كثيرة هي المآسي التي عاناها الشعب الكوبي: البؤس، والفاقة، والجوع، والتي نتجت عن الجهل والملاحقات والتعذيب والاعتقال، وقد امتدَّ الذل إلى تطبيق نظام الرق على الكوبيين السود.. وفي خضم هذه المظالم كلها، وبعد 30 عامًا من الممارسات الوحشية من جانب المستعمر، وُلِد "خوسيه مارتي" وحيدا بين سبع شقيقات.. والده "ماريانو مارتي نافارو" رقيب أول في المدفعية الملكية، ووالدته "ليونور كابريرا" من إحدى جزر الكناري.
كان خوسيه بالنسبة للجميع بمثابة الصديق دائمًا، وقد التحق بالثانوية بعد نجاح فائق، ولكن لم يُغْرِه نجاحه بالركون إلى جانب المستعمر، أو الطمع في مناصب أو مظاهر زائفة يلقيها المحتل لأعوانه من أهل البلد الذي تمثل فيه الشهادة الثانوية بالنسبة لمواطنيه قيمة كبرى آنذاك، لكن خوسيه لا يرضيه- وقد كان بوسعه- أن يكون شيئًا ضخمًا في وطن مصفد ذليل.
"الحب بالحب يكافأ"
شارك في أول نواة لحركة تحريرية في كوبا، وكان ذلك عام 1868م، ولم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة بعد.. ودخل الحركة من باب الصحافة والأدب، فقد أصدر في هذه السن المبكرة جريدة سمَّاها "الشيطان الأعرج"، ولم يُكْتب للعدد الثاني منها أن يظهر للنور، فأصدر نشرة "الوطن الحر"، ولم يلبث أن أدين مع صديق له بتهمة إهانة "المتطوعة"، وهذا المصطلح كان يطلق على الكوبيين المتعاملين مع الاستعمار.. وكان خوسيه قد أرسل رسالة لأحد أصدقائه "جاني فالديس" يشكو له فيها من هؤلاء الخونة والعملاء.
وفي ساحة المحكمة أبَى إلا أن يتحمل المسؤولية كاملة، وتم إخلاء ساحة صديقه تمامًا، وبدلاً من أن ينفي التهمة عن نفسه، أو يعمد إلى المداراة، وجَّه سبابته نحو القضاة العسكريين، يتهمهم بإهدار قيمة العدالة والحرية، غير عابئ بنظرات الحنق والغضب؛ لذا حكموا عليه بست سنوات مع الأشغال الشاقة، وفي أثناء قضائها صدر قرار بنفيه إلى إسبانيا حتى عام 1874م، ومن هنا أفاد خوسيه من أسفاره المتعددة، فاكتسب خبرات السفر، كما أنه امتلأ حماسًا من أجل نهضة بلاده وحريتها..
قضى سنواته في مدن أسبانيا، لكنه أفاد من خبرات الترحال مقاتلاً كما أراد دومًا، فلم يهدأ في هذه الفترة؛ حيث أنهى المرحلة الثانوية، وتخرج في كلية الحقوق في شهادة القانون المدني والكنسي، ثم في ذات العام حاز شهادة الفلسفة والآداب، ثم غادر إلى فرنسا فالمكسيك، عارضًا مسرحيته التي استحال عنوانها قولاً مأثورًا في العالم كله "الحب بالحب يُكافَأ"، ثم غادر إلى "جواتيمالا"، وهناك وجد بعضًا من الراحة حين عمل مدرسًا في دار المعلمين، ولكن روح الثورة داخله لم تهدأ، فحين أقيل أحد المدرسين بأمر من رئيس جواتيمالا "هومستوباريوس" استقال معه مارتي تضامنًا؛ رافضًا كل أشكال القهر السياسي..
الحرب السخية بالدماء.. بلا كراهية!!
في اللحظة التي صدر فيها القرار من الحكومة الإسبانية بالعفو عن كل من اشترك في الحركة التحررية، وصل خوسيه إلى هافانا بصحبة زوجته الوفية وولده الوحيد الذي ولد عام 1878. ومنذ أن وطئت قدماه أرض الوطن وزع اهتماماته إلى محاور ثلاثة: الإنتاج الأدبي، وإلقاء المحاضرات في المعاهد العليا، والاتصال بالوطنين والثوار. وبالتالي ما لبث أن نفي من جديد عام 1879 بسبب ما أشاعه في خطبه الحماسية ومقالاته الثورية من أفكار تحررية.
ظل خوسيه يدفع ثمن مواقفه من صحته ومن ضيق يده دومًا؛ فقد اضطر للعمل في مهن كثيرة أقل مما يناسبه ليتحمل مسؤولية أسرته التي دفعت معه ثمن نضاله، ولكن النفوس القوية هي التي تجعل من الألم والعذاب قناديل مضيئة.. وفي هذا العمر اليافع المندفع عرف خوسيه طريقة، وحدد هدفه في دعوته للشعب الكوبي، رافضا أي كراهية أو غل مما يلوث النفوس ويجعل القلوب مخازن للحقد..
ولقد عرف نضاله ودوره بأنه: "التبشير بالحرب السخية المنزهة عن كل عمل عنيف خالية من كراهية الإسبان"!
القلم والحبر.. بندقية ورصاصة
غادر مارتي إسبانيا إلى الولايات المتحدة مدة أحد عشر عاما تنتهي في عام 1892، وقد قضاها متفرغًا لمشروعه الثوري، منظمًا له بعيدًا عن وطنه، وأكمل مسيرته الأدبية؛ حيث أسس مجلة شهرية سماها "السن الذهبية" عام 1889، وجهت للأطفال الذين كان يطلق عليهم دومًا "أمل العالم". "فتى العلم الكهربائي" وفي مطلع عام 1933 تمت ترقيته في الشركة، ومنح لقب "فتى العلم الكهربائي" وذلك بعد انتخابه من جمعية المهندسين الكهربائيين الأمريكيين في نيويورك. واستطاع الصباح اكتشاف طرائق الانشطار والدمج النووي المستخدمة في صنع القنابل الهيدروجينية والنووية والنيترونية. وقد شملت علوم الصباح نواحي معرفية عديدة في مجالات الرياضيات البحتة والإحصائيات والمنطق والفيزياء وهندسة الطيران والكهرباء والإلكترونيات والتلفزة، وتحدث عن مادة "الهيدرولية" وما ينتج عنها من مصادر للطاقة، واستشهد بشلالات نبع الصفا في جنوب لبنان ونهر الليطاني، كما كانت له آراؤه في المجالات السياسة والاقتصادية والاجتماعية والحرية والاستعمار والمرأة والوطنية والقومية العربية، وكان ذواقًا للأدب ويجيد أربع لغات هي: التركية والفرنسية والإنجليزية والألمانية. اختراعات الصباح ويصل عدد ما اخترعه حسن كامل الصباح من أجهزة وآلات في مجالات الهندسة الكهربائية والتلفزة وهندسة الطيران والطاقة إلى أكثر من 76 اختراعًا سجلت في 13 دولة منها: الولايات المتحدة الأمريكية، وبلجيكا، وكندا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وأستراليا، والهند، واليابان، وأسبانيا، واتحاد دول أفريقيا الجنوبية. والطريف أن هذه المجلة قدمت للأطفال موادَّ ترفيهية مسلية ضاحكة، وهو ما يؤكد أن خوسيه المقاتل والسياسي والمحارب لم يفقد في حربه تلك حُبَّه للحياة، وأمله في الغد وإحساسه بالبراءة والطهر.
واهتمامه الكبير بالأدب أمر يدعو للدهشة في ظل ظروفه المضطربة؛ حيث كان يراسل صحفًا عديدة.. وفي ذات الوقت اتخذ مكانته اللائقة؛ حيث عدّه النقاد من مؤسسي الأدب اللاتيني الحديث مع ثلاثة آخرين، هم: روبيرون داريو، وهوليان دلكاسال، وجوتيريزناصيرا..
لم تكن كوبا فقط تملك عليه حبه، ولكن كان مارتي يعشق أمريكا الجنوبية وشعوبها، وكان يسمي قارته "أمي أمريكا"، وكان يردد دائمًا قوله: "إن شغفي بالعدالة ومقتي للرذيلة مهما كانت بسيطة هما رسالتي في الحياة".
وقد جاء أدبه متعانقًا مع فكره وحبه الأول "أمريكا الجنوبية"، فهو حين يقول: "لم يعد ممكنًا أن نظل شعبًا شبيهًا بأوراق حياتها في الهواء، فيما الأفنان مكللة بالزهور، أوراق تتطاير أو تتهادى كما تريد لها الريح، وتتهشم أو تبلل كما تشاء لها العواصف، لا بد للأشجار من الاصطفاف لتحول دون مرور المارد.. لقد آن أوان الجد"- كان لا بد لهذه الرؤى والأفكار أن تتبلور.
وبالفعل تم ذلك في 1892 حين أسس الحزب الثوري الكوبي، الذي جعل فلسفته أن التحرير سيأتي حين نتنازل جميعًا عن مصالحنا الشخصية؛ حتى إنه رفض أن يسمى رئيسًا أو زعيما للحزب، واختار تسمية مندوب، وأصدر جريدة "باتريا" (الوطن)؛ لتكون لسان حال الحزب، وبدأ في جمع التبرعات لشراء السلاح.
وفي أول إبريل 1895 أرسل "مارتي" إلى تلميذه المخلص "كيسادا" خطابا رقيقا حول الثورة القادمة يقول فيه: "وفيما يختص بكوبا؛ ما الذي يمكن أن أكتبه عنها؟ أراني لا أجد صفحة واحدة جديرة بها، إنما العمل الذي سنقوم به هو ما تستحقه"..
حين شعر بعودته للوطن، وتنسم أنفاس أهله وذويه، ولسعته حرارة شمسها، أحس بالروح تسري في جسده، وحين استنهضه الحنين صاح قائلا: "لَمْ أحس بأني رجل إلى أن جاء هذا اليوم! لقد عشت حياتي خجلاً من نفسي، أجر الأغلال التي تكبل وطني، استعدادي للتضحية خفّف عني عبء الجسد، أحس بروحي وقد غدت نقية غير مثقلة، وأشعر بشيء أشبه ما يكون براحة الطفل؛ فهل للسماء شرفات، ومن إحداها يُطل أولئك الأشخاص القريبون من قلبي؟"..
بهذه الكلمات الرقيقة الهادئة استقبل خوسيه ما كان ينتظره، وكأنه يريد أن يبعد الشكوك عن نفسه، تلك التي تحيط المناضلين إذا وصلوا إلى سدة الحكم، فها هو مارتي يقف مع المحاربين في سن الثانية والأربعين، لا يقف في صفوف خلفية، ولا يكتفي بدوره السياسي ولا رئاسته للحزب، ولا حتى بكونه أديبًا وفنانًا عظيمًا، بل يقف ممسكًا السلاح، وهو لم يعرف في حياته سوى القلم والألم إلى جانب الأمل الذي تمسك به دومًا… ومات خوسيه في أول معركة له ضد المستعمر بعد رحلة قصيرة لم تتعدَّ الثانية والأربعين.
ورغم أنه لم يَثْبُت أنه زار أي دولة عربية، فقد كان محبًا للعرب. ظهر ذلك في أعماله الغزيرة، التي بلغ مجموعها 28 مجلدا، وهي تحوي كثيرًا من الإعجاب والإشادة بالعرب. يقول مارتي عن العرب: "إنهم كائنات رشيقة جذابة، تكوّن شعبًا هو الأكثر نبلا وأناقة على وجه البسيطة..".
استعد الرجل لمهمته جيدًا بالتخطيط وتجميع الجهود، كما تزود بزاد العلم حتى يحظى بعصا من البرهان يتوكأ عليها، وله فيها مآرب أخرى! هذا هو أبو الأعلى المودودي (1903-1979) الذي يعتبره كثيرون من مجددي الإسلام في القرن العشرين؛ وذلك لأنه نذر نفسه لمهمة الدعوة الإسلامية طوال حياته مع تقلب مواسمها في ظل مناخ حار -طبيعيا وفكريا- تشهده شبه القارة الهندية. ولد أبو الأعلى المودودي في عام 1903 في مدينة "أورنك آباد" إحدى مدن ولاية حيدر آباد الهندية في بيت معروف بالعلم والتدين، فالوالد هو "السيد أحمد حسن" ذو ثقافة إنجليزية تلقاها في مدرسة العلوم، ولكنه لم يستكملها، ثم عمل في المحاماة لفترة من الوقت. تلقى المودودي علومه الأولية من والده؛ فتعلم اللغة العربية والقرآن والحديث والفقه واللغة الفارسية. ويقول المودودي عن أبيه: "إن والدي شملني بالتربية السليمة والتوجيه الشديد، وكان يلقي عليّ في الليالي حكايات الأنبياء، وأحداث تاريخ الإسلام، والوقائع الشهيرة في تاريخ الهند، ما أزال أشعر بفائدة تلك التربية حتى اليوم". يحكي المودودي حادثا طريفا عن حياته المبكرة، وهو أنه ذات يوم ضرب ابن أحد الخدم في بيتهم، فأمر أبوه الخادم أن يضرب ابنه. ويعلق المودودي: "هذا الحادث لقنني درسًا، ولم أجرؤ طول حياتي أن أعتدي على الضعفاء". التحق بالمدرسة الثانوية في (أوزنك آباد) وهو في الحادية عشرة بعد ثلاث سنوات، فما لبث أن أثار الإعجاب لذكائه وتفوقه، رغم أنه كان يعيش في عوز شديد، وكان بيته يبعد عن مدرسته مسافة 15 كيلومترًا يقطعها على الأقدام ذهابا وعودة. الصحافة في خدمة الإسلام.. الدرس الثاني في "الدعوة" وعقب وفاة الوالد عام 1917 أدرك الابن أنه أصبح لا يملك إلا بناء الذات؛ فاتجه إلى الصحافة فانضم إلى جريدة مدينة "بجنوز" 1918، ومنها إلى جريدة (تاج) الأسبوعية، وفيها كتب افتتاحيات عديدة تتحمس للمحافظة على الخلافة الإسلامية، وفي هذه الأثناء كتب كتاب "النشاطات التبشيرية في تركيا". ونتيجة احتكاكه بحركة الخلافة انتقل إلى دهلي عاصمة الهند، وقابل مفتي الديار الهندية الشيخ "كفاية الله" والشيخ "أحمد سعيد"، وكانا من كبار جمعية العلماء بالهند، ووقع الاختيار عليه لرئاسة تحرير الصحيفة التي ستصدرها الجمعية تحت اسم "المسلم" (بين 1921 و1923)، وفي عام 1924 أصدرت جريدة الجمعية، ورأس المودودي تحريرها حتى 1948. وخلال إقامته في دهلي تعمق المودودي في العلوم الإسلامية والآداب العربية، كما تعلم الإنجليزية في أربعة أشهر، وحصل قراءات فاحصة للآداب الإنجليزية والفلسفة والعلوم الاجتماعية؛ الأمر الذي مكنه من إجراء المقارنة بين ما تنطوي عليه الثقافة الإسلامية وما تتضمنه الثقافية الغربية. وفي تلك الفترة أيضًا ألَّف كتابين هما: "مصدر قوة المسلم" و"الجهاد في الإسلام". وكان سبب تأليفه لكتاب "الجهاد في الإسلام" أن "المهاتما غاندي" نقل عنه قوله بأن الإسلام انتشر بحد السيف، كما قال آخرون: إن الإسلام هو دين العرب الذين كانوا يضربون عنق كل من لا يؤمن بدينهم؛ وهو ما أثار المشايخ والعلماء.. وخطب الإمام "محمد علي الجوهري" خطبة في الجامع الكبير بدهلي، وصدح بقولته: "ليت رجلا من المسلمين يقوم للرد"؛ فأراد المودودي أن يكون هذا الرجل، وغربل أمهات الكتب في هذا الموضوع، وأخذ يطالع تاريخ الحروب عند جميع الشعوب قديمًا وحديثًا وكتب حلقات متواصلة في جريدة الجمعية، ثم صدرت في كتاب عام 1928، وكان الدكتور "محمد إقبال" ينصح دائمًا الشباب المسلمين باقتناء هذا الكتاب. وكان تأليف هذا الكتاب نقطة تحول كبيرة للمودودي، ويقول: "عرفت الإسلام، وعرفت طريقة إحيائه، وقررت ألا أدخل عالم الصحافة في المستقبل إلا لأن أجعلها وسيلة لخدمة الإسلام وإحيائه". وبعد هذه الفترة تولى إدارة مجلة "ترجمان القرآن"، والمذهل أنه كان يعمل وحده في إدارتها وتحريرها؛ فكان يكتب الافتتاحيات والمقالات والردود على الأسئلة، ويذهب إلى المطابع لطبعها، ويراجعها، ويربط الطرود، ويلصق الطوابع، ويحملها إلى البريد، ويرسلها للمشتركين، ورغم كل هذا فإنه كان يحب العمل فيها جدا، ورفض مرارا عرضا من رئيس الوزراء بتعيينه أستاذًا في الكلية العثمانية مقابل راتب شهري مرموق. وفي سبيل هذه الأهداف خرج كتابه "مبادئ الإسلام"، وقد تُرجم إلى ثلاثين لغة عالمية ونال رواجًا كبيرًا في أوروبا، واعتنق كثيرون بسببه الإسلام.. وسبب تأليفه أن إدارة التربية والتعليم في ولاية "حيدر آباد الدكن" كلفت المودودي بوضع منهج التربية الإسلامية في مدارسها، والطريف أنه لم يكتب شيئا حتى جاءه إخطار بضرورة تسليم الكتاب خلال أسبوع فأنجزه بالفعل في هذا الوقت اليسير. مع "إقبال" و"قطب" في سبيل الإسلام.. الدرس الثالث في "الأخوة" وممن قُرنوا بالمودودي دائما الشهيد سيد قطب الذي رأى الكثيرون تشابهًا في أفكارهما؛ حتى إن المودودي ذاته أكد على هذا التشابه، فقد روى الشيخ "خليل الحامدي" سكرتير الشيخ المودودي عنه ذلك قائلا: في أحد أعوام الستينيات بمكة المكرمة دخل شاب عربي مسلم على الأستاذ المودودي، وقدم له كتاب "معالم في الطريق" لمؤلفه "سيد قطب"، وقرأه الأستاذ المودودي في ليلة واحدة، وفي الصباح قال لي: "كأني أنا الذي ألفت هذا الكتاب"، وأبدى دهشته من التقارب الفكري بينه وبين سيد قطب، ثم استدرك يقول: "لا عجب؛ فمصدر أفكاره وأفكاري واحد، وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم". وأما عن علاقة الحب والإخاء التي كان يكنها المودودي لقطب رغم بُعد المسافة بينهما؛ فيحكي خليل الحامدي قائلاً: غداة تنفيذ حكم الإعدام بالشهيد سيد قطب، دخلنا على المودودي في غرفته، وكانت الصحافة الباكستانية قد أبرزت الخبر على صفحاتها الأولى، إلا أنه لم يكن قد قرأه بعد، فسبقنا وقصّ علينا المودودي كيف أنه أحس فجأة باختناق شديد، ولم يدرك لذلك سبباً.. والمدهش في اهتمامه بالعرب أنه قبل أن يكمل السادسة عشرة من عمره كان قد ألَّف مسرحيته الشعرية الأولى التي سماها "عبد الله"، وهو بطل مصري من النوبة، وجميع أبطاله من العرب الذين يشتركون مع الشعب الكوبي في نضاله ضد المستعمر الإسباني، بل إن مارتي يؤلف ديوانًا شعريًا بعنوان "إسماعيل الصغير"، الذي هو أبو العرب ابن إبراهيم (عليه السلام)، ويخص العرب بإشارات كثيرة فيه.
أعجب مارتي بالحضارة الإسلامية ورقي تعاملاتها الإنسانية، بعد اطلاعه على روائع الحضارة الإسلامية في إسبانيا خلال رحلات نفيه.. خطيب في المظاهرات في فترة اليفاع تلك, حرصت على المشاركة في جميع المظاهرات التي كانت تخرج إلى شوارع وساحات دمشق, تندد بالاحتلال الفرنسي, وتطالب بالاستقلال, وكان لي زميل اسمه بديع السيوفي (أصبح فيما بعد محامياً شهيراً) يكتب الخطابات الحماسية, وأقوم أنا بإلقائها, حيث كانت تلهب مشاعر الجماهير. وهو حين تبهره عمارة المصريين وطريقتهم في بناء بيوتهم، يصفها بأنها تماثل شعبها رشاقة وأناقة، ويعبر عن شغفه بتربية الخيول العربية ومدى إحساس العربي بفرسه وحميمية العلاقة بينهما بمقولة شاعرية فاتنة؛ إذ قال: "إن العربي البسيط حين يتحسس جواده بيديه كأنه يتحسس أعماق نفسه".
وهو يقف مشدوها أمام مشاعر هذا القائد العربي- يقصد عمرو بن العاص- الذي أبَى أن يهدم خيمته بعد انتهاء إحدى المعارك؛ لأن حمامتين نسجتا عشهما في سقف الخيمة، بل أمر ببناء "الفسطاط" عاصمة مصر الإسلامية تيمنًا بالحمامتين والخير الذي وراءهما. وكم أشاد بمصر فاتنته الأولى، وكيف نهل اليونان من علومها وفنونها.
وخوسيه نافذ بآرائه إلى أعماق خصوصيات العربي البسيط فيحتفل به في أمرين: صلواته اليومية التي يتضرع فيها إلى الله أن يهديه الطريق المستقيم، وحكمته العالية ونظرته الثاقبة للأمور، وهذا يتضح في قوله: "القافلة تسير فدع الكلاب تنبح".
وبخوف وحب على هذا العربي وببصيرة نافذة لمارتي حذر هذا العربي البسيط من خوض غمار الحياة معتمدًا فقط على رصيده من الابتهالات والدعوات والصلوات؛ فيقول: "إن من يقتصر على الابتهال إلى الله من أجل مواجهة كل طارئ إنما يدين نفسه بعدم القدرة على الاستيعاب"…
وحمل مارتي بشدة وبوعي مدهش على فكرة عبقرية الرجل الأبيض، التي يروّج لها الأوربيون؛ فيقول: "ذلك هو منطقهم: أن يعلي قيمة بلطجي أيرلندي أو مرتزق هندي ممن خدم الدول الأوروبية على حساب عربي من المتبصرين في الأمور، المترفعين عن الدنايا، والذين لا تثبط عزمهم هزيمة، ولا يعرفون التخاذل حيال الفارق العددي بينهم وبين أعدائهم، بل يدافعون عن أرضهم ورجاؤهم على الله".
ومن يطالع كتابات مارتي سيفاجأ بكَمّ هائل من الشخصيات العربية التي تحدث عنها مارتي، مثل: الأمير عبد القادر الجزائري، وأحمد عرابي، ومحمد علي، ومحمد الصدوق، والسلطان الحسن سلطان المغرب، والخديوي توفيق.
اعتقد مارتي بيقين بالغ أن عامي 1881 و1882 سيقع فيهما انفجار لثورة مسلحة تحت قيادة رابطة إسلامية واعدة؛ حيث يقول: "من القسطنطينية انطلقت الموجة المحمدية، مجتاحة المضيق؛ لتنتشر في طرابلس، ولتؤجج الثورة في تونس"، وقد أخذ مؤشر الثورة أساسًا من الثورة العرابية في مصر التي يصفها قائلا: إنها عميقة الجذور، تلكم الثورة المندلعة في بلاد الروائع، موطن أبي الهول والأهرامات؛ حيث السماء وهاجة، والرمال متقدة..".
وهو في تقييمه السياسي للأوضاع في مصر لم يتخلَّ عن أدائه الأدبي الفريد؛ فهو يصف حال مصر مع المستعمر الإنجليزي بقوله: "غُرس المهماز البريطاني في خاصرة الحصان المصري، ولم يعد بد من المواجهة بين القرآن ودفتر الحسابات… إن ابن الصحراء الكريم يعض على السياط ويكسر يد الأناني ابن القارة العجوز…".
يظل السر في حياة مارتي هو: كيف تأثر بهذه المنطقة من العالم؟ وكيف توغل في أركان الحضارة الإسلامية دون زيارة هذه الأماكن؟ خاصة إذا أخذنا في الاعتبار صوره التي لا تخلو من دلالات أكيدة على أنه رأى هذه الأماكن بعينيه؛ فهو مثلا يشبه أيام الانتخابات في نيويورك بمصر ساعات الغروب، وحين يصف أماكن معينة فيها يفعل ذلك بدقة يحسده عليها الأدباء المصريون أنفسهم، وربما تكون إقامته في إسبانيا التي ظلت جزءا من الدولة الإسلامية لقرون عاملا مهمًّا..
وهناك أيضا اطلاعه الثري على مؤلفات وأعمال فنية أتاحت له كمًّا معقولا من مشاهدة البلاد العربية بأيدي الرسامين والمصورين الذين انبهروا بالطبيعة العربية ووهبوا جزءا كبيرا من فنهم لتصوير العرب، أمثال: ماريا نوفورتوني، وباسيل فيريشاغين، وبينجامين كونستانت، وأوجين فرومانتان، الذي سُمِّي "ابن النيل" لاقتصار لوحاته كلها على رسم النهر العظيم. ولم يكتفِ مارتي بمطالعة أعمال هؤلاء الفنانين، إنما تعرض لها بالنقد والتحليل في الصحف والمجلات والدوريات التي ظل يراسلها طويلا.
ووفقا لتقرير رسمي موقع باسم حكمدار مصر بتاريخ 16 فبراير 1948 بناء على طلب إدارة المطبوعات للتحري عن متقدم بطلب انضمام لنقابة الصحفيين اعتبر محمد حسنين هيكل الذي يزاول مهنة التحرير بدار أخبار اليوم منذ ثلاث سنوات تقريبا حسن السير والسلوك وليس له لون سياسي. هيكل لم يكن ثوريا بل مغامرا الحقيقة أن هيكل سعى للاقتراب من السلطة الجديدة ممثلة في شخصين أساسين هما عبد الناصر ومحمد نجيب ووفق مع الأول ولم يوفق مع الثاني، فحسب خطاب مرسل من محمد نجيب إلى إحسان عبد القدوس رئيس تحرير ورئيس مجلس إدارة أخبار اليوم عام 1972 ردا على ما اعتبره قدحا من هيكل في شخصه حين أشار إليه في مقال بالأهرام بتعبير "أشباح الماضي" قال نجيب إن نقد هيكل له لا يستند لأسباب سياسية، وإنما لأسباب شخصية فقد ذهب هيكل إلى بيته عدة مرات يطلب حوارا صحفيا وتركه نجيب مع الحرس ورفض مقابلته بناء على نصيحة من المخابرات الحربية "بعدم الجلوس مع شخص يتعامل مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ولأنه كان يتقاضى مقابل إعلانات من عبود باشا في صحيفة آخر ساعة وأخبار اليوم". وكذلك ذهب هيكل وألح على باب عبد الناصر فينقل محسن عبد الخالق أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار عن عبد الناصر في بدايات الثورة قوله: "كان يجلس في المكتب الملحق بمكتبي صباحا وظهرا ومساء وضايقني هذا الإلحاح وذات يوم اتجهت إليه مباشرة وسألته ماذا تريد؟ فأجاب: مجرد حديث معك" ووافق عبد الناصر وبعد دردشة وحوار انصرف هيكل، وفي المساء عاد إلى مكتب عبد الناصر يستأذنه في أن يقرأ الحوار بعد أن كتبه، وكان تعليق عبد الناصر لمحسن عبد الخالق بعد ذلك "هيكل استطاع أن يقرأ -حتى- أفكاري التي كنت أتمنى أن أبوح بها". وما فعله هيكل في الحالتين يتسق تماما مع شخصه وطموحه وذكائه (ولا يتسق بالضرورة مع أفكاره فلم يكن هيكل في ذلك ثوريا أو مفكرا، وإنما صحفيا مغامرا صاحب قلم رشيق لا أكثر) ولا يتسق مع آخرين رفضوا أداء هذا الدور دور "صحفي السلطة" من نجوم الصحافة في ذلك العهد الذين كانوا يتعاملون تعامل الند وكانت لديهم أفكارهم ومواقفهم التي يختلفون فيها مع عبد الناصر والنظام الجديد، وكانوا مستعدين أيضا لدفع ثمن الخلاف سواء كان تهميشا أو إغلاقا أو رفتا أو حتى سجنا، بينما لم يكن هيكل كذلك، وربما أن تلك السمة إلى جانب موهبته في التعبير عن عبد الناصر حتى إنه قال: إن"هيكل ساكن في رأسي" كانت مفتاح العلاقة فيما كان آخرون من الكتاب والصحفيين البارزين يتصادمون معه. هيكل وعبد الناصر توأم ملتصق وعلى الرغم من أن الفترة بين 1952 و1970 كانت حافلة بالأحداث والمجريات التي تحتمل الخلاف حتى بين توأم ملتصق لهما نفس مشارب المعارف والأفكار ما لم يكن أحدهما تابعا والآخر متبوعا.. من منا يذكر موقفا اختلف فيه هيكل مع عبد الناصر اختلافا مبدئيا أو جذريا -بعيدا عن مقال كتبه هيكل هنا أو هناك أثار زوبعة أو مشكلة في بلد عربي مثل مقاليه بخصوص السودان عقب انقلاب عبود، وبخصوص الجزائر عقب انقلاب بومدين واللذين يوحيان ربما أن عبد الناصر لم يكن يتدخل فيما يكتبه ما دام لا يختلف أو يتصادم معه وأن هيكل يتحرك في كتابته في إطار هامش يستشعره عن بعد وقد يخونه التقدير ذات مرة، ولكنه يضبط نفسه وفق رؤية الرئيس في معظم الأحوال.. المرة الوحيدة التي بدا فيها هيكل مختلفا مع عبد الناصر اعترف هيكل أن موقفه كان شخصيا لرغبته في استكمال مشروعه لتطوير الأهرام عندما تعارض ذلك مع فكرة مشروع ناصر لتأميم الصحافة وتوصل معه هيكل إلى حل وسط. وليس مطلوبا أن يستل هيكل مسدسا ليصوبه إلى رأس صاحبه ما لم يوافقه رأيه، ولكن لا يحق له أن يقول إنه دافع ضد تأميم الصحافة حرصا على المهنة بكل ما يملك، فهو لم يكن يملك شجاعة الرفض الكامل أو حتى الحجة الوجيهة التي يقنع بها عبد الناصر (كما قال هو فعلا إن منطق ناصر كان يغلبه). ويبدو أننا نطلب شيئا مستحيلا لو ظللنا نفترض أن هيكل كان من أهل المواقف الذين يستميتون دفاعا عنها.. ويظل هذان العاملان: اطلاعه على الفنون، وإقامته بالأندلس- من العوامل المساعدة، ولكن يكاد المرء يجزم بأنه قد أتى لبلادنا، وتعامل مع شعوبنا الطيبة، خاصة إذا التفتنا إلى كثرة أسفاره وارتحاله..
المصادر:
- اعتمد المقال أساسًا على كتاب "الشعوب العربية في خدمة خوسيه مارتي"، تأليف: "خوسيه كانتون"، وكذا مقال ملخص لسيرة "خوسيه مارتي" بقلم: "إيملي رويج". والعملان من ترجمة: "توفيق حمد".
