من يعشق القراءة يعرف هذا الشعور بالنشوة العارمة، حين يجد 336.253 كتابًا بين يديه، ليست مكدسة فوق بعضها بعضًا، بل على مساحة 171.716 كيلو مترًا مربعًا، كل كتاب له شخصيته المستقلة، كل كتاب له مساحة يقف فيها شامخًا، ومسلطًا عليه ضوء يناسب ألوان الغلاف، وهنا وهناك يقف المؤلف ليتحدث إلى قرائه، ويوقع لهم النسخ التي اشتروها. ربما تدور الأرض حول الشمس مرات ومرات، ويحل صباح بعد مساء، دون أن ينتبه الزائر إلى أنه لا يزال في أكبر معرض للكتب في العالم في مدينة فرانكفورت الألمانية، وإلى أن أيام المعرض من الثامن وحتى الثالث عشر من شهر أكتوبر، قد انقضت وأن عليه الرحيل، وقد امتلأت حقائبه بكتب فوق كتب، لا يكفيه العمر لقراءتها كلها، ويخشى أن يصبح «كمثل الحمار يحمل أسفارًا». في الطريق مع ساعات الفجر الأولى ترى السيارات على الطرق السريعة المؤدية إلى المعرض، مختلفة عن بقية أيام السنة، فلوحات السيارات بعضها أصفر للقادمين من هولندا، وأخرى حمراء من بلجيكا، وغيرها من السويد وفنلندا، وإيطاليا، ودول غيرها كثيرة، وقوافل لا أول لها ولا آخر من روسيا، التي هي ضيفة الشرف هذا العام. لا تحتاج السيارات إلى دخول المدينة، ولا لفرض فوضى السير داخلها، بل هناك طريق سريع مباشر مخصص للذهاب إلى المعرض، ولكنك تفاجأ بأنه يأخذك بعيدًا عن المكان الذي تعرفه. طوابير السيارات تصطف بجانب بعضها بعضًا، ـ في مشهد يذكرك بالواقفين على الجمعيات التعاونية، في انتظار المواد التموينية المدعومة حكوميًا. وهناك جيش من الشباب من جميع الجنسيات، يدلك على مكان انتظار السيارة، دون مزاحمة، ولا بقشيش، ولا من يلمع لك زجاج السيارة عنوة. علمًا بأن رسم الانتظار محدد لليوم كله، بحيث لا تحتاج إلى الاستعجال. ويمكنك دفع الرسوم في بداية اليوم، بحيث لا تحتاج إلى الانتظار الطويل عند انصراف جميع السيارات في نفس التوقيت تقريبًا، حين يغلق المعرض أبوابه. وتجد في انتظارك حافلات تنقلك إلى أرض المعرض مباشرة، وتدخل إلى صالة رقم 3، حيث تجد عشرات الأماكن لشراء تذكرة الدخول، والتي تبلغ قيمتها 9 يورو، إضافة إلى رسوم انتظار السيارة 8 يورو، أي حوالي 70 ريالاً سعوديًا. وهو مبلغ ضخم، ولكنه يتضاءل حين تعرف أن إدارة المعرض قد أنفقت في هذا العام وحده، حوالي مليار يورو لتطوير خدمات المعرض، وهو ما يظهر في كل صغيرة وكبيرة تدقق النظر فيها. كتب وندوات في هذه الصالة تجد كتب الأدب، روايات ومسرحيات، وقصص أطفال، وكتبًا عن التعليم، وكتبًا مدرسية تطبعها دور النشر الخاصة، ـ حيث لا يحق للدولة طباعة الكتب المدرسية، بل تضع سلطات التعليم الموضوعات التي يجب أن يتعلمها التلميذ، فتوفر دور النشر هذه الموضوعات بطرق مختلفة، وتعتمد السلطات التعليمية عشرات الكتب التي ترى أنها توفر هذه المعلومات، وتنتقي كل مدرسة الكتاب الذي ترى أنه أقرب إلى الفلسفة التي تنتهجها. ومازلنا في نفس الصالة 3، حيث خصصت إدارة المعرض طابقًا بأكمله لدور نشر الكتب الدينية، التي استضاف بعضها رجال دين، يتناقشون مع المعلمين في مدى توفر البعد الإيماني في هذه الكتب، وعدم اقتصارها على توفير المعلومات عن الدين، دون الحرص على تطبيقه، باعتبار أمور العبادة من الحرية الشخصية، التي لا يحق للدولة أن تتدخل فيها، ما جعل محكمة ألمانيا توافق ولي أمر في ولاية بافاريا في حكم لها قبل حوالي ثلاثة أعوام، على رأيه بضرورة نزع الصليب من قاعة الدرس، لأن ذلك يؤثر على الحالة النفسية لابنه، وتجعله يتأثر في عقله الباطن بهذا الرمز، وكذلك إجماع 7 ولايات من بين 16 ولاية ألمانية على منع المعلمة التي تصر على أن ترتدي الحجاب من التدريس في المدارس الحكومية، حتى لا تتأثر الطالبات بهذا الرمز. وهذه مجرد عينة من الندوات التي تعقد على هامش المعرض. وهناك طابق آخر في هذه الصالة، يضم دور نشر الكتب السياحية، معالم كل مدينة ودولة، وكيفية الوصول إليها، ومعلومات عن سكان البلاد، والعادات والتقاليد الواجب احترامها، والأكلات الشعبية، وأماكن توفرها في مطاعم جيدة. وفي هذا الطابق بالذات ساد جو مختلف تمامًا عن غيره، من طوابق المعرض، والسبب في ذلك راقصة شرقية واحدة، ومعها فرقة موسيقية، حولا المكان إلى حفل عرس، دون عروسين، وشارك الجميع في التصفيق، وصعد الناس على أكتاف بعضهم بعضًا، ليروا الشرق الذي يحبونه، شرق دون نزاع شرق أوسطي، ودون أسئلة من نوع: هل العمليات الفدائية، انتحارية أم إرهابية؟ ولا خلافات حول دور القوات الأمريكية في العراق، هل هي قوات تحرير أم احتلال؟ ولا صراع حضارات، بل اجتماع على التصفيق، دون أن يعرف أحد لماذا يصفق، وما مصدر هذه السعادة التي تتملكه؟ أكثر من 70 ألف كتاب جديد، لماذا؟ إذا وقفت في مدخل هذه الصالة، أو على الأصح هذا المبنى المكون من عدة طوابق، لا ترى آخرها، ليس بسبب كثرة عدد الزوار فحسب، بل بسبب المساحة الشاسعة. وفجأة تسأل نفسك، ما كل هذه الكتب الجديدة، البالغ عددها في هذا العام وحده 74.147 كتابًا؟، تظهر في المعرض للمرة الأولى. ورغم أن عدد هؤلاء الدارسين، من أبناء الأسر المسيحية المتشددة، لا يزيد على 300 طفل من الذين اختاروا (مدرسة فلادلفيا)، على المدارس المعترف بها، فإن خبراء التدريس يتهيبون من أن يتخذ البعض أي مصادقة لسلطات التعليم على هذا الوضع، سالفة يقاس عليها. فيطلب المسلمون مثلاً بسحب أبنائهم من المدارس الحكومية، في الوقت الذي تبذل فيه سلطات التعليم جهودًا متواصلة لتأمين مدرسي تنشئة إسلامية للأطفال المسلمين، لتراعي حاجاتهم الدينية بدلاً من ابتعادهم عن مجتمعهم الجديد. رغم أنها ليست كتبًا علمية، تحوي اكتشافات جديدة في الطب أو علوم الطبيعة، أو الكمبيوتر، بل هي كتب في مجال الإنسانيات، أفكار تلو أفكار. هل هناك ثورات فكرية، تقتضي كل هذا الفيضان من الكتب؟ هل نشأت أيديولوجيات مبتكرة، محت ما قبلها، وأظهرت فشلها في فهم العالم، أم أن كل من هب ودب أصبح يرى أن من حقه أن يشرح لنا كيف نفهم العالم؟ قررت العودة من جديد، والبحث عن الجديد الذي يستدعي نشر كل هذه الكتب، فتشت في العناوين، وملخص كل كتاب موجود على غلافه الخلفي، وجدت روايات جديدة لكتاب مرموقين، وقصصًا من الحياة، لأطفال أيتام، ولصحفية عايشت حرب أفغانستان، فتروي الأحداث من خلال التركيز على بائع صحف، وقصصًا بوليسية لجرائم شنيعة، يحتاج بعض القراء إلى تعذيب النفس من خلال قراءتها. ووجدت قصصًا واقعية عن يوميات الصحفي، الذي يخسر أسرته من أجل تزويد القراء بالمعلومات، وعن الدولتين الألمانيتين الرأسمالية والشيوعية، قبل ذوبان الثانية، وابتلاع الأولى لها. وهناك كتب لمؤلفات من أنصار حقوق المرأة، اللاتي لا يكفيهن ما تحقق للمرأة، بل يردن المزيد، أي المطالبة بإلغاء حق الانتخاب من الرجال، والتوسع في ظاهرة (رب البيت)، بدلاً من (ربة البيت)، أي تحول الرجال إلى كائنات منزلية وديعة، لا وظيفة لها غير إطاعة أوامر الأستاذ حرمه المصون. وهناك كتب عن المدينة الفاضلة، بعيدة عن عالم الشرور، الذي نحيا فيه، وكتاب آخر ألفه مصفف شعر كبار السياسيين ورجال الصناعة في ألمانيا، بالتعاون مع أستاذة جامعية في علم الفلسفة، ليخلطا (دردشة) مصفف الشعر مع عمق عالمة الفلسفة. وكتاب آخر عن كيفية إقناع الطفل بوجود الإله في هذا العالم الوجودي الملحد، وقصص الألمان الذين شردهم البولنديون والتشيك بعد الحرب العالمية الثانية، وكتاب عن كيفية إعداد أرقى الوجبات، ووضعها في الطبق في صورة لوحة فنية بديعة، تستحي أن تلتهمها، وتهضمها معدتك، ولكن المؤلف يؤكد دومًا أن «مذاق الطعام تحدده العين أيضًا». وإلى جانب ذلك هناك كتب عن السياسيين، وزير الداخلية الألماني أوتوشيلي، الذي كان يساريًا مدافعًا عن الإرهابيين اليساريين من جيش الألوية الحمراء، وكيف تحول من متظاهر يرفعه رجال الشرطة بالقوة، إلى وزير محافظ يطالب بتطبيق القانون على من يخرقه، بلا هوادة. والمستشار الألماني الأسبق هيلموت شميدت، الذي لا يأبه برأي الآخرين، وتكفيه قناعاته الداخلية، كان يحضر إلى جلسة مجلس الوزراء قبل الآخرين بساعات، وكان يبقى طوال الليل يقرأ في الموضوعات المتعلقة ببنود اليوم التالي، والويل للوزير الذي يأتي وهو لا يعرف تفاصيل الموضوع الذي يريد طرحه. وهناك السيرة الذاتية لمغن، نجح أحد البرامج الساذجة في جعله مشهورًا، لا يهم بأي شيء صار مشهورًا، المهم أنه أصبح معروفًا ولو بسذاجته، وأخرى اسمها نادية فرج، من أب سوداني وأم ألمانية، كل ما نجحت فيه، هو أنها كانت صديقة لمغن ألماني شهير. في الطريق إلى القسم العربي استعذت بالله من كل الشرور والوساوس، وقررت الذهاب إلى «القسم العربي»، الذي سمعت عنه كثيرًا، قيل لي أن جامعة الدول العربية قد حققت في الغرب ما لم تفلح في عمله في عقر دارها، وأن الجامعة قد حصلت على صالة لدور النشر العربية. توجهت إلى أحد مكاتب الاستعلامات، المتوفرة في كل ركن من المعرض، واستغربت عندما طال بحث الموظفة عن (الصالة العربية)، وأخيرًا قالت لي إن (الركن العربي)، موجود في الصالة رقم 6، الطابق الأول، الصف الخامس، الفرع E، شكرت وأسرعت بالمشي قبل أن تسلمني شريحة زجاجية، أضع عليها هذا الركن، (للتعرف عليه تحت المجهر). ولأنني اعتدت أن أكون متواضعًا، وألا أرفع رأسي أبدًا إلى أعلى، فإنني لا أقرأ البيانات الدالة على المكان، إلا بعد أن أفتش لساعات طوال، أستمتع فيها بالتأمل في أقسام، لم أكن أنوي زيارتها، وأجد انتباهي ينصرف إلى أشياء ثانوية. ففي الطابق الأرضي بإحدى الصالات، اكتشفت فيما بعد أنها الصالة رقم 4 وليست رقم 6، وجدت معرضًا كاملاً عن علاقة الكتاب بالسينما، من روايات جرى تصويرها لأفلام، وسيناريو يحدد كيفية نقل النص الروائي، إلى نص حواري. في كل ركن تجد مجموعة من الناس تجلس إما لمشاهدة فيلم، ترجع قصته إلى كتاب قرأه بعضهم من قبل، أو تناقش هذه المجموعة مخرجًا، أو مؤلفًا في العمل الذي قام عليه الفيلم، أو تحاور ممثلاً أو ممثلة في طريقة أدائهم لمشهد ما. وهناك قاعة ضخمة للصحافة، توفرت فيها أجهزة كمبيوتر لا حصر لها، لمن أراد إرسال التقارير إلى مؤسسته الصحفية فورًا، ودون تأخير، وهناك أطنان من البيانات الصحفية، لجميع دور النشر، والمؤسسات الصحفية، وهناك ندوات للصحفين مع أصحاب دور النشر، وهناك ركن (لتدليل الصحفيين)، عبارة عن مقاعد وثيرة بالمساج، لتريحهم من عناء الجري المتواصل بين أركان المعرض. خرجت من هذه الصالة بعد أن اكتشفت خطئي، وتوجهت إلى القاعة رقم 6، وهناك وجدت في الطابق الأول، عشرات دور النشر اليابانية، ووجدت صورًا من الشرق على أغلفة الكتب الكثيرة، باللغات اليابانية، والألمانية، والإنجليزية، ثم رأيت رجلاً في منتهى الذوق يرحب بسيدة أنيقة كبيرة متقدمة في السن، ينحني أمامها فترد بانحناءة مشابهة، وأعاد الانحناء فكررت فعلتها، وعندما تحولا إلى زمبرك لا يتوقف عن هذه الحركة أدرت ظهري، وانصرفت. وأخيرًا عثرت على الطابق الأول، الصف الخامس، الفرع E. فوجدت ركنًا لجامعة الدول العربية، ليس فيه أي كتاب على الإطلاق، بل خزائن زجاجية، بها مشغولات معدنية رقيقة من الشرق، مثل حلي البدو وغيرها. ثم دخلت وكلي شوق إلى العالم العربي، فوجدت مؤسسة الأهرام المصرية، وقد حجزت لها مكانًا ضخمًا كما اعتادت كل سنة، وكذلك ركن لدور النشر المصرية، تحت إشراف الهيئة العامة للكتاب، وبعدها قسم لاتحاد الناشرين العرب، اجتمع فيه الكثير من الموظفين، الجالسين حول طاولات، بعضهم يقرأ في كتب أعجبته، وبعضهم الآخر تشعر أنه في جلسة مغلقة، لا يصح أن تزعجهم بسؤالهم عن شيء، وكلما تجرأت وسألت بعضهم عن حجم المشاركة أو أهدافها، يتبين لك أن السيد المسؤول المخول بالحديث غير موجود حاليًا، بل في مأمورية داخل المعرض، وأنه سيعود قريبًا. الركن السعودي، عبارة عن شاشة عرض كبيرة، لا يقف عندها أحد من الزوار، لأنها تعرض فقرات من النوع الذي يستمر لفترة طويلة، وليس هناك مقاعد للجلوس، ولا يمكن استيعاب الفكرة من نظرة عابرة، وبعضها باللغة الإنجليزية. وهناك قسم لوزارة التربية والتعليم (المعارف سابقًا)، يجلس أمامه موظف كبير السن، دمث الخلق، تشعر أنه كوالدك، يستمع إليك باهتمام، ويرد عليك بذوق بالغ. علاوة على مشاركة ممثلين عن وزارة الشؤون الإسلامية، وعن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، وغيرها من المؤسسات والوزارات. والركن الكويتي يعج بالمطبوعات الفاخرة، في مختلف العلوم، ويختلف عن بقية الأقسام العربية. وهناك القسم اللبناني بمشاركة 20 دار نشر، من مختلف التوجهات، الكتاب الديني، والموسوعات، وكل فروع العلم، ووجدت كتيبًا أنيقًا بأربع لغات، اسمه كاتبات من لبنان، مثل عبلة فرهود، ورشا الأمير، وهدى بركات، وأندريه شديد، وفينوس خوري غاتا، وحنان الشيخ، وهدى النعماني. وفي مقدمة الكتاب نقرأ ما كتبه وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة، وهو يقول: «وأخالنا، من خلال رفع النقاب عن تأرجحات الهوية النسائية، ساعين إلى جمعها بتلعثمات الرجال، وبالتالي إلى تمهيد الطريق أمام تقاربات مثمرة وخصبة». وهنا أتساءل: هل لابد أن نعرض أنفسنا للغرب بالطريقة التي يريد الغرب أن يرانا عليها، أم كما نحب نحن أن نظهر، بغض النظر عن توقعات الآخرين، بحيث نكون أكثر إقناعًا، وتأثيرًا بالرسالة التي نريد إيصالها إلى العالم؟ وانتهى القسم العربي، دون مقدمات، اللهم إلا من وجود قاعة للصلاة، تجنبك البحث عن ركن هنا أو هناك، للصلاة أمام من يتحدث بصوت عال، ومن يستغرب لنزولك على الأرض ساجدًا، ومن يصورك في هذا الموقف وكأنك هبطت من كوكب آخر. وبعد القسم العربي مباشرة، وجدت الأمم المتحدة قد وضعت الكثير من الكتب عن حقوق الإنسان، باللغة العربية، وعن التطرف الديني في مختلف الأديان، بل وكلفت مجموعة من الباحثين بإعداد كتاب مدرسي بالعربية أيضًا، يبين كيفية تلقين الطفل الصغير مبادئ حقوق الإنسان، بحيث يشب وهو مستعد للدفاع عنها، ولو اضطر إلى الوقوف أمام المجتمع بأكمله. العالم يعرض نفسه وما كدت أقترب من القسم الهندي، حتى وجدت رائحة الطعام طاغية على المكان، ووجدت السيدة المسؤولة عن القسم، تجلس باللباس الهندي المميز، وأمامها ما لذ وما طاب من الطعام، الذي يكفي أسرة كاملة. فتمنيت لها شهية طيبة، رغم أنني على يقين بأنها لا تحتاج إلى أي دعاء لها بذلك. وعلى مسافة قريبة من القسم الهندي، لا يستدعي الوصول إليها، أي ترسانة صواريخ بعيدة المدى، بل ولا حتى متوسطة المدى، ولا تجارب نووية، وجدت القسم الباكستاني، وقد عج بكتب فاخرة أنيقة، تشعر أنك تستطيع قراءتها، ولكنك لا تفهم شيئًا مما تقرؤه. وفي إحدى الأركان بالقرب من السلالم، شاهدت اثنين من الإخوة الأفارقة في منتهى الأناقة، ربطة العنف المناسبة تمامًا للون القميص، والبدلة الداكنة، بخطوط رقيقة زرقاء فاتحة. وجدتهما قد قررا الجلوس على الأرض، وقد خلعا أحذيتهما، وافترشا هذا الركن، غير عابئين بنظرات المارة على الإطلاق. وبعد خمس دقائق، وجدت قبيلة إفريقية بأكملها قد اجتمعت هناك، وتذكرت نفس المشهد عند السلالم المتحركة في الحرم المكي، حيث يجلس الناس غير عابئين بسد الطريق، ومنع المارة من الحركة، المهم أنهم جلسوا. روسيا ضيفة الشرف ولأن روسيا هي ضيفة الشرف هذا العام، فهناك مبنى مستقل يضم لوحات فنية من روسيا، وكثيرات من النسوة يبين كيفية صنع المفارش الروسية بالخيوط والعصي، والدمى الروسية، التي تفتح غطاء أحدها، فتجد أصغر منها داخلها، وتستمر تفعل ذلك، حتى تجد الأرض امتلأت حولك بهذه الدمى، ولكنك لم تصل بعد إلى أصغر دمية في الداخل. ثم تجد قاعة ضخمة للغاية، فيها كتب لا حصر لها مرتبة أبجديًا، تتناول الأدب الروسي باللغة الألمانية، وقصص الأطفال، ومختلف التخصصات، وحشدًا من الناس يبدو أنهم من المهاجرين الروس إلى ألمانيا، الذين يعتبرهم الروس ألمانًا، لأن أجدادهم رحلوا إلى بطرسبورج وغيرها قبل عشرات السنين، وينظر الألمان إليهم باعتبارهم روسيين، لا يربطهم بألمانيا سوى شهادة ميلاد جد أو جدة، لقيا حتفهما قبل أن يراهما هؤلاء الأحفاد. وبذلك فإن هذه الكتب التي تربط الفكر الروسي باللغة الألمانية، تجعلهم يشعرون بأن هناك كائنات أخرى، حتى ولو كانت مجرد كتب، يختلط داخلها العنصر الروسي بالألماني. وأمام هذه القاعة خشبة مسرح كبيرة، تقف عليها فرقة روسية ألمانية، تعزف أغاني شهيرة يرددها المتفرجون، الذين قرروا التوقف لفترة استراحة بعيدًا عن عالم الكتب، ليتناولوا الغداء ويتوقفوا لحظات عن مواصلة رحلة الألف ميل، داخل معرض الكتاب. رائحة دهن الخنزير المنبعثة من المطاعم المفتوحة، تثير الغثيان، وطابور شراء البطاطس لا آخر له، وجموع الناس تلتهم على مدار فترة المعرض أطنانًا لا حصر لها من هذا النبات، ولكن الغريب أنه لا توجد ورقة على الأرض، ولا سلة قمامة ممتلئة عن آخرها، والأغرب أن دورات المياة متوفرة في كل ركن، وفي كل منها شخص ينظفها فورًا، بحيث لا تتسخ أبدًا، واستخدامها هنا ليس مقابل رسوم محددة، كما هو الحال في الطرق السريعة، ولكن يمكنك إعطاء عامل النظافة ما شئت، دون إلحاح منه. المسؤولون الروس يتوافدون دون انقطاع، وبرفقتهم مسؤولون ألمان من نفس الدرجة، والسجاد الأحمر مفروش في أماكن كثيرة، ولكن مواكب هذه الشخصيات، لا تحتاج إلى وقوف جنود أمن قبلها بيوم لحراسة الرصيف الذي قد تمر بجواره سيارة المسؤول الكبير، ولا تحتاج الشرطة إلى ضرب المشاة ودفعهم بعيدًا عن هؤلاء المسؤولين، رغم وقوع حادث اغتيال وزيرة خارجية السويد مؤخرًا. فليأكل الناس بطاطسهم، وليتفقد المسؤولون أجنحة بلادهم. ولكن ليست هذه القاعة المستقلة، ولا خشبة المسرح، هما مكان الوجود الروسي فحسب، فدور النشر الروسية الثمانون موجودة في صالة 5 أيضًا، علاوة على أن صالة 1 و2 مخصصة لاحتفالات متعلقة بروسيا، حيث جاؤوا بفرق خاصة من أجل هذه الحفلات. صفقات ولقاءات وأسرار لكن معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، ليس مكانًا لعرض الكتب من جميع دول العالم فحسب، بل هو أكبر مكان لعقد الصفقات المتعلقة بالكتب على الإطلاق. فمثلاً الممثل الشهير وودي ألين قد أعلن أنه مستعد لتوقيع عقد لكتابة سيرته الذاتية، مع من يدفع سعرًا مقبولاً. ورغم أن الكثير من دور النشر تجاهلت هذا الإعلان في ليلة الافتتاح، فإنه جرى الإعلان في اليوم التالي عن حصول الممثل الأمريكي على نصف مليون يورو كمقدم فقط، وتوقع الخبراء أن تتراوح قيمة المكافأة بين 8 إلى 10 ملايين يورو. 98% من طلاب التعليم المنزلي يشاركون في اثنين أو أكثر من الأنشطة الاجتماعية الخارجية أسبوعيًا. وهذا يثبت في شطر من الحقيقة التي الخاصة.لاب هذا النوع من التعليم يشاهدون االخاصة.لخاصة. أقل من نظائرهم في المدارس العامة و الخاصة. 65% من طلاب التعليم المدرسي في البيت يشاهدون التلفزيون مدة ساعة فقط أو أقل من ساعة في النهار، ومن جهة أخرى فإن 40% من تلاميذ المدارس يشاهون التلفزيون لمدة تعلو على ثلاث ساعات في اليوم فقط. تفطن البروفسور «لاري شايرز 1992» أن تلاميذ المدارس العامة لديهم مشكلات سلوكية أكثر من تلاميذ التعليم البيتي، وهذا لأن اكتساب السلوكيات الأولية لهؤلاء التلاميذ يجيء مباشرة من الأبوين بينما تلاميذ المدارس يكتسبون عدة سلوكياتهم الأولية من أقرانهم في المدرسة و هذا يؤدي إلى مشكلات سلوكية جمة في المدرسة. وبشكل عمومي لم يجد البروفسور لاري فروقًا معتبرة في مسألة النضج الاجتماعي بين تلاميذ التعليم البيتي و تلاميذ التعليم العام في المدارس الحكومية و الأهلية. الباحث في السياسات التربوية (جي قاري كونلز) صرح:«لم أعثر على دليلاً على أن البالغين من هؤلاء التلاميذ ليسوا مهيئين اجتماعيًا، ثلثا رقم البالغين منهم متزوجون، ولا يوجد منهم عاطل عن العمل، أو حتى يتلقى معاونات من جمعية خيرية. وتبين أن وودي ألن يريد أن يفوق ما يحصل عليه، المكافأة التي جنتها زوجته السابقة، ميا فارو، مقابل كتابتها مذكراتها التي تسببت له في فضائح كثيرة. وقد كتبت مجلة (شبيجل) الواسعة الانتشار أن دور النشر الألمانية تتعرض إلى أزمة خانقة بفعل الحالة الاقتصادية المتردية، وعدم توقع انتعاش اقتصادي في الوقت الراهن، ما يجعل القارئ يتردد كثيرًا في شراء الكتب، أكثر من أي وقت مضى. وفي ظل هذا المزاج المتردي، لم تتكرر الاحتفالات الضخمة التي اعتادها الناشرون القادمون من جميع أنحاء العالم. كما يتيح المعرض الفرصة الفريدة للمترجمين للقاء بالمؤلفين، الذين ينقلون كتبهم إلى اللغات الأخرى. كما يتم التفاوض على اندماج دور النشر، والتنسيق بين إحدى دور النشر الأوروبية ونظيرتها الأمريكية. وقد طالبت وزيرة الثقافة الألمانية برفع مكافآت المترجمين، «لأن ما يحصل عليه المترجم، أقل من أجر عامل النظافة». كما أن هناك صالة كاملة لعرض مستلزمات دور النشر، من برامج كمبيوتر حديثة، توفر ترتيب الكتب بطريقة تكفل العثور عليها في أسرع وقت، ومخازن مصنوعة من الأخشاب أو البلاستيك أو غيرها، والملصقات التي توضح السعر، وأكياس بيع الكتب. ولكن الركن الذي يأخذ الألباب هو قسم أوراق الهدايا، والخيوط والأشرطة المستخدمة في ربطها، والملصقات الورقية التي تحتوي على اسم المكتبة، وأي شيء يخطر على بال المشتري لإهداء هذا الكتاب. ومن العدل أن نشير إلى أن سعر القصة متوسطة الحجم لا يقل عن 20 يورو، أي حوالي 80 ريالاً، ولكن نوعية الأوراق، وكيفية لصقها معًا، والغلاف الفاخر، والرسومات الموحية بمضمون القصة، والملخص الجذاب على ظهر القصة، وأهم المعلومات عن المؤلف في ظهر الغلاف، علاوة على وجود ورقة خارجية لحفظ الغلاف، تكون هي نفسها تحفة فنية، من ناحية الجودة، والأناقة وتناسق الألوان، بحيث تستمتع في أثناء القراءة. فلا أخطاء مطبعية على الإطلاق، ولا نقطة حبر هنا أو هناك، ولا غلاف يتغير لونه بفعل عرق اليد في أثناء القراءة، ولا أوراق منفصلة عن بقية الكتاب. العالم العربي ضيف العام القادم لست أعرف إذا كانت هذه بشرى أزفها إلى القارئ، أم تحذير مما سيحدث؟ فقد وقع الاختيار على العالم العربي ليكون ضيف معرض الكتاب الدولي في فرانكفورت لعام 2004، وسبب تخوفي هو ما ذكره رئيس المعرض السيد فولكر نويمان، من أن عدد الكتب العربية المترجمة إلى الألمانية حاليًا، يتراوح بين 500 كتاب من بين 125.000 كتاب مترجم من العديد من اللغات. وأن ترجمة هذه الكتب العربية جاءت بتمويل من وزارة الخارجية الألمانية، ومن مؤسسات سويسرية!!!! ومن اشتغل في حقل الترجمة، يعرف أنه لم يعد من الوقت الكثير، لاستدراك هذا الخلل، لو أردنا أن نعرض للعالم إنتاجنا الثقافي والفكري، ونسعى إلى تصحيح الصور المنتشرة عنا في الغرب، من جراء بعض الكارهين لنا لأسباب معروفة، وبفضل جهل بعضنا في كيفية تصحيح هذه الصورة. المطلوب لجان لا يهدف أعضاؤها إلى الحصول على بدلات، بل إلى اختيار الكتب المطلوب ترجمتها بأسرع ما يمكن، واعتماد مترجمين ظهرت كفاءتهم. ولنا في تجربة وزارة التربية والتعليم السعودية قدوة حسنة، إذ استطاعت في زمن قياسي توفير كتاب (صورة العرب والمسلمين في المناهج الدراسية حول العالم)، بالعديد من اللغات. ومادام الأمر لا يقتصر على الكتب بل يحتاج إلى محاضرات، وندوات ومناقشات كثيرة، فلابد من التفتيش عن المحاضرين الذين يتقنون اللغة الألمانية في مختلف القضايا، وإبلاغهم من الآن بوضع تصور شامل لهذه الأنشطة، بعيدًا عن أسلوب الدفاع السقيم، الذي يخلو من الحجج، بل يسعى إلى نفي الاتهامات، من خلال القول بأنها غير صحيحة فقط، كما ورد في كلمة أحد المسؤولين العرب، في مناسبة الإعلان عن حصول العالم العربي على ضيافة معرض الكتاب، حيث قال في كلمته: «إننا نلحظ اليوم في العالم الغربي صورة أحادية التفكير، مشتقة من قوى استشراقية ترى العالم العربي بتاريخه العريق، وحاضره بل ومستقبله، مجرد كتلة منعزلة عن بقية العالم، وهي القوى نفسها التي ترى في الإسلام كتلة صماء، وتجعل الإسلام والثقافة العربية مصطلحين مترادفين، بحيث تختزلهما في إطار ضيق من الإرهاب المتطرف». كما أقترح انتقاء مجموعة من المسؤولين المشاركين في المعرض، من النوع الذي يعرف معنى العمل كفريق، بحيث لا يكون حديث أفرادها دومًا، عبارة عن شكوى من عدم تعاون الآخرين معهم، وأن وزارتهم لم تبلغهم بالحضور إلا قبل السفر بأسبوعين، وأن كل الإيجابيات التي يمكن أن تكون موجودة، هي من جهودهم الذاتية وحدهم. كما يجب انتقاء الكتب بعناية، بحيث تكون خير واجهة لعالمنا العربي، الذي لا تتفق بلدانه في كل شيء، ولكنه بالرغم من ذلك قادر على أن يقوم بعمل مشترك، يشاهده زوار المعرض البالغ عددهم حوالي 400 ألف شخص، لا لكي تتبدل آراؤهم، بل يكفي أن تهتز قناعاتهم بالأحكام المسبقة الجائرة على وطننا العربي. وأعود إلى معرض هذا العام، وأفكر لحظة في الساعات الست التي مشيتها، وتمنيت لو كانت الخطوة بنصف حسنة، لكنت اليوم جمعت جبلاً من الحسنات. وأنظر من الشرفة الكبيرة من أعلى الصالة رقم 5، لأرى عالمًا مختلط الألوان والأشكال، فيه التي ترتدي النقاب، والتي تلبس الساري الهندي، والتي قررت الاكتفاء بورقة التوت، وفيه الرجال الذين يلبسون العمائم، ومن يرتدون الزي الأفغاني، ومن يلبس البدلة الداكنة، ومن يلبس الجينز. تشعر أن المعرض قد أصبح أممًا متحدة، لكن دون مجلس أمن جائر، ولا فيتو ظالم، ولا حروب ولا منازعات، بل هو عالم سلمي. لعل ذلك هو الحل، ألم يرد في أول كلمة نزلت من السماء )اقرأ(. فهيا بنا نقرأ.
