هذه طائفة من الحكايات التي ابتدعتها مخيلة واحد من أثرى شعوب الأرض تجربة وأكثرها معاناة, أعني الأفرو أمريكيين, أو الأفارقة الأمريكيين الذين اختطفهم مستعمرو العالم الجديد وأخذوهم عبيدا إلى تلك البقعة من الأرض التي نعرفها اليوم باسم أمريكا. هؤلاء الأفارقة الذين لم يتركوا في قارتهم الأم شيئا إلا وحملوه خبيئة في أرواحهم.. الموسيقى والإيقاع, الأوثان والأديان, الأساطير وحكايا الجدات, ومن هذا المزيج النادر صيغت حكايات وصممت رقصات وتطورت موسيقى وكان إسهام للإنسانية إليكم بعضا منه.
ابنة جوز الهند
ذات يومٍ, كانت هناك بلدة فيها شجر جوز الهند في كل مكان. لم يشعر أهلها قط بالجوع, فقد كان هناك دائما جوز الهند إن لم تكن المحاصيل الأخرى جاهزة للحصاد. وكان لملك هذه البلدة من شجر جوز الهند أكثر مما لأي أحد سواه, كما كان له سبع زوجات, ولكن أيا منهن لم تكن قادرة على الإنجاب.
كان الملك مهموما طوال الوقت بعدم وجود بنات له ولا بنين. ضغطت الجرس و أنا أقول لزوجتي : - سنحتفل هذه الليلة في هذه الغرفة الأنيقة الممتلئة بالسجاد و صور النساء الجميلات . فتحت زوجتي الراديو . و زارتنا الموسيقى هادئة ، ناعمة .. و تدفق شعور من الفرح في عينيها . رأيتها تستدير إلي ، بفستانها الأسود مكشوف الكتفين ، و في شعرها الفاحم وردة صفراء . كانت في غاية الجمال . و قالت و هي تزيح شعرها فتظهر عياناها النجلاوان بكل طلاوتهما الشهية . - كما تشاء .. كل مكان أنت فيه جنة . و جاءت و طوقتني . أنعشتني العطور الباذخة . قالت : - لن أخلع فستان السهرة .. - ليكن .. سأرتدي أنا البدلة .. بدلة الزواج .. و من يدري .. قد نخرج فجأة آخر الليل و نتجول في المدينة ، و لا نعود إلا في الصباح . هذه المدينة لا تنام . تسهر و تزدان بالأضواء و تعمها الحركة . و يرتاد العشاق حدائقها ، ومقاهيها .. مدينة صاخبة للمتزوجين و العشاق .. و العابثين في الحياة .. و سمعت طرقاً بالباب فقلت : - النادل ؟ فتحت الباب ، ودخل النادل و أخرج دفتراً من جيبه : - ماذا تطلبين يا بشرى ؟ - كأساً من الحليب .. - و أنا أريد بيرة مثلجة .. بشرى إبراهيم : دخل زوجي صلاح الحمام . كنت أسمع صوت الماء و الموسيقى الهادئة . دفعني اللاشعور إلى الستارة . عجبت كيف غفلت عنها كل هذا الوقت . فتحت الستارة و رأيت المقبرة . شواهد قبور صامتة و ناتئة ، قبباً كثيرة داكنة . و كلاباً تجوس بين الضوء الذي يكشف عن جوانب من شواهد القبور . وكان يسأل نفسه ويكثر من سؤالها (من سيحكم المملكة بعد رحيلي?).
وذات عام, جاء محصول جوز الهند وفيرا بصورة ملحوظة. فعصر خدم الملك نصيبه منه لاستخلاص الزيت, وملأوا به صهريجا كبيرا. لم ير الملك صهريجه بمثل هذا الامتلاء قط, ولكنه لم يكن سعيدا. فقد كان محصول كل عام ينصرم يذكره بأنه يكبر وأنه بلا وريث.
ساجداً على الأرض جنب الصهريج, أخذ الملك يدعو أن يوهب طفلا. وراعه أن يسمع من الصهريج صوتا.
(أبي, ساعدني أخرج من هذا الصهريج, إنني ابنتك).
رفع الملك رأسه فرأى فتاة جميلة الملبس وادعة العينين قذفت بسمتها في قلبه السرور. لقد تحول الزيت إلى هذه الفتاة. ولم تتبق منه قطرة ولكن الملك لم يكترث وسماها نياراجي أي (الجميلة). وخصص لها الخادمات يقدمن لها الطعام لتأكل ويرعينها. وبنى رجال الملك لها منزلا, ولكن الملك نهاهم عن بناء مدفأة فيه. نياراجي مخلوق من الزيتون كان الملك يخشى أن تهلك لو تعرضت للنار. كانت نياراجي ابنة مثالية فتن بها كل من عرفها, وعرف الشعب أن المملكة ستكون بين أيد أمينة حتى بعد رحيل ملكهم الحبيب.
وجاء الشتاء, وكان الملك في رحلة, والبرد قارساً في القرية. وكل واحد لديه نار إلا نياراجي التي لم تفلح أفضل أثوابها في منحها الدفء اللازم. ورغم أن الملك قال لها ألا تقرب النار إلا أنها فكرت أنه لا ضرر من الاقتراب من نار قليلة, للاستدفاء ولو قليلا. لم تكن الخادمات ساهرات عليها. كن متحلقات كل واحدة جنب نارها. كانت نياراجي تعرف أن في المطبخ دائما ناراً قليلة, حتى وهو خالٍ في آخر الليل. تسللت إلى المطبخ وأقبلت على دفء النار. أخذت تقترب قليلا قليلا من النار وهي تقول لنفسها إنها لن تضرها. هبّ الملك من نومه مفزوعا شاعرا أن خطرا يحيق بابنته فهرع ورجاله عائدين إلى القرية بأسرع ما استطاعوا, ونياراجي لم تُرَ بعد ذلك أبدا.
لماذا يطير الخفاش ليلاً?
منذ زمن بعيد, لا يذكر أحدٌ لماذا نشبت حرب بين الحيوانات والطيور. لم يستطع الخفاش أن يقرر إلى أي فريق ينضم. وفيما كان الخفاش يراقب, بدا أن الطيور في طريقها إلى النصر, فطار باتجاه جانب الطيور.
سألته الطيور (ماذا تفعل هنا? إنك لست طائراً), قال الخفاش (ألا ترون جناحيَّ?) فَقَبِلته الطيور. ولسوء حظ الخفاش, كانت الطيور تتعرض لخدعة من الحيوانات. وفازت الحيوانات بالمعركة. طار الخفاش إلى حيث كانت الحيوانات.
سألته الحيوانات (ماذا تفعل هنا? إنك لست حيواناً). صوت المخرج: (محتجا) تكتب سيناريو لأول مرة وتبدأ في التنظير.. ومتى؟.. في الوقت الذي تغطي بقعة الزيت أجساد الناس في الخليج!.. الكاتب: (مبتسما بانتصار) هذا هو الفرق بيني وبينه، أنا أطمح الى عمل فني يتجاوز الأحداث، لا يتكئ عليها. صوت المخرج: (مقاطعا) اللعنة.. الكاتب: (مستطردا) حتى العنوان، كنت أفضل أن يكون" عندما يبلغ الزيت الزبى".. ولكن المخرج أصر على العنوان الآخر.. كما إنني كنت أتوق كثيرا الى أن أختم هذا العمل بمشهد لرجل بحر عجوز يجلس عند الشاطئ ينظر بحسرة، ويرفض الانضمام الى الطابور الطويل وهجر الوطن، ومشهد آخر لفلاح يسند ظهره الى جذع نخلة محروقة ويرفض أن يترك أرضه.. كل ذلك كان مدار خلاف ونقاش.. كان المخرج يصر على أن هذا كله قد يصلح للقصص ولكنه بالتأكيد لا يصلح لمشاهد سيناريو، أصارحكم القول: إنني آسف.. آسف جدا لأنني اشتركت في هذا العمل.. صوت المخرج (غاضبا، مقاطعا) اللعنة ألف مرة.. ستوب. الكاتب (مواصلا حديثه الذي لا يسمع الآن. فيما بدا السائل الأسود يملأ الشاشة من أسفل، رويدا رويدا، ليخفي صورة الكاتب في النهاية). ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------ * حقل نوروز حقل نفط بحري إيراني في الخليج العربي قصف خلال الحرب العراقية الإيرانية مما هدد المنطقة بتلوث واسع . قام أمين صالح بإعداد سهرة تلفزيونية من وحي وأجواء هذا النص وأخرجها لتلفزيون البحرين عبد الله يوسف . قال الخفاش (ألا ترون أسناني?), وفتح فمه ليظهر أنيابه. ولكن الحيوانات طردته. ربما رأته بعض الحيوانات مع الطيور. ورأته الطيور عائدا من عند الحيوانات فلم يسمحوا له بالرجوع.
لا أحد اليوم يرحب بالخفاش. ولا يزال يختبئ عن العيون نهاراً, ولا يطير إلا حينما يخفيه الظلام.

لماذا تعيش الشمس دائماً في السماء?
كان البحر يعيش دائما في المنخفضات, كالوديان مثلا, ولكن الشمس لم تكن تعيش في السماء, وإنما على قمة جبل كانت تعيش. وكانت والبحر صديقين حميمين. تنزل الشمس من بيتها لزيارة البحر وكانا يستمتعان دائما بالأوقات التي يقضيانها معا. وكانت الشمس تدعو البحر لزيارة بيتها على قمة الجبل, ولكن البحر لم يكن يلبي الدعوة قط.
وبعد مدة حزنت وألمّ بها غضب قليل. فنادت على البحر قائلة (لماذا لا تجيء لتراني كما أراك? صحيح, أنت أكبر مني بكثير, ولكن ألا تظنني مضيافة? إن عندي طعاما وفيرا لك. وسوف أهيئ مكانا يسعك هنا على قمة الجبل).
أجابها البحر (يا صديقتي, أخشى أن أغرقك, إنني واسع وعميق. وإنني صديقك وأفضِّل أن أكون في خدمتك عن أن آتي بفعل قد يلحق بك الأذى).
أصرت الشمس أن يأتي البحر لزيارتها, ووافق البحر في النهاية. أخذت الشمس تراقب البحر يعلو حول الجبل. وسرعان ما أوشك البحر أن يغمر الجبل. ولكن الشمس كانت عزيزة النفس فلم تعترف بأن بيتها لا يمكن أن يشمله البحر, فتركت البحر يواصل صعوده. وسرعان ما غمر البحر جبل الشمس والجبال الأخرى, جميعا, وكان على الشمس - عزيزة النفس - أن تقفز إلى السماء التي لا يستطيع البحر أن يبلغها. عاد البحر إلى بيته, وبقيت الشمس في السماء. لم تعد إلى قمة الجبل.
الوليمة
قرر حاكم موسر ذات يوم أن يولم لشعبه وليمة. وبلغ نبأ الوليمة الجميع ومعه اليوم المحدد لإقامتها. وعُهد إلى كل أسرة بإحضار إناء من عرق البلح على سبيل فتح الشهية.
وفي يوم الوليمة, كان لدى الحاكم أنواع عديدة من الأطعمة. لم يسمع أحد بوليمة أضخم مما ستكون عليه هذه الوليمة. ولكن كان هناك رجل ليس لديه عرق ليحضره, فاقترحت عليه زوجته أن يشتري بعض العرق من صديق له لديه وفرة منه. لكنه - بدلا من ذلك - رأى أنه لو أحضر قنينة ماء بدلا من قنينة عرق, فلن يلاحظ أحد الفارق ما دامت كل القنينات سوف تُصَبُّ في صهريج كبير واحد. هكذا ذهبت الأسرة إلى الوليمة, وتوقف أفرادها في طريقهم عند ينبوع ملأوا منه قنينتهم بالماء.
وحين بلغوا مكان الوليمة رأى الرجل رتلاً من الناس يحمل كل منهم قنينته. اندرج في الرتل. وحين حان دوره, صب الماء في الصهريج الكبير الذي صب الجميع فيه عرقهم. (لن يلاحظ أحد الفارق. كيف لأي واحد أن يميز أن واحدة من الأواني كانت ممتلئة بالماء?).
جلس الجميع في مكانهم المحدد. وأُعطي كل منهم كأساً وأمر الحاكم بملء الكئوس. كان يوما حارا والناس متعطشين لعرق البلح البارد. وأخيرا أعطيت الإشارة ببدء الشرب. رشف الناس من كئوسهم, ونظروا نظرة, حائرة, ثم رشفوا رشفة ثانية. ثم عبس الحاكم.
لقد واتت الجميع الفكرة نفسها. توقفوا جميعا لدى الينبوع نفسه. إني لا أطيق غيابه في هذه الأيام القليلة فهل سأطيق وداعه أو فقدانه ؟ .. من أين لي بصوته الذي يخرج من قلبي قبل أن يخرج من فمه ؟ .. و من أين لي ببراءته و نزقه ؟ .. و من أين لي بأغانيه ؟ .. و من أين لي بمخلوق أياً كان يستطيع أن يقترب من روحي كما اقترب " سعود " ؟ .. و من أين لي بإنسان تقدر له الحياة و البهجة و الهافية و دهشة البراءة و الطفولة ؟ .. يقدر لي كل ذلك تبعاً لما يقدر لي أنا .. هل هو مني و أنا منه إلى هذا الحد دون أن أدري ؟! .. كان يردد بأنه يري صعود القمر في عيوني .. و قد غبت عنه الآن أكثر من ثلاثة أيام .. آه ما أفظعني .. ما أفظعني .. - 4 - دخلت " سعيدة " المستشفى كالمجنونة .. كل شيء أمامها يبدو مفزعا ً .. الأبواب .. الكراسي .. البشر .. الممرات .. العربات .. خطى سريعة ، و أنفاس تترقب النظر لشيء عزيز .. اقتربت من الغرفة رقم ( 13 ) دفعت الباب فوجدت السرير خالياً و لا أحد في الغرفة سوى صوت الماء في الحمام الداخلي .. خرجت منه الممرضة .. سألتها بسرعة : - هذه غرفة " سعود " ؟ - سعود نقل إلى العناية المركزة .. خفق قلبها و لم تستطع احتمال حالة الخوف .. فألقت بجسمها على الكرسي ، و التقطت أنفاسها .. و بعد لحظات قاومت خوفها و انطلقت بسرعة إلىموقع العناية المركزة .. ولم تُصب في صهريج الحاكم ولا قطرة من عرق البلح, ولكن كثير من مياه الينبوع.
قرعة الغيلم (1)
كان الغيلم معروفا بأنه أحكم الحيوانات. منذ الصباح حتى الآن وأنت على هذه الحال ، سيحين وقت الصلاة يا جدي . وما كدت أنتهي من كلامي حتى شق الفضاء نداء السماء وعلت كلمة الله أكبر . وبينما كنت استحث جدي ، وارتجي نزوله ، دخل أبي ، فتنفست الصعداء ، ( الحمدلله .. حضر أبي في الوقت المناسب ) ولكن صرخة قوية من جدي أفزعتنا ، وركضنا سراعًا نحوه ، وهو يصرخ : آه .. آه .. وكانت ( الآه ) منه طويلة ومبحوحة . ماذا حدث ؟ لقد أصابته السكين الحادة ، في اثنين من أصابعه ، وفار دمه ، صعد أبي حتى نصف السلم وهو يناديه بإشفاق : أبي .. أعطني يدك .. هيا .. ارفع أصابعك عاليًا وناولني يدك الأخرى . أمسك أبي بيد جدي ، هابطًا به إلى أسفل ، يحاول جاهدًا ألا يسمعه كلمة لوم .. أو عتاب . حاولت أن أعين أبي ، أن أقترب من جدي وأفعل شيئًا ، ولكني تسمرت في مكاني ، فمنعني إحساس الألم في عينيه وانعقاد حاجبيه وكلماته التي يرددها آنذاك : لا حول ولا قوة إلا بالله .. إنا لله .. إنا لله . بعد لحظات كان أبي ينطلق بجدي كالريح نحو المركز الصحي ، وبقيتْ جدتي تبكي في صمت ، التفتُّ صوبها ، ودمعة ساخنة تنحدر من عيني ولسان حالي يقول : مسكين جدي .. ترك عمتنا النخلة ، وفاتته الصلاة في المسجد . يحج إليه الزوار قاصدين حكمته, ويقدمون له الهبات والهدايا. وكان الغيلم من الحكمة بحيث كان يريد المزيد من الحكمة. فقرر أن يجمع حكمة الدنيا كلها ويحتفظ بها لنفسه في يقطينة عميقة أو قرعة, ويعلق القرعة على شجرة ليحفظها.
قضى الغيلم وقتا طويلا يجوب العالم جامعا كل ما يوجد من حكمة ويملأ بها قرعته. وحين لم يجد المزيد ربط القرعة حول عنقه وعثر على شجرة رأى أنه يستطيع أن يصعدها. وكلما حاول أن يصعد الشجرة كانت القرعة تحول بينه وبين جذع الشجرة فيسقط. حدث هذا مرات كثيرة.
مر رجل ورأى الغيلم. قال الرجل (لم لا تعلق القرعة على ظهرك, فلا تقف في طريقك?).
وفعل الغيلم, واستطاع أن يصعد الشجرة. وقبل أن يعلق القرعة في غصن, رأى كم كان أحمق, برغم كل ما لديه من حكمة في قرعته. وأدرك أن الرجل ما كان ليظهر حكمته, إلا إذا كان الغيلم قد ضل الطريق إلى بعض منها خلال سفراته.
يائسا من الحصول على الحكمة كلها, كسر الغيلم اليائس قرعته تاركاً الحكمة ترتد ثانية إلى الدنيا.
لماذا يوجد نهار وليل?
أتى على الناس حين من الدهر لم يكن فيه ليل أو نهار.ليس سوى ضوء يكفي ليرى الناس, ولكنه ضوء لا يتغير.
وفي ذلك الزمان, كانت هناك قرية كل نسائها لديهن أطفال إلا واحدة, كانت تريد أن تنجب بشدة, ولم يكن بيدها إلا أن ترنو إلى الزوجات الأخريات وهن ينجبن المزيد من الأطفال.
كن يغظنها ويشتمنها, ويقلن الواحدة للأخرى إنها لا بد شريرة. ويقلن لها في وجهها وهي تبكي (لا بد أنك امرأة فظيعة لتنالي مثل هذا العقاب). أما هي فكانت تعرف أنها ليست أسوأ من سواها.
وأخيراً, سمعت عن مداوٍ يستطيع أن يجعلها حبلى بلمسة من راحة يده على بطنها. فقطعت إليه طريقا طويلة لأنه كان يعيش في أرض وراء سبعة تلال.
وحين وجدته دعاها إلى بيته وسمع حكايتها, وقال في مودة: (أستطيع مساعدتك, لكن عليك أولا أن تنتظري قليلا. إنما أوهَب أطفالا لأجلبهم إلى الدنيا. ولكنني أعرف أي نوع من الأطفال سيكونون. وليس لديّ الآن إلا أطفال أشرار. ولا أجد سبباً لتحل عليك اللعنات بسبب طفل شرير. فانتظري إلى أن يوجد طفل طيب).
لم تستطع المرأة أن تطيق انتظارا لا تعرف ولا يعرف المداوي كم سيبلغ طوله.فرجته قائلة (أي طفل خير من لا شيء). رأى لهفتها, ورأى أنها لن تدعه وشأنه قبل أن يساعدها, فرضي آسفا, ومرّر على بطنها راحة يده فأدركت على الفور أنها ستلد طفلا.
هرعت إلى البيت فرحانة وسرعان ما أنجبت ولدا. كان سيئ الطبع يصعب إسكاته عن البكاء, لكنها رأت في حياتها أطفالا أسوأ منه, وكانت راضية به لدرجة أنها لم تنشغل بإنجاب غيره.
كبر الولد كما يكبر الأطفال جميعا, لكنه كان يزداد شرا يوما بعد يوم. بدأ يقتل الحيوانات الصغيرة البائسة ويضايق الأطفال الآخرين. وحين كبر وصار شابا كان يستمتع بإيذاء الآخرين وإضفاء البؤس على كل من يحيطون به. وما من أحد - ولا والداه - كان يستطيع أن يغيره.
وأخيراً, قرر الولد أن يقتل كل من يحاول تغييره. ذهب إلى ساحر وحصل منه على قوة سحرية, من بين خواصها الكثيرة أنه يستطيع بها أن يحمي نفسه بإحداث ظلام يختفي فيه عند الحاجة. وبدأ ممارسة عمله الشرير بأن قتل الساحر.
أسرع عائدا إلى القرية وبدأ هجومه. فيبتسم قليلاً وينظر إليّ في حب و كأنه يتوقع مني كل مرة أن أغني له هذه الأغنية حتى يعود و يرضى .. و حين لا يرد عليّاستمر في الغناء .. ثم يقول : إيه نعم شفته !! وين شفته ؟ في عيونج ثم يختلط ضحكي مع ضحكه .. و أضمه .. فيكاد يطير من الفرحة .. و يقول لي : كل يوم ودي أزعل عليج كل يوم ؟ ليش يا " سعود" ؟ حتى تغنين لي .. بس !! و تضميني .. زين يا "سعود" ما دمت تحب أن أغني لك تعال إذن .. و اسمعني .. قل معي : آنه اسمي "سعود" وانتي إسمج "سعيدة" يوم درز العود أيامي جديدة كان صوته جميلاً و هو يردد الأغنية معي .. خاصة حين يلثغ في نطقالراء فتبدو في فمه الصغير و كأنها بين الراء و الغين .. أحس بأن صوته الجميل يصدر من فرحة غامرة لا أعرف مصدرها ، لكنه يوحي لي أحياناً بمعنى غريب و هو يلعب في غرفني .. كان يقول : - " سعيدة " آنه من أشوفج أكبر . - تكبر !! يعني كم يصير عمرك ؟ - كبير مثل أخوي خالد . - الله أكبر يا " سعود " يعني أنت الآن أكبر مني ...؟! - نعم أكبر كأني أرى كل شيء في داخله يركض .. يركض إلى الأمام .. تماماً كما أن كل شيء في داخلي كان يركض .. يركض إلى الوراء .. كنت أرد عليه حين يباهيني بأنه أكبر مني : - خلك أكبر يا " سعود " و خلني أصغر . كانت ثمة عجوز لديها هي الأخرى قوة سحرية حاربته بها. كانت قوتها تفضح الأعداء بإحداث ضوء باهر. كان يستخدم قوته في إحداث ظلام, وتستخدم قوتها بإحداث ضوء باهر. وهكذا, ظلام ونور, ونور وظلام, ظلا يمارسان سحرهما حتى ماتا.
ولأن العجوز, والشاب الشرير, والسحر نفسه ماتوا جميعا, لم يعرف أحد كيف يسخر القوتين اللتين مازالتا تعملان إحداهما ضد الأخرى, متسببتين في الظلام, ثم النور.
