"إنه مجنون ثائر". هذا ما قاله واحد من ابرز الباحثين الفرنسين في الذكاء الاصطناعي عن زميله الباحث البريطاني هيوغو دو غاري. واضاف الباحث الفرنسي الذي لا يقل شهرة عن دو غاري: "الأشخاص المختلف عليهم يكونون دائما مثيرين للاهتمام".
بين جميع انداده يثير دوغاري وهو رئيس مجموعة بناء الدماغ (الالكتروني) لدى مختبر "معهد بحوث الاتصالات المتقدمة لا في اليابان ضيقا في الاوساط العلمية يعادل طموحاته غير المحدودة لكن عمله هو اكثر من مجرد مثير للاهتمام، وهو يتحدث بصوت عال عما يفكر فيه خبراء الروبوتات بصمت: اي ان عصر الروبوت وشيك. وكان يجب الاستماع اليه وهو يحرك مشاعر الباحثين الشبان في مؤتمر عن الذكاء الاصطناعي، كما الى المناقشات الحامية التي اعقبته، حتى ندرك ان هذا الباحث استطاع تحريك الاوتار الخفية في اوساط المجتمع العلمي. وقد كانت وجهة نظره على قدر من الاهمية في الاوساط الرفيعة جعلته مدعو الى حضور منتدى دافوس الاقتصادي (الذي يجمع شخصيات رفيعة من العالم) في يناير من عام 1998. هيوغو دو غاري مواطن بريطاني مولود في استراليا عام 1947، درس الرياضيات والفيزياء قبل ان ينتقل الى انكلترا حيث اتجه نحو المعلوماتية، ثم حصل على دكتوراه في الذكاء الاصطناعي في بروكسل. وهناك شرع مع باحثين اخرين في استصلا ح ارض الهندسة الارتقائية، اي ان يطبق في حقل الالكترونيات البرمجة تعديل الدارات. الارتقائية باستلهام البيولوجيا.
ومنذ عام 1993، يعمل دوغاري في اليابان لدى "معهد بحوث الاتصالات المتقدمة" وهو مؤسسة مشتركة لشركات الاتصالات اليابانية الكبرى. وهو يفترض ان يغادر في سنة الفين حتى يعاود العمل في بروكسل. فمشروعه للذكاء الاصطناعي يؤلف بين عدة جماعات صغيرة من الباحثين في العالم، الولايات المتحدة وكوريا كما بولندا. وينبغي انتظار ما اذا يؤتي المشروع ثماره كما وعد صاحبه تحت الانظار المتشككة لزملائه. لكن الرؤية المستفزة لدوغاري بشأن دور الات القرن الحادي والعشرين جعلته يستحق ان يضع على الساحة السياسية موضوعا لا يتصل بممجرد مقاربة تقنية.صحيفة "لوموند" التقت هذا الباحث وسألته عن طبيعة الدماغ الاصطناعي فقال: "ان هذا العمل صار ممكنا بفضل تقدم اداء 
الالكترونيات  بفعل قانون غوردون مور". ومور هو مؤسس مشارك لشركة انتل وهي احدى اكبر مصنعي المعالجات الدقيقة، فقد توقع مور في عام 1965 ان تتضاعف قوة هذد المعالجات كل 18 شهرا وهذا القانون لم يخيب التوقعات وهو سيبقى صالحا الى حين تبلغ الدارات الالكترونية حجم الجزيئات الكيميائية. احدث استاذ الكيمياء لدى جامعة كاليفورنيا في لوس انجلوس ستانلي وليامس- وشركة هيوليت.: لكنها بقيت من دون مجموعة بحثية كبيرة, فالشركة صارت احد اكبر صانعي الكمبيوتر والمعالجات الدقيقة في العالم!وكان وليامس أمضى السنوات الـ 15 الاخيرة في العالم الاكاديمي وخاف من ان يفقد الصلة مع عالم الحقائق الملموسة في مجال الاعمال لأنه اشتغل في مطلع سيرته العملية عدة سنوات في مختبرات شركة بل، باكارد العملاقة للكمبيوتر تغييرات في وقت واحد؛قبل اربع سنوات. وهكذا نحصل على قدرات ضخمة، تسمح بان نحشر قدرا كبيرا من الذاكرة في دماغ اصطناعي.
غير ان دوغاري لفت الى ان تقنية جديدة هي الهندسة الارتقائية تسمح بالتقدم نحو حل مشكلة اكبريمثلها تصنيع الدماغ الاصطناعي وهي تعقيده وهذا يعني ابتكار معالجات قادرة على التطور والارتقاء حتى تتكيف مع المهمات الجديدة. والهندسة الارتقائية تقوم على معالجات مطورة منذ سنوات، وهي تسمح
Field programmable gate arrays" " وهي عبارة عن رقاقات قابلة للبرمجة يؤدي امر منطقي صادر اليها
لكن كيف تدخل الدارات في الدماغ الاصطناعي؟ يكون ذلك بتكييف تقنية البرمجة الارتقائية التي تسمى اللوغاريتمات الجينية مع هذه الدارات. ومن أجل تنفيذ كل مهمة، هناك دارات اخرى تضيق اداء هذه الدارات، وتصدر اليها، حسب مقدار نجاحها، تعليمات تسمح للدارات الاخيرة بتحسين ادائها. وهذه التقنيات تسمح بصنع الة تحتوي نسختها الاولى 64 الف دارة، وتحتوي كل منها ما يعادل الف خلية اصطناعية تضاهي العصبونات (النيرونات) البيولوجية. وهذا يمثل ما يعادل 75 مليون عصبون. وفي ثلاث سنوات، يجب ان نصل الى مليار. وهذا مازال ادنى بكثير من قدرات دماغ بشري يحتوي نحو 100 مليار عصبون. لكن علينا ان نفكر في مقدار طاقة هذه الهندسة الارتقائية في غضون خمسين سنة أو مائة سنة.
الى اين يصل هذا الاتجاه؟ حسب ما يرى دوغاري بدآت ترتسم ملامح ما يسمى الـ Artificial أو "Artificial intellect" وهو عبارة عن الة فائقة الذكاء ربما تكون اذنى من الانسان بكثير. ونحن ندخل في النانوتكنولوجيا التي تعمل على مستوى النانومتر (أي جزء من مليون من المتر) ويمكن وضع البت (وهو وحدة معلوماتية) بواسطة ذرة واذا استطعنا ان نحصي عدد الذرات والجسيمات في نيزك يكون الحاصل رقما متبوعا من عشرة باربعين صفرا. وهذا الرقم خيالي. ومع التكنولوجيات الجديدة في القرن الحادي والعشرين يمكن ان تتغير طبيعة البتات فتحول الصفر واحدا والواحد يتحول صفرا بسرعة رقم هو عشرة متبوعة بـ 15 صفرا في الثانية. وفي نيزك (افتراضي) كبير. ويمكننا ان نبلغ سرعات تحول قدرة عشرة مضروبة بـ 55 صفرا. وهذا اعظم بكثير من الطاقة القدرة لقدرة الدماغ البشري الحوسبية، التي تحقق سرعة قدرها عشرة متبوعة بـ16 صفرا. والاشياء مكتوبة كما لو انها على جدار. و (تحققها) ليس سوى مسألة وقت.
وعندما قيل لهذا الباحث ان كلامه اقرب الى الخيال العلمي منه الى العلم فقال: ليو تشيلار كان عالما في الفيزياء النووية. وعام 1933 درس التفاعل النووي ثم القنبلة النووية. وهو يقول انه اذا غيرت مايكروسوفت الويندوز مثلا لا يمكنها ان تفحص المصدر الكودي ببرنامج Q-. ولا يمكن اي مبرمج مستقل ان يدخل تصحيحا:icken او برنامج Word Perfect بسهولة حتى تعرف ما يمكن ان يحصل. وقد حسب الطاقة التي يمكن انتاجها من هذه التكنولوجيا الجديدة فاستنتج ان قنبلة واحدة يمكها ان تدمر مدينة. وفي ذلك الوقت، كانت هذه الفكرة تعتبر مجنونة. واليوم هناك على الاقل ثلاثة باحثين مشهورين في عالم الروبوتات يفكرون مثل ما افكر، وهم هانس مورافيتش وراي كورتسفيل في الولايات المتحدة وكيفين فورفيك في بريطانيا. وهذه الفكرة اخذت تكتسب باطراد طابعا جديا. ويجب ان نأخذ في الاعتبار ان الالات فائقة الذكاء ستظهر في غضون خمسين سنة.
لكن ما هي عواقب ظهور هذه الالات؟
عن هذا اجاب دو غاري بانه لا يمكننا ان نتنبأ مشاغل هذه الالات ومصالحها. وقال: "القضية الغالبة في القرن الحادي والعشرين هي التالية: هل ينبغي على البشرية ان تبني هذه الالات فائقة الذكاء الى
(Artilect) أم لا؟ فانا اجد ان الجواب يقيم مواجهة بين رؤيتين ايديولوجيتين هامتين وعنيفتين: أي بين اولئك الذين يشكل بناء هذه الالات قدرا كونيا، واسميهم "الكونيين"، واولئك الذين يخشون من ان تجد هذه الالات فضاءنا الأرضي مضجرا لها فتقرر تدميره. وبفضل ذكائها الفائق (المفترض) يمكنها ذلك بسهولة. وهؤلاء اسميهم "الارضيين".
والخطر في بناء هذه الالات كبير جدا. انه احتمال تدمير المجال البشري. وهذا رهان خطير بقدر جعل الارضيين يفعلون كل ما في وسعهم لوقفه بما في ذلك تهديد "الكونيين" فالطريقة الوحيدة لتفادي هذا الخطر هي عدم بناء هذه الالات.
بالنسبة الى "الكونيين"، يمثل بناؤها مشروعا لتطوير مجال مستقبلي ذي ميزات عظيمة فهم يعتبرون الالات فائقة الذكاء كائنات جبارة ذات امكانات غير محدودة. وتساءل دوغاري عن امكانية وضع حدود لتعقيدات هذا الاتجاه ثم قال هل نحتار وقف مسرة ارتقائية مستمرد منذ مليارات السنين؟ فبالنسبة الى "الكونيين" يعتبر هذا الخيار مدانا واشبه بمنع تطور ثقافة الانسان.
لكن الخطورة ان جماعة الكونيين تضم المجتمعات الافضل تقدما في المعلوماتية، اي الولايات المتحدة واوروبا واليابان، اي انها تضم الاقوى والاغنى. وفي هذا الصدد قال دو غاري انه في غضون عشرين سنة يمكن ان يحصل كل منزل في البلدان الغنية على روبوت "داجن" وروبوتات تعليمية وروبوتات "صديقة" تتكيف مع شخصية مجاورها. وفي كل سنة ستظهر نماذج اكثر تطورا وقدرة ولتنتجها الشركات بالملايين وسيرى مليارات الناس باعينهم هذا الصعود للذكاء الاصطناعي.
ولا يعرف دوغاري كيف ستتفوق الروبوتات الذكية على الانسان، لكن المهم هو انها قادرة. فانطلاقا من حد معين قد تستطيع هذه الروبوتات ان تصنع بنفسها كمبيوترات متطورة اكثر منها.. وياللهول! وهكذا يحدث على صعيد تطورالذكاء ما يعادل التفاعل النووي المتسلسل لكن اخذا بالاعتبار صعوبة تكوين دماغ اصطناعي بمستوى الدماغ البشري  يلزمنا كثير من الوقت حتى نحقق ذلك. ولذلك أرى ان القضية تخص القرن الحادي والعشرين. ولم يستبعد دوغاري ان نبلغ يوما نضع فيه شرائح كمبيوترية في دماغ الإنسان لتطوير قدراته. وقال ان مثل هذا الانسان يكون عندئذ اقرب الى الروبوت فائق الذكاء!
