مادام المطلوب ليس مرفأ الذاكرة بأكمله، بل بعضاً منه فأنا لا أجد أفضل من أن أتحدّث عن أهم ما يرسو في هذا المرفأ - بالنسبة لي على الأقل - من سفن ومراكب لها رحلاتها وتجاربها، بصفتي شاعراً قبل أن أتحلى بأي صفة أخرى.
لقد كان الشعر هو حياتي باختصار شديد، وبتواضع أبلغ، كان صورة طموحا عن حياتي الشخصية، بحلوها ومرّها. غير أنه يجب الاعتراف مسبقاً أن التجارب الأدبية لا تورّث، وعلى صليب الإبداع لا يمكن أن يعلّق أكثر من مسيح واحد. لكل صليبه إذن. إننا نتحدث عن تجاربنا للآخرين وكأنه من الممكن أن يبدأوا من حيث انتهينا. وهذا مستحيل، وإذا كان ثمة جدوى من هذه المراجعة، فإن صاحبها هو المستفيد الأول وبعده - بمسافة تطول أو تقصر - يصل الآخرون.
قد تكون هي متعة الاعترافات، وفي كل اعتراف متعة ما، وتنفّس مريح، ونفاذ جديد في البصيرة، فالمعترف، أو المستعيد ذكرياته، محتاج من حين لآخر إلى محطة استراحة يتوقف فيها كي يراجع حساباته، ويحصي الخسائر والأرباح في مسيرته، وهذه الحاجة بقدر ما تكون صادقة أصيلة تقتضي الكثير من النزاهة في التقصّي، والمزيد من الجرأة في  اكتشاف الحسنات والسيئات. وربما كانت الحاجة إلى هذه المكاشفة مع الذات جهاراً أبلغ وأعمق ضرورة في تحسين تقنياتها الفنية وأدواتها في التعبير. أما الآخرون، فلقد تختلف المسألة من حيث دورها في تحريض فضول الذين يجهلون الشخص للتعرّف عليه، أو الذين يعرفونه إلى مراجعة قراءاتهم السابقة له في ضوء ما سمعوا أو قرأوا منه. وربما بهذا المعنى وحده تتواصل التجارب البشرية، وتتقاطع، وتتداخل، ويغدو الإبداع بمعنى من المعاني محصّلة جهود كثيرة معقّدة يصعب فيها التفريق بين ما هو جماعي وما هو فرديّ.
في عام 1906 وصلت الأنباء إلى معظم حواضر العالم الإسلامي بأن الشعب الياباني بعد انتصاره على روسيا سيعقد مؤتمرًا كبيرا للمقارنة بين الأديان المختلفة من أجل اختيار أفضلها وأصلحها، حتى يصبح الدين الرسمي للإمبراطورية. اهتمت عدد من الصحف في أنحاء العالم الإسلامي بهذا الخبر الطريف، وكان ممن سمع به وجذب اهتمامه صحفي مصري أزهري هو السيد "علي أحمد الجرجاوي"؛ فكتب في صحيفة "الإرشاد" يدعو شيخ الأزهر وعلماء الإسلام لتشكيل وفد للمشاركة في هذا المؤتمر الذي يمكنهم من خلاله إقناع الشعب الياباني وإمبراطوره بالإسلام؛ وهو ما من شأنه إذا حدث قيام حلف إسلامي قوي  يجمع اليابان وربما الصين أيضا مع السلطنة العثمانية؛ فيعود للإسلام مجده القديم. بُح صوت الجرجاوي في دعوته للاهتمام بهذا المؤتمر، ولما لم يجد استجابة أعلن عزمه على السفر بنفسه لأداء هذا المهمة، وبالفعل كتب ذلك في آخر عدد من صحيفته بتاريخ 26 يونيو 1906؛ حيث قام بإغلاقها بعد ذلك، وبدأ في إعداد نفسه للسفر، فعاد إلى بلدته "أم القرعان" في مركز "جرجا" بصعيد مصر، وباع خمسة أفدنة من أرضه لينفق منها على رحلته، واستقل الباخرة من ميناء الإسكندرية قاصدًا اليابان، وغاب أكثر من شهرين، ثم عاد بأخبار وقصص أغرب من الخيال نشرها في كتاب مثير بعنوان "الرحلة اليابانية"، الذي يمكن اعتباره من دون مبالغة من أطرف كتب الرحلات في القرن العشرين. وكتاب "الرحلة اليابانية" الذي نشره "الجرجاوي" عقب عودته من اليابان، وصدرت طبعته الأولى سنة 1907 على نفقته الخاصة، هو أول كتاب في العالم العربي يكتبه صاحبه عن اليابان التي تصاعد اهتمام العالم الإسلامي بها عقب انتصارها في حربها مع روسيا، ولكن من خلال زيارة واقعية لها، فقد سبق ونشر الزعيم الوطني المصري مصطفى كامل كتابا بعنوان "الشمس المشرقة" سنة 1905 يشيد فيه بانتصار اليابان كأمل لكل الشعوب المستضعفة للتخلص من نير الاستعمار، لكنه لم يكن قد زارها من قبل. لا أحد من المبدعين - إذن - يستطيع الإدّعاء أنه بدأ من نقطة الصفر، وأنه صنع نفسه بنفسه، وأن لغته بكر أو هبطت عليه بوحي من الآلهة كلغة أولى تخصّه وحده. إننا نتوهّم - ولأمد طويل - أن الواحد منا مختلف متميّز عن الآخرين منذ سطوره الأولى، وهي حرية قد لا نمارسها بمعناها المطلق طوال وجودنا على قيد الحياة، فمنذ أن نُقذف من دهليز رحم الأم المعتم إلى فضاء الوجود المشع، تبدأ فوراً على يد الآخرين عملية اغتصاب روحنا إلى أن ندرج في أكفاننا كي نتخلى عن خصوصيتنا ونغدو نسخة نظامية عنه.
يبدأ هذا التدخل في حياتنا الخاصة ضمن إطار الأسرة أولاً، ثم تتسع دائرته كي تشمل الشارع، والمدرسة، والنادي، ومكان العمل، والحزب وبيوت العبادة، حتى يكاد لا يبقى للفرد فسحة يطلق فيها روحه على هواه كي يكون هو ذاته فعلاً لا غيره. وهو تدريب يتطوّع لإخضاعنا له جميع من حولنا دونما استثناء تقريباً، وبكثير من حسن النيّة، كي نتحوّل إلى أعضاء نظاميين مدجّنين حسب الأصول والتقاليد والأعراف السائدة في ظل النظام الاجتماعي الذي ننتمي إليه بالولادة. وهكذا سوف نتشابه ونتماثل إلى حد بعيد، ليس في تجمّعنا وتكاتفنا فقط، وإنما أيضاً في تنابذنا وصراعاتنا. لن ينجو أحد من هذه الآلة الجبّارة التي تتقن عملها جيّداً في صهر البشر وتحويلهم إلى كتلة متجانسة وهم يتوّهمون أنهم أفراد أحرار في مجتمع حر. لن ينجو أحد حتى الموهوبون إبداعياً في التعبير الأدبي أو الفني عامة. لن ينجو أحد منهم من طغيان هذه الآلة، بل ربما كان هؤلاء الموهوبون أكثر من غيرهم تعرّضاً لحماسة الآخرين في الوصاية عليهم خوفاً على مواهبهم من الضياع - كما يزعمون - والموهوب هو أكثر الناس إحساساً بهذا المأزق وضرورة التحرّر منه. وقد ينقضي العمر من دون أن يُتاح له أن يستقل بوجوده الخاص وكيانه الشخصي كي يكون هو ذاته فيما يكتبه أو يقوله أو يصوّره. لقد كان التاريخ هو النوع الذي أحبه من القراءة, ولم أقرأه كركام من الوقائع أو الأحداث, وإنما كتجربة إنسانية واسعة ومتعددة الجنبات, وكتجسيد لقضايا الإنسان التي طرحت على كل المجتمعات الإنسانية الماضية, كذلك كانت الآثار واللقى التي ذابت صورها في نفسي, البقية الباقية على سطح الكوكب من كل هذه التجارب التي خاضها الإنسان واختفى كما تختفي أشباح الليل. حينما كنت أقف أمام كوب قديم أو قطعة عملة أثرية أو تصوير باهت الألوان, كان يجتاحني إحساس من انعدام الصلة بالعالم الخارجي, وأروح أفتش عن هذه الآثار في نفسي, ماذا بقي فيها لدي?. وحين ينتبه أحدهم إلى لعبة التماثل الرهيبة هذه، سيجد - عادة - أنه قد غدا صعباً عليه إعلان عصيانه وتمرّده على السلطة الخارقة للنظام السائد، كي يمارس حقه الطبيعي في خصوصيته المتفرّدة، ولكي يغدو (عدنان) هو (عدنان) ذاته فعلاً، و (سعاد) هي (سعاد) ذاتها وليس أيّ شخص آخر.
إن خير ما يقال في تلخيص السيرة الإبداعية لأي مبدع موهوب هو أنها المحصلة للصراع الأبدي والمتوارث بين (الذات) و (الموضوع) أو بين (الأنا) و (الآخر)، وأين وكيف تتوازن المعادلة بين الطرفين في أن لا يطغى أحدهما على الآخر، وصولاً إلى إبداع حقيقي أصيل. إن طغيان (الذاتي) على (الموضوعي) يهدد بالغموض المجّاني والميوعة العاطفية أو الفكرية والتسيّب، بقدر ما يهدد طغيان الموضوعي على الذاتي بالنمطيّة، واليباس، وفقدان النكهة.
جمعية شباب محمد حافظ سلامة مع شيخ الاسلام د.عبد الحليم محمود     تعلم حافظ من هذه الأحداث أهمية العمل الجماعي المنظم لخدمة قضايا الأمة وكانت الساحة المصرية آنذاك مزدحمة بالاتجاهات الفكرية والأحزاب السياسية والجماعات الإسلامية، فكان هناك حزب الوفد والحزب الوطني والأحرار الدستوريين ومصر الفتاة وكانت جماعة الإخوان المسلمين إلى جانب الشيوعيين، كما وجدت جمعيات إسلامية، مثل الجمعية الشرعية وشباب محمد صلى الله عليه وسلم وأنصار السنة، وكذلك الجماعات الصوفية بطرقها وطوائفها المتعددة... لكن حافظ الذي كانت لديه نزعة دينية بتأثير نشأته وجد بغيته في جماعة شباب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهي جماعة أسسها منشقون عن الإخوان المسلمين ومصر الفتاة عام 1938. ورغم أن غالبية المتدينين آنذاك كانوا تحت مظلة الإخوان انضم حافظ لجماعة شباب محمد عام 1948؛ لأنه كان يرى في أبنائها أنهم يجهرون بالحق ولا يخشون في الله لومة لائم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لا فرق عندهم بين ملك وأمير عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة.. لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم". وقوله: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله". ومن هن يكتمل القول بأن تجربتي الإبداعية كشاعر كانت صورة نموذجية لهذه المسيرة محتدمة الصراع، فبالرغم من أنني بدأت أكتب في الثانية أو الثالثة عشرة ما يمكن تسميته بالشعر بالنسبة لتلك السن المبكّرة، فلقد كانت البدايات مثقلة بأصوات الأوصياء الكبار الذين حفظنا أشعارهم عن ظهر قلب بكثير من المتعة، وإلا فكيف أستطيع نكران عباءة أبي فراس الحمداني - أو المتنبي إذا أردتم - وهي تغطي هذه الأبيات التي نظمها الطالب الإعدادي أو الثانوي الذي كنتُه ذات يوم:
ولي همّة شمّاء يشعلها الدهر فلا هو يطفيها، ولا الصد والهجر تمور بألوان الإباء كأنما عوالمها بحر، وشاطئها سرّ          وكيف أخفي النزعة المجونية الظريفة التي استهوتني لدى أبي فراس فيما كتبته آنذاك بكثير من السذاجة:
ثلاث كؤوس على المائدة  تراق على معد واحدة  وحول الخوان ثلاث رجال  من السكر كالجثث الهامدة           مع أنني كنت في ذلك العهد لم أحضر إطلاقاً مجلساً للسكارى كي أصفه.
وهل تخفى نبرة ابن الرومي، أو خليل مطران في هذا الوصف الذي نظمته وأنا غرّ لغروب الشمس:
بحنان قبلت شمس السماء الأفقا
ثم ذابت بهـدوء وسـكون للقـا
وامتحت من عالم الأحياء إلاّ شفَقا
أو بدوي الجبل وعمر أبو ريشة معاً في هذه القصيدة الرنّانة التي نُظمت كي تُنشد في احتفال مدرسيّ لتحيّة العلم الوطني وأنا بعد في صفّ الكفاءة:
أسفر الصبحُ باسماً في حمانا
بعد ليل، لو لمْ نُفق لطـوانا
نَفَحـتنا أنفـاسـُه فنهضنـا
ننفضُ النوم، فاستحال دُخانا
فمضى الريحُ بالدخان، فبانتْ
رايةُ النصر عند ذاك وبانا... إلخ..
وقلت للشيخ مهدئاً روعه، بعد أن أخذت الكتاب من يديه، ونظرت في غلافه وعرفت اسم المحقق.: - هون عليك يا أستاذ محمود، فأنت قرأت كتاب معاني الشعر في طبعته التي حققها الأستاذ "عز الدين التنوخي"، وأنا رجعت في عزو هذا البيت إلى الطبعة التي حققها الدكتور "صلاح الدين المنجد" الذي عثر على مخطوطة للكتاب لم تصل إلى الأستاذ التنوخي، وفي هذه المخطوطات زيادات منها هذا البيت دون شك. وسارع الشيخ محمود شاكر مرة أخرى ليأتي من إحدى الغرف بطبعة الأستاذ عز الدين التنوخي، وتأكد أن الشاهد لم يرد فيها، وعندئذ تنفس الصعداء قائلا: الله يرضى عليك.. هذه أبيات أستقيها لا على التعيين من دفاتر مدرسية قديمة ماأزال أحتفظ بها حتى الآن، كي أثبت أنه كان عليّ أن أنتظر أيضاً كي أخلّص صوتي الداخلي من دوّامة الأصوات الأخرى. وكان الشعر حتى ذلك الحين لايزال لعبة أسلّي بها فطرتي المتحفّزة، غير أن لعبة الشعر لم تبق هواية مسلية أمداً طويلاً، إذْ سرعان ما شرعت تتحوّل إلى مغامرة خطرة في مرحلة (الثانوي) عبر الوطنيّات التي كتبناها عهدئذ ونحن نخوض معاركنا الطلابية مع السلطة الوطنية في بدايات عهد الاستقلال أواخر الأربعينيات، فأتحرّر نسبياً - بالطبع - من سلطان أصوات الشعراء والكبار، ربما بسبب من التأثير الفاجع للمعاناة الشخصية للطالب المشاغب النشـيط الذي كنـته آنئذ،حين واجهت لأوّل مرة في حياتي صدمة الموت المباشر في مشهد رفيق لي في المدرسة يسقط أمامي مضرجاً بدمائه بعد إصابته بطلق ناريّ من مسدس لأحد رجال الشرطة، وكنا في مظاهرة طلابية، وركضي نحوه لحمله مع آخرين إلى ثانوية تجهيز البنين الأولى بدمشق التي انطلقنا منها، حيث أسلم الروح بين أيدينا، فكتبت بعد أيام قصيدة كي تلقى في حفل تأبينه الحاشد يوم الأربعين في المقبرة التي دُفن فيها، حيث اعتليت قبراً وألقيتها في ألوف الطلبة حولي متهّماً السلطات التي قتلتْه:
الأربعون وهل فيها سوى ألم يحزّ بالذكريات السود وجداني من للمسدس والبغضاء تُطلقه حجارة الأرض أم تلويح صبيان          ربّما بسبب من هذه المعاناة، وما حدث بعدها من صراعات وطنية شاركت فيها بحماسة تسرّبت إليّ فيما بعد نزعة الالتزام، حين تأثّرت بالفكر الاشتراكي، وأنا بعد طالب في كلية الآداب، فأومن وقتئذ بما كان يسمّى تيّار (الواقعية الاشتراكية) في الأدب الملتزم، فتتفاقم خطورة الوصاية الفكرية وقد ازدادت قداسة وكأنها دين من الأديان، لاعتقادنا أننا نُسهم تحت قيادتها في تغيير العالم القاسي إلى جنّة وادعة تكاد تفتح أبوابها لنا جميعاً على أرض البشر، وتتفاقم معها بالتالي خطورة اللعبة الشعرية أفدح فأفدح، وأدفع ثمنها باهظاً حين حُشرت في الحبس أكثر من مرّة بسبب من المواقف أو القصائد التي أنشدتها أو نشرتها، ولم ترض عنها السلطات الحاكمة في تلك العهود.
كانت معارك الحياة القاسية وحدها كما يبدو هي الأقدر على تحرير أصواتنا الداخلية وليس القراءات وحدها. واختاره صاحب الفرقة -زكي عكاشة- للغناء، وعرض عليه أن يسافر مع الفرقة إلى بلاد الشام، وكان لا يزال طفلاً فسافر مع الفرقة دون علم خاله، وكان مقررًا لهذه الرحلة أن تستمر شهرين، لكنه لم يَعُد مع الفرقة إلى مصر واستمر لثماني سنوات في بلاد الشام، تنقل فيها بين بلادها ليتعلم الغناء العربي الأصيل ويتقن خلالها اللهجة البدوية وإيقاعاتها وغناء الموال والعتابة وطرح الجول. أو كما قال الكاتب الفرنسي المعروف كطيّار استُشهد في الحرب العالمية الثانية (أنطوان ده سان أكسوبري) في رائعته (أرض البشر): (تُعلّمنا الأرض عن نفسها أكثر مما تعلّمنا الكتب، ذلك أنها تقاومنا...)، وبتعديل بسيط ومن دون أن نبتعد عن هذا المعنى، يمكن القول إننا نكتشف أنفسنا، أو أسلوبنا الخاص في التعبير من خلال اصطدامنا مع ذاتنا وهي تبحث عن فجوة للخلاص من كابوس المعاناة اليومية المباشرة أكثر مما تقدّمه لنا النظريات المكتوبة والتجارب المنشورة.
وفي تلك الأثناء قام الحاكم "غلام محمد" بإعلان الحكم العرفي في البنجاب وإلغاء الدستور، وإلقاء القبض على المودودي وعلماء الجماعة الإسلامية، وقدم إلى المحكمة العسكرية التي قضت بإعدامه. وعندما طلب منه تقديم طلب استرحام خلال أسبوع، قال في هدوء: "لا أسترحم أحدًا؛ لأن أحكام الموت أو الحياة لا تصدر في الأرض وإنما تصدر في السماء"، ثم أصدرت المحكمة العسكرية نفسها قرارًا جديدًا بتخفيف عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد، لكنه لم يقضِ منها سوى 25 شهرًا. حين أوصى بعض الناس المودودي بالخلود إلى الراحة أكد أن الدعوة التي يحملها لا تعترف بالهدوء ولا تنتظر المواسم، وعقب معارضة المودودي للقوانين الغربية المطبقة، صدرت أوامر حكومية بحل الجماعة الإسلامية ومصادرة أموالها، واعتقال قادتها وعلى رأسهم المودودي في يناير 1964، وتمّ الإفراج عنهم عقب ذلك في سبتمبر 1964. لكنه اعتُقل مرة أخرى في عام 1975 لسبب غريب وهو أن عيد الفطر قد صادف يوم الجمعة فأراد أيوب خان الحاكم في حينها تقديم العيد إلى يوم الخميس وأصدر قراره بذلك؛ فاستنكر المودوي ذلك، وأفتى بأن العيد مع ثبوت الهلال؛ فاعتقل، وأفطر الناس يوم الجمعة على رأي المودودي، ومكث في السجن لمدة شهرين. وظل المودودي في دفاعه عن الإسلام ضد الإلحاديين والقاديانيين، سواء من خلال تأليف الكتب أم تأليف الرجال بتربيته لجيل كامل يؤمن بالدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، ولم تفتُرْ عزيمته عن دعوته، وظل على هذه الحال حتى لقي ربه يوم 22 سبتمبر 1979، وهو مؤمن بمبدئه ثابت عليه عنيد دوما في الحق. ومع ذلك كله فقد غالب الشيخ كآبته ويأسه، وظروفه الشخصية، وليكون بحق فارس التراث، وشيخ العربية، وأديبها الكبير. وعلى الرغم من قلة ما ترك الشيخ لأمته من المؤلفات، فإنه كان في مواقفه ومقالاته وكتبه يمثل صورة الفارس الأخير، الذي حمل راية القرآن من الرافعي، كاتب الإسلام الأكبر، واستطاع أن يقف أمام طه حسين الذي فجر تيار التغريب في هذه الأمة، حين مضى يدعو إلى انسلاخ مصر، قلب العالم العربي، عن هذا العالم، بل عن الشرق كله، ويدعو في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" إلى أن يأخذ المصريون حضارة الغرب بخيرها وشرها، وحلوها ومرها، وما يحب منها وما يستكره.. ثم التحق الصبّاح بالجامعة الأمريكية في بيروت، وأتقن اللغة الإنجليزية في مدة قصيرة، واستطاع حل مسائل رياضية وفيزيائية معقدة ببراعة وهو في السنة الجامعية الأولى، وشهد له أساتذته بقدراته، وتردد اسمه بين طلاب الجامعات اللبنانية، ووصفه الدكتور فؤاد صروف - أحد أساتذته - في مجلة المقتطف بأنه شيطان من شياطين الرياضيات. مدرس للرياضيات والتحق الصباح بقسم الهندسة في الجامعة الأمريكية، وأبدى اهتمامًا خاصًّا نحو الهندسة الكهربائية ونتيجة لما ظهر عليه من نبوغ في استيعاب نظرياتها وتطبيقاتها تبرع له أحد الأساتذة الأمريكيين البارزين بتسديد أقساط المصروفات الجامعية تقديراً منه لهذا التفوق حين عرف أن ظروف أسرة الصباح المادية لا تسمح له بمواصلة الدراسة الجامعية. وعندما بلغ سن تأدية الخدمة العسكرية اضطر "حسن كامل الصباح" إلى التوقف عن الدراسة عام 1916 والتحق بسرية التلغراف اللاسلكي وفى عام 1918 توجه إلى العاصمة السورية دمشق؛ حيث عمل مدرساً للرياضيات بالإضافة إلى متابعته دراسة الهندسة الكهربائية والميكانيكا والرياضيات، كما وجه اهتمامًا للاطلاع على نظريات العلماء في مجال الذرة والنسبية، وكان من القلائل الذين استوعبوا هذه النظرية الشديدة التعقيد، وكتب حولها المقالات فشرح موضوع الزمان النسبي والمكان النسبي والأبعاد الزمانية والمكانية والكتلة والطاقة وقال عنه العالم إستون فيما بعد: كان الوحيد الذي تجرأ على مناقشة أراء أينشتاين الرياضية وانتقادها والتحدث عن النسبية كأينشتاين نفسه. وفى 1921 غادر دمشق وعاد إلى الجامعة الأمريكية مرة أخرى؛ لتدريس الرياضيات، وكان حريصاً على شراء المؤلفات الألمانية الحديثة في هذا المجال، ولكن في  الوقت نفسه كان الصباح تواقاً إلى التخصص في مجال الهندسة الكهربائية. إلى أمريكا وفى عام 1927 توجه "حسن كامل الصباح" إلى أمريكا، والتحق بمدرسة الهندسة الكبرى المسماة مؤسسة ماسانشوستش الفنية، لكنه لم يتواءم مع التعليم الميكانيكي في هذه المؤسسة، كما عجز عن دفع رسومها فتركها بعد عام، وانتقل إلى جامعة إلينوي ولمع نبوغ الصباح قبل نهاية العام الدراسي الأول في هذه الجامعة، فقدم أستاذ الفلسفة الطبيعية بها اقتراحًا للعميد بمنح الصباح شهادة معلم علوم (M.A) إلا أن العميد لم يوافق على الاقتراح؛ حيث كان يجب على الطالب أن يقضي عامين على الأقل في الجامعة قبل منحه أي شهادة. وفكر الصباح في بدء حياته العملية؛ فالتحق بشركة الكهرباء العامة في ولاية نيويورك، وكانت تعتبر أعظم شركات الكهرباء في العالم، وفيها ظهرت عبقريته وتفوقه على المئات من المهندسين العاملين بالشركة، ولم تمضِ سنة واحدة على عمله بها حتى بدأت سلسلة اختراعاته التي نالت إعجاب رؤسائه؛ فخصصوا له مختبراً ومكتبًا وعينوا عددًا من المهندسين الذين يعملون تحت إدارته. ووضع الصباح نظريات وأصولا جديدة لهندسة الكهرباء؛ فشهد له العلماء بالعبقرية ومن بينهم العالم الفرنسي الشهير موريس لوبلان، وبعث إليه الرئيس الأمريكي آنذاك بخطاب يؤكد فيه إعجابه بنبوغه واختراعاته، وأرسلت إليه شركات الكهرباء الكبرى شهادات تعترف بصحة اختراعاته، ومنها شركة وستنجهاوس في شيكاغو وثلاث شركات ألمانية أخرى. وفى عام 1932 منحه مجمع مؤسسة الكهرباء الأمريكي لقب "فتى مؤسسة مهندسي الكهرباء الأمريكية"، وهو لقب علمي لا يُعطى إلا إلى من اخترع وابتكر في الكهرباء، ولم ينل هذا اللقب إلا عشرة مهندسين في الشركة. "فتى العلم الكهربائي" وفي مطلع عام 1933 تمت ترقيته في الشركة، ومنح لقب "فتى العلم الكهربائي" وذلك بعد انتخابه من جمعية المهندسين الكهربائيين الأمريكيين في نيويورك. واستطاع الصباح اكتشاف طرائق الانشطار والدمج النووي المستخدمة في صنع القنابل الهيدروجينية والنووية والنيترونية. كنت أنضج - إذن - فكرياً ونفسياً وممارسة، وأتحرّر يوماً بعد يوم من طغيان الوصاية (الأبوية) - إذا صحّ التعبير - في الفكر والإبداع، ولكن دونما نجاحات كبيرة.  ربما تحرّرت قليلاً أو كثيراً من سلطان المتنبي وأبي تمام وأحمد شوقي وبدوي الجبل وأبي ريشة وآخرين من الأصوات الشعرية العربية الكبرى، ولكني لكي أنتقل يساراً في اتجاه شعراء أجانب عالميين، ويساريين على الأغلب، مثل ناظم حكمت، وبابلو نيرودا، وأراغون وبول إيلوارد، ولو كان في هذا المجال متسّع لإجراء المقارنات الميدانية - إذن - لفككتُ - من التفكيك - عدداً من قصائدي في ذلك العهد كي أشير إلى بعض التناص هنا أو هناك بين ما كنت أكتبه في الخمسينيات ونماذج شعرية معيّنة لأولئك الشعراء العالميين.
ومع تخفيف مساحة القرآن والحديث لصالح علوم دنيوية تلقى كسبرالي نقدا لاذعا من علماء الدين التقليدين الذين وصفوه بالمهرطق. ويعتبر تطوير التعليم أوضح مشاهد مشروع كسبرالي القومي، حيث كان يهدف إلى النهضة بالشعوب الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى والقوقاز والقرم. ورغم النظرة الشمولية التي سعى من خلالها كسبرالي إلى النهضة بمسلمي روسيا رغم اختلاف أعراقهم فإن بعضا من مثقفي القرم يحصرون دعوته على تتر القرم ومن هاجروا منهم إلى تركيا العثمانية بعد ضم روسيا لها في 1783، وهو ما يظلم مشروعه ويخنقه في حدود جغرافية ضيقة (لا يتعدى سكان القرم 200 ألف نسمة). ومن زاوية أخرى يعتبر البعض أن حركة كسبرالي قد تأخرت كثيرا فلو أن مشروعه ظهر على يد الجيل السابق له (1800 بدلا من 1880) لما كانت حدثت حركة الهجرة الجماعية لتتر القرم إلى تركيا العثمانية، ولما صار تتر القرم أقلية في وطنهم، ولحال ذلك دون عملية النفي التي حدثت لهم في الأربعينيات على يد ستالين لقلة عددهم. أكثر من وجه سيظل كسبرالي محل نقاش وجدل في هوية مشروعه. ففي الوقت الذي كان يرفض فيه التقليديون مشروعه قام الشيوعيون في السنوات الأولى لحكمهم روسيا بالتأكيد على استنارة المشروع واستناده على أيديولوجية "فوق قومية"، وبالتالي فالرجل بالنسبة لها شيوعي قبل قيام الشيوعية، ومن ثَم تم تحويل بيت كسبرالي في القرم إلى متحف شعبي وصُوّر الرجل في الكتابات الشيوعية لهذه الفترة بطلا قوميا. وحتى في شعر الحب، لم يتخل الآخرون عن وصايتهم، فإذا كانت البدايات قد تمّت بصحبة عشّاقنا العذريين القدامى، فلقد أفسحت فيما بعد لتيّار الرومانسية أن يشغل بإخلاص ركناً من وجداني مع جبران وعلي محمود طه وأمين نخلة والياس أبي شبكة وسعيد عقل وغيرهم، كما لم أنج بعد كل هذا من وصاية نزار قباني الذي كان صديقاً شخصياً عدداً من السنوات بالرغم من تفاوت الأعمار بيننا، ومَن يقرأ بعضاً من النماذج الشعرية التي نشرتها في مجلة (النقّاد) في مطلع الخمسينيات، لابدّ أن يلاحظ بوضوح تأثّري بألاعيب نزار في تواصله مع الأشياء الأنثوية، وحين تحرّرت من هؤلاء - نسبياً بالطبع دائماً - كنت أعوّض عنهم بالمهارات المحدثة التي بهرتني وقتئذ لدى قراءتي جاك بريفير وبول جيرالدي وقبلهما بودلير بالفرنسية، مع تباين هذه الشخصيات، بل أكاد أقول إنني في عدد من قصائد الحب حين تحوّلنا إلى خانة اليسار الماركسي وقعت أيضاً - بشكل أو بآخر - تحت تأثير الشعراء العشّاق من اليساريين مثل أراغون ونيرودا ولوركا.
كنا نكتب في الخمسينيات وقد غُصنا في بحران الكتابات الجدانوفية والوصايات الأيديولوجية، ولكن الطريف في الأمر أنني حين أراجع إنتاج تلك العهود، أجد فيه الكثير من النماذج الطليقة التي لا يمكن إدراجها في خانة الجدانوفية إطلاقاً، بل ربما كانت خارجة عليها في الشعر كما في القصة، وفي استطاعتي أن أبرهن على ذلك بالشواهد الكثيرة، غير أن المجال لا يسمح هنا إلا باستخلاص المغزى العميق والأساسي لأي تجربة إبداعية أن هذه الشواهد من غزل رومانسي مثلاً خال من خلفيات الصراع الطبقي أو التفاؤل الثوري، وغيرها من مستلزمات المدرسة الجدانوفية كانت محكومة بمضاعفات الصراع الفني - وليس الطبقي وحده - بين الذاتي والموضوعي، وأنه لم يحدث أبداً أن استطاع الموضوعي - أو المؤدلج بتعبير آخر - حين أراد أن يحلّ محل الموضوعي الواقعي- أي دونما أي مزايدات أو أوهام - لم يحدث أبداً أن استطاع هذا (الموضوعي) إزاحة الذاتي جانباً.
وهذا ما يعزّيني الآن أن صوتي الجوّاني لم يختف تماماً، بل كان حاضراً باستمرار، وبقوة ملحوظة في بعض الأحيان، وأن شوقي بغدادي كان هو فعلاً شوقي بغدادي حتى في أقصى حالات الانتماء أو الالتزام العقائدي. وخير مثال على هذه الحقيقة أنني اضطررت مرّة بعد لجوئي إلى لبنان في أواخر الخمسينيات هرباً من التعسّف السلطوي، اضطررت إلى استخدام اسم مستعار أوقّع به قصائد جديدة نشرتها في إحدى الصحف اللبنانية، فكتب عدد كبير من القرّاء إلى الجريدة يسألون عن صاحب الاسم الحقيقي لهذه القصائد لاعتقادهم أن الاسم المنشور مستعار، بل لقد صرّح بعضهم أنه يظن بأنها لشوقي بغدادي بسبب التشابه الكبير بين أسلوب تلك القصائد وأسلوب الشاعر المذكور. وهذا عزاء آخر، غير أنه صار قديماً الآن.
هذا الحديث لا ينطبق على المضامين وحدها، بل على الشكل الفني أيضاً، مما يثبت أن العلاقة بين الشكل والمضمون علاقة جدلية بحق، وبخاصة حين ألاحظ تحوّلي أكثر فأكثر من إطار الرائد الخطيب المحرّض أو المعلّم، إلى إطار المغني البسيط المتوحّد أو بتعبير آخر من دور الممثل المسرحي المتوجّه بحديثه نحو الجمهور إلى الممثل الذي يلقي مونولوجاً لنفسه.
لن يتغيّر الأسلوب مع هذا التحوّل تغيّراً كلياً، هذا مستحيل، وغير مطلوب أصلاً، فالأسلوب هو الإنسان - كما قال (بوفون) - وإنما قد تتغيّر طريقة الأداء، أو أنماط التخيّل والتوجّه أو درجة تكثيف اللغة، أو كلها معاً، فيكتسب الأسلوب بعضاً من الغموض الشـفّاف، ويغتني أعمق فأعمق بالرؤية الذاتية، غير أن الروح تبقى واحدة، ولا أحد يدري كيف، وبهذا المعنى ينسحب الموضوعي قليلاً أو كثيراً إلى الخلف كي يترك الواجهة للذاتي ويكتفي بالكمون وراءه كمهد يحتضنه من دون أن يبتلعه.
وحين اخترت هذا العنوان (شيء يخصّ الروح) لمجموعتي الشعرية، فلربّما كنت أعبّر بشكل عفويّ عن هذه التحوّلات من دون أن أعني - بالطبع - أن إنتاجي السابق كان خالياً من الروح أو لا يخصّ الروح، وإنما للتنبيه فقط على أن الصوت الداخلي للشاعر بات أكثر قدرة على التحرّر من الجاهز، والموصى عليه، والمألوف، وبالتالي أقوى في التعبير عن خصوصيته.
منها ما هو آنيٌّ مباشر أقطفه وأنا أكتب وأدوّن, ومنها ما هو دائم, بما يُشيعه من إعجاب وتأمل واعتبار. وليس عندي ما أكتبه للمتعة وحدها.. إنني أكتب لغرضَيْ المتعة والفائدة: المتعة من الكتابة بذاتها, لأنها لعبة الفكر بواسطة القلم, ونزوةُ الوجدان بواسطة الانفعال, وحرفة العقل بواسطة البصيرة المستنيرة وملكة التقييم التي لا تستقيم الأمور من دونها. وهاهوالقطار يقترب من محطته الأخيرة، فما عساني صنعت بعد كل هذا العناء الممتع المديد? يخيّل لي وأنا أراجع شريط العمر أنني شاعر - أو إنسان - لا يُطيق الخضوع الأعمى لأي سلطة، غير أنني في الوقت ذاته لست من الشعراء الذين يتباهون بتمرّدهم متعمّدين خرق النظام مجّاناً في أغلب الأحيان.
إننا أولاً وأخيراً، وبالرغم من تميّزنا كأفراد، لا يمكن لوجودنا الشخصي، وبالتالي الفني أن يكتمل من دون إطاره الاجتماعي. وفي عام 1960 تم تعييني مخرجاً إذاعياً بعد دورة تدريبية في القاهرة, وفي العام نفسه انتسبت إلى المسرح القومي الذي كان ضابط إيقاع الحركة المسرحية وعنوان ازدهارها وشاركت في معظم عروضه ومنها: الأخوة كارامازوف, لو رآنا الناس معاً, الاستثناء والقاعدة, أبطال بلدنا - الأشباح, مروحة الليدي وندرمير, وغيرها. رحلة مع الغناء الشعبي في النصف الأول من عقد الستينيات بدأت رحلة مع الغناء الشعبي الانتقادي الذي اشتهرت به من خلال برنامج (نهوند) التلفزيوني الذي أعده الفنان حكمت محسن, والذي عرفت فيه باسم (أبو صياح), وكانت البداية مع أغنية (حبك بقلبي دوم ساكن مطرحو) و(داعيكم أبو صياح معدل عالتمام) من تأليف وتلحين عدنان قريش. ولكن إلى أيّ حدّ يُسمح لهذا الإطار أن يبسط سلطته على الموهبة الفردية. تلك هي المسألة كما يقولون.
إن عزائي الأكبر هو أنني أومن كل الإيمان بالتغيّر والتجدّد، وإنني أتصـرّف مـدفوعاً بهذه القناعة بشكل تلقائي تمليه طاقة ذاتـية تسـاعدني باسـتمرار على أن أعترف بعثراتي وأخطائي من دون الوقوع تحت كابوس أيّ من مركّبات النقص أو التفوّق. إنني - باختصار - أحبّ الشعر قراءة وإبداعاً، وأشعر حقّاً بنشوة الولادة الأولى مع كل نصّ جـديد، ولا أطمح فيما تبقّى لي في الحياة بأكثر من أن أكتب شعراً يُشْبهني أكثر فأكثر.
