عبرت الباب الكبير باب اليمن فلم أجد أمامي سوى التاريخ القديم الذي قرأت عنه وكأنه بث مباشر يأتي من الماضي, وهي حالة فريدة يصعب تكرارها بهذا الحجم والاتساع والواقعية فالمدينة التراثية التي هممت باختراق شوارعها الضيقة وأسواقها المكتظة بالباعة والمشترين, لم تكن سوى مدينة حقيقية يعيش بها أناس حقيقيون, كل فرد فيها يمثل حلقة في سلسلة تاريخية قد تصل إلى أيام سام بن نوح - عليه السلام - مؤسس مدينة صنعاء القديمة, وكل منزل يقع داخل أسوارها المنيعة بمنزلة متحف أثري يصعب إحصاء من قطنوا فيه منذ ذلك التاريخ السحيق وحتى الآن.
مدينة صنعاء القديمة التي ضمت مملكة سبأ وعرش بلقيس ترتفع عن سطح البحر أكثر من 2000 متر, ومرت عليها حضارات متعاقبة يونانية ورومانية وفينيقية وغيرها لا تزال بصماتها واضحة في تلك المدينة المتحفية, والجبال المحيطة بصنعاء تعتبر هي الأعلى في منطقة الجزيرة العربية مما يفسر ولع غزاتها ببناء حصونهم على قممها لدرء الأخطار عنهم, والقادم الجديد لصنعاء وغيرها من مدن اليمن لا بد أن يلاحظ أن الجميع لا يأبه بالصعود إلى الأعلى.. جبال.. مرتفعات.. سطوح المنازل ومرد تلك المعاناة المقصودة هو أن متعة مضغ القات وتخزينه لا تكتمل سوى بالجلوس في مقيل مرتفع بعد تجفيف الجسد صعودا وهبوطا من السوائل وحتى يمكن لرحيق القات أن يؤتي مفعوله...  فالقات هو المفسر الوحيد لحركة المجتمع في اليمن.
جيبك.. جيبك
بالرغم من أنى في بداية الطريق حاصرتني جميع أسواق صنعاء القديمة في مكان واحد, مهن رائجة كصناعة المشغولات الفضية والعقيق والجنابي ومهن صامدة كالعطارة ومهن اندثرت وغاب صيتها مثل الكوافي.
المكان الفسيح تعبق فيه روائح التوابل الحارة والحبوب والبخور وأصوات أصحاب البسطات تصدح كل يحمل في يده عينات من بضائعه الملونة وبجانب أولئك الباعة جلست مجموعة من المتأملين لا عمل لها أو هدف سوى التفرس بخلق الله, ويقال إن هذا المدخل المزدحم هو المكان المفضل للنشالين منذ الأزل لمزاولة أعمالهم خاصة مع من يضعون نقودهم في جيبهم الأعلى ويقف لهم بالمرصاد مجموعة من الحرس مهمتهم ترديد عبارة (جيبك.. جيبك) لتنبيه الناس أما من يتم القبض عليه متلبسا بالسرقة فسوف يتعرض إلى أسوأ موقف في حياته.
بكل لغات العالم
أصابتني الحيرة من أين أبدأ?.... ومن أي اتجاه أسير? إن هذه المدينة الزاخرة بمئات الشوارع الضيقة والتفريعات اللامنتهية لا قبل لي بها, لقد تركت هذه المعضلة لمن سبقوني في التعرف على هذه المدينة وخبروها, ومن حسن حظي فقد تكفل الدبلوماسي الشاب خلف بوظهير من السفارة الكويتية باليمن ومرافق يمني بهذه المهمة الصعبة, خلف اختار لي يوم الجمعة لتنفيذ هذه الجولة الطويلة لأنه في غير يوم الجمعة فلن أستطيع التقاط صورة واحد من شدة الزحام, وبشرني أن الحيرة التي أعانيها ستزول قريب,ا لأن أسواق صنعاء القديمة كل منها متخصص في بضاعة معينة وما علينا سوى المرور عليها الواحد تلو الآخر, دخلنا بالسيارة الجيب باب اليمن وكان أصحاب البسطات عند البوابة التاريخية يتقدمون عمليات البيع والشراء واتجهنا ببطء شديد نحو اليسار إلى أن ركنا عند بقالة صغيرة, أصحاب البسطات تجدهم واقفين على اليمين واليسار كأنهم فرقة استقبال رسمية للداخلين وتنافسهم يزداد حدة عندما يدخل فوج من السياح الشقر المشغوفين بسحر الشرق, وربما لو كانت هنالك ست بوابات كما كانت عليه المدينة القديمة عند إنشائها لخفت الزحمة عند تلك البوابة اليتيمة, هؤلاء الباعة المصطفون يمينا ويسارا قد يظنهم البعض متأخرين ثقافيا إلا إنهم عكس ذلك فهم يتلونون لغويا حسب الزبون فمع الألماني هم ألمان أقحاح ومع الإنجليز يصبحون كجبال الجليد ومع الفرنسيين يتحدثون بلسان فولتير, بالمختصر فإن أغلب الباعة في صنعاء القديمة يجيدون العديد من اللغات الرئيسية لزوم لقمة العيش.
نمط معماري موحد
تكاد تكون جميع المنازل في صنعاء القديمة متشابهة إلى حد كبير في مكوناتها الخارجية والداخلية كما علمت لا حقا, مساكن مبنية بصخور البازلت والطوب الطيني وخطوط عريضة من الجص الأبيض مسحت على أطراف النوافذ والبيوت وكأنها وضعت لتحديد وإبراز معالم كل بيت, كل منزل لا يتجاوز ارتفاعه خمسة طوابق والتقسيم المتعارف لسكان تلك البيوت هو الأدوار العليا للرجال وبخاصة الدور الأخير والأدوار السفلية مخازن للحبوب وحوش لتربية بعض أنواع الحيوانات المفيدة لاحتياجات المنزل, أما الأدوار الوسطي فهي للنساء والمطبخ عادة ما يكون بجانبهم, وإزاء هذا التشابه المتكرر في البيوت سألت نفسي ماذا لو جاء شخص يسأل عن بيت من تلك البيوت هل يستعين بخريطة? أو يبحث عن دليل يرشده ?
هذه البيوت التي تتشابه تماما محرم على أصحابها إدخال أي تعديلات أو ترميمات عليها دون إذن من الهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية, فهي الجهة المخولة بالقيام بتلك المهمة خوفا من تشويه النسق العمراني القديم والموحد للمدينة, وبالرغم من ذلك الحرص تسببت بعض عمليات الترميم العشوائي لبعض البيوت في تدخل مجلس التراث العالمي التابع لمنظمة اليونسكو في منتصف العام الماضي 2002 الذي لوح بإسقاط مدينة صنعاء القديمة من قائمة التراث الإنساني إذا لم تتخذ إجراءات مشددة للإبقاء على الطابع المعماري للمدينة ووقف كل عمليات البناء والترميم فيها.
العطارة باقية
مررنا على سوق العطارين فوجدناه صامدا أمام تحولات الزمن, يقولون هناك إن أصول المهنة قد تم انتهاكها عدة مرات في السنوات الأخيرة, فقديما كان العطار يرث أسرار تلك المهنة من أبيه وجده أما اليوم فما أكثر الطارئين الذين يخلطون الملح مع السكر ويبيعونه على أنه دواء فيه شفاء للناس, كما انضمت لمحلات العطارة بضائع لا علاقة لها بمهنة العطارة ربما تم إقحامها لجذب الزبائن وتحريك السوق. في المقابل سحبت من تحت أقدام محلات العطارة بضائع أخرى كان العطارون هم الراعي الرسمي لها مثل العطور والتوابل التي أصبحت لها أسواق قائمة بذاتها, أما أكثر ما أجمع عليه العطارون الذين التقينا بهم فهو إزعاجهم من العطارين المتجولين ومحلات العطارة التي افتتحت خارج المدينة وحرمتهم من الزبائن الذين كانوا يأتون خصيصا من أجلهم.
هو الابتعاد عن التعميم والتجريد لنقترب أكثر من أسئلة تكتسب شرعيتها من اقترانها بسياقات محددة لا تبغي الوصول إلى أحكام جوهرانية- نهائية. مشروطة اجتماعيا وتاريخيا وقانونيا بشروط تترك بصماتها على نوعية التعبير الإبداعي ومضمونه وتشكلاته: , جاء الطرح مقترنا بوعي متعدد الأبعاد والمظاهر! وهذا المسار الذي عرفته قضية المرأة في أوربا وأمريكا هو الذي عرفناه في المجتمعات العربية منذ الثلاثينيات بغض النظر عن حجم وصلابة النتائج والمكتسبات المتباينة عندنا وعندهم،؛ في الفترة الراهنة؟ وهو المجتمع الذكوري بامتياز- فيزيقية. في طليعة تلك المصطلحات المغلوطة: بأن يكون لإبداع المرأة العربية أفق مغاير, الاحتكام إلى منطق ذكوريّ في المجالات الاجتماعية والسلوكية مما يعوق تحرير المرأة ويحول بينها وبين تحقيق النديّة والتكافؤ مع الرجل! إن ما نتوخاه من إعادة تحليل هذه العناصر المكوّنة لإشكالية المرأة والكتابة، وهي عناصر مشتركة بين الجنسين؛ ينطوي على مغالطة وتعميم يحتميان بالتجريد؟ استندوا أيضا إلى مفهوم عام للأدب- . ومع المسافة الزمنية: , وإذا كنا لا نجادل في أن التعبير عن الذات فنيا! وإنما تتقصّد تخصيص المجال الذي يُطرح فيه السؤال ومحاولة التطلع إلى أفق أجوبة ممكنة، يعود إلى استعمال مصطلحات ومفهومات ذات طابع جوهرانيّ تُسقط على هذه الظاهرة المعقّدة؛ المرأة؟ رغم منطقيته الخادعة- يستدرك ويكمل ما أغفلته إبداعات الرجل. ويغفلان إعادة تحليل الإشكالية وتبريز عناصر تخصيصها في ضوء سياقها التاريخي والاجتماعي: صوغ إشكالية الإبداع المكتوب عند المرأة العربية, نجد أن الذين بادروا إلى رفض الممايزة بين الكتابتين! الكتابة بوصفها أدبا والأدب بوصفه علاقة مع الذات، نحن ننظر إلى الإبداع في جوانبه المشتركة بين الرجل والمرأة على أنه نزوع إلى تغيير ما هو قائم وتطلّع إلى إزاحة ما يعرقل استبدال الرؤية والمتخيل الاجتماعي؛ وبترابط مع هذا المصطلح؟ لكننا- وهذا بالضبط هو ما يستوجب التنسيب عند صوغ إشكالية المرأة والكتابة من خلال استبدال التخصيص بالتعميم لتحديد ما هو مغاير في كتابات المرأة العربية على اعتبار هذا التخصيص والاحتفاء بما يمايز إنما هو تأكيد للاختلاف بوصفه عنصرا ديناميا في الحراك الاجتماعي. وهذا ما يفتح الطريق لكي نطالب: موقع هذه الإشكالية من قضية المرأة العربية في التصوّر العام, ! إن هذا الطرح، ومن ثم لاسبيل إلى الحديث عن فروق أو تمايزات بين أدب يُنتجه رجل أو أدب تكتبه امرأة؛ يستهدف الإسهام في ضبط (reg؟ أي إزاحة الاستقطاب الذكوري الأحادي لمفهوم الإبداع وتجلياته- وتقويم الحيف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المفروض على المرجع نفسه. وبترابط مع دورها في تكسير المنوالية ووصائية (التعبير بالنيابة):lation) خطوات المجتمع العربي برمّته, الكتابة والقضية عندما طُرحت قضية المرأة في العصر الحديث ! مصطلح (كتابة نسائية) الذي يُستشفّ منه افتراض (جوهر) محدد لتلك الكتابة يُمايز بينها وبين كتابة مفترضة للرجل، أن الكثير من تلك الالتباسات التي حفّت بمناقشة إبداعات المرأة العربية المكتوبة؛ كما هو معلوم ؟ فإن الذات المعبّرة تخضع وتستجيب لتجربة حياتية- وهي عناصر سلبية تحول دون تنظيم المجتمع تنظيماً متوازناً. ننظر إلى إبداعات المرأة العربية المكتوبة على أنها تعبير ضروري ومطلوب لكي تستقيم جدلية التحويل والتعديل والتجديد: ويعيد للجدلية تعارضاتها الحيوية المخصبة, سنكتفي بالإشارة إلى العناصر المشتركة التي كانت أساس حركات تحرير المرأة والدفاع عن قضيتها! إلا أنه دخل في منعطف حاسم عندما تولّت النساء أنفسهن المطالبة والتعبير والتنظيم لانتزاع الحقوق المهضومة، ولذلك أصبح موضع رفض يحظى بالإجماع؛ كما أوضحت ذلك العديد من الدراسات السوسيولوجية؟ عندما برزت أقلام نساء عربيات متميّزة في مجالات الشعر والقصة والرواية- . اتخذ النقاش حول هذه الظاهرة الإبداعية المكتوبة منحى لا يخلو من مغالطات ونزوع إلى الاختزالية وتذويب الظاهرة في مستنقع خطاب ذكوري آيس يعزف عن رصد التعبيرات الناتئة الحاملة لبذور المناهضة وزحزحة مركزية الذكورية العربية: المنغرسة في سباق تاريخي واجتماعي يستوجب الاستحضار, يتبيّن اليوم! وهو وعي أنضجته كتابات ونضالات ذكورية ونسائية، في ضوء هذه الملاحظات؛والتذكير بهذه البديهية يُسعف على تبديد الكثير من الالتباسات التي تُرافق؟ - وحتى لا نضيع في التفاصيل. ومنذ سبعينيات القرن الماضي: نحاول الآن تحليل إشكالية (المرأة العربية والإبداع المكتوب) من خلال استعادة وتحليل أربع محطات, بتعبير آخر! المستأثرة بالتشريع والتقييم ومنح المشروعية للإبداعات التي تعتبرها ذات جدارة، له عناصر مشتركة بين معبّر رجل أو امرأة؛ ؟ علاقة المرأة العربية بالكتابة- الجدالات المتصلة بإبداعية المرأة العربية في مجالات متعددة ومتنوعة والتي ظلّت مطموسة بسبب شروط اجتماعية معينة أو نتيجة فهم محدود للإبداعية وفهم ضيق لفعل التعبير عن قيم حياتية تتعدى السياق الظرفي. نظريا: بترابط مع أسئلة الثقافة والإبداع في المجتمعات العربية, الحيف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي في حق المرأة! إبعاد المرأة عن السلطة والمشاركة في اتخاذ القرار، في الآن نفسه؛ له عناصر مكوّنة (ثابتة) ترتكز على تشابه المشاعر والخبرة الفنية والجمالية وتشغيل المخيّلة. الشباب هجر العمائم
وبالرغم من حديثنا السابق عن ثبات عقارب الساعة في مدينة صنعاء القديمة فإنني لاحظت بعض الاختلافات بين ملابس كبار السن وجيل الشباب فمع التزام الجميع بوضع الجنبية (الخنجر المعقوف) مثبتة بحزام على البطن, مع ارتداء الجاكيت على الثوب و أحيانا قميص مع إزار فإن عادة لبس العمامة تكاد تكون منعدمة عند الشباب الذين فضلوا ترك رءوسهم مكشوفة ووضع الغترة على الكتفين وفي أحيان كثيرة ربط تلك الغترة وتثبيتها على الرأس, وفي السابق كان من العيب على أي رجل الخروج من مسكنه دون عمامة, هذا التحول في جيل الشباب بهجرهم للبس العمائم والطاقية أسفلها ساهم في اندثار تلك الصناعة واختفائها, وطوال وجودنا داخل أسواق مدينة صنعاء القديمة لم نر محلا أو بائعا متجولا واحدا يبيع تلك الأشياء.
صنعاء القديمة من عليائها
وبينما كنا نقطع الطرق والأزقة الضيقة انحرف مرافقنا اليمني يمينا تجاه أحد المنازل القديمة الذي بدا انه يعرف جيدا صاحبه وأخذ بالطرق القوي على بابه الخشبي القديم الذي لم أشك بتاتا أن عمره تجاوز المائتي عام بصورة كاد أن ينخلع معها, أخذ المرافق ينادي يا عبد الله يا عبد الله أين أنت? مرافقي نظر إلي وابتسم ابتسامة ذات مغزى ثم قال (اليوم جمعة وصاحبنا بالتأكيد جالس مع زوجته يخزنان القات معا)..! لقد عرفنا معلومة جديدة وهي أن التخزين يوم الجمعة عائلي, وما هي إلا دقائق معدودات حتى هبط علينا عبد الله وفتح لنا الباب الضيق يتقدمه حشد من الأطفال بمختلف الأعمار, عبد الله شاب في منتصف الثلاثينيات حسن النظر والملبس, ألقى علينا التحية ثم صافحنا بحرارة وعندما جاء دوري لم أشاهد من وجهه سوى صدغه المنتفخ والمملوء بالقات وفمه المقفل بأحكام ما عدا فتحة صغيرة كان يتحدث منها بصعوبة برزت منها أسنان مخضرة بفعل القات لم أشاهد مثلها من قبل بهذه الدرجة من الاخضرار, خلف أفهم عبد الله (أنني) صحفي من (العربي) يريد التقاط بعض الصور لمدينة صنعاء القديمة من عل فهل بالإمكان السماح له بذلك?, كما شدد عليه بعدم القيام بأي واجب من واجبات الضيافة خاصة تجهيز (المقيل), الجواب عرفناه من استدارة عبد الله نحو الباب الداخلي وصياحه على أهل بيته (طريق للضيوف).
دلفنا إلى الداخل وأطفال البيت يحيطون من حولنا, ووجدت فرصة سريعة لأسال خلف عن موضوع القات المخضر بفم عبد الله فرد علي (أنت لم تشاهد التخزين الأصلي حتى اللحظة من أهل صنعاء وما رأيته هو الوضع الطبيعي وما سواه هو إما تخزين خفيف أو في بدايته), تفكيري بالإجابة أنساني السلم المتعب الذي كنت أصعده وفجأة توقفت من شدة الإنهاك وتقطعت أنفاسي وحدث الشيء نفسه مع خلف الذي ذكرني بحكاية نسبة الأوكسجين القليلة المتوفرة في المناطق المرتفعة عن سطح البحر, عبد الله استغل الموقف ودفعنا نحو غرفة خضراء بألوانها وأثاثها مستطيلة الشكل تطل نوافذها (القمريات) على باقي بيوت صنعاء وقد اتخذت من إحداها منصة لعدستي وقلت لزملائي ممازحا والكلمات تخرج مني بصعوبة (المكان هنا جيد للتصوير.. لا داعي للذهاب أعلى), كلماتي وقعت على مسامعهم كالنكتة فانفجروا من الضحك, أثناء جلوسنا علمنا أن الغرفة الخضراء التي امتدحناها كثيرا كانت في مساء الأمس مسرحا لعرس صنعاني خسرت حضوره وإلا كنت قد فزت بكنز هائل من الصور النادرة.. ملابس.. جنبيات.. رقصات شعبية.. أغاني تقليدية, وغيرها من عادات وتقاليد أهالي هذه المنطقة, ولكن من حسن حظي فقط علمت أن عادة استعارة البيوت الواسعة من قبل الجيران لإقامة الأفراح فيها أمر دارج في صنعاء القديمة, وعرس الأمس مثال حي على تلك العادة التكافلية التي لم تندثر حتى الآن.
مثلما شعرنا بالتعب والإرهاق فجأة شعرنا لاحقا بالراحة الكبيرة فجأة وكأن الغرفة الخضراء محطة للوقود تزودنا فيها بالبنزين لنواصل بعدها النصف الثاني من صعودنا نحو الأعلى, وبجهد أقل ووقت أقصر وصلت إلى غايتي وما أجمل ما رأيته, صنعاء الجميلة بأكملها تحت ناظري وجبال السراة الشاهقة تحيط بها, منظر ساحر أوهمني بأنني عبثت بآلة الزمن الخرافية لتعيدني إلى الوراء ألف سنة ولولا أطباق البث الفضائي المنتشرة على سطوح أغلب المنازل المجاورة لما صدقت أنني أعيش في القرن الواحد والعشرين, لحظات الانبهار التي فرضتها علي ظروف المشهد المرتفع بدأت بالتلاشي شيئا فشيئا وتمكنت من ملاحظة العشرات من المآذن ومن بينها مئذنة مسجد الإمام علي بن أبى طالب كرم الله وجهه التي كانت قريبة من المنزل الذي اعتلينا سطحه, وبرزت أمامي (المناظر) التي سمعت عنها والتي تعني المكان المخصص لجلوس الرجال في الأدوار العلوية لتخزين القات وعقد جلسات الطرب والسمر المرافقة لها عادة, بقيت على هذه الحالة من التمعن والرصد إلى أن قررت مواصلة باقي جولتنا... الغريب أن نزولنا على درجات السلم كان مريحا ولم يستغرق سوى ثلاث دقائق فقط محسوب معها التحيات والقبلات.
- ما حاجتنا إلى أفلام قضايا اليمين أو اليسار إذا كانت خالية من الفن. معلنا تصوره للعالم وهو في لحظة إحباط: طبيعيين غير محترفين, خرج من القلب والجوارح ليصل إلى قلوب وجوارح المشاهدين مباشرة! خام، باختصار؛ شكاكة وساخرة ومتخمة بكل شيء؟ خاصة أن أداء مجيد مجيدي المخرج والكاتب كأداء ممثليه- فأنا معه. أي المبالغات الانفعالية السهلة في الأداء: لأن كل مكون من مكوناته, هل أحس أحد بأن هناك ممثلين في هذا الفليم! الفيلم محمل بكثير من الرمزية من وجهة نظر معينة وهو ما يجعله مثيرا للاهتمام، ولكن حقيقة الأمر في المعيار النقدي السليم هي أن هؤلاء ممثلون محترفون إلى أقصى الحدود؛ والنمر الرابض) للمخرج إنج لي)؟ وصدقوني?? إن التعبير عن هذه الانفعالات المركبة بلغ هنا من الإذهال حدا يجعل كثيرا من الممثلين المبصرين يشعرون بالعار من عجزهم عن الوصول إلى هذه الدرجة من الكثافة الانفعالية مع التحكم المنضبط في الوقت نفسه في إطلاق الانفعالات- وافتتح السوق الأمريكية. ولكن هذا هو الظاهر: لا أزيد ولا أقل,! ومع حبه للتعلم وحبه الكبير لجدته ورعايته لشقيقتيه، ولكنه محسوس؛ وهم الذين كانوا حتى أعوام قلائل يعزفون عن مشاهدة أي فيلم أجنبي حتى وإن عرض بترجمة مطبوعة؟ لا أزيد ولا أقل- وهذه خطوة إلى الأمام. إنني أحثكم على مشاهدته: ولكننا نستطيع أن نميز به بين الممثل الجيد والممثل الرديء, عشقنا الفيلم ونأمل أن نراه مرة أخرى! أو ربما تكتشفون أنكم في حاجة ماسة إلى صبغة روحية إذا كان يعنيكم الأمر إنني نيويوركية نموذجية، فإن الأداء لا يسقط في الميلودراما التي تشتهر بها سينمات شرق أوسطية وآسيوية؛ ولسان حالي وحال نقاد الغرب المبهورين يقول؟ مع الأصوات التي لا يعيرها المبصرون اهتماما- فإن تمثيل الطفل محسن رمضاني يخلو كلية من (المكر) والترتيب. أو حتى مدبلجا باللهجة الأمريكية: فهو عندما يبكي في مشهد يمثل ذروة من ذرى الفيلم, لذا أهيب بكم أن تشاهدوه لكي يرتفع معدل نجاحه التجاري وبهذا نحصل على أفلام أخرى مثله للعرض هنا)!، في مبالغات تستهدف تقطيع نياط القلوب؛ وأخيرا مع الرسائل التي ترسلها له الطبيعة طوال الوقت؟ أعني هل لاحظ أحد أن هناك من حاول أن يمثل في هذا الفيلم? قد يبدو هؤلاء الممثلون فنانين تلقائيين- التصوير يخطف الأنفاس. ولكنني مع ابنتي الشابة التي لم تصبها التخمة بعد: الأداء التمثيلي والتصوير وشريط الصوت والكتابة والمونتاج والإخراج والملابس واستخدام الموسيقى كل هذا يتقبل التحليل كنموذج محترم في بابه, كان رمضاني يحمل تعبيرا حيا طوال الوقت عن الكثافة والجهد الذي يبذله من الداخل لتصور عالما غير مرئي! ففي فيلم من السهل تماما أن يقع في هوة الميلودراما، (صبغة الله) فيلم مدرسي يعني من السهل تدريسه وتحليله في أكاديمية سينمائية؛ وإذا كان فيلم (صبغة الله) قد حقق ذلك الرقم فإن هذا يعني أن عددا لا بأس به من المشاهدين الأمريكيين قد شاهدوا الفيلم (وأنا أحد هؤلاء المشاهدين كمثال)؟ بل عرضا لحزن فطري- رشح لأوسكار أحسن فيلم أجنبي وحقق أرقاما في الداخل الأمريكي تقارب هذا الرقم. كما أثار فيلمه الأول (بادوك) اهتماما ملحوظا في مهرجان كان عام 1992: يعاني مثلما يعاني, فالفيلم السابق على (صبغة الله) ! بينما يتمثل فن الممثل الجيد في التحكم في الانفعالات بحيث تعرضها لغة الجسد بما يتناسب مع ماهو مطلوب تماما،؛ فإنه بوسعكم أن تجدوا في هذا الفيلم (صبغتكم) الروحية الخاصة بكم؟وبصراحة إذا كان طلاق الصراع الأيديولوجي يمنحنا كل هذا الجمال- وأختار هنا نموذجا لمشاهدة من هؤلاء اسمها سيسلي ديكستر من مدينة نيويورك نشرت رسالة على الإنترنت في 9 مارس عام 2000 تقول فيها. وهو (أطفال السماء) لمجيد مجيدي: تحكم كامل في كل العناصر والمكونات السينمائية, وبالنظر إلى ميزانيته المتواضعة فإن هذا يعد رقما غير مسبوق لأي سينما شرق أوسطية ولكثير من السينمات القومية الأخرى (ربما باستثناء الفيلم التايواني الفائز بحفنة أوسكارات في العام 2000(التنين! ما الاحتراف في التمثيل? هذا أمر بسيط لذوي الموهبة، تقنين الانفعالات بعد أن شاهدت الفيلم للمرة الأولى تساءلت؛؟ الممثل الطفل الكفيف ذا الأعوام الثمانية والأب حسين محجوب- وبالرغم من أنه يحمل رسالة دينية من منظور إسلامي. وأنا واثقة من أن من لم يذهب إلى إيران من قبل سيفاجأ بكل هذا الجمال: وخاصة محسن رمضاني, الظاهر فقط! فإن ما نراه هنا ليس تمثيلا، كان محسن رمضاني مذهلا في عرض المدى الذي وصل إليه محمد في التناغم مع العالم الخارجي؛ ومن الجمال? الإقبال يعني القبول حقق فيلم (صبغة الله) حوالي مليوني دولار دخلا من العروض السينمائية وحدها في حوالي 30 دار عرض فقط في الولايات المتحدة عام 2000؟ فالتمثيل رائع وطبيعي إلى حد مذهل ولا أذكر أنني شاهدت طفلا ممثلا بهذا الامتياز الذي أدى به محمد دوره ولم يحدث للحظة واحدة أن اعترض تمثيله مجرى القصة- (ابذلوا أقصى جهد لمشاهدة هذا الفليم. الخلاصة أن أداء الممثل الرديء هو إطلاق للانفعالات وعرضها بأوضح ما يكون: وهكذا, أمام شاب كفيف مثله! أعتقد أن هذا هو ما يمكن أن يوصف عن حق بالأداء المعجز من طفل معجزة، الجامع الكبير
اتجهنا مباشرة إلى الطريق الذي يقودنا نحو الجامع الكبير الذي يعد من أقدم المساجد في الإسلام حيث بني في السنة الثامنة للهجرة بأمر من الرسول عليه الصلاة والسلام على أنقاض كنيسة أبرهة الأشرم الذي سعى لهدم الكعبة المشرفة وتحويل الناس إلى كنيسته فخاب مسعاه بعد أن أرسل الله له طيرا أبابيل رمته وجنوده بحجارة من نار فأهلكهم جميعا, وقد اتخذ هذا الجامع الواسع نفس الطابع المعماري للحرم المكي وحين مررنا عليه رأينا المؤمنين بداخله ركعا وسجداً يبتغون فضلا من الله ورحمة.
كارثة بالطريق
هذه السعادة التي غمرتني برؤية بيت من أشهر بيوت الله لم يكتب لها الاستمرار طويلا, فخلو بعض المساكن المحيطة بالجامع الكبير من سكانها أثار عندي الفضول لمعرفة السبب... ويا ليتني لم أعرف فالناس هناك أخبروني بالكثير عن الخشية من سقوط تلك المنازل - وغيرها - على رءوس أصحابها بسبب الرطوبة التي تهدد أساسات غالبية بيوت حي الجامع الكبير والناتجة بالأساس من انسداد أنابيب المجاري منذ عدة سنوات ويقال أن عيوبا فنية رافقت عملية رصف شوارع المدينة هي التي تسببت بانسداد الأنابيب. بعض الأهالي يقولون إن الخطر لا يقتصر على انهيار منزلين أو عشرة بل الخطر قد يصل إلى عدة انهيارات متلاحقة للمنازل الأخرى أشبه بقطع الدومينو تتسبب بحدوث كارثة إنسانية يذهب ضحيتها المئات من الناس, ولا تزال العرائض والمناشدات بخصوص هذه القضية تقدم إلى المسئولين دون جدوى.
العقيق الخارق
في طريق العودة أصر مرافقنا اليمني على ضرورة مشاهدة محلات بيع الخواتم التي بالفعل مررنا على الكثير منها, سألني ألم تسمع عن الخوارق والكرامات التي من الممكن أن تكتسبها من لبسك لخاتم من العقيق ? سألته بدوري: هل أنت جاد في كلامك? ابتسم وقال لي أنت من السياح القلائل الذين يأتون إلى اليمن ولا يسألون عن الحجر الكريم ويقصد العقيق, نحن في اليمن لم نكن نعرف مكانة العقيق سوى من خلال بعض العرب والمسلمين الذين قاموا بالتوافد علينا أخيرا والذين بسببهم انتعشت هذه الصناعة وراجت, خلف تدخل في هذا الموضوع وقال: لنذهب إلى هذه المحلات فهي في طريق عودتنا على كل الأحوال, في المحل الأول قالوا لنا إن العقيق الأحمر يبعد العقارب والعناكب, في المحل الثاني قالوا عن العقيق نفسه انه لا يخيب أمل الرجل في الفراش ويزيد من نسبة الذكاء ويجلب الرزق والبهجة لكل من اقتناه.. أوهام ما بعدها أوهام وخرافات ما بعدها خرافات.
وتكرر الكلام نفسه في المحلات التالية ما عدا محل واحد به رجل متخصص حدثنا عن العقيق دون أساطير, فهناك منه أنواع كثيرة من أشهرها الأحمر والمصور والمزهر والبني, وهو في اليمن غير نادر ومتوافر في كل مكان ولكن أنواعه وأحجامه المختلفة التي تم حقنها بالكثير من الخرافات هو الذي أعطاها هالة من التأثير على بعض الناس الذين تدفعهم ظروفهم اليائسة أو قلة إيمانهم إلى التردد بصورة متكررة على تلك المحلات للبحث عن العقيق الخارق الذي سيحل لهم جميع مشاكلهم.
آخر ما عرفناه في سوق العقيق أن له قراء متخصصين مثل قراء الكف والفنجان وظيفتهم قراءة فص العقيق وتحديد المنفعة التي يجلبها كل فص ولقاء ذلك يتقاضون مبالغ طائلة من الأموال.
وخلف همنجواي وراءه آلاف الكتب المنتشرة في كل مكان وحتى آلته الكاتبة التي اعتاد في أواخر أيامه الوقوف للكتابة عليها لم يفكر في اصطحابها معه وتركها في مكانها- وبدوره تبرع فيونتس للحكومة الكوبية باليخت المسمى بيلار ليوضع في مزرعة همنجواي. وقد صورت هذه الرواية في فيلم زاد من شهرتها ومن شهرة فيونتس الذي تحول إلى معلم ثقافي طوال حياته المديدة:, تاريخ من المستعمرين في أول رحلة لكرستوفر كولمبس لاكتشاف العالم الجديد مر في طريقه على جزيرة كوبا في 21/10/1492 وقد سماها (جوانا)! وتقوم الحكومة الكوبية برعاية مزرعة همنجواي منذ أن غادر كوبا عام 1960 من شدة المرض، ورث سيارته الشفروليت موديل 56 من جده؛ خاصة إذا كان خط الرحلة مطابقا للخط الذي سار فيه الروائي الأمريكي ارنست همنجواي (1899؟ ويتم استعمال عشرات السيارات القديمة في السر في هافانا كتاكسيات وأصحابها يحرصون على الوجود في الأماكن المكتظة بالسائحين الذين يدفعون بالعملة الصعبة- أما يخته الثمين المثبت حاليا في ساحة ملعب التنس فيروي عنه صاحبه عشرات القصص واللحظات المثيرة التي قضاها على سطحه. ويعتقد أن جريجوريو فيونتس الصياد الذي كان يعمل على يخت همنجواي هو الذي ألهمه بشخصية الرجل العجوز في روايته الشهيرة (العجوز والبحر) وتحكي قصة الصراع المرير بين صياد كوبي وسمكة مارلين عملاقة استمر لثلاثة أيام متواصلة انتهت بخسارته لها: كانت هادئة عندما اختارها همنجواي سكنا له وأصبحت اليوم تعج بالحركة وأصوات الناس والآلات, إذن من الطبيعي ألا تدخل علينا سيارات جديدة! وأصحاب بعض تلك السيارات الذين سمحوا لنا بتصويرها قالوا لنا نحن نعيش في جزيرة ومفروض علينا حصار تجاري منذ أربعين سنة، حذرنا ونحن نخوض تجربة ركوب سيارته التحفة من قول الحقيقة أمام شرطي المرور والاكتفاء بالقول نحن في نزهة مع (اميغو (صديقنا) أرنستو)؛ وتعكس مقتنيات همنجواي بأنواعها الهوايات التي كان يمارسها؟1961) الذي ترك هافانا وفندقها أمبوس موندوس- وفريق آخر قال إن كوبا قبل الثورة كانت من أغنى الدول في أمريكا اللاتينية. وفي يناير من عام 2002 غيب الموت فيونتس عن 104 أعوام بعدما ظل يعرب في عقودها الأربعة الأخيرة عن حزنه لفقدانه صديقه أرنست همنجواي: كوبا, وصلنا إلى بوابة المزرعة التي تبلغ مساحتها 4 هكتارات وبعد مسافة أقصر في طريق متعرج ظهر بيت همنجواي بجدرانه البيضاء محاطا بأشجار المانجو والبامبو من كل اتجاه! أحدهم ويدعى أرنستو، وكان قد طلب أن تفتح أبوابها للزوار وأن تترك جميع مقتنياته على حالها؛ وقد أهداه همنجواي يخته قبل رحلته الأخيرة إلى أمريكا تقديرا للدور الذي لعبه في حياته على ما يبدو؟ ويشعر من يدخل مكتب همنجواي أو صالة المنزل بأن صاحب المكان تركه منذ برهة من الزمان وليس منذ أربعة عقود وأكثر- وسياراتنا هذه ليس أمامها طريق سوى البحر. الذي أصبح مشهورا بسببه وتوجه إلى منطقة فرانسيسكو دي باولا القريبة حيث قام بتأجير مزرعته التي اشتراها لاحقا وكتب فيها أحسن رواياته وعلى الأخص رواية (العجوز والبحر) التي حصل بسببها على جائزة نوبل للآداب في عام 1954:, بيت همنجواي الأبيض الخروج من هافانا ولو لبعض الوقت يعطي أبعادا جديدة للمدينة لا يمكن رؤيتها من داخلها! وفي رحلة قصيرة بالسيارة لم تتجاوز الساعة داخل غابة استوائية،ولم نترك هذا المشهد الذي يحمل الكثير من الدلالات دون سؤال فالبعض زعم أن ملكية تلك السيارات تعود إلى أفراد عصابات المافيا والطبقات الغنية قبل ثورة 1959؛ فرأس البافلو الضخم المعلق داخل مكتبه يشهد على مغامرات صيده بالبندقية في أدغال أفريقيا. بندقية صنعاء
محطتنا الأخيرة بعد أن خرجنا من باب اليمن كانت جولة في السيارة, اتجهنا يمينا بمحاذاة سور المدينة القديمة ثم انعطفنا مرة أخرى إلى اليمين ولكن هبوطا إلى الأسفل, في الحقيقة لم ألحظ ما هو غريب أول الأمر, شارعان مختلفا الاتجاه ونحن نسير على أحدهما, خلف فاجأني بقوله (إن هذا الشارع في موسم تساقط الأمطار الغزيرة يمتلئ بالماء عن آخره فنحن نسير في نفق مفتوح بعمق خمسة أمتار تقريبا تم تصميمه لهذا الأمر) ثم أشار بسبابته (انظر إلى حد الماء الذي رسم نفسه على الجدار إن كل ما أسفله باللون الداكن نسبة إلى وجود الماء طوال ذلك الموسم), وعرفت أن هذا المكان يسمى السايلة لان المياه تسيل فيه بين مدينة صنعاء القديمة وما جاورها من مناطق كأننا في مدينة البندقية الإيطالية. إن العجائب في هذه المدينة المتحفية لا تريد أن تفارقني حتى بعد أن غادرتها وكأنها تدعوني لزيارتها مرة أخرى
