العصافير
في زمن بعيد ، كان الفيل على شكل طائر كبير ، له جناحان داكنان طويلان ، و منقار أصفر أطول من متر .. و كان صوته يشبه الزعيق المزعج .. و فعلاً فقد كان طائراً شرساً ، يهجم على أعشاش الطيور ، و يحطمها بمنقاره القاسي كالعظام .. و يلتهم كل الأطعمة التي تقع عليها عيناه . . كانت الطيور والحيوانات الصغيرة تخشى الطائر الفيل ، و تكره تصرفاته السيئة ..
حتى جاء يوم شاهدت الكائنات هذا الطائر الخرافي ينقض من السماء بسرعة مذهلة ، و يختفي وسط ظلام أغصان شجرة السدر الضخمة .. ثم يعلو زعيقه .. و يستمر ..
تراكضت الكائنات و تحلقت حول جذع السدرة محدقة في الطائر الجشع .. و يا لهول ما رأت : الطائر الطماع ، وقد دخل منقاره الطويل حتى نهاية الرأس بين غصنين متينين ، و انحبس .. أما باقي جسمه فقد تدلى مثل كيس طويل ، و قد ضحكت الحيوانات و الطيور الصغيرة على بطنه الضخم المتدلي .
كان هذا الوحش قد شاهد ـ و هو في الجو ـ بعض الأعشاش التي ملأتها أمهات الطيور الصغيرة بالغذاء ، فأسرع إليها ، هاوياً من السماء حتى نشب في ورطته في الشجرة ..
و الآن ماذا تفعل هذه الكائنات المتجمعة حوله ؟
بعضها مضى إلى سبيله ، و آخرون هزوا رؤوسهم مرددين بعض الحكم ، و جمهور منهم بقي للفرجة والسخرية بعض الوقت ، ثم تفرقوا .. لكن الطائر الفيل المعلق ظل يزعق ، و قد انفتح منقاره على الآخر .. و كانت الطيور المسافرة التي تمر من طريق شجرة السدر تلك ، تقترب منه ، و تضع الطعام في فمه الواسع ، ظانة أنه يزعق من الجوع .. و مع كثرة ما يوضع في فمه من أكل فقد كف عن الزعيق ، و أخذ يلتهم كل ما يوضع في فمه ، و يرسله إلى بطنه بسرعة .. و أخذ البطن يكبر ويتسع و يثقل حتى اقترب من الأرض ، ضاغطاً الجناحين ، و شاداً على رأس الطائر و منقاره .. الجناحان انضغطا حتى صارا طويلين كورقتين عظيمتين .. والمنقار بدأ يلين هو الآخر متحولاً إلى خرطوم طويل .. وهكذا ، و فيما الكائنات تمشي في طريق شجرة السدر سقط الجسم الضخم في الأرض .. و تجمعت الكائنات حوله مرددة باستغراب سؤالها الذي تحول إلى اسم دائم :
• ما هذا الفيل؟
نهض الفيل الثقيل بصعوبة ، و مشى في الطريق إلى الغابة .. و عيناه الصغيرتان تدمعان : حيث لن يطير مرة أخرى !!
كيف أصبح للأرنب أذنان طويلتان ؟!
في الأزمنة البعيدة ، كانت كل الأرانب تعيش بذيل طويل ، و بأذنين قصيرتين ، و كأنها القطط الصغيرة ، و كانت القطط ـ التي تعيش في الجوارـ تشم رائحتها ، و تهاجمها ، و تفتك بصغارها ..
احتارت الأرانب فيما تفعل في حياتها ، و في مستقبلها ؟!
و في يوم ما سمعت عن السلحفاة ، و صبرها ، و حكمتها !
توجه وفد من الأرانب لمقابلة السلحفاة و السلام عليها ، و عرض المشكلة ، و أخذ الرأي !
وصل الوفد و سلم عليها ، و حكى القصة ، و طلب المساعدة ؛ شكرتهن السلحفاة ، و قالت إنها سعيدة لحضورهن ، و هي على استعداد تام لتقديم المساعدة لمن يطلبها ، فهذا مبدؤها في الحياة .. و ستقوم بمساعدتهن ، ولكنها تطلب في البداية أن تكف بعض الأرانب الصغيرة عن وصفها بالبطيئة ، فهي حقاً بطيئة إذا قورنت بالأرانب ، لكن الأرانب بطيئة إذا قورنت بالقطط أو الثعالب ، و هذه بطيئة إذا قورنت بالذئاب .. وهكذا فلكل كائن صفاته التي ينفرد بها عن غيره ..
قطعت الأرانب لها وعداً بذلك .. و أنصتن لما تقول . السلحفاة قالت : إن لديها طريقتها الخاصة ، و التي اكتسبتها من الملاحظة و التفكير و النظر في أمور الحياة ، و باستطاعتها ـ بما أوتيت من علم و حكمة و صبر ـ أن تعالج مشكلة الجيل الجديد ؛ إلا أن الوصول إلى ذلك يحتاج إلى الصبر و التضحية !!
قالت الأرانب : كيف ؟
قالت السلحفاة : سأنتقي أحد الأرانب الكبيرة ، و أجري لها عملية داخل صدفتي ، و سيخرج من هذا الأرنب نوع جديد من الأرانب سريع الحركة ، يتمتع بحاسة سمع قوية !!
اجتمع زعماء الأرانب : و اختاروا الأصح و الأجمل والأقوى و الأطول ذيلاً ، و بعثوابها إلى السلحفاة .. انتقت السلحفاة أطول الأرانب ذيلاً ، و صرفت الباقين .
في صدفتها ، قامت السلحفاة بأخذ الجزء الأكبر من ذيل الأرنب ، و قسمته إلى قطعتين ، و أوصلت كل قطعة بأذن من أذني الأرنب : فأصبح للأرنب أذنان طويلتان !!
الجبل الصغير والأصدقاء!
في أطراف القرية الخضراء عاش جبل صغير أدهم، كان هادئاً، وسعيداً.. ينام طوال الوقت، ولا يهتم بالريح أو الناس أو المطر.
وذات يوم سمع أطفالاً من القرية القريبة منه يتحدثون، وما أثار اهتمامه هو قولهم:
- هذا هو الغول!
وكانوا يشيرون ناحيته.. وبكسله حرك عينيه، ثم تلفت، ولكنه لم يجد غولاً، فأنصت:
- تقول الغول؟.. أين الغول؟.. إنه جبل.. انظر!
- نعم هو جبل، ولكن جدتي قالت إنه جبل مسكون بغول خطير يأكل من يتسلقه، فلا تقتربوا منه!
تضاحك الأطفال وهم يفرون ناحية القرية. أما الجبل الأدهم، فلم ينم تلك الليلة، وظل يئن طوال الوقت.. والرياح القادمة من بعيد تساعده، وتحمل أنينه وتضرب به الأشجار، وتوزعه على جدران البيوت، والأودية، فلعل أحداً يسمعه، ويأتي إليه، ويسأله ما به. لكن طال الوقت وهو وحيد، ولا يلعب مع أحد.. وكلما سأل الرياح قالت له:
- ما من مجيب!
الجبل أخذ يتقلص ويحس أنه صغير، وراح أياماً طويلة يشكو من مغص أمعائه، ولكنه لم يغفل عن مراقبة الأطفال، والابتسام والتودد لهم، حتى إنه منع صخوره الصغيرة الملونة من أن تلعب أو تتدحرج إلى حيث يلعبون في السفح. ولكن الأطفال ظلوا بعيدين عنه، فلم يعرفوه.. حتى جاء يوم أقبلت فيه سيارة حمراء تثير الغبار من خلفها وهي تمشي بجوار الوادي حتى مدخل القرية حيث الساحة الكبيرة.
تراكض الأطفال وتجمعوا حولها، ووقف من في الساحة ينظرون.. حتى الدواب والحمير رفعت آذانها لتعرف.. الجبل أيضاً مد عنقه حتى كاد يسقط في الساحة، وحسناً أنهم لم يروه، فقد كانت الشمس تختفي خلفه لتنام، والليل أخذ يغلق العيون.. وهكذا بات الجبل طوال الليل فاتحاً عينيه، مصغياً لما يدور في البيوت النائمة. قلب أذنيه الكبيرتين، حتى سمع ضجيجاً في أحد البيوت.. أصاخ بسمعه:
- غير صحيح يا جدتي.. فلا غول في الجبل!
- إن الجبل خطير يا همام!
- سنذهب إليه غداً أنا وجاسر، وسنتسلقه!
- لا.. لا.. إنه خطير.
وظل الجبل مبتسماً حتى الصباح، منتظراً ضيوفه الجدد، بعد أن أعياهم النقاش والصراخ، واضطرت أمهم إلى أن تطلب منهم الذهاب إلى النوم، واعدة إياهم بنزهة جميلة بصحبة الجبل رغم اعتراضات الجدة..
غفا الجبل الصغير قبيل شروق الشمس وهو يراقب سيارة همام وجاسر الحمراء النائمة.
لحق همام وجاسر قطيع الأغنام المتجه إلى المرعى قرب الجبل، لم يعطهم الراعي جواباً شافياً عندما سألاه:
- يا عم: هل يعيش الغول في الجبل؟
هَمْهَمَ ناظراً إليهما، ثم هش على غنمه وانطلق.. تبعاه، وفي الخلف كانت أمهما تلوح لهما من بعيد، فيما كانت الجدة تزمجر غاضبة وهي ترشق الدجاج بالحبوب.. أولاد القرية تقاطروا ينظرون، ثم بدأوا يتحركون خلف همام وصاحبه تاركين مسافة مناسبة بينهم.
تسلقت بعض الماعز الجبل فتبعها جاسر ثم همام، وراحا يقفزان الأحجار والصخور، ارتفعا بين الصخور والشقوق حتى بدا حجمهما صغيراً، وما هي إلا لحظات حتى اختفيا خلف صخرة كبيرة.. ظل أولاد القرية ينتظرون حتى حضرت بعض الأمهات زاجرات إياهم، طالبات منهم التوجه إلى البيوت للغداء. مشى الأولاد بتثاقل وهم يلوون رؤوسهم نحو الجبل، علّ شيئاً يبدو!
بعيد الظهيرة جاء جاسر وهمام راكضين يخبئان بجيوبهما أشياء غامضة.. دخلا بسرعة، وأغلقت أمهما الباب وهي تقول للأولاد:
- إنهما متعبان وسينامان، تعالوا في المساء.
توافد معظم أولاد الحارة مساء، بل حتى النساء، وبعض الرجال المرحين.. الجدة الغاضبة ظلت قريبة لتعرف ما يدور.. أطل جاسر وهمام من الشرفة، وبملابسهما الزاهية قفزا كبهلوانين صغيرين، وضعا قفة أمام الجمهور، وبدآ يخرجان محتوياتها: زهور كثيرة متنوعة، أعشاب تؤكل، أحجار صغيرة ملساء ملونة..، همام أعلن بفرح وانتصار:
- لم يكن هناك غول!
- ولكن...
- لقد تجولنا في الجبل ولم نر غير الصخور والأشجار والأعشاب..
- لقد وجدنا عين ماء. قال جاسر.
- إنها سامة! صرخت العجوز.
- لقد شربنا منها! رد همام.
- شاهدنا الطيور، والكثير من الأعشاش.. هناك حيوانات صغيرة.. إنها كثيرة..
صفقت العجوز باباً صغيراً وهي تدخل خلفه لتنام.. وبما أن الدعوات كانت تحمل توقيع الثعلب والثور فقد صرحت كل الحيوانات: (يجب لنا الذهاب لاستبيان الوضع, من المؤكد أن الدعوة تخص بأشباء جادة), لم تكن الدعوة تحمل إلا وقت ومكان الالتقاء. لم يكن يوجد ما ينص على وجود خطر, فلا ينصت في الغابة أي صوت إلا مرور الرياح على سطح النهر. قعد الثعلب والثور في المنتصف, وأحاط بهما ممثلو كل الحيوانات الأخرى الذين قعدوا على شكل دائرة, كانوا كلا هادئين صامتين, كان يغيم عليهم حب الاكتشاف لمعرفة الأمور التي سيتحدثون فيها. باشرالثعلب السيد خوان كلامه بالقول: - اخوتي, أنا لست أفضل من يحكم هذا الاجتماع, أنا أعرف هذا جيدا, وبين الموجودين من هو أحسن مني للجلوس على هذه المنبر الجميل, لكن فلندع هذا الآن, هذه ليست مناسبة للحديث عن ميزات أي منا, ولنشرع في مناقشة أمور تهمنا كلنا على حد سواء, نحن نعيش في حرب دائمة بيننا, ولم نعرف يوم سلام واحد, نحن لا نتكلم إلا عن الأصدقاء والأعداء, والأقوياء والضعفاء, نهاجم بعضنا أو ننتظر أن يغير أحد علينا. توقف الثعلب لحظة عن الكلام, وأدار الثور رأسه الثقيل بعلامة الموافقة على أقوال الثعلب, بعض الطيور دنت اكثر من المنصة لتسمع جيدا لكلام الثعلب. قال الديك الرومي للقرد الجالس إلى جانبه: إنه يتكلم بسرعة فلا أستطيع أن أفهم ما يقول. قبل أن يرد القرد على الديك الرومي أكمل الثعلب كلامه: - نعم يا أخوتي.. نحن نعيش في خوف دوما, لا نثق في أي كان, هذه هي الحقيقة, أعرف أن يوجد من يشك في صدق كلامي, وان يوجد من يحمل لي بغضاء بسبب مقالبي السخيفة, لكن أصر عليكم أنها لم تكن إلا مقالب لا أكثر, الحقيقة. إنني قمت ببعض المقالب, ولا أكذب عليكم لو أنني صرحت لكم إنني الآن متاسف على ذلك. توقف الثعلب مرة أخرى عن الكلام, لم يحرك الثور رأسه هذه التارة, وحرك النمر حاجبه تعجبا, ونظر الباقون إلى بعضهم البعض في حيرة. قال الديك لجاره القرد: - أنا لا أفهم أي شيء. استانف الثعلب إلى الكلام مرة أخرى وصرح: - علينا أن نرمي وراءنا صراعاتنا القديمة, وأن ننزل ستارا على الأيام الفائتة, نحن هنا في هذه الأرض ليحب بعضنا البعض, وليعاون كل منا الآخر, لماذا كل هذا الخلاف؟ لماذا كل هذه الحرب بلا مودة؟ مطاردة الضعيف أو الهروب من القوي, نحن نعيش في حرب مستدامة, لا يا أخوتي, لا, لابد من أن ينفرط كل هذا, كل منا له حق العيش في هدوء واطمئنان ,فلتتوقف منذ اليوم كل الصراعات, و لنباشر الحياة في سلم, فيقدر كل جار جاره, ولن تكون هناك حرب بيننا منذ الآن. دنى النمر خطوة إلى الأمام وصرح: - أستأذنكم في الكلام, حتى نحيا في سلم يجب القضاء على الإنسان. صفق الحاضرون إعجابا بكلام النمر, وصرخ بعضهم: - الحرب ضد الإنسان. دنا الكلب من النمر بسرعة وهو يعلم أنه يخاطر بروحه, رفع الكلب رأسه وصرح: - أريدكم أن تنصتوا إلي, أنتم لا تعلمون من هو الإنسان, جبهتي وظهري يشهدان بلطف يد الإنسان, أنا شاهدته يبكي ألما على موت عصفور, أنا أعي ما أصرح, ربما لهذا الأمر عشت حياتي كلها بجواره, وبرفقته, لماذا لا نبعث إليه رسالة سلم? من الأكيد أنه سيستقبلها بسرور كبير, وبفؤاد مليء بالفرح. قاطع الأسد الكلب, قائلا: - لا, أنت حسن النية, أنت لا تعرف الإنسان, إنه أناني وشرير, يظن أنه ملك المخلوقات كلها. تدخلت البومة مصرحة: - التعاقد مع الإنسان لا نفع منه, إنه مغرور, يعتقد بإن غنائي في الليل نذير شؤم, ويتداول عني أساطير كاذبة. أضاف الجحش: - إنه يبتكر الحكايات.. وصرحت السمانة: - ويعمل البنادق والبارود الذي يصطادني. وقالت النملة: - إنه يهدم بيوتنا. وجد الكلب رأيه وحيدا في مقابلة الكل ضد الإنسان, وكل أحد عنده أسبابه, تحدثت الحية وتحدثت الغزالة, وكذلك الدب, والأرنب كذلك, كان الكلب ينصت إليهم كلهم في صمت, وفهم أنهم يشكون من الإنسان بصدق. أما الجمع فقد أخذوا ينصتون للولدين وهما يتسابقان للحديث عن قمم الجبل الكثيرة والمنوعة، والجبال البيض التي لاحت لهما في البعيد مكتظة بالقرى الخضراء، والمدن اللامعة.
- سنذهب هناك في الغد! قالا.
حمل الأولاد أحلامهم إلى آبائهم متطلعين إلى عيونهم، منتظرين الموافقة للذهاب معهما.. تثاءب الجبل الصغير الأدهم، واحتضن أحلام أولاد القرية وأغمض عينيه: فغداً لديه ضيوف كثيرون!
الـغـيـمـة
في كل مرة تسلك الغيـمـة الـكـبـيرة الملونة - بالأبيض ، والرصاصي ، والبني ، والأسود … - الممتلئة بالماء الغزير ، طريقها ، في سفرها الطويل في دروب الهواء العالي ، و هـي تنظر من علوٍ شاهقٍ فترى أرضاً صغيرةً صفراء ، تحدق بها بعيونها التي تشبه النجوم ، فلا ترى فيها لا حشرات تتسلق ، و لا حيوانات تركض ، و لا أناس يعيشون ، ولا شيء يتحرك ....... لا شيء !
تتابع الغيمة طريقها ، كالعادة ، مخلفة هذه الأرض ، ولكنها تلتفت إليها ، و تلتفت و تفكر بها حتى تغيب ، وتسأل نفسها : لماذا لا توجد حياة بها ؟ حتى الأعشاب و الأشجار لا أثر لها !
- هل هي نائمة هذه الأرض ؟!
هكذا تقول الغيمة في كل مرةٍ تسافر عابرة فوق الأرض القاحلة ..
و هكذا قالت الغيمة ، في المرة الأخيرة ، و هي تعبر منحدراً ضيقاً في وادي السماء العالي !
- سوف أوقظها !
أكدت الغيمة لنفسها ، وهي ترى الأرض النائمة تختفي خلفها .
* * *
مرّ دهر طويل ، كانت الغيمة قد سلكت فيه الكثير من الطرق الطويلة، في شرق الأرض و غربها ، ورأت دروباً يانعة ، وأخرى يابسة ، غنية وفقيرة ، دروباً صغيرة ، و أخرى كبيرة ، رأت الأنيس والموحش ، النظيف والموحل ، حتى خالت نفسها تعرف طرق الدنيا كلها ، ولكنها ترى دروباً جديدة في كل رحلة ، و كانت تهمس لنفسها بالقول :
- هل هي طرق جديدة بالفعل تنشأ دوماً ، أم أن خيالي هو من يرى ذلك ؟!
و تمضي دون أن تمعن النظر في السؤال ، أو حتى تبحث عن إجابةٍ له .
* * *
الآن : و الغيمة ترى الأرض الصفراء تتمدد تحتها ، هناك في الأسفل ، دون حراك .. في هذا الوقت ، حيث تصفرّ حتى أشعة الشمس ، وهي تكاد تغرب ، تشعر الغيمة بالغيظ ، وتفكر بصوتها الراعد :
- هذه أرض كسلى ، لا تشبع من النوم !
وتـتـساءل :
- ماذا لو كانت أرضاً ميتة ؟!
غير أن هذا الخاطر لم يلبث طويلاً ، إذ في الوقت الذي بدأت فيه الشمس تلملم لونها الأصفر من فوق الأرض ، وتـنثر لوناً داكناً يزحف رويداً رويداً نحو السمرة والسواد حتى يغطي الأشياء .. و في الوقت الذي حجبت فيه الغيمة وجه النجوم ، و هي تحطّ أحمالها مقررة تنفيذ خطتها في ظلام الليل ، و في هذه الليلة بالذات !!
في هذا الوقت بالذات :
بعد أن تمكن الليل من ألوان النهار ، و استطاع أن يجمعها كلها في كيسه الكبير :
( تمّ كل ذلك بشكل ماكرٍ و بهدوء شديد : بدأ الليل ينفث لوناً رصاصياً ماداً إياه باتجاه النهار ، حتى يختلط بالأبيض ، ثم يزيد كميته حتى يصبح رمادياً - تساعده الرياح في ذلك - ثم تزداد كمية الرمادي حتى يتحول إلى الفاحم فالأسود ، في هذا الوقت تكون ألوان النهار ، قد انخدعت بلعبة الرياح التي تتغنى لها ، و تنشد الأناشيد ، وبألوان الليل التي تتراقص لها ، و تلتف من حولها ، وهي تسوقها إلى عباءة الليل : واسعة الفم ، حيث تسقط هناك .. و يتم حبسها حتى ينهي الليل مكائده ، ويغفو ، فيثب عليه الصباح خانقاً إياه ، فاتحاً فم الكيس …. تفر الأشعة من الفم الواسع ..وتأخذ بمطاردة ألوان الليل ……… ) .
أكيد أن توقيع الثور على الدعوة إلى جانب الثعلب أتى بعد تأمل طويل, وربما أمضى الثور أياما وليالي طويلة يتأمل في هدوء الحقول قبل أن يكتب اسمه على الدعوة, فالثور معلومة عنه هذه الصفات. في هذا الوقت بالذات أخذت الغيمة… تهزّ رأسها ، و استعادت صفوَ تفكيرها ، بعد أن انساقت لخواطر شتى .. الغيمة تقول :
- هذا هو الوقت المناسب لأوقظ هذه الأرض !
تضحك بسخرية وهي تقول :
- و إلى متى؟!!
تنظر إلى الأرض في سباتها ، هاهي تحتها الآن تغط بالسكون ، تحـوم حولها ، الظلام يغطيها تماماً ، تقدح قليلاً من برقها ، فتلمع الأرض صفراء نائمة ، تناديها ، لكنها لا تتحرك ، تبرق أكثر ، وترعد ، لكنّ هذه الأرض نائمة، تبرق ، وتزمجر …حتى تتعب ، تأخذ عيونها الكبيرة الواسعة بالبكاء ، تسكب كميات غزيرة من الدموع فوق الأرض ، تبكي الغيمة بحسرةٍ و أسى ، تبكي .
الأرض مازالت نائمة ، و الغيمة أفرغت ماء بكائها ، وتعبت ...، الغيمة تتعب ، وتقرر الرحيل ، لقد يئست من هذه الأرض ، ولن تهدر وقتها، تأخذ أحمالها : الألوان .. البروق .. الرعود.. الدموع المتبقية لها .. غضبها ..حماسها ..حبّها للأرض.. توقظ صديقتها الريح لتقود عربتها ، وتمضي في دروبها الطويلة في الوديان العالية !!
* * *
الغيمة تسرع ، و تطير بكل ما أوتيت الريح من قوة حتى تصل النهار ، في الديار الخضراء ، البعيدة ، المليئة بالناس والحركة والحياة .
* * *
هناك ، فوق هذه الأراضي الملونة الكثيرة في العالم : تنسى الغيمة الأرض اليابسة الصفراء ، وتمضي في عملها الدائم : السفر الدائم الدائم ، والطويل الطويل …
* * *
هاهي الغيمة الممتلئة بمياه أسفارها و أحزانها ، تنطوي على نفسها ، وتدخل في تفكير طويل.. إن الريح التي ترافقها ترى ذلك واضحاً في محيّاها ، تلتفت إليها وتقول :
- لم أتعود منك غير الرعد والبرق والمطر .. فما لك صامتة ؟
- أنت لم تدركي أننا ، ومنذ زمن طويل ، وبتجوالنا الدائم ، لم نرَ الأرض الصغيرة الصفراء التي …
- أعرف ..أعرف : التي لا حشرات فيها تتسلق ، و لا حيوانات تركض ، و لا أناس يعيشون ، ولا شيء يتحرك !
- نعم .. لم نرها منذ زمن !!
هكذا قالت الغيمة وهي تهز رأسها بحيرة .
- ولكننا مررنا من فوقها قبل قليل !
غضبت الغيمة ، و زمجرت برعد ٍ قائلة :
- لا تسخري مني أيتها الريح الخفيفة .. أنا لم أرها ..إنني أعرفها !
- لا ، لا أسخر ، لكنها اخضرّت من دموعك التي أمطرتها بها تلك الليلة ، لقد نبتـت !!
كانت الغيمة غاضبة ، فلم تسمع ما قالته الريح : أرعدت مزمجرة ، و أبرقت بلمعان ٍ شديد ، و انطلقت بعيداً عن الريح ، في مشوارها الطويل ، باحثة عن الأرض الصغيرة الصفراء النائمة ، و هي تردد :
- سؤقظها .. سوف تستيقظ !!
من يومها ، و نحن نشاهد الغيمة تدور في الأعالي باحثة عن الأرض النائمة ، في سفر دائم و طويل ، وعندما تتعب تهجع فوق أحد الجبال ، أو أحد الوديان ، وتأخذ تلمع بالبرق ، وتنتحب بنشــيج مثل صوت الرعود !!
