تقف عند الباب الداخلي للفيلا .. تنظر إلى السماء .. شمس الظهيرة الحارقة تلهب الأرض .. فتجف وتجف .. حتى تتشقق .. تنظر إلى حديقة المنزل .. أصفر لون العشب الذي كان أخضرا رائعا .. شجيرات الورد الصغيرة .. ذابلة محدودبة الظهر .. تبحث عن ظل تحتمي به .. كأنها تستجير بالأرض من الشمس .. كل الشجيرات .. ماعدا عباد الشمس .. هذه النبتة التي تبحث عن الشمس فتتجه إليها رافعة رأسها .. شامخة .. مثل شخص أنجز عملا عظيما يرفع رأسه ليواجه الجماهير ويحييهم بكل فخر وغرور .. ومع أنها عادية إلا أنها تختلف عن بقية الأشجار في هذا البحث عن الشمس والاتجاه إليها .. تنهدت بعمق .. تتقدم منها والدتها " ما بك ؟؟ فيم تفكرين يا ابنتي ؟"
تجيب والحسرة تتردد كصدى في صوتها " لاشيء يا أمي .. لاشيء"
تنظر إليها أمها .. ترى ابنتها تتألم أمامها .. وتلمح الهم يسكن عينيها .. تحس حزنا مكبوتا ينهش قلبها وكيانها .. حزن لا تقوى الجبال على حمله .. لكنها لا تظهر شيئا لأحد ولا تفصح عن هم ..
" يا ابنتي .." تبادرها " أما يكفي هذا .. كل هذا الشرود . وهذا الحزن .. يقول أخاك إن زوجك رجل تفكيره تافه .. أرجوك لا تحزني يا ابنتي "
تنظر إلى أمها " يا أمي .. ليس الحزن رداء ألبسه وأخلعه متى أشاء .. لو كان الحزن جزءا محسوسا من جسمي لبترته .. لكنه سكن دمي .. وعقلي "
تكاد الأم أن تيأس من محاولة إخراج ابنتها مما هي فيه " يا ابنتي .. كل شيء بيد الله فلا تيأسي من رحمته "
يأتي إليها أحد أحفادها لاهثا " جدتي .. جدتي .. أبي يريد قلع النخلة الكبيرة" ويكمل " النخلة الكبيرة التي في زاوية المنزل"
تعلق غاضبة " هل جن أبوك؟.. لو كان يريد قلعها فهو فعلا مجنون "
يركض الصبي عائدا من حيث أتى .. تتجه الأم إلى حيث أشار .. مسرعة تستعجل خطاها لتصل قبل حدوث شيء .. تنادي بصوت عال " علي .. علي ... ما الذي تفعله هناك "
يفاجأ علي بأمه ولا يكاد يستوعب الموقف حتى يجدها واقفة أمامه .. ممسكا بالفأس وقد حفر جزءا بسيطا من التربة تحت النخلة .. ما الذي يمكنه قوله .. أو فعله .. تنظر إليه بغضب .. - ماذا تقولين •• أنت كتبتيها .•• : لكن هذه رسائلي أنا •• أنا •• أنا كتبتها •• ,!•• ، إهدأ يا أبي •• إهدأ •• تقول فُصلتْ ثلاث طالبات ؛ نعم فصلن •• ويتم التحقيق مع غيرهن •• لقد اعترفن بأنهن قد أرسلن رسائل تهديد للطالبات بالفعل •• . يبتسم لها ابتسامة صفراء بعد أن ينظر إلى ابنه منذرا له بالعقاب القادم .. لا يعرف كيف يوضح الأمر لأمه .. يجمع الكلمات في نفسه .. وما يكاد ينوي نطقها حتى تتبعثر مرة أخرى .. تتقدم مريم وتقف غير بعيد تراقب الموقف .. لم يتنبه أحد لها .. فالأم غاضبة .. والابن في حال يتمنى أن لا يكون فيه .. والأحفاد ينتظرون هل سيعاقب أبيهم كما هو يعاقبهم .
" ما الذي تفعله ؟؟"
" ها .. أردت .. أردت أن "
" ماذا أردت .. تكلم "
" أردت .. أردت أن أقلع النخلة " قالها كمن يرمي حجرا بعد تردد
" ولم تريد قلعها "
أجابها " لأنها .. لأنها "
تقاطعه " لأنها ماذا .. هل هي ثقيلة عليك ؟.. أم أنها تأخذ مكانا هاما في المنزل .. انظر إنها في زاوية الحديقة "
يقول بصوت به شبه شجاعة " يا أمي .. لا فائدة منها "
فتكمل " وهل زرعناها لفائدة وغرض "
" يا أمي .. اسمعيني بهدوء .. لنناقش الموضوع .. كم عمر هذه النخلة "
لا تجيب الأم بل يبدو عليها الضيق فيحاول مرة أخرى " يا أمي .. كم عمرها "
تفكر الأم مليا ثم تقول " هذه النخلة زرعها والدك حين كان أخوك عمار في التاسعة من عمره "
التقط الخيط " حسنا .. وكم عمر أخي الآن ؟"
" وما أدراني .. كبرتم وأصبحتم رجالا .. ولم أعد أحسب أعماركم .. ولا أعرف عن أموركم شيئا "
تجاهل تعليقها الأخير وقال " أنا سأخبرك .. أخي عمره الآن خمس وعشرون عاما .. بمعنى أخر أن هذه النخلة عمرها ستة عشر سنة "
فقالت الأم بعصبية " ما الذي يضايقك في عمر الشجرة .. فلتكن مائة عام "
أكمل علي " ليس العمر يا أمي .. اسمعيني .. هذه النخلة زرعناها منذ ستة عشر عاما .. هل أكلت شيئا من ثمرها ؟؟ .. طبعا لا .. إذن .. لم .. - والسقف الذي هار والجدران المتهافت يوماً بعد يوم •• امرأة الوحشة تلفها .امرأة وثلاث قطط •• ودار مظلمة لا يعرف لها النور منفذاً ولا طريقاً : الشمس لم تدخلها قط ,! وأحياناً يقفزن إلى حجرها •• يتشممن تلك الرائحة الكريهة المنبعثة من ثيابها وجسدها • امرأة عجوز •• تقبع في زاوية قرب باب الدار •• تبحث عن نور •• وأنى لها النور وهي في هذه الغرفة الزنزانة ، والأرض التي تنشع ؛ والهواء نفس الهواء • والرطوبة القاتلة ؟ والوحدة تضيق عليها •• والقطط طوافات حولها •• تارة ينظرن إلى خلقتها في شزر - وتارة يطلقن مواء غريباً مخيفاً . اخبريني أنت "
قالت الأم " لأنها لم تثمر "
" هاأنت قلتها بنفسك .. لم تثمر .. كل أشجار النخيل أثمرت إلا هذه "
اعترضت " يا ابني أعلم هذا .. ولكنها من أحسن الفصائل " قال علي " ليس مهما النوع إذا لم يكن هناك ثمر .. ما الفائدة إذن "
قالت الأم في شبه استسلام " ولكنها من ذكرى المرحوم والدك .. اتركها يابني قد تثمر يوما ما "
يقول علي معلنا شبه انتصار " إن كان بها ثمر لأثمرت .. يا أمي لا فائدة منها .. سأقلعها وأرميها .. وأزرع عوضا عنها نخلة مثمرة .. أو شجرة تين .. أو حتى عباد الشمس "
نظر إلى أمه ثم أكمل بحماس " اتركيني لأكمل عملي .. فالنخلة التي لا تثمر .. لا فائدة منها .. نرميها "
تبتعد عنه الأم متبرمة .. يضرب الأرض بكل قوته .. مرة .. مرتين .. يرفع الفأس ليضرب .. يفاجأ بأخته مريم تقف أمامه .. يقول لها " لم أكن أعلم أنك هنا .. ظننتك نائمة"
تنظر إليه .. تحكي عيونها الكثير من الألم والحزن والمعاناة .. والكثير من المفاجأة بما قاله .. يسألها بتردد
" ما بك يا عزيزتي .. لم تنظرين إلي هكذا "
العجز الذي يعتريها .. يمنعها حتى عن التفوه بكلمة .. كل ما تريد قوله يصبح دموعا مالحة كمياه البحر .. كملوحة الحياة وجفاف أرضها .. كغيومها الشحيحة بمطرها .. والتي لا تحجب عنها أشعة الشمس النارية .. وحيدة بصحرائها المترامية الأطراف .. وهل هناك من يتقبلها بصحرائها .. هاهي الآن .. تقف أمام أخيها كالنخلة التي يود قطعها .. تود البوح بما في نفسها من غضب ولكن .. الغصة في صوتها تجعل كلماتها غير مفهومة .
تقول له وكل ذرة في كيانها تتحدث " وهل تملك النخلة حيلة ؟؟.. وهل أملك أنا حيلة؟؟"
وقبل أن يفهم شيئا مما قالته تتركه متجهة إلى المنزل .. تتبعها الأم بعد أن تنظر إلى ابنها نظرة غضبى .. وهو ذاهل ..لا يفهم ما الأمر .. .. ثم .. كمن تذكر شيئا أو فهمه بعد فوات الأوان .. يعض على لسانه كأنه يود قطعه مرددا لنفسه بصوت عال " يا الهي .. ما الذي قلته .."
يرمي الفأس أرضا ويتجه إليها مناديا " مريم .. انتظري .. أنا كنت اقصد النخلة .. نعم اقصدها .. هناك اختلاف .. اختلاف كبير"
