لمحات من سيرة عذبة لواحد من عشاق التراث العربي. هذا العشق الذي دفعه لبحث دءوب كانت نتيجته إنقاذ واحد من أهم كتب هذا التراث.
الخروج من السجن خرج مالكوم من السجن سنة 1952م وهو ينوي أن يعمق معرفته بتعاليم إليجا محمد، وذهب إلى أخيه في دترويت، وهناك تعلم الفاتحة وذهب إلى المسجد، وتأثر بأخلاق المسلمين، وفي المسجد استرعت انتباهه عبارتان: الأولى تقول: "إسلام: حرية، عدالة، مساواة"، والأخرى مكتوبة على العلم الأمريكي، وهي: "عبودية: ألم، موت". والتقى بإليجا محمد، وانضم إلى حركة أمة الإسلام، وبدأ يدعو الشباب الأسود في البارات وأماكن الفاحشة إلى هذه الحركة فتأثر به كثيرون؛ لأنه كان خطيبا مفوهًا ذا حماس شديد، فذاع صيته حتى أصبح في فترة وجيزة إماما ثابتا في مسجد دترويت، وأصبح صوته مبحوحا من كثرة خطبه في المسجد والدعوة إلى "أمة الإسلام"، وكان في دعوته يميل إلى الصراع والتحدي؛ لأن ذلك ينسجم مع طبعه. وعمل في شركة "فورد" للسيارات فترة ثم تركها، وأصبح رجل دين، وامتاز بأنه يخاطب الناس باللغة التي يفهمونها؛ فاهتدى على يديه كثير من السود، وزار عددا من المدن الكبرى، وكان همه الأول هو "أمة الإسلام"؛ فكان لا يقوم بعمل حتى يقدر عواقبه على هذه الحركة. وقد تزوج في عام 1958م ورُزق بثلاث بنات، أسمى الأولى عتيلة، على اسم القائد الذي نهب روما. وفي نهاية عام 1959م بدأ ظهور مالكوم في وسائل الإعلام الأمريكية كمتحدث باسم حركة أمة الإسلام، فظهر في برنامج بعنوان: "الكراهية التي ولدتها الكراهية"، وأصبح نجما إعلاميا انهالت عليه المكالمات التليفونية، وكتبت عنه الصحافة، وشارك في كثير من المناظرات التلفزيونية والإذاعية والصحفية؛ فبدأت السلطات الأمنية تراقبه، خاصة بعد عام 1961. وبدأت في تلك الفترة موجة تعلم اللغة العربية بين أمة الإسلام؛ لأنها اللغة الأصلية للرجل الأسود. وُلدتُ في مدينة على شاطئ نهر عاص تدور عليه الدوائر. ورحم الله الأستاذ فارس الخوري رئيس المجلس النيابي السوري أيام الاحتلال الفرنسي حيث قال:
حماةٌ بها عِزُّ العروبة والندى لها في مضامير الجهاد مفاخر بها من أطاع الشعب نال كرامةً وفيها على العاصي تدور الدوائر
من أب شيخ قد جمع أربع نسوة, وكانت أمي آخرهن دمشقية حلوة جميلة, فتاة في ريعان الصبا, فجئت أشبه أولادها بها. ولهذا كنت الطفل المدلل الذي لا يرد له طلب. وفي يوم من أيام الربيع حضر إلينا من البادية شريكنا في الغنم على ناقته حاملا الصوف والسمن, ومازلت حتى الآن أذكر اسمه وقبيلته: تركي الضعيف من البوحسن من عشيرة الحديديين, فعلقته كظله, وعبثاِ حاولوا إقناعي بعدم الخروج معه إلى البادية, فكان جوابي البكاء والعويل, وأخيراً خضعوا لطلبي وخرجت معه وإني لأذكر والدتي تقول له والدمع في عينيها: أمانتك الوليد يا ضُعَيّف, فأجابها: بعيوني يا حريمة, وفي البادية أتاني بغزال رضيع فأخذت أرضعه من الشاة, وبقيت في البادية ما يقارب النصف شهر في أتم السرور مع هذا الغزال ,وهذه الحادثة كانت السبب في حبي للبدو وتعلقي بأنسابهم فيما بعد.
نصيحة الجاحظ
وأدخلت المدرسة وكنت شغوفا بحب القراءة, أستأجر الكتاب فأقرؤه ثم أعيده لصاحب المكتبة كما أخذته وآخذ غيره وهكذا دواليك, وقد قرأت كتاباً للجاحظ لا أذكر اسمه ولكن أذكر ما جاء فيه, يقول الجاحظ: أقرأ كل شيء وأكتب أحسن ما قرأت وأحفظ أحسن ما كتبت, وأروِ أحسن ما حفظت فهو بيت مالك. وهكذا فعلتُ حتى صار عندي أكثر من أربعين مجموعة وعملت لها فهرسا, فكلما سنحت لي فرصة أعود إلى مجموعاتي وأقرؤها مجددا فكنت أجد فيها متعة عظيمة وهكذا اتسعت ثقافتي. ثم حصلت على شهادة التعليم الثانوي وسافرت إلى القاهرة فالتحقت بجامعة فؤاد الأول, التي أصبح اسمها عندما تخرجت جامعة القاهرة, كلية التجارة قسم الاقتصاد السياسي, وحصلت على بكالوريوس اقتصاد ودبلوم إحصاء. وفي الجامعة حدث لي أمر آخر علقني بالقبائل العربية.
لقد أسهمت بالإضافة إلى ذلك إسهاماً إيجابياً في تطوير القصيدة العربية في موضوعها وبنائها, كما قدمت مجهوداً نقدياً منظماً له موقف من بعض القضايا الفنية واللغوية والفكرية في أدبنا الحديث. وفي المدرسة وفي الحياة التقى العقاد برجال كانوا بمنزلة أساتذة في المدرسة, التقى بالشيخ محمد فخر الدين مدرس اللغة العربية, ومن قبله الشيخ أحمد الجداوي الذي حضر العلم في الأزهر, وزامل الإمام محمد عبده أيام السيد جمال الدين الأفغاني. كان أستاذي في مادة العلوم السياسية الدكتور بطرس غالي الذي أصبح فيما بعد أمينا عاما للأمم المتحدة, فكان يقول لي في أثناء محاضرته: إن في سوريا لا يوجد عروبة لأنكم بقايا أمم شتى, إنما العروبة والقبائل العربية هنا في مصر, وكان جوابي السكوت والموافقة خيفة ما ألقاه منه أثناء الفحص, وتخرجت وعدت إلى بلدي سوريا وهمّي الوحيد أن أكتب عن القبائل العربية في الشام بدءا من الجاهلية وحتى اليوم, فكنت كلما قرأت كتاباً له صلة بما أريد ردني إلى كتاب جمهرة النسب لابن الكلبيّ, فأخذت أبحث عنه حتى علمت أن نسخته المخطوطة الوحيدة في العالم  موجودة في المتحف البريطاني بلندن ولم تحقّق أو تطبع.
البحث عن جمهرة النسب
وقرأت أنساب الأشراف للبلاذري إصدار المعهد الألماني في بيروت, فوقعت في القسم الثالث الذي حقّقه د.عبدالعزيز الدوري على حاشية له في الكتاب يذكر جمهرة النسب لابن الكلبيّ,فسافرت إلى عمّان وبوساطة د.حسين عطوان قابلت د.الدوري في جامعة عمّان, وسألته عن حاشيته وذكره جمهرة النسب, فكان جوابه لي: أنا أقصد مشجرات كاسكل التي طبعتها في هولاند مكتبة لايدن. ذات يوم من أيام الثلاثينيات الأولى, وقف الطفل علي الراعي في شرفة منزله في مدينة الإسماعيلية, فشاهد على الجدار المقابل للشرفة ملصقاً ضخماً بهر الفتى بألوانه الصارخة, وبسطوع ملامح شخصيات الفيلم, ولا يذكر الدكتور علي الراعي الناقد الكبير الذي رحل عن دنيانا في شهر فبراير من العام 1999 اسم الفيلم, لكنه يخبرنا أنه كان من بطولة يوسف وهبي الذي كان أحد ملوك المسرح في ذلك الحين. ويمضي قائلا إنه لم يهدأ في ذلك اليوم حتى تمكن من الحصول على ثمن تذكرة الدخول إلى الفيلم الذي ظل يحفظ مقاطع من حواراته حتى أواخر أيام حياته. لقد سحر الفن وعالمه, وبخاصة المسرح, منذ تلك اللحظة تلميذ المدرسة المجدّ, والذي كانت له مكانة خاصة في قلب أستاذه الشيخ حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين, فقد كان الشيخ البنا في ذلك الحين مدرّساً في إحدى مدارس بلدته الإسماعيلية, وقد بدأ لتوّه في التبشير لدعوته الإسلامية. كان ذلك هو السحر, أما الحياة فقد كانت تسير في اتجاه آخر, اتجاه يربط بين الثقافة والنضال التحرّري والاجتماعي, ويعطي المثقف دوراً في حركة المجتمع والناس, وكانت المنظمات اليسارية التي بدأت تنشط في مصر في ذلك الوقت هي العنوان, وفي مجلة (الفجر الجديد) التي كانت تصدرها إحدى هذه المنظمات, بدأ علي الراعي كتاباته الأدبية داعياً المثقفين إلى النزول من أبراجهم العاجيّة, وترجم أشعار ماياكوفسكي ولانغستون هيوز وغيرهما من روّاد (الأدب الثوري). وأخرج لي كتابا ضخما كله مشجرات مع مقدمة صغيرة باللغة الإنجليزية, وبوساطة د.عدنان بخيت رئيس قسم التراث في جامعة عمّان صوّر لي الكتاب مشكوراً في الجامعة, فأخذته وعدت أدراجي إلى دمشق. فكيف لي بقراءته وأنا لا أجيد اللغة الإنجليزية, فذهبت إلى ترجمان محلّف وترجم لي المقدمة.
فإذا بالمقدمة يذكر كاسكل أن هذا المخطوط (جمهرة النسب لابن الكلبي) عمل فيه المستشرق الإيطالي ليفي دلافيدا ثلاثين عاما وأخفق في إصداره, وكان يتمنى ألا يموت إلا ويرى كتاب الجمهرة محققا مطبوعا, وأوصى أولاده إذا أدركته المنيّة أن يرسلوا أوراقه التي عملها في الجمهرة إلى كل من أراد العمل في الجمهرة, وهكذا كان فأرسل أولاده كلّ أوراقه إلى المستشرق كاسكل فعمل للكتاب مشجرات ولم يصدر الكتاب.
وتشاء المصادفة أن أرسل وأنا موظف في المصرف الزراعي إلى منطقة تل أبيض على الحدود التركية لأفتش المصرف الزراعي هناك, وأتعرف على أحد موظفي المصرف, ويقول لي إن أمه من قبيلة نمير التي هجاها جرير, فسألته: وهل بقي أحد من نمير الآن, فأجابني: إن أمي نميرية تركية الجنسية ويوجد في تركيا قريبا من الحدود السورية أربع قرى سكانها من نمير وجدتي مازالت حية وتذكر دائما قبيلتها نمير.
فسافرت بصحبته إلى جدته في تركيا, ولما دخلنا بيتها قال لها: يا جدة قد أتيتك بمن يحدثك عن قبيلتك فهو يعرف عنها الشيء الكثير, فجلسنا وتحدثنا كثيراً عن قبيلة نمير وكان البيت قد امتلأ بالرجال من أقاربها, وقالت لي الجدة بلهجة عربية تشوبها لكنة: لي عندك سؤال يا ولدي, فقلت: هات, فقالت لا نعرف هنا لماذا نحن نحب أن نسمي أولادنا صعصعة, فهذا ابني اسمه صعصعة, وابن أختي اسمه صعصعة, وابن عمي اسمه صعصعة, فقلت: لأن جدكم الأكبر عامر بن صعصعة لأن نميراً من بني عامر صعصعة وقمنا نعود إلى سوريا, فأقسمت بالله ألاّ نخرج من بيتها قبل الغداء, وقامت آخذة بيد ابنها صعصعة إلى كبش ساح مربوط بأرض الدار فذبحه ابنها وبقينا حتى تغدينا وعدنا, وهذه الحادثة شجعتني على تحقيق الجمهرة لأربط بين هؤلاء القوم وأصولهم العربية.
وبدأت أبحث عن مخطوط الجمهرة فعلمت أن أحدهم قد اختصر الجمهرة وسماه مختصر جمهرة ابن الكلبي, وكان هذا المخطوط غير معروف إلى أن اكتشفه المرحوم العلامة الشيخ حمد الجاسر في مكتبة راغب باشا في اسطنبول, حيث كان مكتوبا على غلافه: كتاب التبيين في نسب القرشيين, فنظرإليه وإذا على الغلاف طُرّة مكتوب فيها: هذا ما أنعم الله به على عبده عبدالقادر بن عمر البغدادي وهو مختصر جمهرة ابن الكلبي, ولم أعرف مصنفه. ثم اكتشفت مصنفه وهو يحيى بن المبارك الغساني الحمصي, جفل يوم هجوم التتر على حمص وصعد الجبال لا يحمل معه سوى كتبه, فخرج قطب الدين اليونيني من بعلبك إلى الجبال ليتلقاه فوجده قد مات في إحدى القرى, فأخذ الكتب ومن جملتها مختصر الجمهرة وعلق عليه حواشي كثيرة بلغت أكثر من الأصل بأربع مرات وأكثرها من كتب مفقودة الآن كفتوح الشام لابن الكلبي وسيرة محمد بن عائذ الله الدمشقي التي يقال عنها أعظم السير, وهذا المختصر قد حققته وسأنشره بخط يدي كما فعلت بالجمهرة قريبا إن شاء الله, وكذلك ياقوت الحموي قد اقتضب الجمهرة وسماه المقتضب في جمهرة النسب لابن الكلبي, وبعد جهد وكد وعذاب تمكنت من الحصول على تلك المخطوطات الثلاث, لأستعين بها على كتابة العشائر العربية في الشام بدءاً من الجاهلية وحتى الآن.
ولا شك في أن الرحلة التي بدأت منذ مولده في يناير 1934 حتى التحاقه بالمرسم الحر, فإدارته له, ومساهمته الكبيرة في تأسيس الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية في العام 1968 شكلتها ميوله الفنية مثلما ساندتها روحه المناضلة التي حاول أن يظهر تمردها في الرسوم والمنحوتات معًا. وقد اختير خليفة القطان رئيسًا للجمعية, ليحقق أول أحلامه بتشجيع كل الفنانين للانضمام لها, وإقامة معرض سنوي خاص لهم. مع الكنانات العربية
وكنت في زيارة لصديقي الأستاذ أحمد راتب النفاخ عضو مجمع اللغة العربية بدمشق تغمده الله برحمته, وتطرّق الحديث إلى الشاعر الفارس أسامة بن منقذ فقال المرحوم الأستاذ أحمد: أسامة بن منقذ الكناني ووقف, فقلت له: هو ليس كنانيا ولكنه كلبي,فغضب وأرعد وقال لي: يا محمود إليّ تقول هذا! وقمت من فوري لأنظر في البيان والتبيين، حيث وجدت العبارة بنصها، وأخذ مني العجب مأخذه حين قرأت في مقدمة التحقيق التي كتبها الأستاذ عبدالسلام هارون أن الطبعة القديمة التي قرأها الشيخ محمود شاكر، ورأى فيها تلك العبارة، مضى على صدورها نحو من ستين عاما! الزيات أديبًا يعد الزيات صاحب مدرسة في الكتابة، وأحد أربعة عُرف كل منهم بأسلوبه المتميز وطريقته الخاصة في الصياغة والتعبير، والثلاثة الآخرون هم: مصطفى صادق الرافعي، وطه حسين، والعقاد، ويوازن أحد الباحثين بينه وبين العقاد وطه حسين، فيقول: "والزيات أقوى الثلاثة أسلوبًا، وأوضحهم بيانًا، وأوجزهم مقالة، وأنقاهم لفظًا، يُعْنى بالكلمة المهندسة، والجملة المزدوجة، وعند الكثرة الكاثرة هو أكتب كتاب عصرنا". قلت: نعم, وهل يجب السكوت على الخطأ, فخذ ديوانه ولننظر ممّن هو, فأتى بديوانه وبدأ يقرأ أسامة بن منقذ بن... وكان الكحلاوي يهتم بالكلمة فهي جسره للوصول للآخرين، فكان دائمًا ما يتدخل في كلمات أغانيه ويشارك صاحبها كتابتها، وكان يستهل معظم أغانيه بالغناء المنفرد، ثم تدخل الموسيقى بعد ذلك وهي الطريقة التي اتبعها معظم المغنين من أبناء جيله وحتى الآن. رائد الأغنية البدوية وقد اتجه الفنان الشاب إلى الغناء البدوي الذي تعلمه جيدًا أثناء سفره فكوّن في بداية حياته ثلاثية جميلة مع بيرم التونسي بالكتابة وزكريا أحمد بالتلحين وهو بالغناء، واستطاعوا أن يظهروا لونًا غنائيًّا لم يكن على الساحة الغنائية آنذاك هو الأغنية البدوية التي وجدت قبولاً واستحسانًا كبيرًا، وساعد على انتشارها وتخليدها أنها كانت بمثابة تابلوهات غنائية في الأفلام التي شارك فيها الكحلاوي والتي كانت كفيلة بإنجاحها، وقد قلده عدد كبير من الفنانين وعلى رأسهم فريد الأطرش، وهو ما جعله يبحث عن مجال آخر للريادة والتميز فكانت الأغنية الشعبية. وبدأ محمد الكحلاوي التمثيل نجمًا فكان أول أفلامه من إنتاج "أولاد لامة" وبطولة كوكا وسراج منير الذي تصدر أفيشاته رغم أنه لم يظهر سوى في مشاهد معدودة. وقد كوّن الكحلاوي ثاني شركة إنتاج في الوطن العربي وهى (شركة إنتاج أفلام القبيلة) أراد بها صناعة سينما بدوية فتخصصت في الأفلام العربية البدوية مثل "أحكام العرب" و"يوم في العالي" و"أسير العيون" و"بنت البادية"، وغيرها والتي شارك فيها بالتمثيل واعتبرت هذه الأفلام بداية لعملية تمصير الفيلم العربي والذي كان يعتمد من قبل على النصوص الأجنبية المترجمة، وقد قدم في هذه التجربة نحو 40 فيلمًا. ووقف عند كنانة, وقال ألم أقل لك بأنه كناني, فقلت له: كأنك يا أستاذ اتبعت قول أبي نواس: لا تقربوا الصلاة, فأكمل النسب وإذا به يقرأ ابن ثور بن كلب بن وَبَرة, فوقف وقد ذهل, فقلت له: لا عليك يا أستاذ, هناك في القبائل العربية ثلاث كنانات: كنانة عُذرة, وكنانة كلب, وكنانة مدركة التي منها قريش وهي أشهر الكنانات فعندما تصل في النسب إلى كنانة يتبادر إلى ذهنك الكنانة الأشهر فتقف عندها ومن هنا يأتي الخطأ.
فسكت برهة وهو يفكر ثم قال لي: يا محمود مادمت هكذا تحفظ الأنساب ولك هواية في تتبع النسب, فلماذا لا تحقّق الجمهرة, وقد لا يأتي بعدك من يهتم بعلم النسب, خاصة أنك الآن الوحيد الذي لك هذه الهواية, فقلت: هذا المستشرق ليفي دلافيدا أمضى في تحقيقه ثلاثين عاماً وأخفق, وأتى بعده المستشرق كاسكل فأصدر مشجرات ولم يصدر الكتاب, وهذا عالمنا الشيخ حمد الجاسر لم يقدم لتحقيقه فأين أنا من هؤلاء? فقال لي: يا محمود هل علبة الثقاب الفارغة أفضل أم التي فيها عشرة أعواد? وقد استطاع السباعي في بحثه هذا أن يدفع عن السنة تحريضات المستشرقين، وخاصة كبيرهم "جولد تسهر" اليهودي المشهور. وحين نادي منادي الجهاد للدفاع عن فلسطين عام 1948م كان على رأس كتائب الإيمان التي زحفت من مكان، حيث قاد الكتيبة السورية، وشارك هو وإخوانه  في معركة القدس بخاصة ومعارك فلسطين بعامة، وأبلوا البلاء الحسن في الوقوف مع إخوانهم المجاهدين الفلسطينيين الذين تكالبت على حربهم دول الكفر مجتمعة لتشريدهم وإخراجهم من ديارهم ومصادرة أموالهم وهدم بيوتهم. مؤامرة وبعد أن تمت المؤامرة على المجاهدين، حيث جُرِّد المجاهدون الفلسطينيون من أسلحتهم وسـلِّمت البلاد لليهود لقمة سائغة، واعتقل المجاهدون وزج بهم في معسكرات الاعتقال، ثم نقلوا إلى سجون بلادهم، عاد السباعي إلى سورية غاضباً يصب جام غضبه على المأجورين والعملاء، ويفضح خطط المتآمرين، ويكشف عمالة الأنظمة، ويشرح ما جرى من مهازل القادة العسكريين الذين كانوا تحت إمرة الجنرال "كلوب" الإنجليزي، ويكشف قضية الأسلحة الفاسدة التي زود بها الجيش المصري، ويفضح تصريحات القادة العراقيين عن عدم وجود أوامر لضرب اليهود "ماكو أوامر" ولولا جهاد المتطوعين من الفلسطينيين والمصريين والسوريين والأردنيين، لما وجد ثمة قتال حقيقي ضد اليهود، بل هدنة ثم هدنة لتمكين اليهود من العرب، وإمدادهم بالأسلحة الأوروبية والأمريكية والمقاتلين الأجانب لترجيح كفة اليهود على الفلسطينيين، ثم تسليم البلاد وتهجير أهلها واعتقال المجاهدين المتطوعين في سبيل الله للذود عن ديار المسلمين المقدسة. يقول السباعي في كتاب "الإخوان في حرب فلسطين": "كنا نشعر ونحن في قلب معارك القدس، أن هناك مناورات تجري في الصعيد الدولي، وفي أوساط السياسات العربية الرسمية، فتشاورنا في كتيبة الإخوان المسلمين فيما يجب علينا فعله، بعد صدور الأوامر إلينا بالانسحاب من القدس، فقرَّ رأينا على أننا لا نستطيع مخالفة الأوامر الصادرة إلينا بمغادرة القدس لاعتبارات متعددة، وأننا بعد وصولنا إلى دمشق سنرسل بعض الإخوان المسلمين خفية إلى القدس مرة ثانية، لدراسة ما إذا كان بالإمكان عودتنا بصورة إفرادية، لنتابع نضالنا في الدفاع عن فلسطين، وعدنا إلى دمشق مع سائر أفراد الحامية وقيادتها، التابعة لجيش الإنقاذ حيث تسلمت قيادة جيش الإنقاذ أسلحتنا ووعدت باستدعائنا مرة ثانية عند الحاجة. وقمت بجولة في سورية تحدثت فيها عن معارك فلسطين وألقيت في ذلك محاضرات في كل مكان من دمشق وحمص وحماه وحلب واللاذقية ودير الزور وغيرها من المدن السورية، وذهل الجمهور لما أبديته من حقائق لم تكن معروفة لديهم تماماً، حتى شك بعضهم فيها، ثم انكشف الأمر وتبين صدق ما أدعي من العوامل الخفية والظاهرة التي كانت تُسيِّر معركة فلسطين، هذا بينما كان فريق من إخواننا المجاهدين قد عادوا إلى فلسطين خفية، لتنفيذ ما اتفقنا عليه" وفاتـــه وفي يوم السبت 27/5/1384هـ الموافق 3/10/ 1964م انتقل المجاهد العامل والداعية الصابر، الدكتور مصطفى حسني السباعي إلى رحمة ربه بمدينة حمص، بعد حياة حافلة بالجهاد المتواصل، وقد شيعت جنازته في جمع  مهيب من العلماء ومن تلاميذه ومحبيه، وصلي عليه في الجامع الأموي بدمشق. رحم الله الشيخ مصطفى السباعي وأجزل له المثوبة. قلت: التي فيها عشرة أعواد أفضل, قال: ضع فيها هذه العشرة وسيأتي غيرك فيملؤها. قلت: سأفعل إن شاء الله.
قلق على الكتابة لا شيء أصعب من الكتابة, ولا شيء أروع منها أيضا. إنها احتراق بغير نار. احتراق القلب والأعصاب والأصابع التي تكتب. كل شيء فيها يبدأ بالخوف والقلق, وينتهي بالخوف والقلق أيضا. تبدأ الكتابة من نقطة الصفر, أو بما هو قبل الصفر. تبدأ وأنت تجهل كل شيء. تدخل عوالم تجهلها, وتعشقها, وتخشاها. تدفع نحوها رجلا وترد أخرى. ومع الأيام تولد فيك ومن حولك حياة أخرى, فتتعرف على شخصيات جديدة, شخصيات تفرض عليك أن تقترب منها, وأن تفهمها - كما هي - وحتى تفهمها, وتدرك بنيتها النفسية والذهنية, فإنه لا بد أن تفكر كثيرا, وأن تعصر دماغك إلى حد الانفجار, وأن تطعمها من دمك وعظمك, وأن تجعلها تغتسل وتتطهر بعرقك. وأنا أكتب مسرحياتي, يصاحبني عادة شعور غريب. شعور من يخاف الموت كل لحظة. إنني أخاف أن أموت قبل نقطة النهاية. يقلقني أن تبقى حالاتي وأوهامي معلقة في الفراغ المطلق, فلا هي تنتمي إلى الوجود ولا إلى العدم. ولأنني عشت اليتم في حياتي - بكل ما فيه من قهر وظلم وضياع وأسئلة وجودية - فإنني أخشاه, بل أكرهه. إنني أخشى هذا اليتم كثيرا, بالنسبة لأطفالي وبالنسبة لمسرحياتي معا. أخاف أن أمضي, قبل أن أرتب كل شيء, وأسوي كل شيء, وأنتهي من كل شيء. لأجل هذا فإنني أدخل دائما في سباق جهنمي مع الزمن. أريد أن أصل قبله, أو معه على الأقل, وذلك حتى تصبح كلماتي داخله وليست خارجه, وأكون فاعلاً فيه, ومنفعلا به, وشاهدا على مسرحياته, الضاحكة لحد البكاء, والباكية لحد الضحك. وتنتهي المسرحية, وتتم الولادة, ومع ذلك يبقى السؤال يلاحقني: - هل تنتهي المتاعب التي كانت, وبذلك ينتهي القلق المرعب, أم تراها تبدأ من جديد, وذلك بشكل آخر, مختلف ومغاير? لو كنت شاعراً أو قاصاً, لانتهت مهمتي مع انتهاء الكتابة, والتي هي فعل محدود في الزمن والمكان ولكنني مسرحي, والمسرحي تتعدد متاعبه وتتشعب, وتتجدد باستمرار, وبذلك فإنني, ما إن أفرغ من فعل الكتابة, حتى أجد من يقترب مني, ويسألني: - ما الجديد لديك أيها الكاتب? ولأن فرحة الإبداع أكبر من أن أخفيها, فإنني أبوح بسري, وأعلن عن الولادة الجديدة. أعطي اسمها ورسمها وبطاقة تعريفها, وما إن أضع أول خطوة في مشروع الفرح, حتى يطرق بابي الطارقون من جديد, وأسأل: - من بالباب? ليكون الجواب. انا رفيقك المخرج - وكل المخرجين أصحابي وأحبابي ورفاق دربي - وقد جئتك طالبا ضيف الله, وأملي أن تمنحني يد مسرحيتك المصونة. يا الله. إن رحلة العذاب مستمرة إذن, وإن الخوف مازال مقيما إلى ماشاء الله. ويخرج النص من بين يدي. يغادرني من غير أن يفارقني الشعور بالقلق, بل إنه يزداد عنفا وحدة وقوة. حقا, إنه لشيء فظيع أن أتحدث للناس - وأنا معهم - وأن يكون بيني وبينهم مترجم, فإن كان هذا المترجم صادقا وأمينا, فأنا سعيد وابن سعيد, وأما إن كان خائنا ومزيفا, فذلك هو الجحيم الذي ما بعده من جحيم. إن في المخرجين/ المترجمين رجالا من كل نوع وصنف, فيهم العالم والأمي والأمين والخائن, والشاعر والحرفي والجراح والجزار, والمبدع والخياط. وتبدأ عملية الإخراج, ومعها تبدأ مظاهر الفرجة.. الفرجة التي تضحك وتبكي, وتفرح وتحزن, وتسعد وتشقى. والتي قد تصل أحيانا إلى حد أن تنبت الشعر في رأس الأقرع, وأن تنطق الأخرس, ومع ذلك فإنني ألوذ بصمتي وأقول دائماً, إنني مسئول فقط عما كتبت.. ألا فليسامح الله بعض المخرجين. إن كل اجتهاداتهم تتلخص في عملية الحذف والبتر.. حذف مشهد, حذف حوار, حذف كلمة, حذف شخصية, وأتساءل مخلصا: - لماذا هذا الحذف يا سادة ياكرام? ليكون الجواب: النص في حاجة لكتابة ثانية, وإلى تقطيع تقني, ولأنه أساسا كتابة أدبية, فهو في حاجة إلى أن يمسرح, وإلى استبعاد ما هو سياسي فيه, وما هو فكري وفلسفي, وما هو غامض وملتبس, وما هو صعب وما هو سهل, وما هو فوق وما هو تحت, وهذا حذفناه من غير لماذا, فقط لنمارس سلطتنا. وحدثت ظروف اضطررت معها أن أترك سوريا وأسافر إلى اليمن, وبقيت هناك ثلاث سنوات أتتبع أخبار قبائلها في الماضي والحاضر, ولم أترك مكانا ذكر في كتب التراث إلا زرته وأمضيت الأيام في أودية زبيد أفتش عن آثار ماء هناك يسمّى غسان نزلت عليه الأزد عند رحيلها عن اليمن إلى الشمال بعد خراب سدّ مأرب, فكل من شرب منهم من هذا الماء سمي غسان, فلم أجد له أثراً حتى قيل لي: ربما كان عبارة عن تجمع مياه السيول التي تذهب بعد انقطاع أيام الأمطار.
بين الماضي والحاضر
وعدت إلى سوريا وأنا أشد تعلقاً بالقبائل العربية, ووقع بين يدي كتاب غزوة نابليون لمصر, وإذا بي أجد أن أول ما أوصى به نابليون العلماء الذين أتى بهم معه إلى مصر قوله: افصلوا ماضي الأمة عن حاضرها ومتى فصلناها عن ماضيها سهل ابتلاعها. فشدّ هذا القول من أزري على تحقيق الجمهرة كي لا نُبتلع فبدأت أنسخ المخطوط وما إن وصلت إلى نصفه تقريباً حتى فوجئت أن به دشتاً وخرماً. والدشت بلغة المحققين تقديم وتأخير في صفحات الكتاب, وهنا كانت الصعوبة لأن الكتاب عبارة عن أسماء فيقول فيه مثلا: هذا نسب بني مخزوم. عمل أيضا إلى جانب عمله كمحرر اقتصادي محررا للشئون الدولية بالجريدة، وهو ما أتاح له الاطلاع على الكثير من التطورات السياسية والدبلوماسية في العالم خاصة أن "غسان تويني" صاحب الجريدة ورئيس تحريرها كان من أهم رجال الدولة في لبنان في فترة الستينيات وأوائل السبعينيات إبان حكم الرئيسين "شارل حلو" و"سليمان فرنجية". وبعد صفحتين يقول لك هؤلاء بنو تيم الأدرم, فتعلم أن هناك تقديماً وتأخيراً في الصفحات, والخرم هو النقص في المخطوط, فترتيب الصفحات يمكن التغلب عليه بمساعدة مخطوطي مختصر ومقتضب الجمهرة, ولكن مع الخرم القليل لا يكمل الكثير ولكن العكس صحيح, فإذن لابدّ لي من الحصول على نسخة مخطوط أنساب الأشراف للبلاذري لأن البلاذري - رحمه الله - كان بعد عصر ابن الكلبي بمائة عام, وكان دليله في عمله كتاب الجمهرة وسار على منواله ولكنه توسع في الأخبار والأدب, فابن الكلبي يقول عن الحجاج بن يوسف بن عقيل, والي العراقين, بينما البلاذري كتب كل ما يعرف عن الحجاج وما قيل فيه, فأصبح كتابه كتاب تاريخ وأدب, فكتبت أستنجد بعالمنا الشيخ حمد الجاسر, وكان على قيد الحياة رحمه الله, فأرسل إليّ نسخة مخطوط أنساب الأشراف نسخة اسطنبول وكتب إلي أن هذه كثيرة الأخطاء. فاستعنت فيها في عملي وأكملت نسخ الجمهرة. ودفعت عملي إلى التنفيذ من أجل الطباعة, فأمضيت ما يقارب السنة في تصليح الأخطاء فكل كلمة حُبَيْب وحُبَيّب يكتبونها حَبِيب, فرأيت لزاما علي أن أخطّه, وقد وهبني الله خطا جميلا وطبعته بأجزائه الثلاثة بخط اليد, وكان الجزء الثالث مشجّرات أشرت فيها إلى أخطاء كاسكل وما أنقصه من الأسماء.
الجمهرة... ومع معارضته لمهندسي أوسلو، ظل يدعو إلى وحدة الصف الفلسطيني، ويتعامل مع الفصائل الفلسطينية كلها بروح الأبوة والأخوة للجميع، ولا يرضى بأي شق للصف، فليس يؤذي العدو شيء مثل التوحد والتلاحم. والبداية ثلاثة أجزاء
وهكذا ظهر للوجود كتاب جمهرة النسب لابن الكلبي بأجزائه الثلاثة, وكتاب معدّ واليمن الكبير لابن الكلبي بأجزائه الثلاثة أيضا, والأول يحوي نسب القبائل العدنانية, والثاني يحوي نسب القبائل القحطانية, ومن خلال عملي فيهما ثبت عندي أنهما كتابان لا كتاب واحد, فقد عمل ابن الكلبي الكتاب الأول نسب معدّ واليمن الكبير, وكأنه لم يرض عنه, فعاد وعمل كتاب الجمهرة لأنه الأصح والأعم والأدق, ومختصر الجمهرة ومقتفيه كانا للجزأين من الجمهرة حيث إنهما كانا موجودين في ذلك العصر, أما الآن فلا يوجد إلا نسخة وحيدة في العالم للجزء الأول من الجمهرة الذي يحوي نسب القبائل العدنانية وقسما من القبائل القحطانية إلى آخر قبيلة الأوس الأنصارية, وكتب ابن الكلبي في آخره: انتهى الجزء الأول من الجمهرة ويليه الجزء الثاني وأوله قبيلة الخزرج الأنصارية, ونسخة وحيدة من الجزء الثاني من كتاب نسب معد واليمن الكبير لابن الكلبي في دير الأسكوريال بمدريد.
حياة حافلة بالإنجازات عمل إخصائيا في مستشفى الصباح في الفترة من 1980 – 1983م، ونشر العديد من الأبحاث العلمية والطبية في مجال القولون والفحص بالمنظار لأورام السرطان، كما أصدر أربعة كتب هي: لبيك أفريقيا، دمعة على أفريقيا، رسالة إلى ولدي، العرب والمسلمون في مدغشقر، بالإضافة إلى العديد من البحوث وأوراق العمل ومئات المقالات التي نشرت في صحف متنوعة، تولى منصب أمين عام جمعية مسلمي أفريقيا عام 1981م، وما زال على رأس الجمعية بعد أن تغير اسمها إلى جمعية العون المباشر في 1999م. ثم بعد ذلك شاركت في تأليف كتاب (الشهد المذاب فيما لذّ وطاب) مع ابن خالي المرحوم إبراهيم سيف الدين التركماني المقيم في الرياض, وهو عبارة عن قصص منتقاة من كتب التراث, وكان خير شريك في عمل تغمّده الله برحمته إنه سميع مجيب.
كان الدجاني فارسا من فرسان الكلمة، وعلما من أعلام الفكر، ورائدا من رواد النضال الفلسطيني، وبطلا من أبطال العروبة والإسلام، رحمه الله رحمة واسعة وتقبله في الصالحين من عباده الأبرار. ثم طلب إليّ صديق لا أقوى على رده أن أعمل في الأجزاء التي لم تصدر من كتاب أنساب الأشراف للبلاذري وبدأت بالجزء الثاني منه وسميته: علي وبنوه وأصدرته وما إن ظهر في الأسواق حتى بدأ الناس يسألونني عن الجزء الأول, فأجيب بأنه صدر من قديم بتحقيق د.محمد حميد الله, ولتلبية لرغبتهم أعدت تحقيق الجزء الأول عن نسخة المخطوطة الموجودة في المكتبة العامة المغربية, وبمساعدة نسخة الخزانة الملكية في الرباط ونسخة اسطنبول, وهكذا إلى الجزء الثاني عشر وكان آخر الأجزاء من تصنيف البلاذري رحمه الله, فأدركته المنية ولم يكمل (مضر) فأسقط بطنا من ثقيف وبني عامر بن صعصعة جميعهم, فأصدرت الجزء الثالث عشر وأكملت فيه (مضر) ثم أصدرت الرابع عشر والخامس عشر, وفيه كمل نسب العدنانيين وذلك على نفس طريقة البلاذري وسميته: (المستدرك على أنساب الأشراف للبلاذري) من تأليف محمود الفردوس العظم, وبدأت بالسادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والأجزاء الثلاثة هي تحت الطبع, وبدءا من الساس عشر وهو نسب القحطانيين, وأظن أنه سيصل إلى الجزء الأربعين, وقد لاقيت الأمرين من المفهرسين فقد فهرسوا الجزء الأول وحتى الثالث, وبدءا من الرابع وما بعد فأنا الذي فهرسته, ولكن على الطريقة الحديثة, فجعلت بجانب كل اسم علم السبب الذي ذكر اسمه من أجله, ثم رقم الصفحة, وذلك تسهيلا على القارئ والباحث إذا أراد أن يعرف خبراً محدّداً عن إنسان ما فيلقى بغيته في الفهارس, حتى قال لي أحدهم: والله يا محمود إن الذي يقرأ فهارسك يأخذ ملخصاً عن الكتاب.
علم النسب
كان أبان بن الوليد البجلي عاملاً على واسط لابن عمه والي العراق, في عهد هشام بن عبدالملك أمير المؤمنين, خالد بن عبدالله البجلي ثم القسري, ولما قال الشاعر الكميت بن زيد الأسدي قصائده الهاشميات ومدح فيها بني هاشم وهجا بني أمية, كتب أمير المؤمنين هشام إلى عامله على العراق خالد بن عبدالله أن يقطع لسان الكميت بن زيد ويديه ورجليه, فأخذ خالد الشاعر الكميت ووضعه في الحبس, وبلغ الخبر أبان بن الوليد وكان صديقا حميما للكميت, فدعا غلاما له وأعطاه بغلا وقال له: أنت حر والبغل لك إذا لحقت الكميت قبل أن يقتل, وكتب إليه: بلغني ما صرت إليه فوالله لا أرى لك إلا القتل, فادع امرأتك وتخمّر بخمارها والبس ثيابها واخرج, فإن خالدا لا يتعرض للنساء, وإن تعرض لها فسيمنعه قومها بنو أسد, فلحقه الغلام وأبلغه الرسالة, فدعا الكميت امرأته حتى وافته إلى الحبس ومعها جاريتها فقص عليها الخبر, فقامت وخمّرته بخمارها وألبسته ثيابها وقالت له: أقبل وأدبر, ففعل, فقال والله لا أنكر شيئا منك إلا يُبسا في كتفيك, يعني تخلّع كما تتخلع النساء في المشي - وقالت: اخرج على بركة الله واتبعته جاريتها فخرج ولم يؤبه له واستخفى في بني أسد إلى أن نام الطلب عنه فخرج حتى لحق بالشام واستجار بمسلمة بن هاشم بن عبدالملك, فقال له: لا أجير على أمير المؤمنين ولكن أحتال لك, فإن معاوية بن هاشم قد مات منذ قريب وكان يخلفه لولاية العهد فقبره أمام القصر لينظر إليه في صباح كل يوم, فأخرج إلى بر واضرب فسطاطك عليه, فإذا أخذوك فسأرسل إليك أولاد معاوية ليمنعوك, ففعل ففي الصباح نظر هشام إلى القبر فشاهد الفسطاط فقال: ما هذا? فقيل له لعله رجل استجار بقبر معاوية, فقال قد أجرت من استجار بقبره إلا أن يكون الكميت بن زيد, فأتوني به فإن كان الكميت فتعتعوا به, فأرسل مسلمة بن هشام أولاد معاوية وهم غلمان صغار وعلى رأسهم عبدالرحمن الذي أصبح فيما بعد مؤسس الدولة الأموية بالأندلس ولقّب صقر قريش, فركضوا إلى الكميت وربطوا أثوابهم بثوبه, فلما أتوه وهو على هذه الحال لم يقدروا أن يتعتعوا به, فلما ادخل معهم على هشام قال له الغلام عبدالرحمن: يا جدّاه لقد مات أبي ومات معه حظه من الدنيا, فانشدك ألا تفضحنا بمن استجار بقبره, فبكى هشام حتى انتحب وسقطت الدموع من لحيته ثم قال: قد أجرتك يا كميت, وبقية الخبر طويل, ولكن الذي يهمني هو الآتي:
فلما عفا هشام عن الكميت وعاد إلى العراق مدح أبان بن الوليد البجلي بثلاثة أبيات ما وجدت لها ذكراً فيما قرأت من كتب, فأخذت ديوان الكميت الذي تم جمعه من كتب التراث, وإذا بالأبيات الثلاثة, ولكنه قال: إنها في مدح إبان بن الوليد بن عبدالملك نقلاً عن خزانة الأدب للبغدادي. فكاد يذهب عقلي أيمكن لعالمنا الجليل صاحب موسوعة خزانة الأدب التي تعد من أعظم المراجع في كتب التراث العربي أن يخطئ, والكميت بن زيد لم يظهر في عهد الوليد بن عبدالملك فرجعت إلى خزانة الأدب وإذا بقوله صحيح فقد ذكر البغدادي في الجزء الأول من خزانة الأدب الصفحة الواحدة والسبعين بعد المائة طبعة الهيئة المصرية للكتاب التالي:
ولم يستريثوك حتى رميـ     ـت فوق الرجال خصالا عشارا
وهذا البيت من قصيدة للكميت, يمدح بها أبان بن الوليد بن عبدالملك بن مروان وقبله:
رجوك ولم يبلغ العمر منـ   ـك عشراً ولا بنت فيك اتّغارا لأدنى خساً أو زكامن سنيك    إلى أربع فيقول انتظارا
فلما رأيت ذلك قلت في نفسي لعلك يا محمود أنت الواهم فرجعت إلى كتاب نسب قريش للمصعب الزبيري, وقد عدد أولاد الوليد بن عبدالملك فلم أجد بين أولاده من اسمه أبان
