حقوق الإنسان هي تلك المزايا الشرعية الناشئة عن التكريم الذي وهبه الباري جلت قدرته للإنسان بقوله: {ولقد كرمنا بني آدم} (1) وألزم الجميع طبقًا للضوابط والشروط الشرعية باحترامها. إن الشريعة الإسلامية ممثلة في الكتاب والسنة، تشتمل على سلسلة محكمة من القواعد والضوابط والمبادئ والأحكام التفصيلية التي نـظمت علاقة الإنسان بربه وعلاقته بأبناء جنسه. بالإضافة إلى ذلك قام العلماء بتأصيل ما سموه مقاصد الشريعة التي تشتمل علـى ما كان ضروريًا أو حاجيًا أو تحسينيًا. هذه المقاصد تنطوي على صيانة سائر الحقوق الإنسانية: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كما أنها تعتبر تأصيلاً لنظرة متكاملة متوازنة لحقوق الإنسان، مقرونة بواجبات المجتمع والأفراد في حمايتها وتوفيرها باعتبار ذلك مسؤولية الجميع. ويمكن أن نحصر أصل حقوق الإنسان فيما يلي: *التكريم: وهو مبدأ ثابت لكل إنسان لمجرد كونه إنسانًا قال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} (2). *الحرية: وهي المظهر الخارجي لهذا التكريم. *المساواة: والدليل عليها قوله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن ربكم واحد وأباكم واحد لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود، كلكم لآدم وآدم من تراب»(3). *العدل: يقول تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}(4)، وهو الذي يحقق المساواة بين الناس. وباختصار فكل حقوق الإنسان الأساسية جاء بها الإسلام، الإنسان مكرم من عند الله، وله حق الاحترام فلا يتعدى على خصوصياته، إلا أن هذه الحقوق تارة تكون موجهة إلى المجتمع أو من يمثله، وتارة إلى الأفراد، بمعنى أنها تارة تكون من فروض الكفاية من باب التعاون على البر والتقوى، وتارة تكون من فروض الأعيان. مميزات حقوق الإنسان في الإسلام *إن ما تتميز به حقوق الإنسان في الإسلام أنها ربانية، فهي تكليف وتشريف للإنسان باعتباره مستخلفًا في الأرض، وسخر له الكون ليديره برشاد وسداد، في مقابل هذه النعمة عليه حقوق العبادة للخالق، وهنا ينشأ الواجب والمسؤولية. أما مصدر هذه الحقوق عند الغرب فهو إنساني يعتمد على الأعراف والعادات والقوانين الحكومية، وتفسير القضاة ونظريات الفلاسفة والحقوقيين. حقوق الإنسان في الإسلام جزء لا يتجزأ من الإسلام عقيدة وشريعة، تتجسد في علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبغيره من الناس، أي اشتملت على الجانبين العقدي والفقهي. *حقوق الإنسان في الإسلام واقع عملي وممارسة سلوكية وليست مجرد تصور نظـري، أو مثالية تخالف الواقع، أو شعارات جوفاء بعيدة عن التطبيق. *حقوق الإنسان في الإسلام متعلقة بابن آدم، أي بجنس الإنسان في كل زمان وفي أي مكان. أما فكرة حقوق الإنسان المعاصرة فقد نشأت في داخل البلدان الأوروبية، وهي تعبر بصورة جوهرية عن تصور الثقافات الأوروبية للإنسان والحياة والعلاقات الاجتماعية والأممية على نحو أخص. * إن نظرة الإسلام إلى الإنسان وحقوقه تشمل كل البشر من غير تفرقة بين العربي والعجمي، ولا بين الأحمر والأسود، فليس في الإسلام تمييز بين الجنس واللون والعرق، كما تفعل بعض الدول الكبرى في هذه الأيام، فتجعل حقوق الإنسان مقصورة على الجنس الأبيض ليتمتع بكل المزايا والرفاهية والتقدم والرقي. *حقوق الإنسان في الإسلام لها صفة الإلزام بالنسبة للمسلمين، لأنها من مقررات الدين، ولأنها تتضمن جزاءات دنيوية ودينية على من يخالفها. أما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فليس من شأنه حماية تلك الحقوق، ولا يعطيها صفة الإلزام لأنه لايتضمن أية جزاءات لمخالفة أحكامه، أو ضمانات لتنفيذها. الحكومة لا تأذن وهم يعتبرونها حرية رأي وعقيدة: متدينون لا يقبلون إرسال أولادهم إلى مدارس الدولة ! وفي حين يصل عدد الأولاد الذين لا يتعلمون في المدارس العامة ولا الخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، (لحجج رفض دينية) حوالي 2 مليون صبي وشاب، فإن أوروبا حديثة عهد بهذه الظاهِرة، ولا تعلم كيف تتصرف معها بما يقيم التوازن اللازم بين فرض سلطة الحكومة التي تنص تشريعاتها على وجوب التعليم من جهة، وبين السماح بحرية العقيدة وحرية الرأي، التي تفرضها الدساتير الأوروبية من الجهة الثانية. كانت قضية أسرة باور الألمانية بؤرة اهتمام الرأي العام، فقد لاحظ الوالد الذي يشتغل ميكانيكي سيارات، وحرمه ربة المنزل، أن تأثير المدرسة على كريمتهما الكبرى سيء جدا، فاتخذا قررا قبل سنتين بعدم إرسال أبنائهما الخمس إلى المدرسة، وتعويض ذلك باتخاذ إحدى الحجرات في منزلهم كصف دراسي، فيه طاولة للتلاميذ، وصبورة للشرح عليها، وأدوات تعليمية مثبتة على الحيطان. ينطلق الدوام فيه من 7:30 صباحا، وحتى الساعة الواحدة بعد الزوال. تلقت العائلة الإنذار بعد الآخر من المدرسة، ثم من الهيئة التعليمية، مع التخويف بتحويل الأمر إلى المحكمة، بل وبمنعهما من حضانة أولادهما، ونقلهم إلى منظمات العناية الاجتماعية، لكن السيد باور وحرمه لم يهتما بتلك التهديدات، وكانت المفاجأة أن القاضي اقتنع برأي الوالد، الذي سوغ حرمان أبنائه من الذهاب إلى المدارس بالحجج التالية: تعليم نظرية النشوء والتطور لعالم الأحياء تشارلز روبرت داروين، التي تتعارض مع المفهوم الديني لنشوء الكون، كما خلقه الله. التوسع في تعليم الثقافة الجنسية بشكل مثير، بما يمثل تشجيعا مباشرا على عدم العفة وصيانة العرض. *إن الشريعة الإسلامية منحت الإنسان حقوقًا باعتبار إنسانيته في كل طور من أطوار حياته، من ولادته إلى وفاته، بل نجد أحكامًا تتعلق بالجنين، فحرم الشرع الإجهاض وقدر دية محددة تجب على من تسبب في إسقاطه... إلخ. وهناك حقوق للإنسان تترتب على علاقاته الاجتماعية، مثل حقوق الوالدين والأقارب وذوي الأرحام وحقوق الجار والضيف وغير ذلك كثير. وصفوة القول: إن حقوق الإنسان في الإسلام تتسم بالسبق والعمق والشمول الذي يظـهر لكل من أمعن النظر في هذه الشريعة الإلهية السمحة. أما الاستراتيجيات التي يجب تنفيذها في تعليم حقوق الإنسان فهي مجموعة المفاهيم والقواعد والنظم والإجراءات والآليات والتحركات والجهود التي تستهدف تغييرات عميقة الجذور وبعيدة المدى في معرفة الناس حقوقهم والدفاع عنها، وتمثلها بوصفها جزءًا أصيلاً من ثقافتهم ومن رؤيتهم للحياة والعلاقات الاجتماعية والسياسية. هذا يعني أن تعليمنا الناس حقوقهم لايستهدف تزويدهم بكميات من المعلومات والمعارف، وتلقينهم بعض البراهين التي يستخدمونها في الدفاع عن أنفسهم، وإنما يستهدف بصورة أدق إعادة تشكيل وعي الناس بتلك الحقوق حتى يتمكنوا من أن يمتلكوا الحماسة والاندفاع التلقائي نحو المحافظة على تلك الحقوق وصيانتها، وردع أولئك المعتدين عليها. ولا بد من القول: إن تقديم المعلومات للناس حول حقوقهم هو أسهل عمل يمكن القيام به، لكن الذي يمثل تحديًا حقيقيًا لنا جميعًا هو أن نمزج بين تعليم حقوق الإنسان وممارستها على نحو عملي، فلا معنى للتعليم الذي يتم في أجواء الخوف والحذر والكبت والترقب. وإن كل الأنشطة التعليمية وكل البيئات المهتمة بتعليم حقوق الإنسان مطالبة، إذا كانت جادة في الحصول على نتائج ذات معنى، بأن تجعل من نفسها بيئات تطبيقية وتمثيلية لما تعلمه وتدعو إليه، حيث إن عليها أن تتيح النقد البناء الملتزم بالحقيقة، وتشجع على طرح وجهات النظر المختلفة، في كل ما يحتمل الاجتهاد وتنوع الرؤى والآراء، وعليها كذلك أن تجعل العدل وتطبيق القانون وضمان الحرية المشروعة ركائز واضحة في هيكلياتها وفي العلاقات السائدة فيها. بعد هذا أود أن أشير إلى أهم الأمور التي ينبغي أن نقوم بها على صعيد التغير في مسألة حقوق الإنسان مع الاعتراف بأننا لن نستطيع عبر هذه المساحة المحددة أن نقول كل أو جل ما نريد، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق ولعلّي أوجز ذلك عبر المفردات التالية: *يتطلب تعليم حقوق الإنسان على المستوى الاستراتيجي المديد تأهيل كوادر ذات خبرة جيدة، وإمكانات ممتازة للقيام بهذه المهمة، فمع أن تعاليم الإسلام أوجدت الأساس العميق لمسألة حقوق الإنسان وشرعت الكثير منها، فإن عصور الانحطاط التي مرت بها الأمة جعلت الاهتمام بتعليم تلك الحقوق ضعيفًا. كما أن التطور الذي حدث في العالم كله في نشر الثقافة الحقوقية يجعل كثيرًا من أمم الأرض في حاجة ماسة إلى إعادة تأهيل نفسها وتوسيع أنشطتها التعليمية في هذا الحقل. وأتصور أن على الحركة العربية لحقوق الإنسان والمنظمة الإسلامية للثقافة والعلوم أن تقيما المعاهد والمراكز التي تتيح تخريج أعداد جيدة من العارفين بحقوق الإنسان على نحو عميق ومتميز، حتى يقوم هؤلاء بدورهم بنشر المعارف المتعلقة بهذه المسألة الحيوية. إننا نشكو فقرًا مدقعًا ليس في الحقوقيين، ولكن فيما هم أقل منهم، أعني المهتمين بحقوق الإنسان. وهذا الفقر المخجل انعكس على كل الأنشطة التي يجب أن نقوم بها على هذا الصعيد، فالعالم الإسلامي عامة والعربي خاصة فقير بالجهات والأطر والفعاليات والأنشطة التي تتابع الحقوق المهدورة وتنشر المعارف الأساسية التي تبصر الناس بها. *تشتمل استراتيجيات تعليم حقوق الإنسان على ترسيخ المفاهيم حول بعض الحقوق العامة التي ينبغي أن تنهض بها الحكومات أو أهل الثراء أو الجمعيات الخيرية، وعلى سبيل المثال، فإن من حق الناس أن يحصلوا على تعليم ملائم لأطفالهم، كما أن من حقهم الحصول على مياه شرب نقية وعلى علاج صحي جيد والعيش في بيئة نـظيفة وصحية، كما أن من حق المجتمع أن تتوفر لديه إدارة جيدة للأوقاف بوصفها موردًا مهمًا لمساعدة العناصر الضعيفة في المجتمع، بالإضافة إلى تأسيس الجمعيات الخيرية التي تقدم الدعم العلمي للجامعات ومراكز البحث العلمي، ودعم كل ما من شأنه تعزيز أسلوب العيش التعاوني الذي يشكل مصدرًا مهمًا للأمن الفردي. *الحياة الاجتماعية في الرؤية الإسلامية تشيد على البر والمعروف والتضحية والتعاون والتسامح والتجاوز عن العثرات. لكن التجربة علمتنا أيضًا أن العدوان والبغي وهضم الحقوق من الأمور التي تسود الحياة العامة حين يكون جزء من المجتمع فاقدًا الآليات التي يدافع بها عن نفسه، كما قال جّل وعلا{وإن كثيرًا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم} (5)، وعلى هذا فمن حق أصحاب المهن والتخصصات المختلفة أن يدافعوا عن حقوقهم في إطار الالتزام العام بأخلاقيات المجتمع المسلم والمسالم، من خلال إنشاء الهيئات والنقابات واللجان وكل ما من شأنه جعلهم قوة قانونية وأدبية تسهم في تحقيق التدافع الحضاري والتوازن الاجتماعي، وإن كثيرًا من الظلم والبغي سوف يقع في حالة بقاء المظلومين متفرقين وغير مسموعي الصوت. *لا بد من التذكير بأن لدى كثير من المهتمين بحقوق الإنسان توقًا قويًا إلى الحصول على الحقوق التي يدعون إليها بأسرع وقت ممكن، والخلاص من متابعة الجهد الطوعي الذي يقومون به، وهذا في الحقيقة يشكل مشكلاً في حركة حقوق الإنسان، إذ إن الوصول إلى مجتمع يأخذ فيه كل ذي حق حقه يحتاج إلى عدد غير قليل من التحولات الاجتماعية على المستويات الفكرية والثقافية والاجتماعية والمؤسساتية. إن من الصعب الوصول إلى ذلك المجتمع من غير تحرير واضح للمفاهيم والأفكار المتعلقة بجوهر حقوق الإنسان من وجهة النظر الإسلامية، فهذا الأمر يحتاج أولاً إلى بذل جهود مقدرة على الصعيد الفقهي والاجتهادي حتى يحسم الخلاف في أكبر قدر من نقاط النزاع بين المهتمين بحقوق الإنسان، ويحتاج كذلك إلى نشر ثقافة احترام الآخر والإحساس به وثقافة الحل السلمي والأهلي للنزاعات الاجتماعية، إلى جانب إحداث تغييرات غير قليلة في الهيكلية العامة للنظم والقوانين السائدة، وأستطيع أن أقول وأنا مطمئن: إن الجهود في تعليم حقوق الإنسان ستكون دائمًا مثل الجهود المتمحورة حول المطالبة بحقوق الإنسان والدفاع عنها، من حيث الحاجة إلى الاستمرار والمثابرة والعمل على النفس الطويل الذي قد لايشهد أي نهاية. * من المهم في استراتيجيات تعليم حقوق الإنسان القيام بأمرين: *العمل على توفير المزيد من استقلال القضاء في أحكامه، حيث إن تثقيف القضاة بحقوق الإنسان وتوعيتهم للجذور الاجتماعية والتاريخية والفكرية لهدر حقوق الإنسان في عالمنا الإسلامي، بالإضافة إلى ضمان استقلال القضاء، يشكل حاجزًا في وجوه أولئك الذين لايملكون أي رادع يردعهم عن انتهاك حقوق الضعفاء والمهمشين. وهذه الوضعية نفسها تشجع من وجه آخر الناس على أن يندفعوا في اتجاه المطالبة بحقوقهم، ومقاومة الذين يريدون سلبها منهم، وإن عدم استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية يعد من أعظم المشكلات التي يواجهها الكثير من المجتمعات الإسلامية، بل يمكن القول: إنه يشكل شكلاً خطيرًا من أشكال الفساد والانحراف، حيث يعرف الناس مسبقًا أنهم مكشوفون حقوقيًا بسبب ضعف السلطة القضائية أو تبعيتها أو تحيزها. ومن المهم أن نشير هنا إلى أن الفائدة التي سنجنيها من وراء استقلال القضاء ستكون محدودة إذا لم نعد النظر في هيكلة الأجهزة القضائية، ونقوم بالتدقيق في عملية اختيار القضاة، والتأكد من أهليتهم لهذا العمل الخطير، وقبل ذلك التدين والخلق الرفيع والخوف من الله تعالى. *الرفع من مستوى معلمي المدارس في جميع المراحل وتفتيح وعيهم على مسائل حقوق الإنسان. والحقيقة أن مدارسنا تعاني على هذا الصعيد عددًا من المشكلات ولعل أهمها أن كثيرًا من المعلمين لايحترمون طلابهم ولايحافظون على حقوقهم، فهناك من المعلمين من يعتدي على كرامة الطلاب من خلال نبذهم ببعض الألقاب، ومن خلال استخدام بعض الألفاظ النابية في تأنيبه وزجره لهم، وهناك منهم من لا يتيح لطلابه المشاركة من خلال اعتماده أسلوب التلقين، وصف الكلام المتتابع إلى ما لا نهاية. وهناك من يشعر الطلاب بأنه غير عادل بالاهتمام بهم، من خلال عمله في تصحيح أوراق الإجابة، ومنح الدرجات هنا وهناك. وهذه الوضعية تؤسس لدى الأطفال والفتيان القابلية للخضوع لمن ينتهك حقوقهم، ويعتدي عليها، أضف إلى هذا أن كثيرًا من المدرسين لايعد متشبعًا بما فيه الكفاية بروح الاعتراف بحقوق الآخرين، كما أنه لا يملك الثقافة الحقوقية التي يمكن أن يقدمها لطلابه. ومن هنا فإن أعمالاً كثيرة تنتظر المنظمات والحركات والمراكز العربية والإسلامية لحقوق الإنسان. القضاء والتعليم بما فيهما من قيم ومفاهيم ومعايير واتجاهات يشكلان ملامح مهمة في الوجه الحضاري لأي أمة من الأمم، وعلينا أن نعيد تشكيل تلك الملامح بما يليق بخير أمة أخرجت للناس. ولم تعد الجامعات الأجنبية المشهورة، بالمقابل، تقر بالشهادات المقدمة من الجامعات العراقية، كما هي الحال في السابق. ولعل التدخل الحكومي السياسي في عملية إقرار الطلبة في الجامعات العراقية في عهد النظام السابق هو أخطر عامل أعان على تراجع التعليم العالي وخسارته الصيت والرصيد العلمي على الصعيدين العربي والعالمي. *علينا أن نقول: إن المعضلة التي واجهت الإسلام على مدار التاريخ كانت تتمثل في نقل العرب من مرحلة القبلية إلى مرحلة الدولة، أو قل: نقل الإنسان المسلم من إنسان يتحرك على أساس الولاء لأسرته أو قبيلته أو طائفته أو مذهب ضيق، إلى إنسان يتحرك منضبطًا بالقوانين والنظم العامة التي تسير الحياة الحضرية وتنظمها. وأعتقد أن التقدم في حقوق الإنسان واحترامها سيظل منوطًا بمدى تقدم رضوخ الناس للقانون على المستوى الشكلي، كما سيظل منوطًا بتعامل المسلمين مع بعضهم على أساس قول الله تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (6) بعيدًا عن أي تلوين عرقي أو طائفي أو وظيفي أو قبلي. ومن هنا فإن استراتيجية تعليم حقوق الإنسان مطالبة بالاشتمال على رفع الوعي الاجتماعي في اتجاه تقدير معايير الكفاءة والتقوى والإحسان والنفع العام والاستقامة، وهي معايير إذا ما تم إبرازها والتعامل على أساسها فإنها قادرة على القطع مع الاعتبارات الجزئية أو غير الشرعية. لاريب أن ما نهدف إلىه لن يكون سهل التحقيق، لكن ليس أمامنا أي طريق آخر إذا ما أردنا أن نعيش زماننا، وأن ندعم دولة القانون ومجتمع المؤسسات. *إن الحروب والقلاقل والتوترات الاجتماعية والنزاعات الأهلية تشكل البيئة النموذجية لانتهاك حقوق الإنسان، حيث يشعر الناس بالقلق والخوف، ويتصرفون وكأنهم في حالة طوارئ، بل إن بعضهم يتوثب لإيقاع الأذى بغيره بدافع غريزي وفقًا للمعاملة السيئة، إما أن تكون آكلاً وإما أن تكون مأكولاً. ولهذا فإن ما يساعد على صون حقوق الناس السعي الحثيث لنشر ثقافة السلم والسلام وروح التسامح والتفاوض والبحث عن الحلول الهادئة والمتزنة والمتدرجة. والحقيقة أن الناظر في جملة التعاليم الإسلامية لايرتاب في أن الإسلام يجعل استخدام القوة في النزاعات الأهلية هو آخر شيء يمكن اللجوء إليه. كما أن حث تعاليم الشريعة السمحة للناس على العفو والعدل والإحسان، والمجادلة بالتي هي أحسن يؤسس في عقل المسلم وروحه حب الآخرين، وتفهم التنوع البشري على كل المستويات وفي كل المجالات، وعلينا إلى جانب هذا أو ذاك ألا نسمح للكراهية بالنفاذ إلى ثقافتنا ردًًا على الظلم الواقع علينا من بعض القوى الكبرى، فالنضال مشروع إلى آخر رمق، والدفاع عن الأرض والعرض والأنفس والأموال مطلوب، لكن لاينبغي لذلك أن يحولنا إلى جماعات لاتعرف إلا الحقد والسب والشتم والشكوى من المؤامرة العالمية الغادرة، نحن جزء من العالم ولا بد أن نساهم في حل مشكلاته بمقدار ما نستطيع، كما أنه لابد من الوقوف في وجه الظلم والعدوان ولو وقع من دولة مسلمة ضد دولة غير مسلمة. حين نريد لحقوق الإنسان أن تصبح جزءًا أصيلاً من ثقافتنا فإن علينا أن ندور مع الحق حيث دار، وأن نرسخ في وعينا وحركتنا العامة أن إحقاق الحق ودعمه وإزهاق الباطل ومقاومته جزء مهم من منهجية المسلم في حياته الخاصة، وجزء حي من رسالة أمة الإسلام إلى العالم. *نحن في سبيل إصلاح أوضاعنا بصورة عامة، وتحسين مسألة حقوق الإنسان بصورة خاصة في حاجة ماسة إلى أن ننشر ثقافة المصارحة والمفاتشة والمفاتحة، وأن نعطي مساحات أوسع لممارسة النقد الاجتماعي. ومن المستبعد أن يحدث تقدم ذو شأن في مسألة حقوق الإنسان إذا لم ننه الأوضاع القانونية السيئة التي تجعل من انتهاك حقوق الإنسان أمرًا مشروعًا ومقننًا. ومن هنا فإنه يجب وضع حد فوري للأمور الآتية: *ممارسات التعذيب في السجون والمعتقلات، ومحاسبة مرتكبيه علـى ما ارتكبوه من جرائم في حق الإنسانية. * إلغاء الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ. *وقف ممارسات الاعتقال الإداري والتحفظي، وإطلاق سراح الذين اعتقلوا دون تهمة أو محاكمة أو إذن من النيابة. *التصدي للمحاكم الاستثنائية، والعمل على استقلال القضاء وتحسين صورته وأدائه. *لا بد بعد كل ما ذكرناه من التركيز على بعض الوسائل والإجراءات، والعمل على بعض المحاور التي تجعل من ثقافة حقوق الإنسان شيئًا مشاعًا بين الناس، وأتصور أن علينا في هذا السياق القيام بالآتي: *لا ريب أنه ما دام لكل واحد منا حقوق على الآخرين، وللآخرين عليه حقوق أيضًا، فلا بد من تعميم ثقافة حقوق الإنسان بكل الوسائل الممكنة، لكن هناك فئات اجتماعية تظل حاجتها إلى هذه الثقافة أشد من حاجة غيرها، وذلك مثل الدعاة والوعاظ والمربين والإعلاميين والقضاة والأطباء والشرطة، حيث إن بعض هؤلاء يسهم في دور جوهري في تثقيف الناس وتوعيتهم، وحين يكون وعيهم بمسائل حقوق الإنسان منقوصًا أو منحرفًا فإنهم يشوهون وعي الناس، ويزيدون الطين بلة. وبعض من ذكرنا على علاقة مباشرة بجوانب تنفيذية بحقوق الناس، مثل القضاة والأطباء والمحامين والشرطة، وهم بحاجة ماسة إلى التشبع بالمعاني والأفكار والمفاهيم التي توجد لديهم الحساسية الكافية للقيام بعملهم على أحسن وجه. ü من جملة أهم ما ينبغي تعليمه للناس عامة، ولأولئك الذين يمكن أن ينخرطوا في أنشطة الدفاع عن حقوق الإنسان خاصة، التعريف الجيد بحقوق الإنسان وكيفية احترامها وحمايتها والدفاع عنها، كذلك تعليم الناس مهارات الإصغاء إلى الآخرين وإجراء التحليلات الأخلاقية والقانونية لسلوكات رجال الأعمال وموظفي الدولة والقادة المحليين، بالإضافة إلى مهارات الاتصال والتعاون. ويمكن الحصول على كثير من المعلومات في هذا الشأن من مواثيق وبيانات حقوق الإنسان العالمية والإقليمية والمحلية. إننا في حاجة ماسة في سبيل الدفاع عن حقوق المستضعفين إلى أن ننمي الوحدة الشعورية بيننا، فحقوقي هي حقوقك، والاعتداء على حقوقك يعني الاعتداء على حقوقي، كما أن الاعتداء على حقوقي يعني في النهاية الاعتداء على حقوقك. وإن أي جهد يبذله المجتمع في الدفاع عن حقوق واحد من أبنائه يعد دفاعًا عن المجتمع كله، كما أن أي جهد يبذل في الدفاع عن المصلحة العامة يصب في مصلحة باذله وخيره وأمنه، وهذا هو مضمون قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»(7) *من الصعب تعميم ثقافة احترام حقوق الإنسان من غير الاستفادة من المناهج المدرسية والجامعية، وإني أقترح في هذا الصدد أن يكون في كل مرحلة دراسية من الابتدائي وحتى الجامعة مادة دراسية يدرس فيها الطلاب كل ما يتعلق بحقوق الإنسان، ما هو متفق عليه بين الرؤية الإسلامية والإعلانات والمواثيق الدولية، ويمكن في المرحلة الجامعية عرض وجهة النظر الإسلامية والبرهنة عليها ومسوغات خصوصيتها. والحقيقة أن المقرر المقترح ينبغي أن يشتمل على أكثر من مجرد الحديث عن حقوق الإنسان، حيث علينا أن ننمي من خلاله الروح الجماعية والمشاعر الإنسانية والنبيلة، وثقافة التفاوض، والنزعة السليمة، والاتجاه نحو التعاضد والتعاون والتضحية والعطاء المجاني غير المشروط، وما شاكل ذلك مما يؤسس لوحدة الأمة ووحدة الشعب والجماعة والبلدة. *إنشاء قناة فضائية خاصة وحرة تتولى نشر الثقافة المشار إليها وتكون منبرًا حرًا لأولئك الذين تنتهك حقوقهم ويعتدى عليهم، وينبغي أن يتولى الإشراف عليها منظمات حقوق الإنسان العربية والإسلامية بالتعاون مع منظمات حقوق الإنسان العالمية. *إنشاء موقع عملاق على الشبكة العالمية المعلوماتية (الإنترنت) يخدم هذه القضية، ويشكل ملتقى لكل الإبداعات والطروحات والمقولات والمفاهيم التي تصب في فضح الاعتداءات على حقوق الإنسان مهما كانت وظيفة القائم بها. *إقامة دورات وندوات ومؤتمرات وورش عمل متتابعة لتجلية مفاهيم حقوق الإنسان، وإكساب المشاركين فيها المهارات المطلوبة للمساهمة في الدفاع عنها. إن معرفة الأهمية العلمية والعملية «لتجفيف» مصادر الراديكالية، فيما يلم بمهمة تأكيد القواعد العقلانية والواقعية في نطاق التربية والتعليم في العراق الجديد، من معايشة وملاحظة أثرها المدمر الجم بهذا الأمر. فقد عمدت الراديكالية هنا إلى تدمير عام لحقيقة وقواعد وتركيبة التربية والتعليم، ما يعتقد بصدده صياغة رؤية ملمة وهيئة متكاملة من نقطة أنساقها لإعادة الحياة لهما. *إصدار مجلة شهرية تعنى بتقديم المفاهيم المتعلقة بحقوق الإنسان كما تهتم بنشر أخبار الناشطين في مجالها وبيان المشكلات التي يتعرضون لها. *تصميم برامج للنشر في شؤون حقوق الإنسان ودعم البحث العلمي فيها وتقديم الجوائز لأفضل البحوث والمؤلفات التي يتم إنجازها في هذا الحقل. إن الأنشطة التي نقوم بها في سبيل حماية الحقوق وتمكين أصحابها منها تعد على نحو ما وبصورة من الصور استمرارًا لحلف الفضول الذي حضره عليه الصلاة والسلام في دار ابن جدعان قبل الإسلام، والذي قال فيه:«ولو دعيت إلى مثله لأجبت». ولاننسى أن نصرة المظلوم ومساندة الضعيف هما أهم القرب إلى الله تعالى، وإن خيرية المجتمع أي مجتمع لا تنبع من كثرة ما يملك ولا ما يستهلك، وإنما من ارتفاع نسبة المهتمين بالشأن العام من أبنائه. والله ولي التوفيق. التعليقات 1- الإسراء - 70 . 2- الإسراء- 70 . 3-أخرجه أحمد في المسند411/5 . 4- النساء- 85 . 5- ص24 . 6- الحجرات- 13 . 7- أخرجه البخاري في صحيحه في الأدب باب رحمة الناس والبهائم 77/7 . وأخرجه مسلم في صحيحه في البر والصلة باب تراحم المؤمنين والبهائم 1999/4م.
