الإنترنت واللغة الواحدة أول هذه الشواهد هو ذلك الكم الهائل من المواد المتاحة باللغة الإنجليزية على شبكات الإنترنت والتي تقدر بحوالي 80% من كل المواد المعروضة, كما أن عدد الذين يستخدمون الإنترنت للحصول على هذه المواد من بين غير المتكلمين بالإنجليزية (كلغة أصيلة) يزدادون بمعدلات كبيرة جدا تفوق معدلات الزيادة بين الناطقين بها. ويقدر عدد الناطقين بالإنجليزية (اللغة الأم) بحوالي 375 مليون نسمة بينما يصل عدد المتكلمين باللغات الأخرى في العالم إلى أكثر من 5700 مليون نسمة تقريبا; ويؤلف مستخدمو الإنترنت من غير المتكلمين بالإنجليزية للحصول على مواد بالإنجليزية أكثر من 44% من مجموع الذين يعتمدون على الإنترنت في مختلف اللغات. وقد يذهب البعض إلى أن هذا النمو في الاتجاه نحو المواد المعروضة بالإنجليزية قد بلغ مداه الآن وأنه سوف تعقبه فترة من التراجع والنكوص ليس لانصراف الناس عن هذه المواد المتاحة على الشبكة ولكن لدخول شعوب وثقافات ولغات أخرى إلى الميدان مما يتيح التنوع واتساع المجال للاختيار والإقبال على تعلم اللغات الأخرى من هذه المواد. ومع ذلك فإن انتشار اللغة الإنجليزية على هذا النطاق الواسع يسبب كثيرا من الانزعاج لدول الاتحاد الأوربي التي بدأت تخشى أن تحل الإنجليزية محل بعض اللغات الأوربية ليس فقط في مجال التعامل الاقتصادي أو البحث العلمي ولكن أيضا في مجال التدريس في مراحل الدراسات العليا, كما هو الشأن الآن في هولندا حيث تقوم الدعوة إلى استبدال الإنجليزية بالهولندية اللغة الأم, أو كما سيكون عليه الحال في الجامعة الألمانية التي تنشأ حاليا في مصر حيث يتم الإعلان عن أن لغة التدريس فيها هي الإنجليزية وليست الألمانية. حظيت أرض فلسطين بكم من الدراسات والأبحاث التاريخية والأثرية في القرنين التاسع عشر والعشرين, يفوق التصور بحجمه وتنوع مرجعياته وأهدافه وتعدد مناهجه وطرائقه.
لا يسع الباحث في تاريخ الفنون التي تعاقبت على أرض فلسطين إلا أن يكتفي بالدراسات العلمية الموضوعية لإضاءة المفاصل الرئيسية من المراحل الحضارية التي تعاقبت على هذه الأرض, نظراً للصراع السياسي - الاقتصادي المقنع بأهداف دينية - روحية, الذي يخوضه الغرب لاحتلال فلسطين منذ الحروب الصليبية حتى اليوم.
إن اهتمام المؤرخين الغربيين بفلسطين ارتبط بداية, بما جاء في التوراة, حيث نرى مدونات المؤرخين اليونانيين والرومانيين الذين زاروا فلسطين منذ زيارة هيرودوت وقادة جيش الإسكندر المقدوني ثم يوليبيوس, وسترابو, وديودورس الصقلي وبليني وناسيتوس ويوسيفوس. حيث تنتهي هذه المرحلة الوثنية بظهور المسيحية والاعتراف بها, وبداية عصر الحج إلى الأراضي المقدسة في القرن الرابع الميلادي. نبدأ بالقول إن القضية التي نتناول ذات وجهين ملتحمين: سياسي وثقافي إعلامي. وقد أصبح أمرا حتميا وجليّا عدم إمكان الفصل بين السياسي والثقافي, كما لا يمكن نكران حقيقة لم تعد تقبل الجدل وهي حتمية الربط بين الثقافي والإعلامي. ولعله يستنتج من أطروحة هنتنجتون, التي أصبحت المبدأ الموجّه للسياسة الخارجية للغرب وللولايات المتحدة بخاصة, أن الصراعات السياسية ذات مضمون ثقافي, بل إنه ثقافي بالدرجة الأولى. كما يستنتج مبدأ خطير الأهمية, هو أن الصراع ليس بين دول لكنه بين مجموعات ثقافية وحضارية. من هنا يستنتج أن الردّ على المقولة الهنتنجتونية, وقد أصبحت مؤطرا ثابتا للرؤية السياسية الغربية, لابد أن يكون بالمنطق نفسه الذي تطرح, منطق التحام السياسي بالثقافي, ومنطق المجموعات الثقافية والحضارية الواحدة والمتجانسة. إن العمل المطلوب من العرب النهوض له اليوم للحفاظ على وجودهم في المحلّ الأول, وضمان مستقبلهم وحضورهم المشرّف في خريطة الغد البشري, والدفاع عن ثقافتهم وحضارتهم في وجه حملات التشويه المغرضة إحقاقاً للحقّ ووفاء لتاريخ مشرق ورفعا لظلم غاشم, هذا العمل يتحتّم, أن يتجاوز القطري إلى القومي, لا بمنطق التاريخ المشترك والثقافة الواحدة والحضارة الواحدة والمصلحة المشتركة فحسب, بل أيضا بالمنطق الذي يفرضه الغرب علينا اليوم من خلال طروحاته وأطروحاته, ويفرضه التوجه الدولي السائد إلى تشكيل التكتلات الإقليمية الكبرى. فكان الحجاج يمرون بالأماكن المقدسة التي ارتبطت بأحداث الإنجيل وحياة وآلام السيد المسيح وتلامذته (من أبرز الحجاج الذين كتبوا عن تاريخ هذه المرحلة يوسيبوس أسقف قيسارية, وجيروم الذي ترجم أعماله من اليونانية إلى اللاتينية).
كانت الحروب الصليبية وما رافقها من تدوين ووصف لحالة فلسطين, قد أفسحت في المجال أمام تجسد الاهتمام التاريخي بأحداث الإنجيل والتوراة في فنون عصر النهضة الأوربية خصوصاً فن التصوير الجداري والنحت في الكنائس والأديرة والقصور.
غير أن الطفرة النوعية التي شهدتها الدراسات التاريخية والأثرية والفنية عن فلسطين, ارتبطت بمرحلة ما بعد حملة بونابرت على مصر وبلاد الشام.
فقد احتاجت أوربا إلى خمسة قرون ما بين خروج آخر جندي صليبي من فلسطين عام 1298, وقدوم بونابرت بحملة استعمارية منظمة معرفياً بفريق من العلماء والمستشرقين والمؤرخين عام 1798, وعلى الرغم من فشل الحملة عسكرياً, كي تؤسس لاستعمار ثقافي - اقتصادي توغل معرفياً في فلسطين طيلة القرن التاسع عشر, ليُحكم السيطرة السياسية والعسكرية الغربية بإقامة دولة إسرائيل عام 1948, المستعمرة والكيان الاستيطاني الذي يخترق وحدة العالم العربي الجغرافية والتاريخية.
إن التحالف المعرفي والأوربي - الأمريكي في الدراسات الاستشراقية الفلسطينية بلور الاستشراق الفلسطيني بوصفه جزءا من عملية الاستطلاع الاستكشافي الواسع لحضارة مصر وبلاد ما بين النهرين وآثار اليونان والرومان في سوريا ولبنان وفلسطين وشمال إفريقيا وشبه الجزيرة العربية فضلاً عن الشرق الأقصى (الهند, الصين واليابان), وما حصل من تركيز للضوء على بقعة فلسطين في عمليات المسح الأثري في السنوات المائة والخمسين الأخيرة التي سبقت اغتصاب الصهيونية لفلسطين, أدى إلى ظهور دراسات كتبها الرحّالة وعلماء الآثار والفنانون والقناصل والأدباء, يفوق تعدادها إمكان حصرها وتبويبها, لكن من اليسير حصرها في المؤلفات والجمعيات والمؤسسات الأساسية الغربية لبيان أهدافها وتوضيح الصلة بينها وبين ما آلت إليه الصورة والوضع الحالي للشعب العربي الفلسطيني.
في هذه الفترة من عمر الاستشراقية الفلسطيني تزامنت فيها الدراسات الاسشتراقية الفرنسية والبريطانية والأمريكية والروسية والألمانية, وتباينت فيها الأهداف العلمية والاستعمارية والاستثمارية بدوافع فردية وجماعية واكبت نشاطها وموّلته ونظمته في أغلب الأحيان مؤسسات أجنبية ذات طابع البحث الديني والأثري والاستكشافي والتربوي والصحي - الطبي والاستعماري الاستيطاني. فقد زار فلسطين في الفترة الواقعة ما بين حملة بونابرت (1798) وحملة إبراهيم باشا المصري (1831) على فلسطين, عدد كبير من الباحثين والمستشرقين والفنانين الذين رسموا الصورة الطبيعية والاثنية والأثرية والنبات والصخور ووضعوا الخرائط المفصلة لفلسطين. وأبرز من زارها في تلك الفترة ويليم ويتمان, سيلزبوري, وليم كوبر.أ.كلارك, شاتوبريان, بوركهاردت, الذي مولت رحلته (الجمعية البريطانية لاستكشاف قلب إفريقيا), ونشأت جمعية لندن لنشر المسيحية بين اليهود عام 1809 ومقرها لندن, كما زار الكونت دي فوربان فلسطين عام 1817-1818 ووضع رسوم المواقع الأثرية والكنائس والمساجد فيها, تلاه أدريان دوزا الذي استكشف معالم أثرية فيها عام 1830 (رسم سور عكا, قبر المسيح, برج داود, باب العمود, بركة سليمان, مدخل قبور الملوك, بيت لحم,  أبنية غزة, داخل كنيسة البشارة في الناصرة, خان جب يوسف في الجليل الأعلى, بقايا معبد ومسرح روماني في عمان, الحراس البدو في سيناء, ويافا من البحر), ومول رحلته البارون تايلور.
وقد صوّر فلسطين ومعالمها الأثرية أيضاً الفنان البريطاني روبرتس عام 1838 (مول رحلته ناشر إنجليزي) وأقام لمدة سنة في فلسطين ينجز لوحاته على الطبيعة مباشرة. وأنجز ليون دي لابورد صور كتابه (رحلة من البتراء إلى سيناء) عام 1830, أظهر فيها آثار وتخطيطات وخرائط للبتراء وفلسطين. ثم جاء بارتليه ودايفيد ويلكي عام 1841 وهوراس فيرنيه, وقد تناولوا في لوحاتهم المواقع التاريخية والفنية المرتبطة بأحداث التوراة والإنجيل في فلسطين.
بعثة ويلسون
قامت هذه البعثة بالمسح الأثري في بيروت وبعلبك ودمشق حيث سمحت لها الإدارة العثمانية بعمل رسوم ومخططات للمسجد الأموي في دمشق. منهم من يسقط نتيجة عدم الخبرة, ومنهم من يستمر وينتقل إلى دائرة الاحتراف. والمحترفون ينتمون إلى كل الفئات الاجتماعية والعمرية والمهنية, منهم العاطل والمزارع والمهندس والمدرس بل وحتى عالم الآثار وضابط الشرطة. يشكل هؤلاء جميعا مجتمعا سريا تحكمه معايير السوق, تلك المعايير القائمة على العرض والطلب ومدى ندرة السلعة التي يجري تسويقها, والتنوع هو السمة الأساسية التي تسيطر على حركة تجارة الآثار, أما المضبوطات التي يعلن عنها باستمرار فتشير إلى وجود نزيف مستمر, عناوين الأخبار التي تنشر بصورة شبه يومية تثبت ذلك بوضوح: عاطل يعرض تمثال رمسيس للبيع بمليون جنيه, ضبط مجموعة نادرة من التماثيل الفرعونية والعملات الأثرية بحوزة مزارع عثر عليها بالتنقيب, تابوت أثري في منزل مزارع بقنا, ضبط 23 تمثالا أثريا بمنزل تاجر بالعياط. المتهم حصل عليها عن طريق التنقيب بالمنطقة الأثرية, إحباط محاولة لتهريب 95 قطعة أثرية نادرة حاول مزارع وصديقه بيعها بمليون جنيه لتاجر بالسلوم, ملوك الفراعنة للبيع بالهرم, ضبط قطع أثرية ينقلها تاجر صيني من فيلا مطلقته بالعجمي, القبض على موظف ومقاول بالمرج بحوزتهما 940 قطعة أثرية من العملات الرومانية, مدرس يتزعم عصابة للاتجار في القطع الأثرية, ضبط متحف أثري نادر في حقيبة عامل سكة حديد, ضبط مدير أمن مطار النزهة السابق (لواء) في محاولة لتهريب آثار. ثم انتقلت إلى فلسطين عام 1866 للقيام بحفريات كنيسة بيزنطية في جبل حرزيم قرب نابلس. وقد وضعت هذه البعثة خمسين خارطة مع رسوم تفصيلية للكنائس والمساجد والمعابد والأضرحة مع 166 صورة للمواقع الأثرية في بيسان وقيسارية ومراكز السامريين وكنيسة جوستنياوس المدمرة وكنائس قديمة في يارون وتبنيت والبيرة واللد وبيت جبرين وقرية العنب (أبو غوش) والقدس. وقد صدر كتاب ويلسون بعدها باسم (صورة فلسطين) في 4 مجلدات تتضمن صوراً محفورة على الفولاذ والخشب تظهر المواقع الأثرية الفلسطينية برمتها.
حفريات فلندز بتري
ويعتبر بتري (1890 - 1914) مؤسس علم الآثار الفلسطيني ارتبطت باسمه الحفريات في تل العمارنة في مصر وعمليات البحث عن آثار أخناتون وهو مؤسس المدرسة الأمريكية للآثار.
وهو صراع يفهم على ضوء تطور المجتمعات التاريخي, فالتحديث يؤدي إلى تبدل في القوى النافذة داخل كل مجتمع, وبالتالي فإن هناك من يشعرون بأن التحديث يؤدي إلى خسارتهم لامتيازاتهم. وإذا كانت إصلاحات بطرس الأكبر قد أحدثت صدمة داخل روسيا أفضت إلى صراع داخل المجتمع الروسي, فإن الدولة العثمانية قد شهدت صدمة مزدوجة حين أثبتت أوربا قوتها مرتين: المرة الأولى حين استطاعت الجيوش الأوربية المتحالفة أن تسبب هزيمة كبيرة للعثمانيين عام 1699, مما أثبت فعالية الأسلحة الحديثة وفعالية التنظيم العسكري المبني على العلوم التكتيكية - حسب التعبير المستخدم في ذلك الوقت - والمرة الثانية حين ظهر للعثمانيين أن روسيا الضعيفة والمتأخرة أصلاً استطاعت أن تكتسب القوة بنقل ما أخذته عن أوربا, لا بل أن تحقق نصرا على الدولة العثمانية التي لا يُقهر جيشها حسب الاعتقاد الشائع آنذاك. كل ذلك دفع الطبقة الحاكمة في استانبول وعلى رأسها السلطان لاتخاذ قرار يقضي بإجراء إصلاحات عسكرية وإنشاء معاهد فنية لتأهيل الضباط, فضلا عن إدخال الطباعة. وعلى امتداد القرن الثامن عشر, وخلال عهود خمسة سلاطين, كانت محاولات الإصلاح تُجابه من قوى داخلية, وخصوصا قوات الانكشارية التي خشيت أن تؤدي الإصلاحات إلى فقدانها لامتيازاتها. وفي حين وقف عدد من أفراد الجهاز الديني ضد الإصلاحات, فإن عدداً آخر قد أيّدها ووقف إلى جانب الإدارة في إجراءاتها. وقد أدى اعتراض الإنكشاريين إلى ثورتين, الأولى عام 1730 انتهت بخلع السلطان أحمد الثالث وقتل وزيره المسئول عن الإصلاح, والثانية عام 1807 والتي أدت إلى تدمير كل الإنجازات التي تحققت في عهد السلطان سليم الثالث الذي قُتل في أعقاب هذه الثورة. وقد شهدت هذه الحفرية أسلوباً علمياً مطّرداً في فلسطين ويعود الفضل بالحس العلمي للعالم الأثري بتري في حفرية تل الحسي, وقد موّل حفرياته أيضاً صندوق الاستكشاف الفلسطيني, حيث توصل عبر دراسة الفخار إلى التسلسل الزمني لتاريخ الفن الفلسطيني والتراتبية الحضارية.
كما أضاف كل من فردريك بلس وأولبرايت التحديدات الدقيقة للتسلسل الزمني الذي وضعه بتري, وقد أوضح بلس وحدة الأصل الثقافي الفلسطيني المستندة إلى الحضارة الكنعانية كأساس للجذور العميقة للديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية.
وفي عام 1882بدأت الجمعية الروسية - الفلسطينية (PMO) بتنظيم رحلات للتنقيب عن الآثار وارتبطت بها جهود أسماء كبيرة من العلماء والمستشرقين الروس أمثال: ن, ميدنيكوف, كراتشكوفسكي, كونكتسف, مار, أوسبنسكي. ن.ب وكونداكوف الذي ترأس عام 1891 أول رحلة للتنقيب عن الآثار في فلسطين.
وصدر عام 1903 كتاب (فلسطين من الفتح العربي حتى الحروب الصليبية) للعالم الروسي ميدنيكوف يثبت فيه آثار وحضارة فلسطين العربية والإسلامية.
وما لبث أن تطور علم الآثار الفلسطيني باتجاه الموضوعية والعلمية في الفترة الواقعة ما بين العشرينيات والسبعينيات من القرن العشرين متخطياً الاتجاه التوراتي الأحادي التوجه الذي صب في خدمة إنشاء الكيان الصهيوني, وكان للعديد من العلماء والباحثين الفضل في التوجه العلمي القائم على التسلسل التاريخي المنهجي في قراءة الوجه الحضاري الفلسطيني. وقد شكلت أبحاث كل من كراتشكوفسكي, ميدنيكوف, مار, كينك فيمان (تاريخ الفنون في العصر الوسيط) ودي مورغان, هارستنج د. هارود, رنبديل, ج. كونتنو.غ تشايلد, أ. أولبرايت, ك. كينون, شكلت إضاءة لتاريخ فلسطين القديم وحددت تراتبية مراحله وعصوره, ووضعت تصورات علمية للنتاج الروحي والمادي لسكانها بإبراز مجموعة من آثار فلسطين المميزة لكل حقبة من أحقاب تطور المجتمع الفلسطيني.
لذلك يبدو أقرب إلى منطق الأشياء أن تكون هجرتهم إلى المتوسط الشرقي حصلت من طريق البرّ. ويرجح فريق من العلماء أن يكون وباء الطاعون الجارف هو الذي دفعهم إلى الهجرة الكبرى في القرن الثامن والعشرين قبل الميلاد. ومع أنهم أقاموا علائق جيدة مع مصر الفرعونية ابتداء من الألف الثالث ق.م. إلا أن الآفاق البحرية التي اقتحموها باتجاه الغرب حيث أنشأوا المدن العامرة والمواقع العسكرية والتجارية المميّزة في أوربا وشمال إفريقيا لم تصرف أنظارهم عن الداخل السوري حيث بسطوا نفوذهم إلى تدمر, وأقاموا تحالفاً مع دمشق وامتدادات سلطتها في البلقاء وحوران, فاتحين أمام قوافلهم الطرق البرية المأمونة لتوفير اتصال دائم مع موطنهم الأصلي في الخليج ونجد. وبقي التواصل على خير ما يرام بين المقيمين هناك في الخليج والمستوطنين في مدن فينيقيا عبر طريقين, إحداهما بريّة مباشرة, والأخرى برمائية تتجه براً إلى العقبة, ثم تجتاز البحر الأحمر إلى المحيط الهندي ومنه إلى الخليج العربي, هذا إلى أن قامت إمبراطورية الفينيقيين البحرية الكبرى في الغرب, وباتت قوافلهم تجوب المحيط الأطلسي وتنتقل عبر رأس الرجاء الصالح إلى جنوب الجزيرة العربية ثم تجتاز مضيق هرمز إلى بلاد المنشأ. المساعي الصهيونية
معلوم أن التوغل الصهيوني في المؤسسات العلمية الأوربية والأمريكية التي تعنى بعلم الآثار وتاريخ الفنون في فلسطين حاول دائماً طمس المنحى العلمي والموضوعي في التنقيبات والأبحاث التي تصدر عنها. لكن ظاهرة ارتياد المرأة العربية لعوالم الكتابة الإبداعية ضمن سياق الحقل الأدبي العام وصراعاته وتحوّلاته, هو ما أضفى على هذه التجربة طابع الخصوصية وجعلها وسيطا في صوغ أسئلة مختلفة. ومن أهم تلك الأسئلة التي تسهم كتابة المرأة العربية في صوغها, سؤال الذات الفردية, ووضعها الاعتباري داخل المجتمع العربي. ذلك أن الكتابة الإبداعية تقتضي التباعد عن الخطابات التعميمية ذات النبرة الجمعية التي تستهدف تأطير المجتمع ولحمه وإبراز السمات المشتركة التي تتيح التعايش لأفراده وتنظيم صراعاتهم. الذات كوسيط في الكتابة الإبداعية, تغدو الذات وسيطا كيميائياً يحلل مختلف الخطابات والقيم والتجارب لصوغ نص يقع على الحدود من كل ذلك, ويلامس المشاعر والأفكار والمواقف معيشة من منظور ذات المبدع ووضعيته, وعبر لحظات التحوّل التي تتيح وضع الإيديولوجيا موضع تساؤل. من ثمّ, فإن المرأة عندما تكتب, رغم تشاركها مع الرجل في (المناخ) العام, فإنها تكتشف أن لذاتها الفردية وضعا اعتبارياً مغايراً داخل سُلّم القيم الذكورية وتحت وطأة المعاملات والأحكام المسبقة. في مجال الدفاع عن الحقوق والمطالبة بالانصاف, يكون صوت المرأة مشدودا إلى تحقيق حريتها المصادرة من لدن مجتمع وتاريخ حوّلاها إلى متاع تابع لمشيئة الآخر/الرجل, أو كما تعبر عن ذلك سيمون ديبوفوار: (... ومعلوم أيضاً أن هناك جيشاً من الأثريين الإسرائيليين الذين يعملون في فلسطين منذ بداية القرن التاسع عشر, وقد صاحبوا تطور كل العمليات التنقيبية في فلسطين وساهموا إلى حد كبير في إقناع الإنجليز والأمريكيين بضرورة قيام كيان إسرائيلي مستند إلى الوثائق التوراتية المرتبطة بالمواقع التاريخية في أرض فلسطين.
فقد تزامن نشاط الاستشراق الإسرائيلي - الصهيوني في دراسة فلسطين وتاريخ فنونها, مع نشاط البعثات الأوربية, الأمريكية وبالتعاون معها, لكنه اتخذ منحى أكثر تركيزاً على (حق شعب الله المختار, أي اليهود, بأرض فلسطين التاريخية) وأهم علماء الآثار والمستشرقين الصهاينة ما بين عامي 1870-1948 (فترة قيام المستوطنات الصهيونية في فلسطين) هم: باكوف رابينوفيتش  (1875-1948) إسرائيل زارحي (1909-1942) ناحوم ياروشاليمي (1890-1961) إيسيسيغ سيلبير شلاج - موشي ستافسكي (1884-1969), موشيه سيملانسكي (1874-1953) يتسحاق شامي (1889-1949), موشيه ماعوز - نورمان بينتويش (المدعي العام لفلسطين في عهد الانتداب البريطاني) وصاحب كتاب (فلسطين اليهود), فقد أسس قدوم هؤلاء المستشرقين إلى إسرائيل, قيام شبكة متاحف ومكتبات وعمليات تنقيب عن الآثار تفوق بحجمها وإمكاناتها المادية والعلمية كل ما هو مجتمع من مؤسسات ومتاحف في العالم العربي, ناهيك عن الإصدارات والدوريات والأدبيات التي تصدر من إسرائيل بالعبرية والإنجليزية والفرنسية.
إن الصراع العربي - الإسرائيلي على حق الوجود في فلسطين, والانحياز الأوربي - الأمريكي لدولة إسرائيل يتبلور في الصراع على كتابة التاريخ ودراسة علم الآثار ومنهجية تاريخ الحضارات الفنية الفلسطينية, حيث يحاول الأثريون الصهاينة في إسرائيل ومؤسسات الغرب العلمية - الأثرية التركيز على حق الوجود التوراتي في المعالم الأثرية الفلسطينية, وعلى الرغم من كل التحالف المعرفي الغربي - الإسرائيلي لتثبيت الكيان الإسرائيلي في فلسطين بعد زرعه عام 1948, غير أن النبرة العلمية, الموضوعية سادت أدبيات تاريخ الفن الفلسطيني بحيث أفصحت عن التراتبية التاريخية الموضوعية التي تثبت حق الشعب العربي الفلسطيني في تاريخ فلسطين, وهي تقرأ اليوم وفق منهجية المقارنة الحضارية لفنون فلسطين ووفق سياق تسلسلها منذ العصر البوليوليتي أي منذ 250 ألف سنة ق.م. حتى يومنا هذا.
وحدة التاريخ الفلسطيني
العصر البوليوليتي: رافق النتاج الفلسطيني فيه أولى مراحل ظهور الإنسان على أرض فلسطين في منطقة بحيرة طبريا. تمثلت في أشكال النحت الصخري في الكهوف والمغاور (صور رسوم الثيران, الجمال, الماعز على الصخور) وهي تمتلك ذات المواصفات الفنية المشتركة مع تلك الرسوم الصخرية الموجودة في شمال إفريقيا (خصوصا الصخور في الصحراء الكبرى).
العصر النيوليتي: يمتد ما بين الألف الثامن والألف الخامس ق.م وقد وجدت آثار تدل على هذه المرحلة في منطقة أريحا القديمة تبلغ مساحتها نحو عشرة هكتارات تم العثور فيها أثناء عمليات التنقيب على تماثيل شخصية ورءوس خزفية ذات عيون مصنوعة من الصدف في مجمعات سكنية بنت بيوتها من الآجر الخام ومن بلاط مطلي بالصلصال.
العصر الأنيوليتي: الألف الرابع ق.م.: تميز باستيطانات جديدة للمناطق المحاذية لشاطئ البحر المتوسط كرأس شمرا وغيرها. وقد شهدت هذه المرحلة تطوراً في حياة سكان فلسطين القدماء وموارد عيشهم, حيث تم الانتقال من الصيد وجني النباتات البرية الفصلي, إلى الزراعة, والرعي بالقرب من الأنهار وتطور منظومة الري. وعرفوا صناعة الدهان والصناعات اليدوية والحرفية (من النقش على الحجارة, العاج, الفخار, النسيج, الحياكة) وقد عثر أثناء حفريات تلال عسول على نماذج من الزخرفة على الجدران تمثل صوراً بشرية وطيوراً, وعلى فخاريات مزينة برسوم هندسية بألوان حمراء وبنية. وكذلك عثر على بعض المنحوتات الصلصالية وأدوات الزينة بزخارف تقلد الأسلوب المصري (سلاسل ذهبية تصور آلهة الخصب).
في النصف الأول من القرن الثالث برزت تقسيمات جديدة للعمل, ونشوء فئة اجتماعية معينة, حتمت الصراعات والصدامات والحروب, مما أدى إلى ضرورة ظهور تحصينات في المدن والقرى. وقد عثر على مثل هذه الحصون في مناطق القدس, هيبون, أريحا, مجدو وغيرها, يتخللها نظام الأبراج والأسوار الدفاعية والانفاق العميقة. وازدهرت صناعة الآنية الفخارية المزينة بالرسوم والكتابات المصرية في تلال عسول كتب عليها (أرض كنعان) نسبة إلى الكنعانيين.
أولى موجات القبائل السامية ظهرت في فلسطين (أواسط الألف الرابع زاحفة من شبه الجزيرة العربية أعقبها ظهور قبائل الآراميين (تخوم القرنين الثاني عشر والحادي عشر) التي انتشرت في منطقة الشرق الأوسط ووصلت بابل وآشور وشمال بلاد ما بين النهرين.
وهل استطعنا أن نفنّد أمام الرأي العام العالمي, الغربي بالأخص, التهمة الموجهة إلى الإسلام والحضارة الإسلامية? وهل أمكننا الردّ على تلك الاتهامات? الإجابة طبعا (لا). أما لو عملنا مثلا على إقامة معارض فنية للفنون التشكيلية العربية الحديثة والمعاصرة في عواصم أوربية ومدن أمريكية, وقمنا بعرض أفلام وثائقية حول التراث الفني العربي الإسلامي والتراث الإنساني القديم والعريق, الفينيقي والآشوري والفرعوني والسرياني والروماني والمسيحي الذي حافظت عليه الحضارة العربية الإسلامية طوال ما يزيد على خمسة عشر قرنا من الزمان, لا كردّة فعل على حادث معيّن, بل في إطار خطة قومية لإعادة رسم الصورة الحقيقية لحضارتنا العريقة, وأقمنا حلقات نقاش وندوات للمختصين في حوار عربي - غربي حول الموضوع في المؤسسات المختصة كالمتاحف ودور العروض الفنية وكليات الفنون الجميلة في عواصم ومدن غربية, لاستطعنا أن نردّ بالصورة المجسدة والتمثيل الحيّ والحجة المقنعة على التهم الباطلة الموجّهة إلى هذه الحضارة, وذلك هو الأسلوب الفاعل في مخاطبة الآخر وإقناعه, وفي إزاحة صورة قائمة لتشكيل صورة جديدة. حوار عربي - أوربي هذه الخطة القومية لتشكيل الصورة الحقيقية المشرقة للعرب وللإسلام في الغرب, ثقافة وحضارة ومجتمعا معاصرا, لا بدّ أن تتضمن, على سبيل المثال لا الحصر, أسابيع ثقافية عربية على المستوى القومي, ومعارض للفنون التشكيلية العربية, وعروضا موسيقية ومسرحية وسينمائية, (مع التأكيد على الإبداعات النسائية إبرازا لدور المرأة العربية في حياتنا الثقافية دحضا للزعم السائد في الغرب عن الموقف السلبي للإسلام من المرأة), والمشاركة العربية في أجنحة مشتركة في المعارض الدولية ومعارض الكتب العالمية. ولا يمكن للخطة أن تغفل حتمية القيام بعملية ترجمة واسعة لأعمال أدبية عربية, الحديث والمعاصر منها بالأخص, وهو مجال يعدّ إخفاقنا فيه مفجعا في القرن العشرين. كما لا بدّ من إحياء الحوار الثقافي العربي - الأوربي وتأكيد حتمية انتظامه وتوسيع هذا الحوار ليشمل الولايات المتحدة الأمريكية. ولا تكتمل الخطة من دون تنظيم ندوات حوار إسلامي - مسيحي, على أسس ثقافية وحضارية وأخلاقية, لا عقائدية, تفنيدا للزعم الاستشراقي بأن الإسلام يهدد المسيحية ويسعى لمنافستها, وردّا على السعي اليهودي في اجتماعات الحوار اليهودي - المسيحي إلى تشكيل جبهة دينية حضارية, مشتركة مع الغرب معادية للإسلام. كما لا يمكن للخطة إغفال شبكات المعلومات (الإنترنت) التي يقدّر أن يصل عدد روّادها عام 2004 إلى ثمانمائة مليون, والتي تستغلها اليوم إسرائيل بشكل واسع لتشويه صورة العرب والإسلام, في ضوء وجود عربي ضعيف جدا وغيرمنظم على الشبكة العالمية. إن الأحداث الخطيرة التي يعيشها العالم اليوم وانعكاساتها المأساوية على أمتنا العربية لا بدّ أن توقظنا إلى حقيقة المأزق الحضاري والوجودي الذي نعيش فيه في تاريخنا الحديث وإلى حتمية تجاوز المعوّقات التي أجهضت مساعي النهضة العربية المرجوّة في القرن العشرين. واليوم تزداد التحديات التي تواجهها الأمة العربية وتستجدّ في مطلع الألفية الثالثة مما يستدعي الاستجابة الصحيحة في إطار من التكافل العربي والتكامل القومي والعمل المشترك, استجابة تحقق لأمتنا العربية العريقة حضورا فاعلا في مستقبل إنساني ترسم ملامحه الشعوب الحية وقد أشار المؤرخ برستد إلى أن الكنعانيين عرفوا ظروفاً سكنية متطورة تدل على مستوى من الحضارة. وبرزت على سطح الأزمة الاقتصادية الكوبية العديد من المشكلات, في مقدمتها توقف المعونات السوفييتية السخية لكوبا, مما جعلها لأول مرة تستشعر خطورة الحصار التجاري الأمريكي المفروض عليها منذ عام 1961, خاصة مع تفرد واشنطن بقيادة العالم, وتراجع أسعار السكر وهي السلعة الرئيسية التي تصدرها كوبا إلى العالم, مما أدى إلى إغلاق 71 مصنعا بصورة نهائية من أصل 155 وتحويل 7 مصانع إلى متاحف, وتدهور قطاع السياحة بعد أحداث 11 سبتمبر أجبر الدولة على إغلاق 112 ألف غرفة من أصل 136 ألف غرفة فندقية متوافرة في كوبا أواخر عام 2002, وتعثر قطاع الزراعة وبروز أزمة غذاء, وأخيرا إعصار ميتشل الذي كبد ميزانية الدولة ما يقارب الملياري دولار. وقد تميزت هذه المرحلة الصعبة بتنفيذ إصلاحات اقتصادية - خاصة أنها لم تأخذ بالنموذجين الروسي والصيني, واعتمدت على تنشيط قطاع السياحة وتقليص الإنفاق الحكومي على الآلة العسكرية وتخفيض الجيش من 300 ألف جندي إلى 50 ألفا فقط, وتشريع تداول الدولار الأمريكي, والسماح بقيام المشروعات المشتركة بين الدولة ومستثمرين من الخارج, واعتماد نظام توزيع الحصص لمواجهة أزمة الغذاء كما سمحت السلطات الكوبية بزراعة حدائق المدن بمحاصيل مثمرة وإنشاء تعاونيات زراعية يبيع الفلاحون إنتاجهم منها مباشرة دون وسيط, وفي خط مواز لهذه الإصلاحات كثفت الحكومة الكوبية اهتمامها بالخدمات الاجتماعية (التعليم والخدمات الصحية المجانية) لتصل إلى مستوى مدرس لكل 12 طالبا و5.3 طبيب لكل 1000 مواطن, كما جاهدت في تجميد البطالة عند حدودها الدنيا, والوقوف ضد ارتفاع أسعار المواد الغذائية. حديث المستقبل أسئلة كثيرة تدفع نفسها إلى الذهن حول كوبا وأنت تغادرها, أصعبها يتمحور حول مستقبل الجزيرة الصغيرة بعد رحيل كاسترو? ومصير نظامها الاشتراكي ? وبإمكان أي شخص في كوبا الإجابة عن هذين السؤالين بسهولة فموضوع الخلافة حسم منذ عام 1977 لصالح راءول الأخ الأصغر للرئيس كاسترو وهو القائد العام للقوات المسلحة, وأما السؤال عن مصير الاشتراكية ففي أواخر يونيو 2002 وافق البرلمان الكوبي بأعضائه الستمائة على تعديل دستوري يدرج الاشتراكية في الدستور الكوبي بصورة (لا رجعة عنها), ولضخ الدماء الجديدة في الحزب الشيوعي الكوبي الحاكم تمت في السنوات الأخيرة تغييرات بمباركة الرئيس  مكنت القيادات والكوادر الحزبية الشابة من الوصول لمراكز اتخاذ القرار, ومناقشة المواضيع الحساسة المتعلقة بمستقبل الاشتراكية في كوبا وقدرتها على الصمود في عالم رأسمالي ليبرالي. وهم أول من بدأ تنظيم الدولة, المدينة, وكانت لهم لغتهم المكتوبة وديانتهم الخاصة. حيث كان لكل مدينة آلهة خاصة بها يرمز إليها.
أهم هذه الآلهة: بعل, دجون, عنات, ولكل من هذه الآلهة وظيفة بجسدها على الأرض. إن تخصص وطائفية الآلهة وتكريسها عزز موقع الآلهة في العبادة كما أسس للنزوع نحو التوحيد (أي عبادة الإله الواحد) وهي الخاصية المميزة للديانات السماوية اليهودية والمسيحية والإسلام.
الإله دجون: يجسد البحر ويحمي الصيادين.
الإله بعل: يرمز إلى القوى الطبيعية ويحمي المزارعين.
الإلهة عنات: آلهة الخصب الأرضي والحب وهي تتماثل في وظيفتها مع عشتار آلهة الأكاديين وعشتروت آلهة الفينيقيين.
مع نهاية الألف الثاني ظهرت القبائل الخبرية السامية, والتي انطلقت منها القومية اليهودية القديمة في المنطقة الواقعة ما بين طبريا والبحر الميت, تمكنت هذه القبائل من التغلب على السكان الأصليين وإقامة المملكة الإسرائيلية عام 1025ق.م. التي عمرت نحو 72 عاماً فقط. فملوكها شاوول, داود, سليمان, طمحوا إلى إنشاء دولة مركزية قوية. ولكن بعد موت الملك سليمان انقسمت المملكة إلى جزأين: المملكة الإسرائيلية في الشمال واليهودية في الجنوب تركت كل منهما آثاراً معمارية نذكر منها: بقايا قصر الملك أصاف في الضفة الغربية لنهر الأردن بأسلوب معماري خاص تزيّنه نقوش محفورة على واجهته ومطعمة بالعاج, وتمثل صور مخلوقات خرافية, أما الفنون اليدوية فتعكس تأثير الفنين البابلي والمصري (أقراص الشمس المجنحة أبو الهول, زهرة اللوتس).
تم القضاء على دولة إسرائيل من قبل الآشوريين عام 722 ق.م. وأخذ معظم سكانها أسرى إلى آشور في عام 586 ق.م. قام نبوخذنصر ملك البابليين باحتلال الدولة اليهودية وتدمير مدينة القدس, وقد تم تهجير اليهود إلى بابل وهرب قسم منهم إلى مصر.
في عام 539 ق.م. ضم الملك الفارسي قوروش فلسطين إلى مملكته.
وقد وقعت فلسطين تحت تأثير ثقافات عدة أهمها اليونانية بعناصرها الهيلينية بعد احتلال الإسكندر المقدوني لها عام 332 ق.م.
اندمجت العناصر الهيلينية بالتراث الثقافي الفلسطيني فأعملت أسلوباً مميزاً أطلق عليه اسم (الأسلوب الهيليني السوري) في فنون العمارة والنحت في العصر الروماني (37 ق.م. -324 م.) دخلت فلسطين في دائرة السلطة والثقافة الرومانية, ومن أهم آثار الحقبة اليونانية, الرومانية المسرح الروماني في بيت شين, وبقايا السلم المؤدي إلى معبد أغسطس في الضفة الغربية.
ومما زاد الطين بلة بروز أنواع مختلفة من الأيديولوجيات المتنكرة لمفاهيم القومية الحديثة التي على أساسها تم تطور النظام الدولي منذ القرن التاسع عشر والتي اعتمدها فكر النهضة العربية, وهي أصبحت تنادي بتفضيل الرابط الديني على الرابط القومي الحديث, أو في بعض الأحيان ترفض فكرة الرابط القومي, أو تخلط بينه وبين الانتماء إلى الديانة الإسلامية وتؤمن بواجب تضامن الدول الإسلامية وترى فيه فوائد كبرى بغض النظر عن اختلاف الهويات القومية, العرقية واللغوية, التي تفرق طبيعيا بين هذه الدول. ورأت هذه التيارات أن التضامن الإسلامي هو بديل أفضل للتضامن العربي المفقود. هل هناك هوية عربية? أصبح العالم يجهل حقيقة الهوية العربية في النظام الدولي وأصبح لا يفهم هدف الدول العربية في هذا النظام, بين هدف أممي إسلامي لجمع كل الدول الإسلامية في كتلة واحدة داخل النظام الدولي, وبين أهداف القومية العربية المشروعة مثل الدفاع المشترك عن فلسطين والدفاع عن اللغة العربية والثقافة العربية وموقعها في النظام الدولي. وأصبح يستحيل على العالم أن يفرق بين العربي والإيراني والباكستاني والتركي, فالهوية الإسلامية طغت على الهوية العربية, في نظر الكثير من العرب إلى ذاتهم وفي نظر الآخرين للعرب.وهذا التضامن الإسلامي لم يمنع الخلافات الحادة باسم الإسلام بين الدول الإسلامية وداخل بعض الدول العربية, كما أن تسخير الشعور الديني هذا في محاربة الشيوعية والجيش السوفييتي في أفغانستان ثم في البوسنة والشيشان وكوسوفا باسم الرابطة الدينية لم يكسبنا الصداقة الأمريكية الحقيقية وقد أدى إلى خسارة صداقة الشعب الروسي. وقد انخرطت أعداد مهمة من الشباب العرب في كل هذه الحروب غير العربية, بينما كانت لا تزال فلسطين وجنوب لبنان والجولان تعاني تحت الاحتلال الإسرائيلي الغاشم معاناة جسيمة. والحقيقة في الأمر أننا كعرب لم يفارقنا هاجس الهوية منذ بداية انهيار السلطنة العثمانية حيث فقدنا نظام الحكم الذي كان يجمع بيننا ويبقي الحدود مفتوحة بين المقاطعات العربية المختلفة للسلطنة. سجلت هذه المرحلة ثلاث انتفاضات للشعب اليهودي ضد المقدونيين والرومان. وقد تم عام 137 القضاء على انتفاضة بار - كوهبي وجرى تشتيت اليهود في مصر وإيران وشبه الجزيرة العربية وآسيا الوسطى حتى حدود نهر الرين. عندها أقفرت أرض فلسطين لفترة طويلة وسكنتها قبائل عربية بعد مدة.
بعد الاعتراف بالدين المسيحي ديناً رسمياً للإمبراطورية الرومانية (بناء على صك ميلانو عام 313) كانت فلسطين تابعة لممتلكاتها. ومن ثم انتقلت إلى ممتلكات الدولة البيزنطية عام 324م. وقد عرفت ازدهاراً كبيراً في فن العمارة المسيحية البيزنطية (بناء الكنائس والأديرة البازيليك) وغدت مدينة القدس مدينة مقدسة يؤمها الحجاج المسيحيون من كل صوب وقد شملها الإمبراطور قسطنطين العظيم ووالدته هيلانة التي ساهمت ببناء عدة كنائس أهمها كنيسة القيامة وكنيسة المهد في بيت لحم, ونذكر أهم الكنائس التي بنيت في هذه الحقبة كنيسة عين الحنية (قرب بيت صفار) كنيسة خربة اسيد (قرب بيت اوما), كنيسة تل حسان (بالقرب من أريحا) وقد تميزت العمارة البيزنطية في فلسطين بالفسيفساء التي تزين الجدران وأرض الأبنية الدينية والمدنية مع بقاء بعض الرموز والصور الوثنية المحلية فيها.
الفتح الإسلامي
مع الفتح الإسلامي عام 637 لسوريا ومصر وإيران, توصل بطريرك القدس إلى اتفاق مع خليفة المسلمين عمر بن الخطاب حول تسليم القدس مقابل حماية المنشآت المقدسة بها.
أنشأ المسلمون في منطقة فلسطين العديد من المساجد والقصور, أهمها المسجد الأقصى المثمن الأضلاع (يعود بناؤه إلى القرن السابع الميلادي) وقبته الشهيرة القائمة على اثني عشر عموداً وزين جدرانه من الداخل بالفسيفساء والزخرفة والحروفية الإسلامية. ومسجد قبة الصخرة وقصر خربة المفجر (قرب أريحا) الذي يحتوي على رسوم وزخرفة فريدة وتزين الفسيفساء أرضه.
كان لسقوط القدس بأيدي الصليبيين عام 1099 وحتى عام 1187 بعد أن حررها صلاح الدين الأيوبي أثر في تغلغل الأساليب المعمارية, القوطية والرومانسكية الأوربية في بناء الكنائس والقلاع والأديرة والقصور من أهمها كنيسة قبر السيد المسيح في القدس.
لم تعرف فلسطين نهضة فنية أو عمرانية طيلة حكم الدولة العثمانية لها من عام 1516 حتى 1919, بل كانت مسرحاً لحروب دامية داخلية وخارجية, وكانت تالياً عرضة للتوغل الاستشراقي الأوربي - الأمريكي بوصفها أرض التوراة والإنجيل, وقد مهّد الاستشراق الفلسطيني لكشف الصورة الحضارية القديمة والحديثة بغية السيطرة عليها وتأمين موقع قدم للغرب في أرض الديانات السماوية.
وبالرغم من قيام منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها التي تعنى بشئون التراث والفنون, فإن علم الآثار الفلسطيني مازال في يد الباحثين الغربيين والإسرائيليين, حيث نحتاج اليوم إلى تحرير هذا الحقل المعرفي بإعادة بلورة الوقائع التاريخية الفلسطينية وصيانة المواقع الأثرية فيها التي تحاول إسرائيل هدمها أو التعتيم عليها بغية إبراز الوجه التوراتي فقط. لقد توغل الفكر الاستيطاني - الصهيوني عبر الاستشراق الفلسطيني وعلم الآثار, ولابد من إعادة صياغة سياسة ثقافية عربية تدعم تطوير علم الآثار الفلسطيني وقيام شبكة متاحف عربية ترصد التشويه الإسرائيلي للتاريخ وتبرز الحق العربي الفلسطيني في الوجود والأرض والدولة.
وتصدر الكتب العلمية حول تاريخ الفن الفلسطيني الموضوعي باللغة العربية واللغة الأجنبية بغية نشر الوعي القومي - المعرفي جنباً إلى جنب مع النضال الفلسطيني في الداخل.
