* اختارتني الأمم المتحدة سفيرا لانحيازي للبسطاء ووقوفي ضد الإرهاب.
* (الصحاف) يفوق قدرة أي ممثل كوميدي على الإضحاك.
* تحديت نفسي وكسرت قالب المضحكاتي.
* أحرص على وجود درجة من النبل في شخصيتي.
* عملي في الامم المتحدة تطوعي.. وكل الجولات أقوم بها على حسابي الخاص.
يتحدر عادل إمام من سلسلة طويلة من البشر الذين يؤمنون بمقولة كونفشيوس: إن ضحكة واحدة خير من ألف تكشيرة. فهو ينتمي إلى ذلك النوع المتطرف من الفنانين الذين يرون أن مهمة الممثل الأساسية هي نشر الفرح, حتى ولو كانت أعماقهم غارقة في الحزن. نوع غريب من البشر, يطلقون عليهم أحيانا أنهم رهبان الجنون, أو الشخصيات التي تقطر فرحاً. تتوالى أجيالهم من سلسلة طويلة من الظرفاء والمتحامقين والمهرّجين في بلاط الملوك القدامى ولاعبي السيرك أو البلياتشو الذين يصبغون وجوههم ويتقافزون على الأسلاك. والممثلين المرتجلين الذين يجوبون القرى.
ينتمي عادل أمام إليهم جميعا, ولكنه مختلف عنهم, لقد انتزع شخصية (المضحكاتي) من صفاته القديمة التي كانت تجعله يحتل المرتبة السفلي في التنظيم الاجتماعي ورفعه إلى مرتبة عليا تليق برسالة البهجة التي يحملها. بل إنه حول هذا المضحكاتي إلى سفير للنوايا الحسنة يطوف حول العالم يدرس أحوال اللاجئين ومشردي الحروب, ويحاول أن يجمع التبرعات من أجل إنقاذهم من ذلك الوضع اللإنساني الذي يعيشون فيه, أي أنه لم يحول هذا الجانب الجنوني من ذاته إلى فن راق فقط, ولكن حوله إلى رسالة اجتماعية جديرة بالاحترام.
إضحكاك الآخرين ليست مهمة سهلة كما نعتقد, فعلى حد تعبيره, يبدأ الإنسان حياته بصرخة وينهيها بشهقة, وما بينهما هي رحلة طويلة بحثا عن ضحكة صافية تشفي القلب. فالضحك ليس فقط تعبيراً عن الفرح, ولكن عن قدرة الإنسان على الخيال والإبداع. فهو يلعب على كل ما هو لا معقول ولا مألوف في العلاقات بين البشر. والضحك دواء للقلوب الكسيرة كما يقولون. وتلح كتب اللغة على هذا المعنى. فبعض معاني الضحك هي العسل والزبد والشهد والسحب عندما تمطر. وهو أيضا الثغر الأبيض للمرأة. وطلع النخل عندما ينشق. والضحك لغة خاصة تعبر عن جماع العواطف البشرية, فكما يقول كاتبنا الكبير العقاد هناك ضحك المرح, وضحك التعجب, وضحك التعاطف, وضحك الشماتة والعداوة. وضحك السذاجة والبلاهة.
ونحمد الله أن في تراثنا العربي الكثير من الكتب التي تثير المرح والاضحكاك. لدينا بخلاء الجاحظ, ومقامات الهمذاني وحمقى ابن الجوزي ونوادر ابوالعتاهية, وشراهة أشعب, والمئات من النوادر المرحة. نحن لا نتكلم عن حدود ضيقة غير أنه بالتأكيد توجد خطوط أخلاقية حمراء، وتوجد قناعة شعبية، حتى على صعيد المجتمع اللبناني، بهذه الخطوط الحمراء. توجد تساؤلات عديدة تطرحها منظمات ثقافية ودينية واجتماعية وتربوية ونسائية عن دور الإعلام، وهل يباح للسوق التجاري أن يتعدى حدود الأخلاق بحيث يمس بالقيم الاجتماعية، وهل يباح لهذا الإعلام أن يقدم فيلماً أو برنامجاً عند الساعة 6 مساء يمكن أن يمس بأخلاق الطفل؟ ولكن هذا كله كان ضربا من الماضي, فمن العسير في زمن مثل زمننا, وظروف كالتي نعيشها أن نحصل على كتاب ضاحك أو نجد عملا يثير في نفوسنا المرح ويفرج عن نفوسنا. إن كل الضحكات التي نضحكها الآن هي من نوع الشماتة والازدراء. الشماتة من أحوالنا, والازدراء لضعفنا, نوع من التهكم الذاتي الذي يجعلنا نتظاهر بالقهقهة على أشد النكات قسوة على النفس وهذا ما يصعب من مهمة نجوم من أمثال عادل إمام لا يملكون سوى سلاح البهجة في مواجهة كل هذا الطوفان من الكآبة.
فمن أين استمد عادل إمام موهبته على الاضحكاك? وهل اختار القيام بهذا الدور أم أن الدور هو الذي اختاره. أقول له:
* متى أحسست أنك ممثل, أو أنك شخص قادر على إثارة الضحك, ومن أين تستمد هذه القدرات على الأداء المتنوع الذي استمر لسنوات طويلة?
- كنت ذاهبا في زيارة إلى تونس عندما قال لي أحد الصحفيين: ما هذه الضجة التي تحدثها في كل مكان تذهب إليه?. لماذا لا تأتي وتروح مثل غيرك من النجوم? لم أكن أملك جوابا. ولم أشعر أبدا بأنني نجم مميز. ولكنني منذ طفولتي وأنا أثير هذه الضجة. في المدرسة أو في الجامعة ما إن أبدأ في الكلام حتى ينتبه الجميع أولا ثم يأخذون في الضحك ثانيا. أعتقد أن هذا مرتبط بشخصيتي أو ربما اخذته بالوراثة عن جدي, لقد كان بقال القرية, وكان الجميع يجتمعون في الساحة الموجودة امام دكانه وما إن يبدأ في الكلام حتى ينتبه الجميع, أضف لذلك أنني لست عكر المزاج. ولا أحب المزاج العكر ولا يدوم غضبي طويلا. كنت دائما أقبل على الآخرين وأستمتع بصحبتهم. ولعل هذا ما يجعلني على المسرح في أفضل حالاتي, إنه يوفر لي البيئة التي أبحث عنها, وجود الآخرين حولي, ومنهم أستمد جذور الأدوار التي أقوم ببطولتها, أنا ابن الشارع المصري, وكل اللمسات الإنسانية استمدها من هذا الشارع, كما ان إحساس الناس العالي بي  يدفعني لتأكيد ذاتي, إن حس الفكاهة عندي بسيط ومباشر, لا أميل للمشاعر المعقدة ولكنني أصل مباشرة إلى التناقض الموجود خلف أي حدث, وأحيانا كانت التعليقات تصدر مني دون حتى أن أفكر فيها, ولا أخفي عليك أنني أستمتع قبل الجمهور بالفكاهة التي أقدمها.
أقول لعادل إمام:
* هذا عن شخصيتك وإمكاناتك الخاصة, ولكنك حولت كل ذلك إلى نوع من النجومية. أنت لست مثلا - كما يقول الفلاحون المصريون - لست ممثلا شيطانيا , أي أنك لم تنبت دون جذور. ولم تتطور بعيدا عن الضوء, ولكن كل مراحل حياتك التمثيلية معروفة ومسجلة, لقد تطورت تحت أعين الجميع, وانقلبت على نفسك وتركت نمطك القديم في الأداء, أمام الجميع أيضا, فما الدور الذي تعتبره نقطة التحول الرئيسية في حياتك?
يقول:
- لا توجد نقطة معينة, لأنني تدرجت كما تقول مع المراحل المختلفة, وذلك لأنني لم أتصور نفسي أبدا أن أكون ممثلا محترفا. ومازلت الآن أتصرف بمنطق الهواة, ومن حسن الحظ أنني احترفت الهواية التي أحبها, لقد بدأت التمثيل من المراحل المبكرة, من الابتدائي والاعدادي ثم الثانوي. وكنا نؤدي العديد من المسرحيات الكلاسيكية من الأدب العالمي ومن العربي أيضا. أذكر أنني قمت بتقديم مسرحية عادل الغضبان بعنوان (أحمس الأول). وقد استمر ذلك الأمر حتى خلال مرحلة الجامعة, وأتاح لي هذا المناخ أن أتجه قليلا..قليلا إلى الاحتراف. ولعلك تذكر أن مرحلة الستينيات قد شهدت نوعا من المد الثقافي وأنشأت الدولة عدة مسارح تابعة للتلفزيون. كانت الثقافة غير مكلفة أيامها. وكنا نستمتع بعشرات الكتب التي تصدر ونقوم بتمثيل العديد من المسرحيات المترجمة. لقد قمنا مثلا بتمثيل طائر البحر لأنطون تشيكوف في وقت لم يكن يعرفه أحد. كنا نذهب أيضا لسماع أوركسترا القاهرة السيمفوني وسعر التذكرة لا يتجاوز يومها خمسة قروش, وحتى هذه أيضا لم نكن ندفعها وكنا ندخل مجانا. ومازلت أذكر المايسترو زيجازجروفيتش حتى الآن, كنت أيامها طالبا في كلية الزراعة, وكنت من أسرة متوسطة, الهم الأساسي فيها لأبي أن أحصل على شهادة البكالوريوس, ومن أجله حصلت على هذه الشهادة رغم أنني كنت أكسب ضعف مرتبي منها, ثم سمعت أن مسارح التلفزيون تطلب ممثلين جددا, تقدمت إليهم وأجروا لي اختبارا وقبلوني: قالوا لي إنني أصبحت ممثلا في الفرقة السادسة, وأن هناك مخرجا جديدا قادما من أمريكا هو الذي سيقودنا, كان هذا هو المرحوم حسين كمال. كان من زملائي في هذه الفرقة رشوان توفيق والمرحوم صلاح حجازي - لا أدري إن كنت تعرفه أم لا - وعزت العلايلي وصلاح قابيل. وكنت أحسب أنني سوف أمثل كل المسرحيات الكلاسيكية التي تعودت عليها, ولكن حسين كمال - الذي أصبح صديقي فيما بعد- نظر إلى ملامح وجهي وقال لي: أنت لا تصلح إلا أن تكون ممثلا كوميديا.
هكذا بدأت الرحلة, خطوة إثر خطوة, كانت أول مسرحية هي (ثورة قرية) من تأليف محمد التابعي. الشخصيات التي أنتقيها في أفلامي تشبهني، تتكلم بلساني وأحيى آمالي ومخاوفي من خلالها، الصبيان ليسوا ضحايا سلبيين ليسوا منحازين، أتعجب أمام قدرة هؤلاء الأولاد على تخطي المصاعب التي تملأ حياتهم اليومية عن طريق الحلم والخيال واللهو، أحب تلقائيتهم وطرافتهم وقدرتهم على الابتكار فهي لغة تواصل عالمي الغير حقيقي وتفتح نواح جديدة في مسيرتي السينمائية ومن هنا كان الصبي بطل قصتي ذلك الإنسان الصغير الذي يمسك بين ضلوعه كل العذاب وليس قسطاً منه، بعضهم فقد الوالدة والوالد، وبعضهم الشقيق والشقيقة، وبعضهم العم أو الخال، البعض شاهد بعينيه دماء أهله تسيل على قار الطريق المرصوف بالأسمنت الأخرس الذي إذا تكلم بكى قبل أن يروي العديد والعديد من الأشجان، شجن وطن بأكمله يحيا نار الاحتلال. كيف كان أثر أفلامك على الجمهور الأوروبي؟ ..عرض فيلم أحلام المنفى في الكثير من المهرجانات الدولية وزرت مع الفيلم بعض المدن العربيّة والأورُوبية والأميركيّة واليابانيّة وسررت بمستوى النقاشات التي أقمتها مع الناس الذين تفاعلوا بطريقة جميلة مع الفيلم، الذي خلّف وقعاً عميقاً في أنفس مشاهديه فقد أراد بعضهم التواصل مع شخصيات الفيلم والبعض الآخر أحب أن يقوم بفعل ما للتعبير عن مساندته والشعب الأوروبي كذلك يحس بفاجعتنا، وفي فلسطين العديد من الناشطين في السلام الأوروبيين ينخرطون في لجنة التضامن الدولي ويقومون بمعاونة الفلسطينيين على تحمل أوجاع الاستعمار وقساوته، ونذكر ناشطة السّلام الأميركية (راتشيل صوريا كوري) تلك البنت التي كانت تبلغ من العمر (ثلاثة و عشرون عاما) حيث ذهبت ضحية المحتل الإسرائيلي عندما حاولت وقف جرّافة إسرائيلية من تخريب بيت أحد الفلسطينيين فما كان من سائق الجرافة إلا أن داسها تحت عجلات الجرارة فلفظت أنفاسها الأخِيرة على تراب فلسطين المُحتلة من طرف الصهاينة. في بدايات التسلط الإسرائيلي على فلسطين قتل اليهود عدداً هائلا من المفكّرين والمُثقفين الفلسطينيين وحاليا من وجهة نظري أرى أن المثقف الفلسطيني الذي يعيش بعيداً عن أرض فلسطين قد قتل نفسه بنفيه عنها لماذا تحيا مي المصري خارج حدود وطنها فلسطين؟ ..أنا نشأت خارج بلدي كمئات من الفلسطينيين وهذا بسبب الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين سنة 48 و 67. والحقيقة أن معظم الشعب الفلسطيني يحيا منفياً خارج بلده وقد أتاحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عودة عدد صغير من الفلسطينيين بعد معاهدة أوسلو لكنها لم ترخص بعودة الأغلبية. وفلسطين تحيا بداخلي حيثما كنت، بإمكاني أن أوضح شقاء اللاجئين الفلسطينيين في مُخيمات لبنان كما يمكنني أن أمثل حياة ابن نابلس أو غزة أو الناصرة، إنهم كلهم جزء من حياتي، أظن أن تجربة المنفى منحتني الغزير من الرؤية البشرية العالمية التي تتخطى المحلية وتشبه الواقع الإنساني أينما كان. كل أفلامك سجلت في فلسطين، صفي لنا المشاق والمعاملات التي تلقيتها من الإسرائيليين وكيف كانوا يصرحون لك التصوير ومواصلة شغلك؟ ..سجلت 3 أفلام في فلسطين وفي كل مرة كانت عملية التسجيل متعبة وخطرة، الحصار داخل المدينة والدبابات في كل زقاق، كل شيء منتظر، كل شيء مباح، عندما كنت أصور الغلمان في فيلم "أطفال جبل النار" في مدينتي نابلس أثناء الثورة الأولى سنة 1990 حبسنا الجيش الإسرائيلي عدة مرات وكانوا يتعاملون معنا بطريقة سيئة جدا، كنا نخفي الأفلام خوفاً من أن تأخذ، ألزمنا أن نصور القسط الأكبـر من الفيلم بشكل سِري. كنا نراقب الأحداث من النوافذ، حولنا الجبانة والمنازل التي دمرت، لقد نجحنا بإتمام الفيلم بفضل تعاون أهل المدينة المذهل، فقد تولوا رعايتنا وفتحوا لنا منازلهم ووهبوا كل أشكال العون لي ولفريق التصوير مما سمح لنا التنقل والسكن في المدينة رغم الحصار وحظر التجول وبعد 10  أعوام رجعت لأصور "أحلام المنفى" فلقيت الظروف صارت أوعر. خلال التصوير كان عسكر الاحتلال يطلقون علينا النار وقد أصابوني بـرصاصة مطاطية في رجلي وصار كل من يحمل آلة تصوير هدفاً لرصاص عساكر الاحتلال ومات عدد من المصورين، لقد قادتنا هذه المشاق إلى اختراع العديد من الوسل الإبداعية البديلة للتمكن من المواصلة والتحايل على الأحوال الوعرة، وتدربت على أن أتعامل مع أوعر الأحوال وأن أكون متفطنة باستمرار لكل التفاصيل المحيطة بي. وهي أصلا كانت رواية ولكن عزت العلايلي قام بإعدادها للمسرح, في هذه المسرحية كنت أحسب أن المخرج سوف يعطيني دورا كوميديا. ولكنه أعطاني دورا لا يتجاوز الجملة الواحدة لبائع حلوى يقول (حلاوة عسلية, بمليم الوقية...) وكنت أقول هذا في مولد وسط زحام من الناس, ورغم ذلك كانت هذه الجملة تثير الضحك وتلفت الانتباه.
ثم جاءت المصادفة حين اختارتني مديرة المسرح فايزة عبدالسلام لتأدية دور في مسرحية (أنا وهو وهي) كانوا يبحثون عن واحد يقوم بدور دسوقي وكيل المحامي, وذهبت لمقابلة فؤاد المهندس للمرة الأولى وكانت المفاجأة أنه طلب مني مباشرة أن أقرأ الدور. كنت قد تعودت على أداء البروفات قبل ذلك, ولكن فؤاد المهندس جعلني أقرأ الدور مباشرة وفوجئت أنهم يضحكون حتى من طريقتي في القراءة.
لم أكن أدقق كثيرا في حجم الدور, كان ما يهمني هو طعم الدور, مرة دور صغير, مرة ثانوي, ومرات عدة يتم نسياني. لقد مر علي سنوات طويلة حتى حسبت أن السينما قد نسيتني وذلك قبل أن أقوم بدور (رجب فوق صفيح ساخن). وقد حقق هذا الفيلم أول نجاح خاص بي, ولكن النقلة الحقيقية جاءت عندما التقيت بالمخرج فطين عبدالوهاب, وهو من الذين أثروا فيّ كثيرا وساعدني على اكتساب ملامح شخصيتي. أذكره كما أذكر الدكتور محفوظ غانم أستاذ الكيمياء بكلية الزراعة هو الذي قال لي: أرجو يا ابني ألا تشتغل بالزراعة حتى لا تتلفها أكثر مما هي تالفة, ابحث عن عمل آخر, وقد عملت بنصيحته ومازلت أحتفظ له بمحبة كبيرة.
ورغم انني قمت بالبطولة في فيلم (البحث عن فضيحة) وهي أول بطولة لي, إلا أنني لم أصبح بطلا, لم أصرّ على ذلك, كان ما يشدني هو الدور سواء كان بطولة أو دورا مساعدا.
أنا ودسوقي والجينز
أقول لعادل إمام:
* ولكن مازال أداء الأدوار الكوميدية يعتبر من أصعب الأدوار. فالممثل الكوميدي يجب أن يجيد أداء كل أنواع التمثيل. وقد تجلت مقدرتك التمثيلية في دور دسوقي, هذا الدور الهامشي الذي يوجد في معظم المسرحيات الكوميدية, ونمر به دون أن نراه, ولكن في هذه المسرحية بالذات - أنا وهو وهي - قد صنعت من هذا الدور الهامشي شيئا لا يُنسى?
- أحسست أن هذا الدور - رغم صغره - هو فرصتي. لقد هبطت إلى المخازن كي أبحث عن بدلة قديمة مخططة, ثم اختزنت بقية ملامح الشخصية من الناس في حي الحلمية حيث أعيش, وكان عندنا محكمة صغيرة اسمها (نور الظلام) وكنت أراقب سلوك كتبة المحامين وأختزنها في اللاوعي الخاص بي. وهذا شيء مهم للممثل (الرؤية) إضافة للتجربة الحياتية والثقافية, هذا إضافة للموهبة بطبيعة الحال. لأن هذا يساعدك كثيرا على تفسير الشخصية والتعمق فيها.
أقول له:
* عندما قدمت فيلم (رجب فوق صفيح ساخن) وحقق نجاحا جماهيريا كبيرا, قال بعض النقاد إن هناك طبقة معينة من الشعب المصري قد وجدت بطلها الذي تبحث عنه. أنت الآن بطل كل طبقات الشعب المصري والعربي أيضا. كيف استطعت أن تحقق هذه النقلة, وهل فعلا أنت كنت بطل طبقة معينة?
- والله لقد احتار النقاد في تقييمي, وحيّرني النقاد أيضا. كتب أحدهم عني قائلا: هذا ممثل انفتاحي. ولم أعرف ماذا يعني, وآخر قال إنه نجم الحرفيين والصنايعية. وهذا أمر عجيب جدا نعانيه وهو التعالي الطبقي. هناك فرق بين حبك لمهنتك وانحيازك لها وبين احتقار المهن الأخرى. وأعتقد النقلة حدثت عندما أدخلت (الجينز) إلى السينما. كنت أنا أول ممثل يرتديه ويظهر به على الشاشة. لأن كل الطبقات تتخفى وراء هذا الجينز ويلبسه الغني والفقير على السواء. ولكن حتى أصنف نفسي جيدا فأنا أقف دائما في صف البسطاء والمهمشين في فكري وفي الشخصيات التي أختارها.
على خشبة المسرح
قدم عادل إمام للسينما مجموعة كبيرة من الأفلام المهمة, ليس على مستوى الأفلام الكوميدية فقط ولكن في الأفلام التي قدمت نقدا جريئا للواقع المصري, ولكن على الرغم من أنه يعتبر نفسه ممثلا مسرحيا, فإنه لم يقدم على خشبته ما يوازي ما فعله في السينما, لقد قدم على المسرح خمس مسرحيات فقط, حققت كلها نجاحا كبيرا بدليل أنها استمرت على مدى سنوات طويلة, ولكن في اعتقادي أن مسرحية (شاهد ما شفش حاجة) هي أفضل هذه المسرحيات, وأقربها إلى روح الكوميديا, أما المسرحيات الباقية فإنها من ناحية المضمون ارتكزت على أفلام قديمة, ومن ناحية الشكل لم ترتفع كثيرا عن مستوى المسرحيات التجارية المعروضة في السوق, لقد كان وحده عادل إمام هو مفتاح سر نجاح هذه المسرحيات, دون حاجة إلى نص جيد أو إخراج متميز, أقول له:
* أنت قلبت المعادلة التي درجنا على النظر بها إلى ممثلي الكوميديا في مصر. فمعظم هؤلاء الممثلين مثل اسماعيل ياسين وفؤاد المهندس وحتى محمد صبحي كانوا جيدين جدا على خشبة المسرح ولكنهم كانوا باهتين جدا على شاشة السينما. أنت على العكس من ذلك. أنت في رأيي قوي جدا في السينما أقوى بكثير منك على المسرح.
- وفي المسرح قوي أيضا...
* أقول موضحاً: أنا أحدثك عن المضمون وليس عن مستواك كممثل. قيمتك كممثل محفوظة. أنا أتحدث عن ذلك الانقلاب الذي قمت به ولم تفعله في المسرح, لقد قدمت سينما تناقش العديد من القضايا الجادة. كيف حققت هذا التحول?
- يعود هذا إلى تربيتي المسرحية السليمة, لقد علّمتني هذه التربية أن أحب كوني ممثلا. أنا أحب أن أقوم بالعديد من الشخصيات المختلفة, أنا حقا (مضحك) وأفخر بأنني مضحك ولكني قبل ذلك ممثل وأريد أن يعرف الجميع كل ما أختزنه في أعماقي. وعلى المسرح قدمت في مسرحية (مدرسة المشاغبين), هذا الولد المشاغب الذي لا تهمه قواعد المدرسة ولا المدرسين. وعملت بعدها مباشرة في (شاهد ما شفش حاجة) دور الشاب البسيط الذي لا توجد له أي تجربة حياتية. يقوم بدور أرنب وهو أرنب في الواقع. وهي أيضا تختلف عن (رجب فوق صفيح ساخن) هذا القروي الذي جاء يقتحم المدينة فسحقته هذه المدينة.
أنا في المسرح أحس بحال من النشوة, وأنا أنتشي حين أسمع زئير الجماهير وضحكاتهم العالية. وهي نشوة لا تضاهيها نشوة أخرى كالجنس أوالطعام أو أي شيء آخر. إنها أعلى منها جميعا, يمكن القول إني أمتلك (غريزة الاضحاك).
* ولكن ألا يجعلك هذا تعتقد أحيانا أنك لست في حاجة إلى نص. إنه يكفيك فقط وجودك على المسرح في مواجهة مباشرة مع الجماهير?
- أوه... لا طبعا. أنا أؤمن أن الكل في واحد. أنا والممثلون الذين معي والجمهور في وحدة واحدة وعلينا أن نؤدي العرض معا .
* من أجل الوصول إلى هذه الحالة.. هل تقوم بالارتجال على المسرح?
- طبعا, أقوم بالارتجال ولكن في حدود. وهكذا أقول لزملائي على المسرح. في أي فيلم و في أي مسرحية هناك خط له بداية ونهاية ويجب أن نلتزم بهذا الخط ونقول خلاله ما نشاء. إضافة إلى أن عرض المسرحية يستمر على مدى عدة سنوات وخلال هذه الفترة تقع الكثير من الأحداث, لذلك نقوم بإدخالها في نسيج العرض.
الخروج من الإطار
* كيف قمت إذن بالتحول إلى الأفلام الجادة? البعض يقول إن فيلم اللعب مع الكبار هو الذي شهد ذلك التحول. ولكني أرى أن هذا الأمر يعود لمرحلة مبكرة في أفلامك . متى بدأ هذا التحول وكيف قررت أن تكسر النمط الكوميدي الذي تعود عليه الجمهور?
- هذا التحول يعود إلى فيلم المشبوه. وإلى مسلسل (أحلام الفتى الطائر) الذي قدمته في التلفزيون. وكان هذا الأمر مغامرة بالنسبة لي. لقد تعود الناس أن يدخلوا أفلامي حتى يضحكوا, وكنت أخشى أن يدخلوا فيفاجأوا بأنهم يرون عكس ذلك ويصدمون. وكان التحدي هو أن أشد هذا المتفرج الضاحك إلى دور مختلف وجاد وأن أقنعه بشخصيتي الجديدة.
سوف أحكي لك قصة فيلم (المشبوه). لقد عملت فيه مع المنتج فايز واصف, وكان في ذلك الوقت على وشك الإفلاس تماما. لم يكن يملك حين قابلته أكثر من عشرة آلاف جنيه . وكان معه سيناريو فيلم (غاوي مشاكل). وقمت ببطولة هذا الفيلم الذي كان فيلما كوميديا عاديا وقليل التكلفة ورغم ذلك حقق نجاحاً كبيراً. وقال لي فايز واصف وقتها: لقد أنقذت مستقبلي لأنني كنت أستعد للعودة لبني سويف لأعود كما كنت قبل دخول الوسط السينمائي. ولكن هذا الفيلم أعادني لحظيرة الإنتاج مرة أخرى. وعندما جاء إليه سيناريو فيلم المشبوه لم يكن من المنطقي أبداً أن يعطيه لنجم كوميدي اسمه عادل إمام. ولكنه أعطاه لي, ربما لأنه بحسه التجاري قد أدرك أن أفلامي تحقق إيرادات.
كان فيلم (المشبوه) من تأليف إبراهيم الموجي وإخراج سمير سيف. وقد ثار المخرج ثورة كبيرة على المنتج بسبب اختياره لي, وعندما جاء إليّ السيناريو قرأته في ساعتين فقط وهرعت إلى التليفون وأنا أخشى أن يقولوا لي إنهم قد اختاروا بطلا غيري. وعندما قال لي إن سعاد حسني سوف تقوم بالبطولة معي وافقت فوراً. وبدأت العمل مع سمير سيف وهو متضرر, ولكنه في نهاية الفيلم قال لي: كنت أتصور أن يقوم الجميع بهذا الدور إلا أنت, ولكن الآن لا أستطيع أن أتصور أحداً غيرك يقوم ببطولة هذا الفيلم, ومن الغريب أن العديد من النقاد هاجموني, وصرخوا كيف يجرؤ هذا الممثل على القيام بهذا الدور وأشياء أخرى من هذا القبيل.
وحيد حامد..مؤلف من نوع خاص
* ولكن كثيرا من الأفلام التي قمت بها وأكثرها شهرة بعد ذلك كانت من تأليف وحيد حامد. الذي أعتقد أنه مؤلف من نوع خاص جدا في تاريخ السينما المصرية, كيف وجد كل منكما الآخر, هو كمؤلف وأنت كممثل?
- لقد وجد كل منا الآخر. نحن أصدقاء قدامى, ورفاق سلاح خاصة في موقفنا ضد الإرهاب. لقد عملت معه أكثر من فيلم مثل (الهلفوت), و(الإنسان يعيش مرة واحدة) و(الغول). وعندما جاءت موجات الإرهاب وأغرقت مصر والمنطقة العربية في دوامة من المشاكل, أحسسنا معا بأن الفن في خطر أيضا. لذلك صنعنا معا العديد من الأدوار المهمة. والاهم من ذلك أنها أدوار  من تلك التي تثير المشكلات. والتي تقلب صورة البطل التي يحفظها الناس عنك. فعلى سبيل المثال في فيلم طيور الظلام أقوم بدور مخالف لذلك. إنه دور انتهازي سياسي صغير يستعين بكل الوسائل للصعود. بل إنني اتخذ من يسرا زميلتي في الفيلم وسيلة لهذا الصعود, ولكن مهما كانت وضاعة الدور الذي أقوم به فيجب أن يكون فيه درجة من النبل, وأنا أحافظ جيداً على هذه الدرجة, فيجب أن تكون هناك دائما عودة إلى قيمة ما, إنني أراعي دائما أخلاقيات الجمهور الذي يتابعني ولا أحاول أن أتحداها.
* رغم ذلك فأنت نجم مثير للجدل, رفعت ضدك العديد من القضايا في المحاكم. وقمت بزيارة لأسيوط وسط موجة من الإرهاب. وذهبت لزيارة العراق وهي تحت الحصار.. لماذا فعلت كل هذا ولماذا لا تقف على خشبة المسرح وتنتظر حتى يأتي إليك الجميع?
- بالطبع أنا مثير للجدل. وأحب أن أكون كذلك. ولو أنني استمعت إلى كلام النقاد فلن أذهب ولن أجيء ولن أشتغل من أصله. لقد كان النجم واجنر يشبه النقاد بالجنود الناجين الذين يأتون في نهاية المعركة ليجهزوا على الجنود المصابين, وهناك مشكلة أخرى هي أن كل دولة عربية يوجد لها خلاف مع دولة أخرى مجاورة لها. إن هناك كثيرا من القضايا التي يجب ان نتعرض لها, مثل قراري  بالوقوف ضد الإرهاب, إنني لم اكتف بذلك, ولكني قمت أيضا بعمل فيلم (الإرهابي).
فيلم الإرهابي عرض في دولة واحدة بل في مدينة واحدة بثلاث نسخ مختلفة في ثلاث من دور العرض. الأولى كانت تنقص ربع ساعة والثانية كانت تنقص نصف ساعة والثالثة كانت تنقص ساعة إلا ربعا بأكملها. وقال لي بعض أصحاب دور العرض إنه بعد انصراف رجال الرقابة كانوا يضعون الأحداث المحذوفة دون المبالاة بترتيب أحداث الفيلم.
* أنا معك أن الكوميديا تعتمد على السخرية من النقائض والصفات والعيوب الموجودة في الشخصية, ولكن أحيانا تنحرف الكوميديا عن مسارها لتحدث أثراً عكسياً. وعلى سبيل المثال في فيلم (هالو أمريكا) لم أشعر بالمرح في هذا الفيلم ولكن شعرت بالإهانة. وشعرت بأن هناك قسوة شديدة في تصويرنا كشعب انتهازي يحاول خداع أناس يصدقون كل ما يقال لهم?
- لم نقصد الانتقاص ولا القسوة الشديدة. كنا نريد انتقاد أحوال المهاجرين وخاصة الذين يسعون وراء الحلم الأمريكي. هناك أناس يعتقدون أن الملايين سوف تنهال عليهم عندما يصلون إلى أمريكا. إن ماكينات الحظ واليانصيب هي حلم كل مهاجر. بل إننا قد انتقدنا عمليات تمويل الإرهاب من خلال هذا الفيلم. وقد رفض المركز الإسلامي هناك أن نصور مشاهد من الفيلم بجانبه دون أن يبدي أي أسباب.
المضحكون الجدد
* أريد أن أسألك عن المضحكين الجدد. ذلك الجيل الجديد من ممثلي الكوميديا الذين ظهروا حديثا وطردوا النجوم القدامى من على شاشة السينما, انهم كثيرون ولكنهم بلا مضمون حقيقي. لم يقدموا شيئا يمكن مناقشته. ما رأيك فيهم?
- إنهم يعرفون هدفهم. ولا يريدون أن يقدموا شيئا جادا. وهم يقولون ذلك بصراحة, إنهم يريدون أن يقوموا بالضحك من أجل الضحك وهذه رسالتهم. واعتقد أن هذا مطلوب وأعتقد أنهم لو حاولوا أن يدخلوا في أعمالهم أي إسقاطات فكرية أو سياسية فلن ينجحوا. ولكن السؤال.. هل ينجحون في الإضحاك بهذا الأسلوب طويلا. هذا هو السؤال!
أحوالنا المضحكة
* أذكر أن رسام الكاريكاتير المعروف بهجت عثمان قد اعتزل رسم الكاريكاتير وقال إن أوضاعنا في العالم العربي أكثر إضحاكا من أي كاريكاتير أرسمه. هل تعتقد أن ما يقوم به بعض المسئولين العرب أكبر من قدرة أي ممثل كوميدي?
- هذا صحيح إلى حد كبير. وما حدث في العراق هو أكبر دليل على ذلك. لا أستطيع أن أتخيل أي ممثل كوميدي يفوق قدرة الصحاف وزير الإعلام العراقي السابق على الإضحاك. بل إن مفردات الصحاف أصبح الشارع العربي كله يرددها مثل (العلوج) و(الأوغاد) و(سوف نسحقهم) وكل هذه الترهات التي كان يرددها كل يوم بثقة غريبة. ومع الأسف فإن الصحاف ليس وحده في هذا الأمر. هناك العديد من المسئولين الذين يتحدون قدراتي على الاضحاك. الفارق بيني وبينهم أنني أردد نصا مكتوبا في رواية بينما هم يكذبون عامدين متعمدين ويعتقدون أننا يمكن أن نصدق أي شي.
سفير فوق العادة
عندما كنت في أحد استطلاعات (العربي) في اليمن, ذهبت إلى مسجد صنعاء القديم وسط السوق القديم, وكان هناك مجموعة من الشيوخ جالسين في ركن من المسجد يبدون بملابسهم وهيئتهم, ولحاهم البيضاء, كأنهم ينتمون إلى زمن آخر, وعندما سمع أحدهم لهجتي رفع رأسه نحوي وكان من الواضح أنه يراني بصعوبة, قال لي: هل أنت قادم مع عادل إمام, قلت له في دهشة: هل هو في اليمن, نظر الرجل إلي في استنكار, لم يدر أنني أتجول في الجبال منذ عدة أيام, وهتف بي: هل هناك في اليمن من لا يعرف بوصول عادل أمام, خرجت من المسجد وأنا أداري خجلي, ولكن قدر لي بعد ذلك أن أتابع أنشطة عادل أمام في عدن, لقد اقتفيت أثره إلى مخيم (البساتين) الذي يضم العديد من اللاجئين من القرن الإفريقي, كان المكان مفزعا ورهيبا, مليئا بآلاف من البشر الجوعى وأنصاف المرضي, يسكنون بيوتا من الصفيح وسط برك من مخلفات المجاري, قال لي أحدهم: لقد زارنا ممثل مشهور ربما يستطيع ان يفعل لنا شيئا بعد أن فشل كل الرؤساء والمسئولين.
أقول لعادل إمام:
* إنك لم تكتف بكونك نجما وفنانا, ولكن أردت أن يكون لك دور سياسي واجتماعي على المستوى الدولي. أي أن تكون سفيراً للنوايا الحسنة تابعا للأمم المتحدة وهذا ما جعلنا نلتقي بك في الكويت. لماذا سعيت للعب هذا الدور?
- الحقيقة أنا لم أسع إليه. ولكن هم الذين وقع اختيارهم علي. لقد تم عرض الأمر علي وعندما قبلت القيام به, أبلغت باختياري رسميا وكان من حيثيات هذا الاختيار (من اجل محاربته للإرهاب والتطرف. ووقوفه دائما في أعماله الفنية بجانب المهمشين والبسطاء). والأمم المتحدة تهتم كثيرا بهذه الشريحة من البشر, لأن النسب العالية من السلبيات الإنسانية موجودة دائما في الدول الفقيرة, إفريقيا على وجه الخصوص.
لقد قمت بزيارة اليمن واطلعت على أوضاع اللاجئين وهي أوضاع بائسة جداً. ونحن نسعى الآن لجمع التبرعات لعمل صندوق لمشاريع التنمية في اليمن, وعندما توجد في اليمن هذه المشروعات سوف تصبح قادرة على تحمل أعباء هؤلاء اللاجئين. ومعظمهم من أريتريا والصومال وبقية القرن الإفريقي.
إن عملي هذا كله تطوعي, وكل الجولات التي أقوم بها على حسابي الخاص, فليس من المعقول أن أسعى لجمع التبرعات وأنا أضع تكلفتي على الأمم المتحدة. وقد صنعت فيلما إعلاميا للأمم المتحدة مجانا من إخراج شريف عرفة وهو يذاع في جميع أنحاء العالم.
وقد استفدت كثيراً من هذا الأمر, لم أستفد ماديا إنما معنويا. ففي خلال الاجتماعات الدورية التي تعقدها الأمم المتحدة أجد نفسي جالساً مع صحبة مختارة من النجوم المعروفين في مختلف المجالات. وفي أحد الاجتماعات قلت لهم إنني في بداية حياتي قمت بتمثيل مسرحية مأخوذة عن قصة سير بيتر أستينوف بعنوان (شاهد ما شفش حاجة) بس أرجوكم لا أحد يقول له ذلك حتى لا يطالبني بالثمن. وكان سير بيتر استينوف حاضراً في الاجتماع فضحكوا جميعا وانعقدت منذ هذه اللحظة صداقة بيني وبينه. وكان يقابلني دائما في اجتماعات سويسرا ويهتف بي (ماي صن عبدالله..) أقول له (عادل) يقول (يس.. يس.. عبدالله). تعرفت أيضا على مايكل دوجلاس وعندما قدمت نفسي إليه قال لي: أنا أعرفك يا مستر عادل. في الاجتماع الأخير كانت المشكلة المطروحة أمامنا هي صحة المرأة والطفل وخاصة مع ارتفاع نسبة النساء اللواتي يمتن بسبب الولادة قبل سن الثلاثين. والأطفال الذين يموتون قبل خمس سنوات. وفي الحقيقة ان الاجتماعات تكون على مدى أربعة أو خمسة أيام ولكنها تكون مكثفة جدا. ولكنه من الممتع أن تقابل كل رسل السلام في العالم. مايكل دوجلاس, داني كلوفر, الأديبة نادين جورديمر, اللاعب رونالدو, ومحمد علي كلاي وقد عانقني حين عرف أني من مصر, وقد أخذت أذكره بالملوخية التي أكلها في مصر وكانت السبب في هزيمته في المباراة التالية ولم يتمالك نفسه من الضحك.
* ولكن كيف تجد الوقت لحضور هذه الاجتماعات وأنت مشغول بين المسرح والسينما?
- الأمم المتحدة تختار دائما الوقت المناسب. وهناك وقت عالمي تتوقف فيه كل الأعمال وأعني بها تلك الفترة بين الصيف والشتاء, والشتاء والصيف.
تثقيف الذات
* من خلال أحاديثي معك قبل هذه الجلسة وما سمعته منك قبل الآن اكتشفت أن لديك العديد من الإشارات الثقافية فأنت تذكر كثيراً من أعمال الأدب العالمي, ولك معرفة كبيرة بالمؤلفين العالميين. كيف استطعت أن تثقف نفسك. أنت لم تعد مجرد واجهة, ولكن خلف هذه الواجهة توجد روح وعمق وإحساس, كيف صنعت نفسك?
- على المستوى الشخصي أنا أهوى القراءة إلى حد كبير. بدأت قراءاتي وأنا طالب من خلال روايات أرسين لوبين وأجاثا كريستي ثم تدرجت بنا القراءة إلى جورجي زيدان والمنفلوطي وما فيها من عبرات ودموع وبعد ذلك كان طه حسين والأيام وأديب.
وكنت أبتعد عن العقاد في أول الأمر, ولكن ما لبثت أن استغرقت في قراءة عبقرياته, الشعر أيضا لم أكن أحبه في أول الأمر ثم مثلت مسرحية بالشعر العامي لبيرم التونسي هي ألف ليلة وليلة مازلت أحفظ أشعارها حتى الآن. أحببت بعد ذلك أشعار المتنبي الذي تحول كل بيت من أبيات قصائده إلى حكمة. وكذلك عمر بن أبي ربيعة الذي لم يتحدث إلا في الغزل, وهل كان هذا فعلا من أجل الغزل أم كان نوعا من الهروب السياسي, وهناك أبو العلاء المعري الذي تحدث عن الفتنة بين المسلمين والأقباط في بلاد الشام منذ مئات السنين. ثم أصبحت أقرأ في الشعر الحديث, ما أريد أن أقوله, انني أدرك أن الموهبة وحدها لا تكفي ويجب أن أسلح نفسي بالمعرفة. أحيانا أقرأ في نظريات علمية لأن دراستي في الأصل كانت أكاديمية, كما أنني تتبعت الموجة الجديدة في الأدب يوسف إدريس وصلاح عبدالصبور وأمل دنقل وكذلك صديقي سليط اللسان أحمد فؤاد نجم.
ولكن أريد أن أحدثك قليلا عن يوسف إدريس, لقد كان صديقي, وقد قرأت كل قصصه القصيرة وهو لا يقل عن أنطون تشيكوف وكان يستحق جائزة نوبل ومازلت أفكر في عمل سهرة مع قصص يوسف إدريس القصيرة. طبلية من السماء وبيت من لحم والعديد من أعماله التي يمكن أن أحولها إلى مسرحيات قصيرة, يوما ما سوف أقوم بهذه السهرة.
* لماذا لا تفكر في تمثيل الفرافير مثلا?
- لا أعتقد أنها تصلح. هذه الأشياء لا تصلح إلا في عصرها ومن العبث إعادتها ثانية. لقد حاولوا في هوليوود تلوين أفلام شارلي شابلن ولكن الكثيرين اعترضوا على ذلك, وقالوا إن هذه جريمة, لذلك لا أحب إعادة الأعمال القديمة لأن هذا سوف يشوهها.
