يروي بعض المؤرخين ما يُرجع تسمية أول عاصمة لمصر الإسلامية بالفسطاط إلى معنى الخيمة, وهي خيمة القائد عمرو بن العاص التي وجدوا بها يمامة وقد أفرخت, فتركوها في المكان الذي تحوّل إلى حاضرة كبرى, ازدهرت ثم اندثرت. والآن - بعد ما يربو على ثمانية قرون بعد احتراقها عام 1169 ميلادية - تتصاعد في مصر محاولة ثقافية وعمرانية بالغة الطموح, لاستعادة العبق الحضاري الذي حفلت به الفسطاط القديمة.
كاد الإحباط يستولي علينا بعد أن غادرت سيارتنا طريق (الأوتوستراد) شرق حي المعادي, وانعطفت غرباً بحثاً عن الفسطاط في المنطقة التي صارت تحمل اسم (مصر القديمة) أو (مصر العتيقة).
اجتزنا دروبا بين المقابر التي يسكنها الأحياء في (الإمام الشافعي) ثم مررنا بضفاف بحيرة عذبة الهدوء, لكنها خادعة. إنها بحيرة (عين الصيرة) التي كانت كنزاً صافياً من المياه الكبريتية الدافئة ذات الفوائد العلاجية الجمّة لموجوعي المفاصل, ومحطومي الظهور. بدّدها قصر نظر الزحام وإلقاء مخلفات الأحياء العشوائية في مياهها النادرة.
أبصرنا مساحات خالية قاحلة لا تنبئ عن شيء, وركام من بيوت بائسة على حطام الهضبة, وكانت الطرق المعتورة تشهد زحاماً للسيارات على الأرض, وأتربة بلون الجير والصلصال تتعلق في أفق المكان. وكانت المفارقة الماثلة على الأرصفة وفي واجهة المقابر, هي تلك المعارض المفتوحة لأكداس من إبداعات الجص ناصع البياض والفخار الذي تتباين أشكاله وألوانه في تكوينات بديعة. فكيف يخرج هذا من ذاك?! تساؤل طاف بخواطرنا ليمنحنا بعض الأمل والتعجب, فمضينا قدماً نبحث عن (مركز الخزف) و (محترف الفنون), و (مجمع الأديان). وهي الركائز التي قيل لنا إنها أنوية التطوير للنهوض بمنطقة الفسطاط, وكان طبيعياً ونحن نجوس في الحاضر, أن نجد أنفسنا نغوص في الماضي, نستعيد سيرة (الفسطاط).
بين النيل وتلال المقطم
منذ ما يقارب الأربعة عشر قرناً, دخل العرب المسلمون مصر, كان ذلك في عام 18 من الهجرة, وكانت عاصمة البلاد التي يحكمها الروم آنذاك هي الاسكندرية. أراد قائد جيش المسلمين عمرو بن العاص أن يزحف إليها ويتخذ منها عاصمة للحكم الإسلامي في مصر, لكن الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب نهاه عن ذلك, وكان رأيه أن يبتني المسلمون في مصر عاصمة جديدة تكون أقرب إلى المدينة المنوّرة وأبعد من روما أو بيزنطة, واختار عمرو بن العاص ذلك المكان الرحب بين شاطئ النيل الغربيّ قبالة جزيرة الروضة وتلال المقطم, وهو المكان ذاته الذي عسكرت فيه جيوش المسلمين بعد أن تم للعرب فتح مصر, فهو آمن من الوجهتين الحربية والإدارية, لا تدركه هجمات العدو التي تحول دونها مياه النيل في الغرب وحجارة جبل المقطم في الشرق, وفي الوقت ذاته يسهل وصول العتاد والأقوات إلى المكان, لقربه من الأرض الزراعية, كما أن وجود جانب يمكن أن يطرّد اتساع المدينة فيه كان يحقق شرطاً من الشروط الواجب مراعاتها عند بناء المدن, وقد كان هذا الجانب في اتجاه الشمال الذي امتدت إليه يد العمران فيما بعد, فكانت مدن (العسكر) و (القطائع) و (القاهرة) وفي العهد القريب (العباسية) و (الحسينية) ثم ضاحيتا (مصر الجديدة) و (مدينة نصر) أخيراً. وطبقاً لجلالة الملك الفونسو Alfonso, والذي يتميز تقريره بأنه الأكثر صدقاً, أنه منذ أن خلق العالم, أو منذ وجد آدم Adam على ظهر الأرض, إلى مجيء الرب يسوع المسيح, فإن هناك  5343 عاما و 318 يوماً وبإضافة 1500 عام, بالإضافة إلى العام الحالي الذي لم ينته بعد (1501م), سوف نصل إلى عدد من السنين يبلغ 6845 عاماً, طبقاً لهذا الحساب, يتبقى 155 عاماً فقط على العام 7000, الذي يقول العلماء والمفكرون إنه سيشهد نهاية العالم. قال مخلصنا يسوع المسيح, إن كل ما ذكره الرسل والحواريون سوف يتحقق قبل نهاية العالم, وقام الرسل والحواريون في كتاباتهم بمناقشة كل من المستقبل الذي حدث, والماضي الذي لم يأت بعد, إلى جانب الحاضر, بطرق مختلفة, وذكروا أشياء عدة بشكل عام, بعضها يقترب من الحقيقة, وبعضها صحيح بنسبة ضئيلة, وبعضها أكثر وضوحاً وصراحة من البعض الآخر, والبعض منها تمت كتابته بشكل جيد والكثير منها لم يكتب بأسلوب جيد. وكان النبي أشعيا Isaiah أكثر الذين تم امتداحهم بإفراط من قبل القديس جيروم St.Jerome والقديس أوغسطين, وعلماء اللاهوت البارزين Doctors في الكنيسة الكاثوليكية, وأبدى الجميع إعجابهم به, ووضعوه في مكانة مرجعية عليا, وقالوا عن أشعيا إنه كان أحد المبشرين بالإنجيل, بالإضافة إلى أنه رسول, حيث اجتهد بنفسه, ليس لوصف المستقبل فقط, لكن لدعوة كل شخص إلى حظيرة إيماننا الكاثوليكي المقدس. وكتب العديد من علماء اللاهوت البارزين المتميزين بالورع والتقوى حول النبوءات التي جاءت في الكتاب المقدس, وقاموا بتنوير عقولنا بشكل كبير حول بعض الأمور التي كنا نجهلها, على الرغم من أنهم لم يوافقوا على بعض الأمور التي لم تستطع عقولهم المستنيرة قبولها. إنني أقدم احتجاجي ورفضي مرة أخرى على ما تم بناؤه على افتراض النقص في معرفتي وعلمي, وإنني أشير بثبات وثقة ثانية إلى حديث القديس متى (أيها الرب, لقد أخفيت بعض الأمور عن المتعلمين وأعلنتها للبسطاء). هذا هو جوابي ورأيي, بالإضافة إلى الدليل الذي شهدته, (نجاح رحلاته البحرية نحو الهند كما كان يعتقد) فقد تحققت بالفعل نبوءات عدة للغاية, في الكتاب المقدس. لقد عبر هؤلاء (أعضاء اللجنة التي رفضت مشروعه البحري من قبل) عن أنفسهم, ولم تعلن الكنيسة ذلك بشكل متواصل, وليست هناك حاجة إلى دليل وبرهان أكثر من ذلك. سوف أقوم بالإشارة إلى أمر واحد بالذات لأنه ينطبق علي, وحينما أفكر فيه فإنه يقوم بتهدئة نفسي, ويجعلني أشعر بالرضا, إنني لخطّاء, ومذنب كبير للغاية, ولقد أنقذتني رحمة ربنا وشفقته من العذاب حالما ناشدته ذلك. لقد وجدت أكبر تعزية ومواساة في ترك نفسي إلى التأمل والتفكير في وجود الرب, ذلك الوجود الرائع والبهي. ولاحظت أنه عند تنفيذ مغامرة اكتشاف جزر الهند الغربية Indies, أن الرياضيات ومعرفة كيفية رسم خرائط العالم Mappae mundi لم تكن ذات فائدة لي: لأن ما قاله أشعيا قد تحقق تماما. هذا هو ما أردت أن أقوم بكتابته, لتذكير جلالتكم به, ولتشجيع سموكم على القيام بالحملة الأخرى,  المتعلقة باسترداد مدينة القدس, عبر الرجوع إلى الآيات التنبؤية نفسها بالكتاب المقدس. ومادام توافر لدى جلالتكم الإيمان الصادق, فلتكونوا واثقين من إحراز النصر في مسألة استعادة الضريح المقدس ومدينة القدس, ولابد أن سموكم تتذكرون الإنجيل, والعديد من الوعود التي بذلها لنا مخلصنا ومنقذنا, وقد تحققت جميعاً, لقد نزل القديس بطرس إلى البحر, ومشى على صفحة الماء لأن إيمانه كان قويا, إن من كان إيمانه وافرا وغزيرا كحبات الذرة سوف تخضع له الجبال. دع من لديه الإيمان يتوجه بدعوته, وسوف يلبي الجميع نداءه, ادفع فقط, وسوف يفتح الباب. يجب على أي شخص ألا يخشى القيام بأي أمر يتم تحت اسم مخلصنا وبرعايته ما دام العزم قويا, خاصة أن ذلك الأمر لهو أمر عادل, ويتم من أجل خدمة الرب المقدس. فقد قام الرب بإنقاذ القديسة كاترين St.Catherine, عندما رأى دليل إيمانها, ولابد أن جلالتكم تتذكرون أنكم شرعتم في حربكم مع مملكة غرناطة Granda المسلمة, دون أن يكون لديكم أموال وفيرة. لقد ترك ربنا الوسيلة التي تتم بها كل الأمور حسب الإرادة الحرة لكل شخص, على الرغم من أنه قام بتوفير العديد من سبل الهداية والإرشاد. فالرب لا يحتاج إلى قدرة البشر, يا له من رب عطوف, الذي يسمح للناس بأن ينفذوا ما يريدونه من خلال قدرته. ويجب على الناس أن يتوجهوا إليه بالشكر, بورع وتقوى, آناء الليل وأطراف النهار. لقد ذكرت سابقا أن العديد من النبوءات مازالت جاهزة لكي تتحقق. وأقول الآن إن هناك أموراً عظيمة في هذا العالم, وأن هناك إشارات وعلامات بأن ربنا يدفعنا للقيام بتحقيقها. وإضافة إلى ذلك كانت هناك ملاحظة ثاقبة في اتخاذ ذلك المكان عاصمة أولى لمصر الإسلامية, فالضفة الشرقية للنيل التي تحفّ بالمقطم مرتفعة, ولا تغمرها مياه النيل عند الفيضان. وهو جانب من الأمن (البيئي) المبكر, يتيح للمدينة الوليدة أن يتواصل نماؤها على مدار العام, وهو ما حدث بنجاح مشهود على امتداد عدة قرون قبل الأفول.
لكن, من أين جاء اسم هذه المدينة (الفسطاط)?! يختلف المؤرخون في رواياتهم التي تفسّر ذلك, فالمؤرخون العرب ومنهم (ابن تغري بردي) في كتابه (النجوم الزاهرة) والمقريزي في سفره (الخطط), يوردان قصة مفادها أن عمرو بن العاص عندما أراد التوجه إلى الإسكندرية لفتحها, أمر بنزع (فسطاطه) - أي خيمته - فإذا فيه يمامة قد أفرخت. فأمر عمرو بتركها كما هي وأوصى باليمامة وأفراخها خيراً. وبعد أن عاد المسلمون من الإسكندرية بعد إخضاعها تساءلوا: (أين نسكن?) وكانت الإجابة هي: (الفسطاط), يعنون المكان الذي تركت فيه خيمة القائد مضروبة لأجل اليمامة المفرخة, وغلب اسم (الفسطاط) على المكان. هذا ما قال به المؤرخون المسلمون, أما المؤرخون (الفرنجة), ومنهم (بتلر) صاحب كتاب (فتح مصر) والذي قام بتعريبه الأديب الكبير محمد فريد أبو حديد, فقد أنكر هذه الرواية وزعم أنها محض خيال, وشكّك في تأويل كلمة (الفسطاط) بالخيمة, بل أرجع الكلمة إلى اللفظ اليوناني (فسّاطم) والذي أطلقه الرومان على معكسراتهم الحربية ومدنهم الحصينة.
وبغض النظر عن اعتراض مؤرخي الفرنجة على إرجاع كلمة الفسطاط إلى الخيمة العربية, وبرغم أن الكلمة تعني أيضاً (مجتمع الناس) أو (المدينة الحصينة) وهي من المعاني التي سمعها العرب عند فتح الشام وعند حصارهم لحصن (بابليون) في كلمة (فسّاطم) FASSATUM والتي تتقارب حروفها مع حروف كلمة (فسطاط), إلا أن حكاية خيمة القائد العربي واليمامة المفرخة فيها, تغرينا باعتمادها لميل عاطفي يصعب إنكاره. خاصة وقد خرجنا إلى ما بقي من الفسطاط, لا نبحث عن مرابط الخيل ومرابض العسكر, بل نبحث عن تراث إبداع حضاري, وعن محاولة لإحياء هذا التراث في الحاضر الصعب.
إطلالة في اتجاهين
خلّفنا وراءنا مقابر الموتى وسُكنى الأحياء, وأوغلنا في تلافيف منطقة تسطع على أسوارها بصمات التجديد, وآثرنا أن يكون مدخلنا من شارع زين العابدين القديم الذي يوجد به مسجد العارف بالله أبي السعود الجارحي, وكان الطلاء الجديد لواجهات المسجد يزيل عن سمته غبار إهمال قديم. ولشد ما كانت الدهشة عظيمة, إذ اكتشفنا في المكان بعض الأدوات المستخدمة في صناعة الفخار معلقة على الجدار الداخلي, وعرفنا من مندوب قطاع الآثار أن (سيدي أبي السعود) كان من أشهر صانعي الفخار الذين جادت بهم مدينة الفسطاط القديمة والتي لاتزال بعض جنباتها تحمل اسم (قلعة الفخار) بداية مدهشة تربط ما بين تسامي الروح المؤمنة ودأب الأجساد الفنانة على الأرض, بعدها اتجهنا جنوباً نحو جامع عمرو بن العاص والمنطقة المجاورة للجامع والتي يطلق عليها (مجمع الأديان), وكانت لمسة التطوير واضحة وإن لم تبلغ منتهاها, لكن الرسالة الكاملة التي يوحي بها المكان هي روح التسامح المسلم مع الآخر من بني الإنسان وشركاء الحياة على هذه الأرض, وهي رسالة من الماضي الماثل في الحاضر حيث يتجاور جامع عمرو والكنيسة المعلقة وكنيسة السيدة البرتا وكنيسة مارجرجس ومعبد عزرا ومدافن طوائف الأرمن واليونانيين بمصر. تسامح يجبّ كل دعاوى المفتئتين على العرب المسلمين, الذين يرفعون الآن في الغرب ألوية اتهام المسلمين والعرب بأنهم مجبولون على نفي الآخر, بينما النفي الآن واضح, وضحيته الأولى هم العرب والمسلمون, وفلسطين ودماء الفلسطينيين المسفوكة غدراً وغيلة هي شاهد ساطع على ذلك.
لم تستثن أعمال التطوير صرحاً من صروح الأديان المختلفة في المنطقة, فالأسوار كُسيت جميعها بالحجر الناصع, وطليت بيوت المنطقة بدهان مشرق, وارتفعت في المكان أبنية محطة جديدة كبيرة للباصات, وزرعت الأشجار على طوال الأرصفة, وثمة نظافة ملحوظة في المكان نأمل ألا يدوسها الزحام يوماً.
أما المفرح المحزن, فهو صرح معماري أصيل ومعاصر في آن, بُني بمعايير العمارة العصرية في تشكيل شرقي إسلامي ليكون سوقاً تجارياً ومحترفاً للفنون التقليدية ومقاماً للفنانين ومزاراً للسياحة الثقافية. بناء فسيح رائع لكنه يصرخ بالخواء. لماذا? سألنا. وعرفنا أن هذا الخواء صنعته يد الصراعات الإدارية الصغيرة. وكنا نأمل أن نعثر على السيدة التي يشار إليها بفضل الوقوف وراء هذا الإنجاز: (الدكتورة منى زكريا), لنتبادل معها شجون ما توقفت عنده الأمور, ولم نجدها في المكان!
كان موعدنا التالي في صرح آخر هو مركز الخزف بالفسطاط, وهو مركز يستحق منّا ومن غيرنا وقفة طويلة, لكننا نستبق هذه الوقفة المعاصرة بوقفة لازمة مع الماضي لعلها تضيء الحاضر.
لقد كان أول ما عني به عمرو بن العاص عندما أصبح والياً على مصر هو تشييد الجامع ثم توزيع ما حوله من الأرض على الجماعات والقبائل المتنوعة التي تألّف من بينها جيشه, واختطت كل جماعة خطة لها, أي حيّ من الأحياء, ومن مجموعها تكوّنت أول عاصمة إسلامية للديار المصرية. وفي الجهة البحرية من الجامع بني عمرو داراً له وغربيها داراً لابنه عبدالله.
اتسعت المدينة رويداً رويداً وارتقت على عهد خلفاء بني أمية وصارت مقراً للولاية من قبلهم وفيها ابتنى عبدالعزيز بن مروان الذي تولى إمارة مصر في عهد أخيه الخليفة الأموي عبدالملك (داراً للإمارة) تعلوها قبة مذهّبة شأن ما عمد إليه الأمويون في تفخيم بناياتهم حتى تبزّ البنايات البيزنطية التي خلفها الروم في الأقطار التي انتزعها العرب منهم. ومما ساعد في ازدهار الفسطاط وانتعاش حركتها التجارية وارتقاء الصناعات والفنون بين جنباتها, إعادة حفر القناة الموصلة بين نهر النيل والبحر الأحمر وكانت تُعرف باسم خليج (تراجان) على زمن الرومان وعند الفتح العربي صار مبدؤها شارع الخليج المصري في الجهة الشمالية من جامع السيدة زينب وحملت اسم (خليج أمير المؤمنين). وعلى مرّ الأيام صارت الفسطاط أعظم مواني مصر, وأنشئت بها أول دار لبناء السفن في جزيرة الروضة وسط النيل. وتألقت صناعات وحرف وفنون ذهبت بأبنيتها الأيام لكن آثارها ظلت شاهدة عليها, فكلما نقّب الآثاريون في منطقة الفسطاط عثروا على قطع الخزف والنسيج والخشب المشغول والزجاج الملوّن ومنحوتات العاج والمعادن المسبوكة, وتشهد هذه الآثار على تماسك منظومة التنوع الفني لعطاءات الفسطاط, وإن تفرّقت في الأرض.
بين الأطلال والمتاحف
إن ما كشفت عنه حفريات الفسطاط من بقايا الأبسطة - على سبيل المثال - يعتبر ذا أهمية كبيرة فيما يتعلق بتاريخ عقد الأبسطة ونشأتها. وبين محتويات متحف الفن الإسلامي بالقاهرة قطعتان عليهما كتابات كوفية تحمل إحداهما تاريخ 102 هـ (720/721 م) وفي متحف المترو بوليتان بالولايات المتحدة الأمريكية قطعة مهمة عُثر عليها بالفسطاط تزينها زخارف تشبه الدانتيلا وشريط من المثلثات والأقراص المستديرة بألوان الأزرق والأصفر والأخضر والبني على أرضية حمراء.
وهناك أيضاً قطع كثيرة من مختلف أنواع النسيج الذي كان يصنع بالفسطاط من الصوف أو القطن أو الكتان أو الحرير.
وقد عثر على عدة قطع من العظم المحفور ترجع إلى أوائل العصر الإسلامي كما وُجدت عدة لوحات بأشكال مختلفة من العاج والعظم من القرنين العاشر والثاني عشر تزينها موضوعات آدمية جميلة.
وفي متحف المتروبوليتان كذلك قطعة عبارة عن لوح من العظم عليها صورة صياد وغزال على أرضية من التفريعات النباتية تدل على حسن ذوق صانعيها.
وقد أكد لنا المؤرخون والرحّالة عرباً كانوا أو غير عرب ممن زاروا مصر, مكانة الفسطاط بسبب موقعها المهم على النيل حيث اشتهرت حتى القرن الثالث عشر الميلادي بصنع أدوات الصلب والأواني النحاسية والصابون والقوارير الزجاجية والبلورية والصحون الخزفية والورق بالإضافة لما كانت تنتجه من السكر والمنسوجات البديعة.
ولكن أكثر أنواع الفنون شهرة بالفسطاط كان ولايزال فن صناعة الفخار وفن الخزف, وقد أشار الرحالة (ناصر خسرو) في كتابه (سفرنامة) إلى صناعة الخزف بالفسطاط فقال: (إن الخزف المصري كان رقيقاً وشفّافاً بحيث أنك إذا وضعت يدك عليه من الخارج تظهر من الداخل, ومنه تصنع الكئوس والأقداح والأطباق وغيرها وهم يلوّنونها بحيث تشبه (البوقلمون) فتظهر بلون مختلف من كل جهة تكون بها, ويصنعون بالفسطاط قوارير كالزبرجد من حيث الصفاء والنظافة ويبيعونها بالوزن).
والحقيقة أن خزف الفسطاط كان من الدقة والجمال وروعة الفن ما جعل إقبال السلاطين والأغنياء من المصريين عليه شديداً, خاصة أن خزافي الفسطاط تمكنوا من تقليد الخزف الصيني وأمعنوا في هذا التقليد فكتبوا على قاعدة الإناء كلمات باللغة الصينية تطابق الأصل, كذلك أتقنوا تقليد الخزف الإيراني الذي يُنسب إلى سلطنياد ويعلق على ذلك د.عبدالعزيز مرزوق بقوله: (ولولا العثور على قطع تلفت أثناء الصناعة من هذا النوع في أطلال مدينة الفسطاط لما تردد الإنسان في نسبة هذا الخزف المقلد إلى موطنه الأصلي).
وإلى جانب هذين النوعين المقلدين أنتج فنانو الخزف في الفسطاط نوعاً شديد الجمال يغلب عليه اللون الأزرق فوق سطح أبيض يمتاز بعناصر زخرفية تمثل طيوراً وأسماكاً مع زخارف نباتية تتجلى مهارة الرسام في تشكيلها تشكيلاً لم يقصد منه تمثيل الطبيعة بقدر ما قصد الجمال الزخرفي, وبالإضافة لما سبق فقد ظهر نوع آخر من الخزف طينته غليظة حمراء اللون وسطحه مغطى بطبقة زجاجية مائلة إلى الصفرة وزخارفه قوامها الفروع النباتية والصور الحيوانية والزخارف الكتابية التي تتضمن عادة ألقاب المماليك, وفي قليل من الأحيان الصور الآدمية.
وهناك نوع آخر من الفخار تميزت به فواخير الفسطاط ولاتزال, وهو (القاشان) الذي يستخدم في تكسية الجدران, وقد أقبل الأهالي على استعماله في منازلهم, لاسيما في مدينتي دمياط ورشيد, وتعرف هذه البلاطات الخزفية حتى اليوم باسم (الزيلزلي), ويلقي هذا الاسم أضواء على أصل صناعة هذه الألواح, فأغلب الظن أن صناعاً من بلاد المغرب وفدوا إلى مصر وأنشأوا بها هذه الصناعة, ذلك أن هذه البلاطات تسمى في بلاد المغرب العربي باسم قريب من (الزليزلي) هو (الزليّج) ويتمركز فنانو الفخار والخزف حتى الآن في منطقة (الفواخير) والتي تبدأ من كوم غراب جنوباً وحتى عين الصيرة شمالاً, وعندما وطأت أقدامنا المكان وجدناه عامراً بالفواخير.
جفّت الأنهار وبقي الفخار
كانت مساحة واسعة من الأرض التي نطؤها في الفسطاط, أو بقايا الفسطاط, هي في حقيقة الأمر قيعان قديمة انحسر عنها نهر النيل الذي تراجعت ضفته الشرقية فيما زاد اتساع حوضه في اتجاه الغرب. كنا نمشي على أرض نهر جفّ, ولا نعثر على مجرى النهر الآخر الذي جفّ أيضاً بعد ردم القناة الموصلة بين نهر النيل والبحر الأحمر. مفارقة مدهشة إذ تجف الأنهار ويبقى الفخار آثاراً في الأرض وفناً تحفل به إبداعات صنّاع الفخار الذين بقوا في المكان. لقد تلاشت تقريباً الفسطاط القديمة, أفل نجمها مع الحكم الفاطمي بعد إنشاء القاهرة في شمالها واتخاذها عاصمة جديدة للحكم الجديد ومقراً لحاشية الحكم دون غيرها, أما طوائف الحرفيين والعسكر والتجار, فقد ظلوا يسكنون الفسطاط الآفلة, والتي فاقمت من أفولها الشدة الكبرى في عهد المستنصر عام 1054 ميلادية, إذ نزح كثيرون إلى القاهرة آخذين معهم الكثير مما زاد من خراب الفسطاط, وأخيراً جاءت الضربة القاضية للفسطاط عبر تناحر المماليك وحماقة واحد من حكامهم هو شاور الذي بدلاً من التفكير والتدبير أمام تهديد الجيش الصليبي بغزو الفسطاط, قام بإحراقها عام 1169 ميلادية, فتوقف تقدم الصليبيين إلى حين, لكن الفسطاط تحوّلت إلى خرائب وأطلال لم تقم لها قائمة, باستثناء صناعة الفخار التي عبرت الحرائق واستمرت حتى أيامنا.
ولعل تفكير وزارة الثقافة المصرية في التركيز على إحياء وتطوير فن الخزف كنواة لاستعادة فنون الفسطاط العريقة, هو رؤية صائبة وثاقبة, وكان لابد من الوقوف على واقع ما صارت إليه هذه الرؤية ممثلة في مركز الخزف.
قباب وعقود
تم افتتاح مركز الخزف بالفسطاط كواحد من المشروعات الكبرى التي تهدف إلى إحياء أمجاد الماضي الغنية بإتاحة الفرصة الكاملة لفناني الخزف لممارسة إبداعاتهم والتأكيد على التميز في هذا المضمار.
ومدينة الفسطاط تعدّ أكبر مدارس الخزف التقليدية في العالم, ويطلق عليها (قلعة الفواخير) وموطن الخزف, وكانت وزارة الثقافة المصرية قد كلفت الفنان الراحل وشيخ الخزافين (سعيد الصدر) بإنشاء وتأسيس مركز لفن الخزف بمنطقة الفخرانية بمصر القديمة وكان ذلك في عام 1958, وقد بدأ المشروع بأتيلييه صغير يحتوي على فرن واحد لحرق الخزف, وقدم سعيد الصدر نموذجاً جديداً للفنان المرتبط بالبيئة والواقع, حيث فتح أبواب المكان للتواصل مع أهل المنطقة من الفخرانية, وتبادل معهم الأفكار والخبرات فمزج بين التلقائية والأكاديمية.
ويقول المعماري جمال عامر مصمم بناية المركز: (بدأ مشروع تطوير المركز عام 1996 وبمساحة تصل إلى 2400 متر مربع, وكان الهدف الرئيسي بناء نواة ثقافية وفنية تؤدي إلى تنمية منطقة الفسطاط بأكملها فنياً واجتماعياً وخلق بؤرة التقاء بين الفنانين والخزّافين وإقامة العروض والمهرجانات الثقافية, وقد روعي في التصميم البيئة الثقافية والتاريخية لمنطقة مصر القدية بحيث يتناسب المعمار مع الطابع التاريخي والمعماري للمنطقة من حيث التناغم مع خط السماء الذي يزخر بالعديد من قباب المساجد وأبراج الكنائس وغيرها من المباني التاريخية ذات القيمة الجمالية والفنية والتي يجب الحفاظ عليها وتأكيد هويتها كما وضع في الحسبان قرب المشروع من مجموعة الفواخير ببطن البقرة وكوم غراب التي تعج بالفنانين والفخرانية والحرفيين, مما يجعله مركز إشعاع ثقافي وفني ومرجعاً مهماً للحفاظ على تراث الخزف على مستوى المنطقة ومصر على السواء.
استقبلنا الفنان التشكيلي (علي إبراهيم) مدير مركز الخزف, وأخذنا في جولة طفنا خلالها أنحاء المكان وشرح لنا المكونات المختلفة التي تشكّل وظائف المركز, ومن ثم تساهم في تحقيق رسالته وأهدافه, وتشمل هذه الوحدات:
- مجموعة المشاغل والورش وأماكن تكسير وطحن الخامات الأولية وغرف التزجيج. والأفران الإنتاجية والتجريبية بجميع أنواعها وتقنياتها المختلفة وجميعها تخضع لمعايير الحفاظ على نظافة البيئة.
- مجموعة الجاليريهات وقاعات العرض, وقد تم استخدام تقنية مدروسة في عملية إضاءة الأعمال الفنية حيث يستخدم الضوء الطبيعي بطريقة غير مباشرة نهاراً, وذلك عن طريق الفتحات والكوات والخورنقات الموجهة حسب حركة الشمس والتي تسقط على العمل الفني من خلال الحوائط المزدوجة.
- المكاتب الإدارية والكمبيوتر والمكتبة وصالون كبار الزوار وغرفة التحكم والأمن وقاعة الندوات والحفلات الرئيسية وتصلح كذلك للعروض المتغيرة في حالة المعارض وهي مغطاة بقبة رئيسية بارتفاع 2.15 متر, وهي أهم عناصر المعمار في المشروع, وتشمل حوالي 200 متر مربع من المبنى, وتفتح على الصحن المكشوف والذي يصلح لامتداد العرض الفني من داخل القاعة إلى خارجها.
- صحن المبنى الرئيسي ومجموعة الأحواش السماوية وهي مصممة من أجل إمكان العرض المكشوف وكذلك إقامة الاحتفالات والمهرجانات المختلفة.
- مراسم وأماكن إقامة الفنانين.
- مناطق المسطحات الخضراء والحديقة المتحفية حول المبنى والتي تضم مجموعة من الأشجار النادرة والمعمّرة والنخيل, وقد تم الحفاظ عليها بالكامل, بل توجد إحدى شجرات الكافور المعمّرة والتي قام بغرسها الفنان الراحل سعيد الصدر واحتُفظ بها داخل الصحن الرئيسي للمبنى الذي بُني على نسق أبنية المعماري حسن فتحي المستلهم لتراث البناء المحلي مستخدماً خامات البيئة من حجر وطوب وخشب, وتفادي الخرسانة المسلحة قدر الإمكان مع توظيف العناصر المعمارية الأصيلة كالقباب والقبوات المتقاطعة والعقود والمشربيات, مما يوفر للمبنى قيمة جمالية مرتفعة وأداء وظيفياً ناجحاً كمركز فني وثقافي وإنتاجي عالمي عند اكتماله, إذ يطمح إلى المزيد ذلك المشروع الذي تنهض به وزارة الثقافة المصرية وترعاه بمتابعة مستمرة السيدة الفاضلة حرم رئيس الدولة, فهناك متحف وقاعة الفنان سعيد الصدر المؤسس الأول للمكان منذ 40 سنة, وهو متحف يضم أعمال الخزّافين الروّاد مع قاعة عرض ملحقة به, ومنفذ لبيع الهدايا والمستنسخات الفنية, كما أن هناك مسرحاً ومدرجات مكشوفة ومحاطة بمجموعة من البواكي الحجرية المفتوحة لإعطاء طابع معماري يتآلف مع رؤية فخائر الفسطاط, ويمكّن من إقامة الاحتفالات الفنية والثقافية فيما بعد, وهو إضافة للمساحة المفتوحة على المركز والتي تتمركز فيها نافورة ضخمة سيمكنان من استخدام المكان لإقامة مهرجانات دولية مثل جرش وقرطاج وأفنيون.
إنه طموح كبير, ويشهد جمال المبنى وإشراق جنباته بأنه طموح ليس معلقاً في الفراغ, بل واقعي وله كيان ملموس, وقد بدأ يتحرك في انتظار زخم الحياة التي نأمل ألاّ تعوق تدفقها أحجار التعقيدات الإدارية الصغيرة الخارجة عن إطار الثقافة والفن.
نهر التسامح
مضت خطواتنا في الاتجاه الغربي, فلم يسعها إلاّ التوقف ملياً للإطلال على مشروع تطوير (مجمع الأديان, وليس هذا الاتجاه بجديد, فهو أصيل في مسعاه السمح, إذ حافظ العرب على مجموعة الكنائس والأديرة التي كانت في المكان قبل دخولهم مصر, وبعد حريق الفسطاط, عني الخليفة الفاطمي المعز لدين الله بترميم كنيسة السيدة بربارة وأبي سيفين التي تعد من أجمل كنائس (مصر العتيقة) أو (الفسطاط), وقد عثر عند ترميم الكنيسة حديثاً على أحجبة فاطمية جميلة عند بابها الأثري, وأودعت هذه الأحجبة في المتحف القبطي. ولعل الكنيسة المعلقة التي يوشك ترميمها على الاكتمال, تشهد بوجودها على هذا التسامح, فهي مرهفة البنيان, ولابد أن تعاقب الأزمنة وفر لها من يحرص على بقائها, فهي معلقة على قمة البرجين الجنوبيين من بقايا أبراج حصن بابليون, على ارتفاع 13 متراً فوق سطح الأرض الأصلية. وبقرب هذه الكنيسة يفتح المتحف القبطي أبوابه للزائرين من كل الأديان, ومن كل أنحاء الأرض. وعلى مقربة خطوات توجد كنيسة (أبي سرجة) التي يجمع المؤرخون على أنها شيدت في المكان الذي أقامت به (الأسرة المقدسة) عندما هربت من وجه هيرودوس إلى مصر فوجدت فيها ملاذاً وأمنا.
وما كان لخطواتنا في الفسطاط أن تنتهي إلا بالرسو على شاطئ الملاذ والمأمن الكبير للمصريين جميعاً, ذلك النهر العظيم الذي يقطع أطول رحلات أنهار الدنيا كلها ليروي مصر بملايينها الخمسة والستين, وضيوفها بالطبع. إنه النيل.
مضينا إلى مقياس النيل بجزيرة الروضة والذي يعود تاريخ إنشائه إلى عهد الخليفة المتوكل على الله عام 247 هـ (861م), بينما أضاف السلطان الظاهر بيبرس إليه تلك القبة البديعة.
يتكون المقياس من عمود رخامي مدرّج تتوسط بئر مربعة من الحجر مساحتها 20ر6 متر وبها درج يوصل إلى القاع دائراً حول جدران البئر الداخلية, ينفذ الماء إلى المقياس من النيل عبر ثلاث فتحات عند القاع على شكل عقود مدببة ترتكز على عُمد متصلة ذات تيجان. وحيثما ذهب البصر داخل المقياس تكون هناك دائماً تلك الزخارف الرائعة والآيات القرآنية المكتوبة فوق العقود بخط كوفيّ جميل, وهو الخط نفسه الذي نقرؤه بأعلى عمود المقياس مثمّن الأضلاع المدوّن عليه 19 ذراعاً.
خرجنا من بئر مقياس النيل إلى الحديقة الغنّاء والتي تحيط به, وهي ذاتها حديقة قصر حسين باشا (المناسترلى) ذي العمارة التركية الرقيقة. وقد مدّت وزارة الثقافة المصرية يد التطوير إلى المكان لتتحول أكبر قاعات القصر إلى قاعة للموسيقى, وفي الجزء الغربي من القصر يقوم متحف سيدة الغناء العربي أم كلثوم.
يمّمنا وجوهنا إلى الشرق ونحن في رحاب النهر, وكانت لوحة الفسطاط أمامنا, بعضها صار واقعاً وبعضها في ضمير المشروع, وهو مشروع جدير بالتحقق, وتحققه جدير بالاهتمام, لعل يمامات الإبداع تأوي وتفرخ في خيمته الرحيبة
