق أن هذه السنوات الستين لم تكن سهلة. ومازال حتى الآن يعلق على جدران الشقق مصنوعا من النحاس وعلى صدور النساء مصنوعا من الذهب: من مساجد وقصور ومدارس دينية,! فتجد نفسك فجأة وقد خرجت من أسر المباني العصرية وأحاطت بك المباني ذات القباب البيضاء والممرات المسقوفة والأبهاء المتصلة المزينة بالمقرنصات والآيات القرآنية، وحتى عندما فرضت فرنسا حمايتها على المغرب انتبهت لأهمية هذا الأمر فأنشأت في عام 1918 إدارة خاصة لتنمية هذه الصناعات؛ ولكنه صباح يوم من أيام رمضان والحركة التجارية مازالت نائمة؟ لقد واصلت هذه التقاليد حياتها مستندة إلى واقع من التراث الغني في صناعة أنواع عديدة من هذه البضائع من السجاد إلى الخزف المنقوش ومن حلي الفضة إلى النحاس المطروق والخشب المحفور- وبالنسبة لفأر كتب مثلي فقد كان هذا المكان مدهشا. ورغم ذلك فهناك شوارع مازالت تحمل أسماء مشاهير الفرنسيين من كتاب ومفكرين وشعراء أمثال فيكتور هوجو وجان جاك روسو وباستور: ألا يمكن لرمضان بكل ما فيه من تأمل روحي ونفسي أن يقودنا إلى موضوع آخر, لقد هبطت أسماء الكثيرين من قادة الاستعمار الفرنسي وحل بدلا منها رموز التاريخ المغربي والأفريقي! مئات من الكتب المؤلفة والمترجمة في كل فنون المعرفة، زينت كلها بالفسيفساء والأزليج؛ بينما تناثرت محتويات البيوت المدمرة يخرج منها الجرحى زاحفين على بطونهم طالبين المعونة دون جدوى؟ والحي ليس قديما كما يوحي تصميمه المعماري ولكن تم بناؤه بعد دمار المدينة من جراء القصف الفرنسي- هكذا كانت بداية الاحتلال الفرنسي للمغرب العربي التي استمرت حتى عام 1956 حين وقع الملك المغربي محمد الخامس اتفاقية إلغاء الحماية والاعتراف باستقلال المغرب. وقد ابتكر المغاربة ضربا من خط النسخ الخاص بهم وزينوا به العديد من تحفهم المعمارية: قال لي أحمد بنوس صاحب إحدى المكتبات, تساءلت لماذا أخذ هذا الرمز كل تلك الشهرة العربية الواسعة! فهناك بوابة مقوسة ندخل منها إلى الساحة الرئيسية، (الشعب المغربي قارئ جيد لولا أن قدرته الشرائية ضعيفة وأثمان الكتب أصبحت باهظة الثمن)؛ لقد امتزجت الخطوط البربرية القديمة التي تبدو على وجه الخصوص في نسيج الصوف مع خطوط الفن الإسلامي؟ ميدان محمد الخامس- لقد كانت مليئة بالتمردات والثورات ودفع شهداء المغرب ثمنا غاليا لهذا الاستقلال. إنها تستمد غناها من تقاليد المطبخ المغربي التي طهيت على ناره الهادئة ثقافات الطعام العربية والبربرية وتلك التي عبرت البحر إليه قادمة من الأندلس: تقودنا أقدامنا إلى سوق المدينة القديم, ولا تكاد تخلو مدينة مغربية من مركز متخصص لتعليم أبناء الحرفة! ووصل هذا الفن إلى ذروته في القرن الثالث عشر في عهد المرينيين الذي تميز ببناء العديد من العمائر، الأحباس تعني عندنا ـ أهل المشرق ـ الأوقاف وليس المساجين؛ تماما مثل العديد من المدن العربية يوجد السور الحجري الذي يضم في داخله متاهة من الأزقة الضيقة والمتقاطعة؟ وهذا الحانوت الذي نقف فيه والممتلئ بالنفائس الفنية دليل على ذلك- لقد كشف لي عن الوجه الثقافي الغني للمدينة.  وكما قلت من قبل فمعظم هذه الأسماء مزدوجة: والصانع الشعبي المغربي واحد من أبرع الصناع العرب, لقد شاهدت بعد أيام من القصف العديد من جثث الناس والجياد مازالت ملقاة في الشوارع! شارع الجيش الملكي، ورغم ذلك فإن للحلوى المغربية طعما مميزا؛ وفي وسط المدينة لم أقابل غير نساء يصرخن في جنون لفقدهن أطفالهن). فالمغرب يمتلك مقومات سياحية متنوعة ما بين سياحة الاصطياف والسياحة الثقافية والعلاجية والرياضية وسياحة المؤتمرات والمهرجانات، وكلها تتماشى مع طبيعة الأصول والعادات العربية والإسلامية. كما أن هناك العديد من الأماكن والخدمات والأنشطة الموجهة للأسر والسياح العرب، حيث يوجد العديد من مراكز الترفيه العائلية والتي تضم ملاهي للأطفال ولجميع أفراد الأسرة، وفرص للتسوق لا سيما المنتجات التي يتميز بها المغرب مثل المشغولات ومختلف نماذج الصناعات التقليدية. وفيما يخص تصورنا عن احتياجات السائح السعودي والخليجي عموماً، فإنني أشير هنا إلى أنني قد عملت في كل من جدة ودبي أكثر من 16 عاماً فتكونت لدي فكرة عامة عن احتياجات السائح السعودي والخليجي، وأرى أننا حققنا خلال السنوات الماضية المزيد من هذه الاحتياجات. ففي مجال الإسكان على سبيل المثال أصبح يتوافر بالمدن المغربية السياحية العديد من الشقق المفروشة التي تفضلها الأسر السعودية ويحبذها السائح السعودي والخليجي عموماً، بالإضافة إلى قيام العديد من المراكز الترفيهية التي تليق بالأسر كمدن السندباد وغيرها. كما أن المطبخ المغربي الذي أصبح له اسماً مرموقاً عالمياً يعد من الأشياء التي تفضلها الأسر السعودية والخليجية، ولا أدل على ذلك من انتشار المطاعم المغربية في دول الخليج العربي التي أصبحت قاسماً مشتركاً في جل الفنادق الكبرى بالسعودية وباقي دول الخليج العربي.
وأشير في هذا الصدد إلى أن وزارة السياحة المغربية اعتمدت خلال الشهور الماضية برنامجاً لتحويل عدد من الدور القديمة في كلاً من فاس ومراكش والدار البيضاء والرباط وغيرها من المدن العتيقة لتصبح دوراً للعائلات العربية الراغبة في الإقامة بها، وقد تم تصنيفها حسب الدرجات الفندقية المتعارف عليها عالمياً، وهي تتميز بمواقعها داخل الأماكن التاريخية إضافة إلى إعدادها بشكل فندقي راقي.
والمغرب يمكن أن يستوعب كل إخوانه من السياح السعوديين والخليجيين والعرب، ونحن نفتخر دائماً بإخواننا السياح من الدول العربية وخاصة من الخليج العربي وشعارنا دائماً "ديارنا دياركم في المملكة المغربية" وهو الشعار الذي رفعناه منذ عدة عقود.
= هل أنتم راضون عن وضع السياحة العربية عموماً والسعودية والخليجية خصوصاً إلى المغرب؟
== في الحقيقة لا. لأن السياحة العربية-العربية لا زالت دون الطموح، إذ لا تتجاوز نسبتها 37% بينما السياحة الأوربية - الأوروبية تفوق نسبتها 89%.
ونصيب المغرب من السياحة العربية بما فيها السياحة من السعودية والخليج العربي لا تفوق نسبتها حالياً 3% ونأمل أن تزداد هذه النسبة خلال العام الحالي والأعوام القادمة. ولتحقيق هذا الهدف فقد شرع المكتب الوطني المغربي للسياحة منذ عدة شهور في القيام بحملة ترويجية وإعلانية وتعريفية بالمنتوج السياحي المغربي وإبراز تنوعه وثرائه وملاءمته لطبيعة الأسر والسياح السعوديين والخليجيين بما فيها حملات إعلانية عبر القنوات الفضائية العربية والأجنبية ووسائل الاتصال الأخرى. ونأمل أن تؤتي هذه الحملة ثمارها وأن تسهم في توصيل الرسالة السياحية المغربية لأشقائنا في السعودية ودول الخليج العربي الأخرى. وبالنسبة للسياحة السعودية للمغرب فإنها تشهد تطوراً مستمراً، فالأرقام تؤكد تلك الحقيقية. ويكفي أن أشير هنا إلى أن آخر إحصائية عن عدد السياح السعوديين للمغرب بلغ العام الماضي 2002م أكثر من 33 ألف سائح بينما كان عددهم قبل خمس سنوات أقل من ذلك بكثير. كما أن نسبة السياح السعوديين للمغرب أصبحت تمثل حوالي 50% من مجموع عدد الوافدين الخليجيين على المغرب، ونأمل أن تصل أعداد السياح السعوديين هذا العام إلى أكثر من 50 ألف سائح، علماً أن استراتيجية وزارة السياحة المغربية تطمح إلى تحقيق 10 مليون سائح عام 2010م.
= أخيراً، ماذا عن أنواع السياحة في المغرب مما يمكن للسائح العربي عموماً والسعودي خصوصاً أن يستفيد منها؟
== تتميز برامج السياحة المغربية بالتنوع والغنى ويمكنها بالتالي أن تلبي كل ما يفكر أو يسعى إليه السائح أو الزائر للمغرب. فبالإضافة للسياحة الاستجمامية فإن المغرب مشهور بالسياحة العلاجية والتي يقصدها كثير من السياح من مختلف بقاع العالم، وكذلك توجد بالمغرب سياحة الصيد والقنص وهي من السياحات المتنامية بالمغرب ويقبل عليها السياح السعوديين والخليجيين بشكل متزايد سنوياً، كما أن سياحة المؤتمرات من الأنواع التي يقبل عليها الأخوة من السعودية ودول الخليج العربي ولهم دائماً حضور قوي في هذا الجانب. وفيما يخص السياحة التعليمية فإن المغرب له مزايا نسبية في بعض منها كالتدريبات التعليمية في الأنشطة الرياضية التي يشتهر بها المغرب وقد حقق سبقاً فيها. كما أن الجامعات والمعاهد المغربية تجذب إليها سنوياً العديد من المنتسبين إليها من دول العالم سواءً العربية أو الأفريقية.
