هل تغير الأدمغة العملاقة المصنوعة من السيليكون كل شيء؟ وهل تتحول المشكلات العويصة غير المنحلة في العلم والهندسة والطب بفضلها مجرد ماض عفا عليه الزمن؟ وهل تحل الروبوتات فائقة الذكاء ذات يوم مكان الانسان في المصانع والمزارع؟ هذا ما يتوقعه الصحافي اوتيس بورت في مجلة "بيزنس ويك".
عام 1998 قال عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينغ: "في الوقت الحالي، لا تظهر في الكمبيوتر أي دلالة على الذكاء. وهذا غير مفاجىء، ذلك ان الكمبيوتر هو اقل تعقيدا من دماغ اي دودة ارض لكن يبدو لي انه اذا استطاعت الجزيئات الكيميائية المعقدة ان تعمل في الانسان لتجعله ذكيا، يمكن للدارات الالكترونية المعقدة ان تعمل بالطريقة نفسها لتجعل الكمبيوتر يعمل بطريقة ذكية".
الكمبيوتر الذكي يعتبر الان شـيئا حتميا بقدر حتمية "قانون مور" الذي يتوقع ان بيلغ تطور اشباه الموصلات لناحية قدرتها وتصغير حجمها نهايته في عام 2020. وصاحب هذا القانون غوردن مور وهو الرئيس الفخري لشركة انتل صانعة الرقاقات الكمبيوترية يوافق على ان السيليكون الذكي سيتطور الى نقطة يصعب علينا معها ان نميز الكمبيوتر عن البشر. لكن ذ كاء الكمبيوتر لن يتوقف عند هذا الحد. فكثير من العلماء يؤكدون ان الالات ستغدو اذكى من عالم الفيزياء الشهير البرت اينشتاين ومن ستيفن هوكينغ مجتمعين فعلى نحو ما يستطيع البشر تصميم كمبيوترات ذات قدرات عالية على تداول الارقام، يتوقع هوكينغ ان تستطيع الات فائقة الذكاء ان تصنع لنا كمبيوترات افضل. لكن عندما يرتفع عدد الكينونات، يصبح التمييز اشد صعوبة ويغدو في النهاية مستحيلا. ويقول غوري في هذا الصدد: "لا نملك اي وسيلة للتمييز بين الحالات الخاطئة والحالات الصحيحة" والحدود العملية للكمبيوتر الكوانتي القائم على الرنين النووي المغناطيسي هي نحو عشرة كيوبتات فقط، وهكذا يحتاج الامر الى تقنيات اخرى اعقد لتحقيق حوسبة واسعة النطاق. وربما تستطيع الكمبيوترات ان تكتسب ذكاء افضل بكثير من ذكائنا بحلول منتصف القرن المقبل او حتى قبله بكثير. بل ان عالم المواد في جامعة ولاية بنسلفانيا روبرت نيونهام يتوقع ان يتيح السيليكون ظهور انواع جديدة من الحياة. وربما كانت نتيجة هذه الحياة السيليكونية هي طول غاير معقول للاعمار او طاقات دماغية تفوق التصور اي كل شيء يجعل العلماء يتصورون ابتكار اشكال جديدة من الحياة البشرية السيليكونية ذات وعي عام يفوق بكثير ما لدى البشر.
هذه الافكار الغريبة لا تأتي من كتاب الخيال العلمي وحدهم. اما "لينوكس" فيكتدسب ملامحه لا في دائرة ضيقة، انما في ما يشيه "سوق عكاظ" البرمجية التي يعمل فيها عدد لا يحصى من المبرمجين المستقلين العاملين هنا وهناك. ولذلك لم تكن هناك نهاية محددة للعمل على هذا النظام، فالمستخدمون العاديون يستعملون بعضا من مزاياه في حين ان المبرمجين يواصلون التنقيب في مصادره الكودية حتى يضيفوا اليه شيئا او يعدلوا. فهي تتسلل ببطء الى تيار العلوم الأساسية والان اخذ العلماء يصحون للمرة الاولى في تاريخ العلم حتى يشهدوا نتائج حدث يقع وكثير منهم على قيد الحياة: انها اتصالاتنا الاولى بذكاء غريب عن البشر.
مجيء الحياة السيليكونية سيؤدتي الى تغيير طبيعة الحضارة. فجميع العلوم والفنون، وحتى مفهوم البشر انفسهم، تنبع مما تعطيه لنا احساساتنا عن العالم. غير ان الكائنات الذكية التي تستطيع ان ترى الموجات الراديوية وان تستمع الى صوت ضوء النجوم وان تلمس فضاءات الفراغ بين ذرات الفولاذ، سيكون لها ادراك مختلف للحقيقة والواقع. ربما تبدو فكرة التحدي التي تطرحها جماعة من المبرمجين غير المتكسبين على واحدة من اعظم شركات البرمجة في العالم فكرة غبية، لكن مشروع "Gnome" يرمي الى تحقيق ما يريد فعلا. وفي هذا الصدد، قال أريك رايموند وهو احد المبشرين بالسوفتواير المجاني ومحرر نشرة "The New Hacker's Dictionary" ان هؤلاء المبرمجين قرروا انتزاع المبادرة من "مايكروسوفت" والبزنس. وحسب رأيه، يتمتع المشروع بفرصة طيبة للنجاح، بل يرى انه من غير المستحيل ان يدفع مشروعGnome عالم السوفتواير الى مكان مختلف وافضل بصورة جذرية.  لكن لماذا ينجح Gnome حيث فشلت برامج اخرى اعظم واغنى مثل Apple؟ هناك سببان حسب مؤيدي هذا المشروع. والسبب الاول هو ان Gnome وليس مشروعا مستقلا بنفسه انما مرتبط بنظام تشغيل يدعى Linux وهذا النظام المعروف  بسرعته واعتماديته والكفاءة موجود في اكثر من عشرة ملايين نظام كمبيوتر في العالم، تراوح بين شبكات تجديدية صغيرة ترمي الى اجتذاب مؤمني الخدمات على شبكة انترنت، ومختبرات الكمبيوتر الجامعية من جهة، وبين مؤسسات ضخمة مثل Wells fargo" " ومصلحة البريد الاميركية من جهة اخرى. وبفضل جمهور مستخدمين يتبع 40 في المائة سنويا، يعتبر نظام التشغيل الوحيد من غير "مايكروسوفت" الذي يوسع حصته في السوق. قبل اسابيع من تلك الحمى الصحفية، تحدث كبير محرري مجلة "تكنولوجي ريفيو" ديفيد روتمان مع وليامس في قضية الحوسبة ما بعد السيليكون، والبحوث الاساسية في الشركات وانتقاله الشخصي في العالم الاكاديمي الى القطاع الخاص فكانت هذه المقابلة: * جئت الى شركة هيوليت- باكارد عام 1995 لتأسيس مختبر للبحوث الاساسية بعدما كنتم استاذا لدى جامعة كاليفورنيا في لوس انجلوس. وما نتعلمه منها قد يكون اشد عجبا من جميع ما رأينا بواسطة المجهر والتسلكوب واجهزة الاشعة اكس، وجميع الالات المتطورة التي تساعدنا في تعظيم قدرات حواسنا.يخشى بعض الباحثين من ان تكون الالات ذات الادمغة العملاقة كابوسا من الخيال العلمي تحول حقيقة.
 فالباحث كيفن فورفيك رئيس قسم البحوث السيبرنتية في جامعة ريدينغ البريطانية مقتنع بان الالات ستخضع الانسانية لها بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين. والباحث هيوغو دوغاري الذي يرأس مشروعا لبناء ادمغة سيليكونية لدى المعهد الدولي لبحوث الاتصالات المتقدمة في اليابان يعترف بانه قد طغى عليه الخوف من ان تضربنا هذه الالات ذات يوم كما نضرب نحن ذبابة. غير ان باحثين اخرين يتصورون ان مثل هذه الكئانات ستكون على قدر عظيم من الحكمة يجلعها تمتنع عن عدم احترام الحياة بجميع انواعها المختلفة. ويرى ايغور الكسندر رئيس قسم هندسة النظم العصبية لدى كلية "لندن امبريال كوليدج اوف ساينس، تكنولوجي اند ميد سين"، ان فكرة الالات الحاقدة التي تقوم على افتراض خاطىء مفاده ان الالات الذكية ستتصرف على نحو ما يفعل البشرتماما، هي فكرة خاطئة. فالكائنات الاصطناعية عديمة الجنس التي تعرف ان وجودها يمتد الى ما يشبه اللانهاية لن تكون مدفوعة الى التنافس على الخيرات والتزاوج وهما المصدران الاساسيان لسوء المعاملة بين البشر والكائنات الحية. وهكذا يتصور بعضهم انه اذا وجدت الالات فائقة الذكاء في الانسان جارا غير مناسب فقد تتزود باسطوانات الطاقة وتندفع الى الفضاء الخارجي وبعضها قد يفعل ذلك بحثا عن معارف جديدة لما كانت الرحلة الى الفضاء الخارجي مجرد نزهة بالنسبة إليه!
بطريقة او بأخرى، لم تبق امام الدماغ البشري غير فترة قصيرة امام كونه أذكى مخلوق على الارض. فسرعة وتعقد الكمبيوتر سيتضاعفان كل 18 شهرا حتى سنة 2012 على سبيل التوقع. وبحلول هذه السنة تكون كثافة الدارات الكمبيوترية قد تضاعفت الف مرة فيمكن عندئذ تخزين قدر المعالجة الكائنة في الدماغ البشري في مجرد علبة صغيرة. غير ان الفترة قد تكون اقصر وقد يحل ذلك في عام 2005 على نحو ما يتوقع المسؤول التكنولوجي الاغلى لدى شركة "ايرفين سنسورز كوربورايشن" وهي احدى شركات انتاج الرقاقات في وادي السيليكون (كاليفورنيا). ما بعد سنة 2012، تنطوي الرقاقات التي تقوم على العالم المعقد للميكانيكا الكوانتية على وعود بتحقيق قفزات اعظم نحو التعقيد. ولما كانت هذه الرقاقات لا تحتاج الى اي توصيلات من تلك التي تحتل الان معظم المساحة في السيليكون، فهي لن تستغرق وقتا طويلا حتى تستنسخ الدماغ البشري (من ناحية عملياته) تماما، لا المائة مليار نيرون فيه فحسب، انما تريليونات التشابكات او الصلات البينية، وهذه المتاهة من الصلات البينية هي عنصر لازم لنشوء الذكاء الاصطناعي. والادمغة الكمبيوترية قد تحقق هذا الذكاء بحلول سنة 2020 حسب ما يتوقع رايموند كورزويل مؤسس شركة " كورزويل تكنولوجيز".
عندئذ تبدأ الادمغة الالكترونية بتخطي الادمغة البشرية وفي هذا الشأن، يتوقع كورزويل حشر محتويات معيار دماغ بشري في انش مكعب من الدارات الكمبيوترية. وحجم الدماغ الاصطناعي لن يكون مقيدا حتما بحجم جمجمة الانسان،. فقد يكبرحتى يبلغ حجم شاحنة، اوقد يكون بحجم الاقمار الاصطناعية التي تدور حول الارض.
لكن النقاد يعتقدون انه مهما عظمت قدرة الكمبيوتر فلن يكون ذكيا بقدر الانسان الا اذا استطاع محاكاة العمليات التفكيرية في الدماغ البشري، لكن اينمان هارفي، استاذ الرياضيات لدى جامعة ساسكس البريطانية الذي تحول خبيرا في الروبوتيات يرد على هذا الرأي بانه غير صحيح، ويوضح انه بمحاكاة الدماغ البشري يمكن ان نصنع دماغا اصطناعيا لا نعرف كيف يعمل. وبعبارة اخرى يمكن للكمبيوتر ان يرتقي ذاتيا ببرمجته الداخلية على نحو ما فعل الدماغ البشري.
هذه الادمغة العملاقة ستعمل على تغيير كل شيء فالمشكلات التي استعصت على العلماء في العلوم والهندسة والطب لن تكون غير مجرد مشكلات بسيطة بالنسبة اليها. ويقول مورزويل انه في سنة 2025 ستحل الروبوتات مكان الانسان في المصانع والمزارع وانها ستقدم جميع الضرورات اللازمة للبشر. فالطائرات والقطارات ستشغل نفسها بنفسها والمجازر التي تحدث على الطرق السريعة في حوادث السيارات تنتهي بحلول عام 2030 على سبيل التقدير.
وفي منتصف القرن الحادي والعشرين ستتغير طبيعة الحياة البشرية نفسها، فالزراعات العصبية ستعمل على توسيع المعرفة البشرية والقدرات التفكيرية، وعندئذ يبدأ الانتقال نحو تركيب علاقات الانسان- الآلة، الذي يؤدي تدريجا الى الخروج من نطاق الحاجات البيولوجية. وفي التطبيق لا يستطيع الباحثون اليوم ان يلعبوا الا بحفنة من الكيوبتات في الوقت نفسه، حتى انهم يواجهون فيها تحديات عظيمة لكن تبين ان حفنة الكيوبتات مفيدة فالجهاز الذي استعمله لافلام وغوري موجود في مختبر غوري لدى معهد ماساشوستس للتكنولوجيا. فالعلماء يتوقعون ان تجتاح جيوش من الروبوتات المجهرية الدماغ لتتخذ مواقع لها في مناطق الحواس الخمس لتخلق محاكاة واقعية- افتراضية يستحيل تمييزها عن الحقيقة الفعلية. والاتصال مع العائلة والاصدقاء لن يلزمه الحضور البدني للشخص المعني. وافضل طعام تناولة الانسان في حياته يمكن ان يتمتع به مرة بعد اخرى مع رفاق مختلفين. اما الانتقال الى موقع سياحي او علمي فلن يكون ممكنا من ناحية الواقع الافتراضي الا اذا استطاعت التكنولوجيا ان تحاكي العمليات الدماغية الحادثة خلال نشاط بدني- ذهني حقيقي لا خيالي. وبحلول سنة 2099، يتوقع كورزويل ان لا يبقى هناك غير قدر قليل من البشر داخل ابدانهم البيولوجية الصرفة. فمعظم البشر يكونون قد نقلوا محتويات ادمغتهم وعملياتها الى دارات الكترونية تبقى الى ما يشبه اللانهاية.
في هذا الصدد، يبدي نيونهام من جامعة بنسلفانيا اسفه لأنه بلغ السبعين. ويقول: "اود ان اعيش مثل هذه الحياة" ويوضح انه يريد من وراء ذلك ان يعرف اسئلة كثيرة عن الحياة بقيت بلا اجوبة.
