لم يتعود المواطن التركي أن يرى سياسييه بهذه الطيبة.. يفطر في بيت فقير، ويطلب من الخدم مشاركته الطعام.. وتدمع عيناه إذا سمع بكاء طفل…
في رمضان يقوم عبد الله جول يوميًّا باصطحاب زوجته إلى منزل إحدى العائلات الفقيرة بالعاصمة أنقرة، كي يتناول الإفطار بينهم؛ ليطالع أحوال الشعب، وليؤكد خروجه من بين هؤلاء الفقراء وانتماءه الحقيقي لهم، وكان من الطبيعي أن تنتشر في الأشهر الأخيرة صورة "جول" وهو يقوم بعمل السَّلطة في مطبخ إحدى هذه العائلات الفقيرة التي شاركها إفطارها.
إن اهتمام جول بالود والتراحم في تعامله ليس مبعثه الدعاية الانتخابية، ولا هي مجرد صور تلتقط للشهرة، ولكنها خلق أصيل -على ما يبدو- من حديث محمد أردوغان وهو بستاني يعمل في فيلا لأحد أصدقاء جول بإستانبول الذي قال: "في الصيف الماضي جاء عبد الله جول لزيارة صاحب المنزل، وكان وقت الصباح فساعدت في إعداد مائدة الإفطار في الحديقة، وعندما بدأ الجميع في تناول الطعام، انصرفت ناحية الحديقة لأقوم بعملي الروتيني،  فوجئت بعبد الله جول ينادي علي باسمي، هرعت عائدا للمكان معتقداً بأنه سيطلب مني القيام بعمل ما أو أن شيئا في الأكل لم يعجبه، ولكني فوجئت به يدعوني لتناول الطعام مع أهل المنزل، فاعتذرت قائلا: "لقد تناولت فطوري قبلكم.. شكرا لك" لكنه أصرّ، فقلت له سأشرب الشاي بعد انتهائكم من الطعام، ولكنه كان مصرا فاضطررت للمشاركة فلم يكن أمامي غير القبول بعدما وجدت جول مُصرًّا، لا أستطيع نسيان هذا الموقف، لقد كنت أعتقد بأنه من كبار القوم وعلى الأكثر سيقول لي تعال لتأخذ بعض الطعام وتنصرف.. ويضيف محمد: تعودنا من كبار القوم ألا يلتفت أحدهم لأمثالنا من طبقات الشعب، ولكنه أثبت بحق أنه ابن محافظة قيصري، كما أثبت أنه رجل مسلم بحق وجدير بالاحترام أيضًا".
الأمير ينشق عن الملك
يعد عبد الله جول واحداً من أبرز العناصر الشابة التي ظهرت في حزب الرفاة (المحظور) عام 1991 كعضو برلماني عن محافظة قيصري بوسط الأناضول التركي، لدرجة أن الإعلام التركي قد أطلق عليه تعبير "أمير" -على أساس أنه أحد الشباب المقربين من أربكان الملك- فقد عينه وزيرا للدولة للشؤون الخارجية وقضايا العالم الإسلامي، ومتحدثاً رسميا في الحكومة الائتلافية التي تشكلت بين عامي 96-1997م.
ولم يمنع احترام جول لأستاذه قوطان وزعيمه أربكان من الاختلاف معهم في الرأي وأن يقوم هو والطيب أردوغان بقيادة حركة تجديدية داخل التيار الإسلامي في تركيا، وبالفعل ترشح جول في مايو 2000 لرئاسة الفضيلة ضد قوطان في سابقة تاريخية في الأحزاب الإسلامية أن يتنافس أكثر من مرشح، لكن تأييد أربكان الزعيم الإسلامي التاريخي لخليفته قوطان أفشل مساعي التجديديين في النجاح.. فأعلن جول عن قيام حزب العدالة والتنمية عام 2001م.
أول خطوات المشوار
ولد عبد الله جول بمحافظة قيصري في 26/10/ 1950م، لوالده أحمد حمدي جول  الذي يعمل في مصنع الطائرات بقيصري، وهي من المحافظات الشهيرة بالتمسك بالإسلام والعادات والتقاليد الشرقية، حيث كانت قيصري أحد أهم مراكز الثقافة الإسلامية القديمة التي ذاع صيتها أيام الدولة السلجوقية (1071 – 1299م).
بعد انتهائه من التعليم الابتدائي بمدرسة غازي باشا، والثانوي بمدرسة الأئمة والخطباء، تخرج في كلية الاقتصاد جامعة إستانبول عام 1972 ثم حصل على درجة الماجستير، وذهب بين 76-1978 لجامعة لندن لجمع المادة العلمية اللازمة لرسالة الدكتوراة؛ مما مكنه من إجادة الإنجليزية تماما.
وفور عودته من إنجلترا وحصوله على درجة الدكتوراة في موضوع: تطور العلاقات الاقتصادية بين تركيا والعالم الإسلامي، عيّن مدرسا للاقتصاد بقسم الهندسة الصناعية بجامعة سقاريا بتركيا، لكنه ما لبث في 1980 أن ألقي القبض عليه من قبل الشرطة العسكرية، وفقا لتعليمات الجنرال كنعان إيفرن بتهمة الانتماء لمجموعة "السنجق"، وبينما كان في الأيام الأولى لزواجه من "خير النساء" فإنه كان يقضي عدة أشهر بسجن "متريس" الشهير في إستانبول.
عمل من 83-1991 في بنك التنمية الإسلامي بجدة كخبير اقتصادي، مما مكنه من الإلمام بالعربية، وفي عام 1991 حصل على درجة أستاذ مساعد في الاقتصاد الدولي.
سوابق سياسية أم هبوط بالمظلة؟
لم يهبط جول لرئاسة الوزارة بالمظلة.. لكنه رجل ذو تاريخ سياسي حافل.. ففي مرحلة مبكرة من شبابه انضم لمجموعة أطلق عليها "نادي فكر الشرق الكبير"، كما كان عضوا في "اتحاد الطلاب الأتراك"، وانتخب عضوا برلمانيا لحزب الرفاه عن محافظة قيصري 1991،  ثم مسؤول العلاقات الدولية بحزب الرفاه 1993، ومن 1995- 2001 كان عضوا في لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان التركي.
حصل على ميدالية شرفية كعضو دائم بالمجلس الأوروبي، كما مثل تركيا في برلمان الدول الأعضاء بحلف الأطلنطي، وطالما عبر عن دعمه في البرلمان لقضايا دول مسلمة مثل: الجزائر، والبوسنة، والشيشان، كما يصفه البعض بأنه أحد مهندسي مشروع حكومة حزب الرفاه "مجموعة الثمانية الاقتصادية الإسلامية".
انضم لحزب العدالة والتنمية بعد إغلاق حزب الفضيلة أغسطس 2001 وهو نائب رئيس الحزب للشؤون القانونية والعلاقات الدولية.
مؤثرات في حياته
لقد شب عبد الله فرأى والده أحمد حمدي جول الأناضولي المتديّن، عضوا في حزب السلامة الوطنى بزعامة أربكان، وعضوا مرشحا للمجلس النيابي في 1973، كما يمكن أن نقول إنه تربى على أفكار الزعيم نجم الدين أربكان، فقد كان عبد الله شابا واعيا في التاسعة عشرة حين بدأ أربكان حملته عام 1969 للحفاظ على الهوية الشرقية الإسلامية لتركيا؛ ولذا فإنه انضم لحزب الرفاه عند ظهوره، لأنه وجد في أربكان الزعيم الذي يحلم به وفي الرفاه الحزب الذي يرضي حسه الإسلامي.
واللافت للنظر أن ممن أثروا على جول كذلك عدد من الأدباء والشعراء مثل الشاعر جميل مَريتش، وكذلك الشاعر الراحل/ نجيب فاضل الذي تربى على يديه جيل مسلم بأكمله في تركيا، وقد كان أول تعرفه عليه حين ذهب نجيب فاضل لمحافظة قيصري في لقاء فكرى وثقافي مدعواً من قبل نادى فكر الشرق الكبير الذي كان جول أحد أعضائه، كما أثرت فيه عدة شخصيات أكاديمية مثل الدكتور/ نوزت يالجين طاش، الذي منحه درجة الدكتوراة في الاقتصاد، وكذا رجل الاقتصاد الدكتور/ صباح الدين زعيم.
ابن يافا وفلسطين المطيع إنه ابن فلسطين، ابن يافا، إزداد في ترابها، وترعرع ونشأ بين مناطقها، وتنفس عبيرها، ولاحظ بياراتها، وتناول من برتقالها وفواكهها، وتعبد في مساجدها، وأنصت إلى الأذان والتكبير من مآذنها، وتدرس في مدرسة (النهضة الإسلامية) بها، وشاهدها تهوي أمام عينيه، وهو ولد في الثانية عشرة. وتركها مكرها تعيسا، وعينه تسقط الدموع، وصدره يتنفس الزفرات. شاهد الصبي الصهيونية المستعمرة، تغزو عليه مدينته، وتنهب منه بيته، وتسرق مرتع صغره، ومحب صميمه، وملتقى أحبابه، وتشرده وأحبته في الآفاق من سنة 1948 إلى الساعة. ترك بيته في (يافا) الذي لا يزال يملك مفتاحه في بيته بالقاهرة حتى الساعة، ليذكر أبناءه وأحفاده بالوطن المأخوذ، وكان ملحا على أن يبينه أمام أعين الإعلاميين، والأصدقاء، كل تارة، ليبرهن لهم بأن الرجوع قضية لا تفنى. وعائلة الدجاني عائلة يافوية مشهورة: دينية صوفية. فقد كان جد أحمد صدقي -الشيخ محمود- قاضيا شرعيا في الدولة العثمانية، وقد توفي قبل ولادته بسنتين، وهو الذي أمر أمه إذا أتاها ابن أن تسميه أحمد صدقي. عيّن الشيخ محمود الدجاني قاضيا في ليبيا في بواديء القرن العشرين، قبل الانقلاب على السطان عبد الحميد (1908م) وكان عيشه بين طرابلس وزليطن والخمس وقد كانت ليبيا كما كانت فلسطين: قطعة من دولة واحدة هي دولة الخلافة العثمانية. وقد زرع هذا في نفسية الولد أحمد صدقي وحدة بلاد العروبة والإسلام، التي كانت تعتبر دولة واحدة يحكمها الخليفة، وكان جده يتنقل بين أطرافها بحرية وراحة، وقد ترك له هذا الميل العروبي الإسلامي، الذي لا يرى إختلافا بين الإسلام والعروبة، على عكس ما سبقه به المصلحون العرب في نهاية عهد الدولة العثمانية من أمثال الشيخ رشيد رضا والشيخ طاهر الجزائري، وأمثالهما من دعاة التجديد والإصلاح تحت ظل الدولة الإسلامية والخلافة الإسلامية التي تلم شمل العرب والأتراك تحت علم القرآن. وهذا أيضا ما جذبه إلى الإهتمام بشأن ليبيا وتاريخها ونضالها، وبالأخص بعد أن إتفق مع وزارة التربية والتعليم في ليبيا للعمل بها من عام 1958 إلى عام 1965، وهو يعد هذه الأعوام من أغنى أعوام عمره وأعظمها في تكوينه العلمي. وكان من قياد الدراسات الليبية، وتأليف كثير من الكتب عنها، منها: كتابه عن "الحركة السنوسية". كما استاء باستشهاد البطل العربي المسلم عمر المختار الذي لم تلن قناته في نضال الإيطاليين، حتى سجن وعاقبوه بالإعدام. ودون هذا شعراء مرموقون مثل إبراهيم طوقان من فلسطين، وأحمد شوقي في مصر. في معمعة الكفاح الفلسطيني كان أحمد صدقي أحد المؤسسين لمنظمة التحرير إبان زمن رئيسها الأول أحمد الشقيري: وقد توجهت الأعين إليه -وهو في عز الشباب- لتحمله المسؤولية، وهي موقنة بأنه أهل لها، فلا غرو أن كان عضوا بالمجلس الوطني الفلسطيني، وعضوا بالمجلس المركزي، وعضوا باللجنة التنفيذية في منظمة التحرير، كما كان رئيسا للمجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم بها، ولم يغادره إلا منذ عام 2002م بعد أن كثرت أمراضه الصحية، رحمه الله. كما مثل فلسطين في مؤتمرات النقاش العربي الأوربي. وقد ثمن الرئيس الفلسطيني ما قدمه في ميدان الفكر والثقافة والكفاح، فقدم له وسام فلسطين. معارضته خط (أوسلو) إستمر الدجاني يعمل في النطاق الكفاحي الفلسطيني الرسمي بعمله وفكره وقلمه ولسانه، حتى تغير طريق القضية الفلسطينية من بعد كربة حزيران 1967، رويدا فرويدا، إلا أن أتمت إلى مسيرة أوسلو وما تملكه من تنازلات قاعدية لا يرضى عنها، فلاحظ أن الوسط لم يعد وسطه، وأن لكل وقت دولة ورجالا، وهو ليس من رجال هذا الوقت، والحمد لله الذي أبعده عن ذلك، فقدم استقالته من اللجنة التنفيذية احتجاجا، وبصحبته اثنان من المكافحين المعروفين: شفيق الحوت، ومحمود درويش الشاعر المشهور. وظل يكافح وحيدا في معركة سلاحها القلم، وأرضها الفكر، وجنودها الأحرار الذين يلمون بين القوة والولاء والصبر وإن طال الزمن. ومع مخالفته لمهندسي أوسلو، ظل يصبو إلى لم شمل الشعب الفلسطيني، ويتعامل مع الأقليات الفلسطينية كلها بروح الأبوة والأخوة للكل، ولا يرضى بأي أنشقاق للشمل، فلا يضر العدو شيء كالتوحد والتلاحم. لقد ربحه ميدان الفكر وظن أن الإبتعاد عن ميدان النضال الرسمي، كان من جهة أخرى خيرا وبركة، فقد ربحه ميدان العلم والفكر الذي ركز عليه، فكبر محصوله، وارتفع عطاؤه، واتسعت دائرة اتصالاته على الصعيد العربي، والصعيد الإسلامي، والصعيد العالمي، وأصبح عضوا في كثير من المجمعات الغوية، ومن مؤسسة علمية، ومن مركز ثقافي. وكان من غلات ذلك: خمسون كتابا في مختلف جوانب الثقافة، تلقاها أصحاب الفكر بالقبول والمدح. كان الدجاني فارسا من فرسان الكلمة، وراية من رايات الفكر، ورائدا من رواد الكفاح الفلسطيني، وبطلا من أبطال العروبة والإسلام، رحمه الله رحمة شاسعة وتقبله بين الصالحين من عباده الأبرار. كيف عرفت الدجاني؟ عرفت الدكتور الدجاني منذ أكثر من عشرين عاما مطلعا على كتبه ومقالاته، فلقيته رجلا يلم بين عقلانية العالم، وعاطفية الفنان، وشفافية الأديب، وروحانية المتصوف، وجندية المجاهد. لا يحب الرئاسة لكنه جدير بها
يبدو أن هاجس رئاسة الوزراء كان يدور في خلده، بل إن الجميع كان يتوقع وصوله لهذا المنصب فقبل أيام قليلة من الانتخابات تناول معه رجل الأعمال مصطفى قيلنش الإفطار وحكى عن هذا اللقاء قائلا: "دار حولنا حوار حول منصب رئيس الحكومة، فقال لي: لقد أعددت نفسي جيّدًا لهذا اليوم".
يعد جول سياسيا مسالمًا لم يعرف عنه خلال تاريخه الطويل في العمل السياسي والطلابي أنه شارك في أي أعمال عنف على الرغم من تورط كثيرين في مثل هذه الأعمال ومن أشهرها أعمال العنف بين الفصائل السياسية التي اجتاحت تركيا بين سنوات 68-1971 وكذلك الصراع السياسي الذي اندلع بين التيارات السياسية داخل الجامعات بين حقبتي الستينيات والسبعينيات.
إن عدم الميل للشدة هو الذي جعل عبد الله جول، يتصرف بهدوء أمام منع زوجته من القيد بالجامعة بحجة ارتدائها الحجاب.. ويوّجه انتقادات للحكومة والنظام من مدخل الحريات الشخصية حتى لا يصطدم بالدستور العلماني إذا انتقد من مدخل فرضية الحجاب.
حرص جول على إحياء المناسبات القومية التركية ولم ير في الاهتمام بها ما يتنافى مع أفكاره الإسلامية، فقد ظل ينظم الرحلات الجامعية لطلابه لمضيق "شناق قلعة" في ذكرى انتصار القوات التركية على الاعتداء اليوناني الغربي في الحرب العالمية الأولى، بهدف احتلال إستانبول.
أفضل صورة لرئيس وزراء تركي
لم يتعود المواطن التركي البسيط أن يرى سياسييه بهذا التواضع وهذه الطيبة؛ ولذا فإن أكثر الصور انتشارًا في الأيام الأخيرة بين الشباب التركي كانت لجول حين كان يمر بقرب مدرسة ابتدائية، وما إن رآه الصغار حتى اندفعوا إلى أحضانه في مظاهرة حب.. واستفتاء بريء على شعبية الرجل ورصيده في القلوب.
