في زمان معين .. وفي مكان محدد .. نظر إلى ساعته بعد أن رمى بثقله على إحدى المقاعد الخشبية المتناثرة على كورنيش البحيرة الهادئة ..الوقت متأخر وهو غير راغب بالتحرك من مكانه .. بخطوات بطيئة ثقيلة .. اقترب منه رجل كبير في السن وجلس بجواره .. لفت انتباه الرجل حين طرد زفيرا قويا من أعماقه فسأله " أراك تجلس متعبا .. هل تمشي كنوع من الرياضة؟؟"
أجاب بلا تردد دون أن يكلف نفسه عناء النظر إلى محدثه " لا .. أمشي لأنسى همومي .. لأنسى أنني موجود "
نظر إليه الرجل الأشيب قائلا " لم كل هذا التشاؤم .. لا تزال شابا وتنظر إلى الحياة بهذا المنظار الأسود "
أجابه الشاب " أنا لا أشكو من الحياة .. بل ممن يعيشون فيها .. من الناس .. من الأهل .. والأقارب والأصدقاء .. الجميع بلا استثناء "
ضحك محدثه بملء فيه قائلا " الأقارب .. الأصدقاء هم سندك في هذه الحياة .. والأهل هم أساس وجودك .. فكيف تشكو منهم ؟"
أجابه بانفعال واضح " لا تقل أهل وأقارب .. بل عقارب "
انكمش الآخر في مكانه متقززا " أعوذ بالله .. استغفر ربك "
التفت إليه الشاب بكامل جسده .. حدجه بنظرة غريبة قائلا " أنت لا تعلم شيئا .. فلا تحكم عن جهل "
أحس الرجل أن هناك أمرا في نفس الشاب " أخبرني .. إن كنت لا تمانع .. ما الذي يملأ نفسك غضبا ؟"
استند الشاب إلى ظهر المقعد .. وحدق ببصره في الفضاء " أمور كثيرة حدثت .. وكنت أتجاوزها .. ولكن هذه المرة .. لم يعد بإمكاني التحمل أكثر "
سكت الآخر منصتا فأكمل الشاب " لا يمكنني التحمل حين رأيت أحد أصدقائي قد أشاح بوجهه بعيدا عني في إحدى الأمسيات .. دنوت منه " ما بك يا صديقي ؟"
أجابني باقتضاب " لاشيء .. ظروف المنزل .. والعمل والحياة " دنوت منه أكثر " لا يا صديقي .. الأمر يبدو أدهى وأمر .. بالله عليك أخبرني "
فأجابني بكل جفاء " لو سمحت .. ابتعد عني .. انتهى ما كان بيننا من أمر المودة والصداقة "
تركني مذهولا وغادر المكان دون أن يضيف كلمة أخرى "
قاطعه الرجل الأشيب " وهل تركته يذهب دون أن تستفسر منه لتفهم خبايا المشكلة ؟"
أجاب الشاب " لا.. لم أترك الأمر يمر بسهولة .. أتريدني أن أخسر أعز أصدقائي بكل بساطة .. المهم .. سألت أحد الأصدقاء ..أتعرف ما قال لي ؟؟"
هز الرجل رأسه نافيا ومشجعا الآخر على الاستمرار في الحديث " أتصدق أن أحد أقاربي .. وهو صديق مشترك .. نقل عني حديثا لم أقله إلى صديقي هذا .. حديثا زعم أني تفوهت به عن أهله بصورة تخدش الحياء "
فقاطعه الرجل " حسنا .. الأمر بسيط .. اجمعهما وواجه الكاذب أمام صديقك "
نظر إليه الشاب وابتسامة باهتة على وجهه " أو تظنني لم أفعل ذلك ؟؟.. جمعتهما في مكان واحد .. وكنت أنا الثالث .. قريبي .. كان كالأفعى .. يدور .. يدور . وفي كل مرة يغير جلده .. يكذب كذبة جديدة ليرقع بها كذبة قديمة .. نظرت إليه .. أحسسته عاريا أمامي إلا من رقع صغيرة من الكذب تكشف أكثر مما تستر .. كرهته .. بصقته من حياتي "
فقال الرجل الأشيب " نعم ما فعلت .. إنسان حقير كهذا من الأفضل أن تبتعد عنه لتعيش سعيدا .. إن جاورته ستكون حياتك مرقعة بالكذب كحياته .. ولكن .. يا بني .. هذا واحد من كل .. ولا أظن أن الجميع مثله "
أجابه الشاب وعيناه تتابع الأمواج التي كونها قارب عابر " الجميع .. طبول تمشي .. أصواتها عالية .. وأشكالها جميلة .. وفراغ قاتل في المضمون .. عقول تافهة علاها الصدأ .. وتآكل كل ما غطاه الصدأ"
التفت إلى الرجل الأشيب قائلا " أو تظن أن الأمر عاد كما كان ...أن علاقتي بصديقي ستكون كعهدها السابق ...للأسف ..لم ولن يحدث هذا أبدا "
قال الرجل وهو ينهض من مكانه " يكفي ما سمعته .. يكفي "
قالها وابتعد عن الشاب تاركا إياه يندب حظه الذي رماه في جوف هذا الزمن .
* * *
* * *
* * *
في زمان معين .. وفي مكان محدد .. نظر إلى ساعته .. ثم نظر إلى والده المشدود إلى الفيلم الذي يعرضه جهاز الفيديو .. فيلم أجنبي .. كله حركات بهلوانية وإطلاق نار ودماء ودمار .. مما جعل والده يجلس كالتمثال أمام الجهاز .. نظر إليه في صمت .. يمكن لأي شخص أن يعرف أحداث الفيلم من حركاته وملامح وجهه .. أقترب من الشواهد و القبور و أنام على الأسمنت السميك تحت الضوء و الظلمة المختلطة - كدت أذهب إليها الآن بنفسي .أحسست بحميمية إلى المقبرة : أشعر بالندى المحمول على نبات ظاهر بين القبور , فهو يجلس على حافة المقعد ويضم يديه متوترا قلقا حين يقع البطل في الأسر .. أو يتعرض للضرب من قبل الأعداء .. أما إذا بدت السعادة على ملامحه .. يكون البطل قد داهم الأعداء .. أو لم يرم بكامل أسلحته .. وحين يحرك يديه في الفراغ .. فهذا يعني أنه يطلب من البطل أن يضرب الأعداء هكذا وهكذا .. أما إن استند إلى ظهر المقعد ونظر إلى الفراغ بوجوم .. فهي إشارة أن الفيلم انتهى .
زاغت عيناه وهو يراقب والده .. تملكه الضيق .. فقال " إلى متى ستظل هكذا يا أبي ؟"
بعد فترة صمت أجابه " وما المطلوب مني فعله .. ولم أفعله ؟"
أجاب الابن " أريدك أن تحدثني.. أتيت لزيارتك .. منذ أكثر من ساعة وأنت غير مكترث بي .. يساعدها في ذلك الدخان الكثيف الذي كان يتدفق بأمرها من باطن الأرض - وفرشاة ألوان غريبة تمسكها بكلتا يديها . أشبه بمفتاح كبير: كانت الصغيرة بارعة وهي تجرب شيئاً من سحر جدها على جسدي في نفس الغرفة الزجاجية ,! تمكن مني حلم الرجل العجوز وحفيدته الى الدرجة التي أتقن فيها خداعي وصدقت بأنني مستيقظ ،؛اكتشفت بأنني مازلت نائماً . تتجاهلني بمتابعة الفيلم"
فقال العجوز متهكما " اعذرني إن نسيت أن أقف لك احتراما "
أجابه متضايقا " يا أبي .. أتيت لزيارتك .. فلم تعاملني .."
قاطعه الأب " أتيت برغبتك .. أم بعد اتصال المشرفين بك .. لعدة مرات .. لعدة أشهر "
أجاب متلعثما " كنت .. مشغولا .. أعمالي .. سفراتي .. البيت .. والأولاد .. و .. "
سكت الابن ونظر إليه الأب " هه .. حسنا .. وماذا بعد .. هل نسيت باقي الأعذار "
سكت الأب بعد أن نظر إلى ابنه بعتاب .. لم يكن له .. بل للزمن .. سكت الابن .. طالت فترة الصمت وخلال ذلك امتدت يد ووضعت فيلما جديدا في جهاز الفيديو .. وعاد الأب كالتمثال أمام الجهاز .. نظر الابن حوله .. يتلفت حوله .. فقد يكون هناك من لاحظ الموقف أو انتبه لما حدث .. لم يجد من يبالي .. فبعضهم يلعب الدومينة .. والبعض الآخر يتحدث في موضوعات تافهة .
* * *
**
في زمان معين وفي مكان محدد .. نظر إلى ساعته .. ساعة جميلة كلفته خمسة دراهم .. -حين خرجت من سور المدرسة تطلعت إلى الشوارع والبيوت. رأيت سيارات كثيرة ولم أر أحداً يمشي: أعلم تماماً أن لها أبواباً يدخل الناس منها ويخرجون, رأيت البيوت ولم أر أبوابها! ولكن أسواراً عالية تحيط المنازل. أعجبته كثيرا حين رآها في المحل بشكلها المغمور في الماء " خمسة دراهم " رددها للبائع بدهشة " أتقول خمسة دراهم ؟"
وبينما هو غارق في التفكير .. يتأمل ساعته الثمينة .. سمع حوله حركة وجلبة .. تلفت حوله " أوه سيارة فارهة "
تراكض الصبية إلى السيارة .. تحلقوا حول قائدها .. كل يحمل كرتونا على رأسه عسى أن يطلب منه أحد أن يحمل له مما يباع في السوق .
لم يتحرك من مكانه .. فقد سبقه أقرانه وأختار الرجل واحدا منهم وعاد البقية خائبين .. ينتظرون سيارة أخرى .
بعد انتظار قصير توقفت بجانبه سيارة نزلت منها سيدة يرافقها طفل في مثل عمره .. جرى إليها .. نظرت إليه باشمئزاز قائلة " اتبعني " وكما طلبت .. تبعها .. عيناه لا تفارقان الطفل الأنيق .. ملابسه .. رائحة عطره .. شعره المصفف .. •• أخبرته بكل شيء -. ماذا : •• , أوه •• أمي •• أنت لا تقدّرين تعبي النفسي •• ولا تعرفين ما أشعر به •• ! أنا أعرفك جيداً •• حاولي أن تساعديني ولا تتهربي •• لماذا هذا التراجع •• والدك غاضب عليك وقد هدّأته بصعوبة شديدة وأقنعته أن يترك لي مسألة تدبير أمورك وإقناعك بالعودة إلى حياتك العادية •• ، أخبرت والدك بكل شيء •• ؛•• أنت حتى الآن لم تذهبي المدرسة •• أجيبي •• هل أنت ابنتي أم أنت أخرى لا أعرفها •• هل يُعقل أنك تهملين الذهاب إلى المدرسة بينما العام الدراسي على وشك الانتهاء؟ بنفسها -.: أمي •• هل هو نفس الموضوع•• أرجوك أنا لم أنم البارحة•• ,! ألا يعنيك موقفنا •• أبوك وما هو عليه من قلق وتوتر •• وأنا وما أعانيه •• ابنتي •• أرجوك •• إنني وأنت في غرفة واحدة ووالدك ينتظر أن أخبره بأي تفسير لما أنت عليه •• أخبريني ما الذي يشغلك •• هل تعانين من مشكلة •• لقد تراجعت كثيراً في دراستك •• مديرة المدرسة ، أي حياة عادية يا أمي •• اتركيني الآن •• ؛ أنا حائرة وقلقة وأنت لا تعبئين بشيء •• ما الذي حلّ بكِ. لاحت منه التفاتة إلى زجاج إحدى المحلات ..نظر إلى نفسه " ما هذه الملابس الرثة ؟؟.. لا هي قصيرة ولا هي طويلة .. محجوزة بين الركبة والقدم " نظر إلى أقدامه الحافية " حتى ساقاي كأنهما عودا قصب .. شعري الأغبر الأشعث .. وهذا الكرتون على رأسي .. "
تنهد بعمق حزنا على نفسه .. وبينما هو غارق في تأملاته وحسرته أحس فجأة أن الكرتون ازداد وزنه وانتبه إلى أن السيدة تضع حوائجا اشترتها .. زاد من همته وقوته حتى لا يقع الكرتون عن رأسه .. نظرت إليه السيدة باحتقار قائلة " اتبعني"
وكما طلبت .. عاد يتبعها .. توقفت أمام بائع الخضار وطلبت الكثير .. الكثير الذي سيحمله هو .. وضع البائع الأكياس في الكرتون الذي أصبح ثقيلا .. ولم ينس أن ينهره ليحمل الكرتون بعناية .. أصبحت رقبته كوتد مغروز بين كتفيه يكاد أن يقع في جوفه .. نظر إلى الطفل الأنيق .. تحامل على نفسه ورسم ابتسامة لم يهتم بها قرينه بل تناول كيسا من البائع .. حمله ومشى بجوار أمه .
بعد عدة خطوات انتبهت هي .. ونظرت إلى طفلها " أوه .. ماما .. حبيبي .. لا .. هذا ثقيل عليك .. أنت لا تستطيع حمله "
أخذت منه الكيس ورمته في الكرتون .. على رأس حامل الأثقال .. ضمت ابنها إلى صدرها فخورة " سيفرح بابا حين يعرف أنك تساعد ماما "
ابتهج الطفل ومشى مغرورا بجوار أمه بينما الآخر يكاد أن يختنق تحت الكرتون لولا أن وصلت السيدة إلى سيارتها .. ورمى بحمله في الصندوق الخلفي .
نقدته ورقة من فئة الخمس وهي تحاذر أن تلمسه.. دس الورقة في جيبه وجرى .. جرى بعيدا عن السيدة والطفل .. جلس في إحدى الزوايا البعيدة .. لم يعد يتأمل ساعته .. بل كان يفكر في أمه .. ومتى كانت آخر مرة ضمته إلى صدرها .
