"هنا علاج الروح" "هنا بيت علاج النفس"
كلمات كانت تُكتب على جدران المكتبات المصرية القديمة، مثل: مكتبة معبد رمسيس، ومكتبة معبد إدفو، مكتبة معبد دندرة، ثم ينتقل هذا الشعار إلى البابليين والآشوريين، ثم إلى الرومان واليونان.. في دلالة واضحة على أن الكتاب يمكن أن يُستخدم في علاج الروح إذا سقمت، والنفس إذا اعتلت.
هكذا بدأ حديثه الأستاذ الدكتور "شعبان عبد العزيز خليفة" أستاذ المكتبات والمعلومات بجامعة القاهرة في الندوة التي عقدت بـ"مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار" التابع لمجلس الوزراء المصري، بالتعاون بين قطاع المكتبات بالمركز والجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات، في السادس والعشرين من شهر مايو الماضي تحت عنوان: "العلاج بالقراءة"، وهو نفس عنوان ذلك المرجع الضخم الذي عكف الأستاذ الدكتور خليفة على جمع مادته طيلة عشرين عاما، ليكون بذلك أول مرجع باللغة العربية في هذا المجال الشائق الممتع.
التعريف.. من هنا يبدأ الاختلاف
لا تنتهي الأزمة الحقيقية في قضية العلاج بالقراءة  –كما يقول د. شعبان خليفة– بالاتفاق على تعريف محدد لهذا العمل، ولكنها في الواقع تبدأ به.
فقد تعددت تعريفات العلاج بالقراءة Bibliotheraby وتنوعت بتنوع وجهات نظر واضعيها واختلاف مشاربهم؛ فالتعريف الذي يضعه الأطباء يختلف عما يرتضيه علماء النفس، ويختلف هذا وذاك عما يراه المكتبيون مناسبا.
فبعض التعريفات قد تجنبت ربط الببليوثيرابيا ربطا مباشرا بالطب، واعتبرتها عاملا مساعدا في الطب البدني والنفسي، لا علاجا في حد ذاتها، بينما يرى البعض الآخر أنها -أي الببليوثيرابيا – علاج في حد ذاتها، تقف على حد سواء مع الطب البدني والنفسي، من منطلق أن من يمرض بكلمة يشفى بكلمة.
وحتى لا نلقي بأنفسنا في معركة التعريفات يمكننا أن نستخلص هذا التعريف العام الذي يعرف الببليوثيرابيا بأنها "علاج المرض باستخدام الكتب وغيرها من مواد القراءة".
ويقسم الدكتور شعبان خليفة الأمراض التي تصيب الإنسان إلى أربع فئات في مقابل أربعة أنواع من العلاج؛ فهناك المرض البدني البحت الذي يعالج بالعقاقير والجراحة فقط، وهناك المرض الروحي البحت الذي يعالج كلية بالقراءة، وهناك المرض النفسبدني الذي يعالج بالقراءة والعقاقير معا، وهناك المرض البدني النفسي الذي يعالج بالعقاقير والقراءة معا.
وربما كان للتركيز على "الإنسان الكلي" كطريقة للعلاج في العقود الأخيرة أثره على الاعتراف بأن الإنسان ليس سوى كل متكامل من الاحتياجات الفيزيقية، والنفسية، والعقلية؛ وهو ما دفع بعملية العلاج بالقراءة خطوات إلى الأمام، حتى ظهرت مجموعة من العلاجات المساعدة للعلاج الطبي مثل العلاج بالشعر، والعلاج بالموسيقى، والعلاج بالفن... وقد أخذ العلاج بالقراءة مرتبة عالية بين تلك العلاجات الجديدة.
ولعل من أجمل ما قيل في هذا الصدد -حسما لمعركة التعريفات- ما قالته مارجريت مونرو في خطاب لها في إحدى الحلقات المنعقدة في مدرسة المكتبات بجامعة ويسكونسن عام 1968 عندما سألت عن تعريف سليم ودقيق للببليوثيرابيا ولم يجبها أحد؛ وهو ما دعاها إلى القول بأن جوهر استخدام الكتب في مساعدة القراء على حل مشاكلهم هو أهم بكثير من المصطلح نفسه، ولا يجب أن ندوس الوظائف النبيلة لهذا العمل في سبيل بحثنا عن تعريف للمصطلح.
وفي هذا القانون تثبُت الردة بالإقرار مرة واحدة أو بشهادة رجلين. ومن الآثار المترتبة على هذا الحكم منع المرتد من التصرف في أمواله، وهذه هي عناوين الخبر، وقد تضمنت التفاصيل أنه إذا كان "الجاني" -على حد تعبير صحيفة الأهرام- قد أتم السابعة، ولم يتم العاشرة؛ فللقاضي أن يوبخه في الجلسة أو يأمر بتسليمه إلى أحد والديه أو إلى ولي نفسه أو بإيداعه إحدى مؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة بالأحداث، وإذا كان قد أتم العاشرة ولم يتم الخامسة عشرة فإنه يعاقب بضربه بعصا رفيعة من عشر إلى خمسين ضربة... إلخ. وينص مشروع القانون بأن كل من حرض غيره على ارتكاب ما يكون جريمة الردة، يعاقب بالعقوبة المقررة للشريك إذا لم يترتب على هذا التحريض أي أثر، ويعاقب بنفس العقوبة على التحريض المبين بالقانون. ولا تسري على الجريمة الحدّية الأحكام المقررة في قانون الإجراءات الجنائية في شأن سقوط العقوبة بانقضاء المدة، ولا يجوز إبدال العقوبة الحدية ولا العفو عنها. كما يحظر على المتهم بالردة التصرف في أموال أو إدارتها، وكل تصرف أو التزام يصدر منه خلال فترة اتهامه يكون معلقًا على البتّ في أمره. إن هذا الاقتراح بقانون مثَّل آنذاك ردة تشريعية حقيقية لعلاج مشكلة إسلامية وهمية. ومصداقا لذلك فإن دراسة متأنية للإنتاج الفكري في المكتبات، والتربية، وعلم النفس عبر الخمسين عاما الماضية، تكشف عن استخدام العلاج بالقراءة في علاج مجموعة من المخاوف Phobias (كالخوف من الظلام، والأماكن المرتفعة، الأماكن المغلقة....) وكذلك في علاج القلق، والمشاكل الجنسية، ومشاكل الاتجاهات (كالعنصرية، والعرقية، والنرجسية...)، كما استخدم العلاج بالقراءة في علاج مجموعة أخرى من المشاكل المعقدة مثل الافتقار إلى العلاقات، والدافعية، والتوتر، ضبط الوزن، وكذلك بعض المشاكل الاجتماعية كالطلاق، والشيخوخة، فقدان الأهل... وغيرها من الأمراض، حتى عدد الدكتور خليفة أكثر من عشرين مرضا يمكن للقراءة أن تسهم في علاجها.
التاريخ.. في البدء كانت كلمة
لعل أول إشارة إلى العلاج بالقراءة في معناها الواسع –أي استخدام الكتب في علاج المرض-  قد جاءت من القرن الثالث عشر في العصور الوسطى الإسلامية، حيث كان القرآن الكريم يُستخدم لعلاج المرضى في مستشفى المنصور بالقاهرة، فقد كان من برنامج العلاج بالجراحة والعقاقير، ترتيب بعض المقرئين ليقرءوا القرآن للمرضى ليل نهار.
وقد شهدت القرون التالية مزيدا من استخدام الكتب المقدسة والكتابات الدينية الأخرى في علاج المرضى؛ وهو ما أدى إلى دعم مكتبات المستشفيات، والمؤسسات العلاجية، بمجموعات من الكتب الدينية.. هكذا بدأت أولى مكتبات المرضى.
وتقوم في إطار الأسرة كوحدة اجتماعية علاقات بالكيان الاجتماعي العام من خلال علاقات الجوار (حقوق الجار)، والعلاقة بالفئات الاجتماعية الأدنى (الخدم) الذين أمر الإسلام بمعاملتهم على قدم المساواة مع أهل المنزل بناء على القيمة الإنسانية لا الطبقة الاجتماعية. وتتيح الأسرة الممتدة لأطفالها فرصاً ومصادر من الاقتداء والتفاعل ومصادر العطف والحنان، فتتعاظم الموارد الوجدانية والتعليمية للطفل. والأسرة في الإسلام تقوم على أساس ديني / إيماني، "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (رواه أبو داود). ولذلك وجدنا كثيراً من الأحكام المتعلقة بالأسرة مقرونة بنداء {يا أيها الذين آمنوا} كالميراث (النساء: 19)، والعِدّة (الأحزاب: 4،9)، وحرمة البيوت (النور: 27)، والتربية (التحريم: 6)، وغيرها. ويقرن الله تعالى بين توحيده وبين بر الوالدين (النساء: 36)، كما بين القرآن أن الالتزام بالتشريعات المنظِّمة للأسرة مبعثه الإيمان بالله تعالى (البقرة: 232)، وأن الغرض من استمرار بناء الأسرة هو إقامة "حدود الله" (البقرة: 230)، وهذا كفيل بأن يجعل الأسرة من العبادات. والأسّ المكين في بناء الأسرة في الإسلام هو التراحم، حيث يقول تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} (الروم: 21). وفي أوروبا في نهاية القرن الثامن عشر مورس العلاج بالقراءة  -وإن كان لم يعرف بهذا الاسم– حين قام البعض باستخدام القراءة لعلاج المجانين والمخبولين. وقد اشتهر بنيامين روش بأنه أول من أوصى بالقراءة في علاج المرضى، وكان ذلك عام 1802.
لقد ارتبط العلاج بالقراءة منذ مطلع القرن التاسع عشر بتطور الخدمات المكتبية في المستشفيات خاصة مستشفيات الأمراض العقلية في الولايات المتحدة، ولكن على وجه العموم يعتبر العلاج بالقراءة ثمرة هامة من ثمرات النصف الأول من القرن العشرين، مع ازدياد عدد المستشفيات الداخلة إلى مجال القراءة العلاجية، ومع زيادة عدد مكتبات المستشفيات التي أصبحت مراكز للتدريب على أعمال العلاج بالقراءة.
وخلال الحرب العالمية الأولى لقيت عمليات العلاج بالقراءة دفعة قوية ممارسة وتنظيرا؛ فقد قام المكتبيون والأشخاص العاديون وعلى رأسهم الصليب الأحمر واتحاد المكتبات الأمريكية ببناء المكتبات وتجهيزها بالمجموعات في المستشفيات العسكرية.
وبعد الحرب العالمية الثانية انتعشت عمليات العلاج الجماعي، وكان سبب هذا الانتعاش اقتصاديا حيث كان عدد المرضى كثيرًا جدا، ولا يوجد عدد كاف من الأطباء، فكان الإخصائي الواحد في العلاج الجماعي يتناول عشرين حالة بدلا من أربع حالات فقط في طريقة التحليل النفسي.
روباكن.. ضد دفن الكتب
إلا أن العلامة الفارقة  في هذا المجال -كما يراها الدكتور شعبان خليفة- هي نيقولاس روباكن -روسي الأصل- المؤسس الحقيقي لعلم نفس الكتاب Bibliopsychology ، والذي كرس حياته للكتب، التي كان يرى فيها أداة هامة للتنوير.
تعامل الرجل خلال حياته الطويلة -84 عاما- مع الكتب من مختلف أوجه التعامل مؤلفا، وناشرا، ومكتبيا، جامعا للكتب، وقارئا، فكتب 280 كتابا في العلوم العامة، كما كتب 49 كتابا متقدما لأصحاب الثقافة الرفيعة.
فضلا عن أن هذا القبول والرفض عن أهل البيت لا يبدو أنه خضع لمنهجية صارمة وواضحة كما هي عند أهل السنة فيما سمي بـ"منهج النقد" أو "علم مصطلح الحديث"؛ فعلم مصطلح الحديث لم يظهر عند الشيعة إلا متأخرًا جدًّا، وأول من كتب فيه هو أبو القاسم ابن طاوس (673هـ)، وتأخره بعد ابن الصلاح (643هـ) جعل المصطلح الشيعي يتقاطع مع المصطلح السني في مجاله النظري دون التطبيقي[19]، في حين أن عملية انتخاب السنة ونشوء منهج النقد لتمييز الزائف ومواجهة ظاهرة الوضع والكذب ظهرت لدى أهل السنة في مراحل مبكرة جدًّا زمن الصحابة أنفسهم، وتتابعت. وهو ما يعني أن السنة الشيعية لم تخضع للنقد والتمحيص كما هو الحال لدى أهل السنة. وإذا كان منهج النقد لدى أهل السنة يخضع لمحاولات نقدية حديثة لإعادة النظر في بعض جزئياته، وخصوصا ما يتعلق منها بنقد المتن؛ وهو ما يرشح لإمكان القول برفض بعض الأحاديث التي كانت تعد في حيز المقبول؛ فالمنتظر أن يتم فتح هذا الباب لدى الشيعة، وهو بتقديري سيكون أوسع من مجرد نقد المتون؛ لأن ثمة مشاكل منهجية تتعلق بالأسانيد والرجال ابتداءً واستكشاف آثار حركة الوضع لديهم والتي لا يبدو أنها أخذت حظها من الدرس والفحص. أما ما يخص الجهة الثانية وهي حدود السنة التشريعية لدى الشيعة، والتي تتسع جدًّا لتشمل كل أقوال وأفعال وتقريرات الإمام المعصوم أيضًا، وليس فقط النبي، فهذه من القضايا المركزية أيضًا التي ستبقى مثار نقاش طويل؛ لأنها تقوم بتضخيم "نصوص الوحي"؛ إذ تجعل من أقوال الأئمة -وهم بشر- مرجعًا موازيًا لقول الله وقول الرسول صلى الله عليه وسلم[20]، وهو ما يشكل إخلالا بفكرة ختم النبوة وانقطاع الوحي واكتمال الشريعة من جهة، وإلغاء للبعد التاريخي والبشري من جهة أخرى، وهنا يتقاطع العرفان الصوفي السني مع المعتقد الشيعي في المبدأ، مع أنهما يختلفان في الحجم والتأثير والتقعيد والتطبيقات العملية، فبينما هو معتقد طائفة من أهل السنة ليس له اعتبار في الفقه والأصول ومناهج العلوم لديهم؛ حيث يقتصر أمره على "سلوكيات" لدى تلك الطائفة، نجد أنه هو المعتقد الشيعي وهو جزء من الفقه الشيعي كلية. وإذا كان في أهل السنة مراجعة للوحي وغير الوحي، للتشريع وغير التشريع في السنة النبوية التي هي فقط ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات، وثمة تساؤلات منهجية عن معايير الفرز بين النصوص لتمييز ما هو تشريع مما هو غير تشريع، وهي محاولات جادة ومهمة لتحرير الوحي من التاريخي بدأت لدى الأصوليين السنة حين فرقوا بين الجِبِلّة والعادة وبين الوحي مرورًا بالتفريق بين تصرفات النبوة والقضاء والإمامة إلى غير ذلك؛ فإن الشيعة مطالبون بشكل جادّ بإعمال النظر النقدي العميق في القول بعصمة بعض البشر، وإضفاء صفة الوحي على أقوالهم وأفعالهم[21]. فالمسألة ليست فقط -كما يطالب الشيخ مهدي شمس الدين رحمه الله- في "البحث الموضوعي في الأسباب السياسية التي أدت إلى مقاطعة السنة المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وهجرها، وعن الأسباب الموضوعية الداعية إلى الاعتراف بمرجعية أئمة أهل البيت عليهم السلام في السنة"؛ لأن المسألة بهذه الصورة تشخيص لحالة مذهبية شيعية وهو ما نريد أن ننأى بأنفسنا عنه، سواء لجهة سنية أم شيعية، مع اتساع معارفنا ومعطيات المعارف الحديثة التي توجب علينا ممارسة النقد المعرفي لمراجعة أفكارنا ومعتقداتنا. وضع روباكن قوانين لعلم نفس الكتاب، يرى من يتأملها أنها أساس صالح للعلاج بالقراءة، ومن أمثلة هذه القوانين: "الكتاب ليس وعاء لنقل المحتويات، ولكنه وعاء يعلق عليه القراء إسقاطاتهم، ذلك أن القارئ إنما يجسد ظواهره النفسية طبقا للكتاب الذي يقرأه، وكل قارئ يعرف إسقاطاته، ولا يعرف الكتاب نفسه"، وكذلك قوله: "هناك قوتان تعتملان خلال القراءة: عقل المؤلف  الذي أبدع الكتاب، وعقل القارئ الذي يعيد إبداع أو تركيب الكتاب طبقا لأغراضه هو".
وضع روباكن مجموعة من الاختبارات والمقاييس لتصنيف القراء، وتصنيف الكتب الملائمة لكل فئة منهم، وقد حدد لكل قارئ درجة نجاح من أرقام مصممة على حسب متوسط عدد استجاباته النفسية عند القراءة، وكذلك حدد لكل كتاب درجة نجاح على حسب متوسط عدد الاستجابات التي يثيرها لدى القارئ. وكان يرى أن هذه المعلومات يمكن أن تحسن من وضع أمين المكتبة كمرشد للقراء؛ لذلك عندما شعر الرجل أن نظريته سوف تحمل المكتبيين على تغيير اتجاهاتهم، قال بالحرف الواحد: "يجب عليهم أن يحولوا اهتمامهم من الكتاب كما يرونه مادة علمية إلى الحياة الداخلية للشخصية الإنسانية، إنه الإنسان الذي يبدع وينشئ ويركب، والكتاب ليس سوى وسيلة أو آلة لذلك، وأمين المكتبة الذي لا يدرك ذلك إنما يحول أحسن مكتبة في العالم  إلى مقبرة للكتب".
الإيمان طريق الشفاء
يقول د. شعبان خليفة: من الناحية النظرية البحتة يمكن القول بأن أي إنتاج فكري مهما كان موضوعه يمكن استخدامه بطريقة أو بأخرى في العلاج بالقراءة، حتى الإنتاج الفكري في مجالات بعيدة تماما مثل الكيمياء والفلك والرياضيات. إلا  أنه من الناحية العملية تبرز فئات معينة من الإنتاج الفكري التي تستخدم بفاعلية ونجاح في العلاج بالقراءة، ويعدد الدكتور خليفة اثني عشر نوعا من المواد القرائية كالشعر، والأدب، والتراجم، الخيال العلمي، وكتب الروح... وغيرها، ويأتي على رأس هذه المواد  الكتب السماوية المقدسة (وعلى رأسها القرآن الكريم)، والأحاديث النبوية الشريفة.
وعن الحكمة من ذلك يقول الدكتور خليفة بأن المؤمنين يدركون تمام الإدراك أن الله سبحانه وتعالى يعرف النفس البشرية ويحيط بها إحاطة الخالق بمخلوقه، لذلك فهو عندما يصفها ويحللها ويضع العلاج لتقويمها فإن ذلك العلاج هو العلاج الشافي والواقي.
إلا أن المرتد محكوم عليه بالإعدام من الجماعة المسلمة؛ فهو محروم من ولائها وحبها ومعاونتها. فالله تعالى يقول: " وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ " (المائدة: 51)، وهذا أشد من القتل الحسي عند ذوى العقول والضمائر من الناس. سر التشديد في عقوبة الردة وسر التشديد في مواجهة الردة أن المجتمع المسلم يقوم أول ما يقوم على العقيدة والإيمان. فالعقيدة أساس هويته ومحور حياته وروح وجوده. ولهذا لا يسمح لأحد أن ينال من هذا الأساس أو يمس هذه الهوية، ومن هنا كانت الردة المعلنة كبرى الجرائم في نظر الإسلام؛ لأنها خطر على شخصية المجتمع وكيانه المعنوي، وخطر على الضرورية الأولى من الضروريات الخمس التي حرص الإسلام على صيانتها عبر كل نسقه التشريعي والأخلاقي، وهي: "الدين والنفس والنسل والعقل والمال"، والدين أولها؛ لأن المؤمن يضحي بنفسه ووطنه وماله من أجل دينه. والإسلام لا يكره أحدًا على الدخول فيه، ولا على الخروج من دينه إلى دين ما؛ لأن الإيمان المعتد به هو ما كان عن اختيار واقتناع. وقد قال الله تعالى في القرآن المكي: "أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (يونس: 99)، وفي القرآن المدني قال تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" (البقرة: 256). وشرط التداوي بالكتب السماوية وعلى رأسها القرآن الكريم هو الإيمان أولا وأخيرا بما ورد فيه، والاعتقاد في قدرة آياته على الشفاء حين تستخدم في موضعها الصحيح. ولعل هذا ما جاءت به الكثير من الآيات القرآنية الكريمة مثل قوله تعالى: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين"، وكذلك قول عمر بن الخطاب: "من لم يشفه القرآن فلا شفاه الله، ومن لم يكفه القرآن فلا كفاه".
جدير بالذكر أنه قد أجريت تجارب للعلاج بالقرآن الكريم في ولاية فلوريدا على خمسة من المتطوعين الأصحاء من غير المسلمين، ووجد أنه في 97% من تلك الجلسات كان لتلاوة القرآن الكريم أثرها على تهدئة الجهاز العصبي لديهم، ووجود تغيرات فسيولوجية لديهم تدل على تخفيف حدة التوتر رغم أنهم من غير الناطقين بالعربية.
المغامر.. والعقل الجميل
كان مما أثرى الندوة وألقى ظلالا تجريبية عليها، أن كان بين الحضور الأستاذ عبد الله حسين المدرس المساعد بقسم المكتبات جامعة القاهرة، والذي لقبه الأستاذ الدكتور شعبان خليفة بالمغامر لأنه قد سجل موضوعه لدرجة الدكتوراه في هذا المجال الشائك في حين يفضل أترابه التسجيل في موضوعات سهلة مطروقة.
يعكف الأستاذ عبد الله منذ أربع سنوات على دراسة بعنوان: "إفادة المرضى من مكتبات مستشفيات الصحة النفسية: دراسة تجريبية" تحت إشراف أ. د. "محمد فتحي عبد الهادي" أستاذ المكتبات والمعلومات بجامعة القاهرة، وأ. د.  "يحيي الرخاوي" أستاذ الطب النفسي كمشرف مشارك.
ويركز الأستاذ عبد الله في دراسته على مرضى الفصام، لذلك –وأثناء الحديث عن هذا المرض– قال: لم أستغرب أن يتحول كتاب Beautiful Mind أو "العقل الجميل" إلى فيلم سينمائي يحصد جوائز الأوسكار ويحقق أعلى الأرباح، حيث رشحت هذا الكتاب ضمن قائمة الكتب المرشحة لعلاج مرض الفصام.
وبناء على ذلك فإن هذه القواعد الأصولية المتعلقة بالموازنة بين المصالح والمفاسد يقتضي النظر التأصيلي لفقه الأقليات أن يأخذها بالعناية، فيصوغها بما يستجيب لمقتضيات ذلك الفقه، ويوجهها بالدرس والتحليل والإثراء لتكون معيارا منهجيا أصوليا يمكن من الموازنة بين المصالح والمفاسد في نطاق خصوصيات الوجود الإسلامي بالمجتمع الأوربي، ويكشف عما قد يخفى عن كثير من الأنظار في غياب هذا التأصيل من وجوه التراجح بين ما يحدثه موقف أو فعل من مفسدة صغيرة آنية وما يؤول إليه من مصلحة كبيرة مستقبلية تمكن للإسلام والمسلمين، أو بين ما يحدثه موقف أو فعل آخر من مصلحة صغيرة آنية وما يؤول إليه من مفسدة كبيرة مستقبلية تتعلق بتشتيت الإسلام والمسلمين، فيبنى الفقه إذن على ما فيه من الأحكام رجحان للمصالح الحقيقية بمقاييسها الشرعية. رابعا ـ قاعدة: يجوز فيما لا يمكن تغييره ما لا يجوز فيما يمكن تغييره: هي قاعدة قد لا تكون صياغتها على هذا النحو واردة في القواعد الأصولية، ولكنها في روحها ومقاصدها مستروحة من جملة من القواعد والمبادئ الأصولية، والمعني بها أن المجتهد الفقهي إذا عرض عليه وضع من أوضاع المسلمين كان جاريا على بنائه العام نسق مخالف لمقتضيات الشرع وأحكامه، وهم في ذلك الوضع لا يملكون إمكان تغيير النسق الجاري عليه لسبب أو لآخر من الأسباب، فإنهم إذا عرض لهم ما قد تتحقق به مصلحة بحسب ظروفهم مما هو ممنوع شرعا يجوز أن يفعلوه طالما أنهم لا يستطيعون تغيير نسقه العام المندرج فيه، وهو ما لا يجوز لهم فعله لو كانوا يملكون القدرة على تغيير نسقه المندرج فيه. ومن البين أن هذه القاعدة تختص بمجال ما يحل من الأفعال بالإحلال، أما ما لا يحل بالإحلال فإنها لا تصح فيه؛ وذلك لأنه لا تكون فيه مصلحة معتبرة أصلا. ومما استروحت منه هذه القاعدة ما ورد في المدونة الأصولية من قواعد ذات مقاصد مشابهة، وذلك مثل قاعدة ما عمت به البلوى، وقاعدة يغتفر في الانتهاء ما لا يغتفر في الابتداء، وغيرهما من القواعد المشابهة، وما نظن التصرف النبوي مع الأعرابي الذي تبول في المسجد إذ نهى أصحابه عن أن يزرموه إلا تصرفا مؤسسا لهذه القاعدة، كما لا نظن ما ذهب إليه الأحناف من القول بجواز التعامل بالعقود الفاسدة في دار الحرب إلا مستروحا أيضا من روح هذه القاعدة في صياغتها التي أوردناها بها. ورغم تحفظه على نتائج دراسته، ألقى الأستاذ عبد الله حسين الضوء على تجاربه الميدانية في هذا المجال، وكان من ضمن ما ذكره أن المرضى النفسيين لديهم حساسية أكثر لما يلقى إليهم من المعلومات؛ ذلك لأننا نعاني –فيما يتعلق بالقراءة– نوعا من الإجبار، فنحن نقرأ إما للترقي المهني، أو الثقافي، أو التعليمي، ولا نقرأ لمجرد القراءة.
وختم الأستاذ عبد الله حديثه بقوله بأن العلاج بالقراءة قابل للتطبيق في المجتمع المصري بشرط تفهم الحالات التي يتم علاجها.
"وصفة طبية" خاصة للعرب
تجاوز العلاج بالقراءة في الولايات المتحدة وأنحاء متفرقة من العالم، قيوده السابقة، ومع استخدامه من جانب أمناء المكتبات كأداة علاجية أصبح أمرا معترفا به حتى من جانب علماء النفس ومؤسسات العلاج الأخرى، ولكن للأسف فإن الأمر ليس كذلك في عالمنا العربي، بل إن بعض أمناء المكتبات في عالمنا العربي لم يسمع بهذه الخدمة أو ربما كانت لديه فكرة غامضة غير محددة الملامح.
المبادئ التي ينبغي أن يلتزم بها التقريبيون وبناء على تلك الأسس، وتبعًا لما أعلنه العلماء والدعاة التقريبيون؛ فإننا ندعو للقيم التالية، معتبرين إياها خطوطًا عامة للسياسات التي ينبغي أن يراعيها الخط التقريبي ليحقق أهدافه المرجوة: الأول: التعاون فيما اتفقنا عليه: والمتفق عليه في المجالات كثير جدًّا، فللمذاهب الإسلامية مساحات مشتركة كثيرة، سواء كانت في الأصول العقائدية أم في المجالات التشريعية (والتي يصل بها بعض العلماء إلى أكثر من 90% من المساحة العامة)، أو في المجالات الأخلاقية، حيث التوافق يكاد يكون كاملاً، وكذلك في مجال المفاهيم والثقافة الإسلامية، وحتى في المسيرة التاريخية والحضارية، طبعًا في مفاصلها الرئيسية، رغم الاختلاف في تقييم المواقف المعينة. أما المواقف العملية فهم يتفقون جميعًا على لزوم توحيدها عبر التكاتف والتكافل الاجتماعي، وعبر وحدة القرار الاجتماعي الذي تتكفله جهة ولاة الأمور الشرعيين، ولا ريب أن التعاون في المشتركات الفكرية يعني التعاضد في تركيزها في الأذهان وتجنب كل ما يؤدي إلى نقضها، وبالتالي تعميقها في مجمل المسيرة. وأما التعاون في المجالات المرتبطة بالسلوك الفردي والاجتماعي والحضاري؛ فواضح وتنضوي تحته المجالات الحياتية المختلفة من قبيل: تطبيق الشريعة الإسلامية، تعظيم  الشعائر الإلهية كالجمعة والحج، وتحقيق خصائص الأمة الإسلامية كالوحدة، وهكذا.. وهنا نشير إلى أن حركة التقريب يجب أن تبذل قصارى جهدها لاكتشاف المساحات المشتركة هذه وتوعية الجماهير -وأحيانًا نضطر إلى توعية النخبة أيضًا- بها. وحول أهمية أن يكون هناك علم عربي للعلاج بالقراءة يذكر د. شعبان خليفة أن المرض يرتبط بطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه المريض، وقيمه وعاداته، لذلك لا يصلح استخدام "روشتات" أمريكية وأوروبية للعرب والمسلمين.
لذلك يعكف د. شعبان خليفة حاليا على دراسة 350 ألف كتاب عربي حصيلة نشر قرنين من الزمان لإعداد حصر ببليوجرافي مشروح لكل مرض من الأمراض والأعمال الفكرية المقترحة لعلاج هذا المرض، فيما يدخل في باب "الروشتة" أو الوصفة الطبية.
ترى هل يأتي اليوم الذي نقرأ فيه على لافتة أحد الأطباء "إخصائي علاج بالقراءة"؟؟
هل يدرس منهج العلاج بالقراءة لطلبة المكتبات في جامعاتنا العربية في يوم من الأيام؟؟
هل نجد في مكتباتنا العامة أقساما لهذا الغرض قبل أن تتحول مكتباتنا إلى مقابر جماعية للكتب؟؟
لننتظر ونرى.. فهذا ما ستسفر عنه الأيام..
