في صباح يوم قاتم بارد يوم الثلاثاء 15 يناير 1929م بمدينة أتلانتا كاد التوتر يفتك بالأب الأسود، وأفكاره مركزة حول زوجته (ألبرت) التي عانت أشد العناء في حملها للطفل وبعد ساعات من العذاب ولد الطفل (مارتن لوثر كينج)، وكادت القلوب تتوقف عن الحركة من أجله؛ لأنه بدا ميتا إلى أن صدر منه صراخ واهن، سببه صفعة شديدة للطبيب!!
كانت جذور هذا الطفل (الأمريكي) تمتد بعيدا في التربة الأفريقية التي اقتلع منها أجداده ليباعوا ويشتروا في الأراضي الأمريكية، ولكي تستغل أجسادهم وأرواحهم لخدمة السيد الأبيض.
إلا أن الأب كينج كان ذا تطلعات واسعة، فعمل راعيا لكنيسة صغيرة بعد أن تلقى العلم في كلية "مور هاوس"، وعاش بعد زواجه في بيت صهره "ويليامز" رفيقه فيما بعد في حركة نضال الزنوج، وهي الحركة التي سار فيها مارتن على درب أبيه وجده حتى أصبح أشهر الدعاة للمطالبة بالحقوق المدنية للزنوج.
أنت لست أقل من الآخرين
في أتلانتا المدينة التي كانت تعج بأبشع مظاهر التفرقة العنصرية، كان يغلب على الصبي (مارتن) البكاء حينما يقف عاجزا عن تفسير لماذا ينبذه أقرانه البيض، ولماذا كانت الأمهات تمنعن أبناءهن عن اللعب معه.
ولكن الصبي بدأ يفهم الحياة، ويعرف سبب هذه الأفعال، ومع ذلك كان دائما يتذكر قول أمه "لا تدع هذا يؤثر عليك بل لا تدع هذا يجعلك تشعر أنك أقل من البيض فأنت لا تقل عن أي شخص آخر".
ومضت السنوات ودخل كينج المدارس العامة في سنة 1935، ومنها إلى مدرسة المعمل الخاص بجامعة أتلانتا ثم التحق بمدرسة "بوكر واشنطن"، وكان تفوقه على أقرانه سببا لالتحاقه بالجامعة في آخر عام 1942، حيث درس بكلية مورهاوس التي ساعدت على توسيع إدراك كينج لثنايا نفسه والخدمة التي يستطيع أداءها للعالم.
وفي سنة 1947 تم تعيينه كمساعد في كنيسة أبيه، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الآداب في سنة 1948، ولم يكن عمره يزيد على 19 عاما، وحينها التقى بفتاة زنجية تدعى "كوريتاسكوت"، وتم زفافهما عام 1953، ثم حصل على الدكتوراة في الفلسفة من جامعة بوسطن.
نقطة تحول
في سبتمبر سنة 1954 قدم مارتن وزوجته إلى مدينة مونتجمري التي كانت ميدانا لنضال مارتن.
كان السود يعانون العديد من مظاهر الاضطهاد والاحتقار، خاصة فيما يلقونه من شركة خطوط أتوبيسات المدينة التي اشتهرت بإهانة عملائها من الزنوج، حيث كانت تخصص لهم المقاعد الخلفية في حين لا تسمح لغير البيض بالمقاعد الأمامية، وعليه كان من حق السائق أن يأمر الركاب الزنوج بترك مقاعدهم لنظرائهم البيض، وكان الأمر لا يخلو من السخرية من هؤلاء "النسانيس السوداء"! وكان على الركاب الزنوج دفع أجرة الركوب عند الباب الأمامي، ثم يهبطون من السيارة، ويعاودون الركوب من الباب الخلفي فكان بعض السائقين يستغلون الفرصة، ويقودون سياراتهم ليتركوا الركاب الزنوج في منتصف الطريق!
واستمر الحال إلى أن جاء يوم الخميس أول ديسمبر 1955، حيث رفضت إحدى السيدات وهي حائكة زنجية أن تخلي مقعدها لراكب أبيض، فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال البوليس الذين ألقوا القبض عليها بتهمة مخالفة القوانين؛ فكانت البداية.
أم أصرف ذهني ونظري عن الكتاب وأحاول استعادة أهم محطات سيرتي الذاتية لتقديم ما يمكن تقديمه من حصاد هذه السنوات الطويلة من التعامل مع الفن? وفضلت الخيار الثاني.. رحلة المعاناة الطويلة لعل القاسم المشترك بين سيرة زملائي من الفنانين المخضرمين, الذين رحلوا عن دنيانا رحمهم الله, والذين لايزالون على قيد الحياة, أمد الله في أعمارهم أمثال عبداللطيف فتحي, وأحمد أيوب, وسعد الدين بقدونس, ومحمد علي عبده, وموسى العكرماوي, وصبري عياد, وأنور المرابط, وغيرهم.. الذين سبقوني في السن أو كانوا من جيلي, هو أنهم, جميعاً, عانوا مرّ المعاناة من المجتمع الذي كان يرى في الفن أمراً معيباً وغير مألوف, وخارجاً على تقاليد المجتمع, ومسيئاً لأسماء ومكانة الأسر العريقة والمحافظة ولكن (سوسة) الفن كانت تستهوينا ولهذا قد يجد القارئ في تفاصيل سيرتي التي أحاول أن أكثفها في هذا المقال حكاية مدهشة عن رحلة شاقة وطويلة, عاشها فنان خرج من القاع الاجتماعي, واتخذ قراره بأن يكون فنانا وحسب, في زمن لم يكن فيه المجتمع قد اعترف بالفن وبرسالته وبأهميته, ومن هنا كان علي أن أشق طريقي في أقسى ظرف ممكن وأن أواجه أياماً قاسية بعد أن لفظت العائلة هذا (الولد العاق). حكومية ودينية بالتوازي مع دراستي في المدرسة الحكومية الأميرية (كما كانت تسمى آنذاك) انتسبت إلى مدرسة دينية كان يديرها الشيخ شريف الخطيب, وكان هذا الشيخ قاسياً, حاد الطبع, عصبي المزاج, وكان إبريق الشاي الأخضر لا يغيب من أمامه طوال النهار, وكان كل أب لديه ولد متمرد ويريد تربيته أو (إصلاحه) يذهب به إلى ذلك الشيخ, الذي كان يتفنن في أساليب العقاب حتى أنه ابتدع ثلاثة أنواع من (الفلقة), كل نوع أشد من الآخر وأكثر قسوة. وبالنسبة لنا, نحن التلاميذ الصغار كنا نرتجف أمامه هلعاً وخوفاً من مجرد سماعنا رنة (قبقاب) الشيخ وهو يقترب. في هذه المدرسة تعلمت فروض الصلاة, وحفظ القرآن الكريم وتجويده, والتوحيد, وحسن الخط, وكان كل طفل ملزماً - حين يأتيه الدور - بأن يرفع الأذان وأن يؤم المصلين ظهراً وعصراً, وفيما بعد أدركت مقدار الخدمة الجليلة التي قدمتها لي تلك المدرسة الدينية, إذ تعلمت فيها - إضافة لكل ما سبق - سلامة نطق الأحرف, وصحة مخارج الألفاظ, ومد أحرف العلة, والجزر, والوقف الناقص, والوقف الكامل, والوقف الجائز غير الناقص, والوقف الجائز الناقص, والإدغام بغنة, والإدغام بلا غنة. مقاومة بلا عنف
كانت الأوضاع تنذر برد فعل عنيف يمكن أن يفجر أنهار الدماء لولا مارتن لوثر كينج اختط للمقاومة طريقا آخر غير الدم. فنادى بمقاومة تعتمد مبدأ "اللا عنف" أو "المقاومة السلبية".
وكان يستشهد دائما بقول السيد المسيح عليه السلام: "أحب أعداءك واطلب الرحمة لمن يلعنونك، وادع الله لأولئك الذين يسيئون معاملتك". وكانت حملته إيذانا ببدء حقبة جديدة في حياة الزنوج الأمريكان.
فكان النداء بمقاطعة لشركة الأتوبيسات امتدت عاما كاملا أثر كثيرا على إيراداتها، حيث كان الزنوج يمثلون 70 % من ركاب خطوطها، ومن ثم من دخلها السنوي.
لم يكن هناك ما يدين مارتن فألقي القبض عليه بتهمة قيادة سيارته بسرعة 30 ميلا في الساعة في منطقة أقصى سرعة فيها 25 ميلا، وألقي به في زنزانة مع مجموعة من السكارى واللصوص والقتلة! وكان هذا أول اعتقال له أثر فيه بشكل بالغ العمق، حيث شاهد وعانى بنفسه من أوضاع غير إنسانية، إلى أن أُفرج عنه بالضمان الشخصي.
وبعدها بأربعة أيام فقط وفي 30 يناير 1956، كان مارتن يخطب في أنصاره حين ألقيت قنبلة على منزله كاد يفقد بسببها زوجته وابنه، وحين وصل إلى منزله وجد جمعا غاضبا من الزنوج مسلحين على استعداد للانتقام، وأصبحت مونتجمري على حافة الانفجار من الغضب، ساعتها وقف كينج يخاطب أنصاره: "دعوا الذعر جانبا، ولا تفعلوا شيئا يمليه عليكم شعور الذعر، إننا لا ندعو إلى العنف".
وبعد أيام من الحادث أُلقي القبض عليه ومعه مجموعة من القادة البارزين بتهمة الاشتراك في مؤامرة لإعاقة العمل دون سبب قانوني بسبب المقاطعة، واستمر الاعتقال إلى أن قامت 4 من السيدات الزنجيات بتقديم طلب إلى المحكمة الاتحادية لإلغاء التفرقة في سيارات الأتوبيس في مونتجمري، وأصدرت المحكمة حكمها التاريخي الذي ينص على عدم قانونية هذه التفرقة العنصرية. وساعتها فقط طلب كينج من أتباعه أن ينهوا المقاطعة ويعودوا إلى استخدام سيارات الأتوبيس" بتواضع ودون خيلاء"، وأفرج عنه لذلك.
حق الانتخاب
في يونيو 1957 وهو في السابعة والعشرين من عمره، أصبح مارتن لوثر كينج أصغر شخص وأول قسيس يحصل على ميدالية "سينجارن" التي تعطى سنويا للشخص الذي يقدم مساهمات فعالة في مواجهة العلاقات العنصرية.
وبهذه المناسبة وأمام نصب [إبراهام لينكولن] وجه كينج خطابه الذي هاجم فيه الحزبين السياسيين الرئيسيين (الجمهوري والديمقراطي) وردد صيحته الشهيرة: "أعطونا حق الانتخاب"، ونجحت مساعيه في تسجيل خمسة ملايين من الزنوج في سجلات الناخبين في الجنوب.
وفي 19 سبتمبر كان يزور أحد المحلات المملوكة للبيض والواقعة في قلب (جرهارلم)، وحينما اتخذ مقعدا، وبدأ يوقع على الأتوجرافات ظهرت فجأة امرأة وأخذت تسبه وتلعنه، ثم أخرجت فتاحة خطابات ودفعتها بأقصى ما تستطيع إلى صدر كينج الذي كاد يفقد حياته قبل أن ينقل للمستشفى. وحين استجوبت الشرطة المعتدية عللت دافعها بأسباب عديدة غير مترابطة فتقرر إيداعها في إحدى مستشفيات الأمراض النفسية!
وفي عام 32 كان عبد الوهاب قد نضج واشتهر في كل أرجاء المعمورة والأقطار العربية، وذات ليلة عرض عليه "توفيق المردلي" صديقه الاشتغال بالسينما، وذهبا معا إلى المخرج "محمد كريم" مخرج جميع أفلامه. وكانت أغاني عبد الوهاب في تلك الفترة هي "كلنا نحب القمر"، و"يا جارة الوادي"، "على غصن البان"، و"خايف أقول اللي في قلبي"، و"اللي انكتب على الجبين"، وتم اللقاء الذي أثمر أول فيلم غنائي للمطرب الأول في مصر، وتم إخراج الفيلم في باريس؛ لأن مصر لم يكن فيها استديو للأفلام الناطقة، وكان أجر عبد الوهاب في فيلم "الوردة البيضاء" 450 جنيها وقصة الفيلم قد اشترك فيها كل من "سليمان بك نجيب"، و"محمد كريم"، و"توفيق البردنلس" وشارك أيضا عبد الوهاب بأفكاره، وقام الشاعر "أحمد رامي" بتأليف أغاني الفيلم من ضمنها أغنية يا "وردة الحب الصافي"، ونجح الفيلم نجاحا كبيرا، وتوالت بعد ذلك الأفلام، ومن أشهر أغاني عبد الوهاب في أفلامه: "النيل نجاشي إجري إجري"، و "ما أحلاها عيشة الفلاح"، و"يا وبور قولي"، و"أوبريت مجنون ليلى"، "المية تروي العطشان"، و"مشغول بغيري"، و"حكيم عيون"، و"حنانك بي يا ربي"، و"انسى الدنيا"، وقصيدة "الخطايا"، و"يا قلبي مالك محتار"، كما غنى عبد الوهاب للملك فاروق، وأيضا بعض الأناشيد الدينية بصوته. وكان آخر أغانيه هي "من غير ليه". الحياة والفن تزوج عبد الوهاب من نهلة القدسي، وأنجب منها أربع بنات، وولدا. ولحن لمعظم المطربين وبعض المطربين العرب أكثر من 700 لحن، كما لحن لأم كلثوم والذي وصف لقاءاته بها بلقاء السحاب في أغنية "انت عمري"، و"على باب مصر"، و"أنت الحب"، و"أمل حياتي". وكذلك لحن لـ"عبد الحليم"، و"كارم محمود"، و"نجاة"، و"فايزة أحمد"، وغيرهم من المطربين. حصل عبد الوهاب على جوائز وشهادات تقدير، وكرمه الملك فاروق والرئيس عبد الناصر والرئيس السادات الذي أعطاه الدكتوراة الفخرية والرئيس مبارك، وكُرم من خارج مصر، فكرمه الرئيس بورقيبة، والملك حسين، والملك الحسن الثاني، والملك فيصل، كما حصل على دكتوراة فخرية من إحدى جامعات أمريكا. وعلى ضوء هذا الاستعراض نقول: إن جهود عبد الوهاب كرائد للسينما الغنائية، وما قدمه من ألحان وموسيقى تصويرية وخواطر موسيقية بعد أن انتقل من التخت إلى الأوركسترا واتجاهه للمنهج العلمي بتقديم الموسيقى الموزعة توزيعا أوركتسراليا والإقدام على المزج بين الموسيقى العربية والموسيقى الغربية وبالأخص الموسيقى الراقصة سواء بالنقل أو التأثير أو الاقتباس فأحدث بذلك ثورة في الموسيقى العربية بصفة عامة وفي السينما الغنائية بصفة خاصة ـ كل هذا يجعله يستحق لقب "موسيقار الأجيال". توفي عبد الوهاب عام 92 عن عمر جاوز التسعين عاما. ومرت الأيام ومارتن يحاول ترسيخ فلسفته في النضال من أجل حقوق الزنوج، ولكن دون عنف حتى تلقى ضربة عنيفة لم يكن متأهبا لها كانت كفيلة بأن تقضي عليه كرمز يحتذى به وتعصف بأفكار ونضاله ضد العنصرية، ففي يوم الأربعاء 17 فبراير 1959 ألقى البوليس القبض على كينج في مكتب كنيسته بأتلانتا بتهمة التزوير في تقديم إقرارات ضريبة الدخل، ثم أفرج عنه بكفالة معربا عن دهشته البالغة من تلك التهم، وذكر أنه "ولو لم يدع الصلاح الكامل إلا أن الفضيلة الوحيدة التي يتمسك بها هي الأمانة"، وسرعان ما بدا بوضوح أن القضية التي رفعتها الولاية عليه كانت مرتكزة على أساس بالغ الضعف.
في السجن الانفرادي
وبعد تولي "كيندي" منصب الرئاسة ضاعف كينج جهوده المتواصلة لإقحام الحكومة الاتحادية في الأزمة العنصرية المتفاقمة إلا أن كيندي استطاع ببراعة السياسي أن يتفادى هجمات كينج الذي كان لا يتوقف عن وصف الحكومة بالعجز عن حسم الأمور الحيوية.
ومن هنا قرر كينج في أواخر صيف عام 1962 بدء سلسلة من المظاهرات في برمنجهام، وعمل على تعبئة الشعور الاجتماعي بمظاهرة رمزية في الطريق العام، وفي اليوم التالي وقعت أول معركة سافرة بين الزنوج المتظاهرين ورجال الشرطة البيض الذين اقتحموا صفوف المتظاهرين بالعصي والكلاب البوليسية، ثم صدر أمر قضائي بمنع كل أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية وأعمال المقاطعة والاعتصام؛ فقرر كينج لأول مرة في حياته أن يتحدى علانية حكما صادرا من المحكمة، وسار خلفه نحو ألف من المتظاهرين الذين كانوا يصيحون "حلت الحرية ببرمنجهام"، وألقي القبض على كينج وأودعوه سجنا انفراديا، وحرر خطابا أصبح فيما بعد من المراجع الهامة لحركة الحقوق المدنية، وقد أوضح فيه فلسفته التي تقوم على النضال في إطار من عدم العنف.
إيقاع الخصم في خطئه
وبعد خروجه بكفالة واصل قيادته للحركة، ثم برزت له فكرة تتلخص في هذا السؤال: ماذا أنت صانع بالأطفال؟ إذ لم يكن إلا القليلون على استعداد لتحمل المسئولية التي قد تنشأ عن مقتل طفل، ولكنه لم يتردد كثيرا فسمح لآلاف من الأطفال باحتلال المراكز الأمامية في مواجهة رجال البوليس والمطافئ وكلاب بوليسية متوحشة فارتكبت الشرطة خطأها الفاحش، واستخدمت القوة ضد الأطفال الذين لم يزد عمر بعضهم عن السادسة، ثم اقتحم رجال البوليس صفوفهم بعصيهم وبكلابهم؛ مما أثار حفيظة الملايين، وانتشرت في أرجاء العالم صور كلاب البوليس وهي تنهش الأطفال، وبذلك نجح كينج في خلق الأزمة التي كان يسعى إليها، ثم أعلن أن الضغط لن يخف، مضيفا: "إننا على استعداد للتفاوض، ولكنه سيكون تفاوض الأقوياء فلم يسع البيض من سكان المدينة إلا أن خولوا على الفور لجنة التفاوض مع زعماء الزنوج، وبعد مفاوضات طويلة شاقة تمت الموافقة على برنامج ينفذ على مراحل بهدف إلغاء التفرقة وإقامة نظام عادل وكذلك الإفراج عن المتظاهرين، غير أن غلاة دعاة التفرقة بادروا بالاعتداء بالقنابل على منازل قادة الزنوج؛ فاندفع الشباب الزنجي لمواجهة رجال الشرطة والمطافئ، وحطموا عشرات السيارات، وأشعلوا النيران في بعض المتاجر، حتى اضطر الرئيس كنيدي لإعلان حالة الطوارئ في القوات المسلحة، وسارع كينج محاولا أن يهدئ من ثائرة المواطنين، وكان عزاؤه أن من اشتركوا في العنف من غير الأعضاء النشطين المنتظمين في حركة برمنجهام، وما لبث أن قام بجولة ناجحة في عدة مدن كشفت عن البركان الذي يغلي في صدور الزنوج تحت تأثير مائة عام من الاضطهاد.
الحلم.. والثورة
تلقى زنوج أمريكا درسهم من الأحداث العظام فقاموا في عام 1963 بثورة لم يسبق لها مثيل في قوتها اشترك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفا من البيض متجهة صوب نصب لنيكولن التذكاري، فكانت أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية، وهنالك ألقى كينج أروع خطبه: "أنا أحلم" التي قال فيها: "إنني أحلم اليوم بأن أطفالي الأربعة سيعيشون يوما في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم".
ووصف كينج المتظاهرين كما لو كانوا قد اجتمعوا لاقتضاء دين مستحق لهم، ولم تف أمريكا بسداده "فبدلا من أن تفي بشرف بما تعهدت به أعطت أمريكا الزنوج شيكا بدون رصيد، شيكا أعيد وقد كتب عليه "إن الرصيد لا يكفي لصرفه".
فدقت القلوب وارتجفت، بينما أبت نواقيس الحرية أن تدق بعد، فما أن مضت ثمانية عشر يوما حتى صُعق مارتن لوثر كينج وملايين غيره من الأمريكيين بحادث وحشي، إذ ألقيت قنبلة على الكنيسة المعمدانية التي كانت وقتذاك زاخرة بتلاميذ يوم الأحد من الزنوج؛ فهرع كينج مرة أخرى إلى مدينة برمنجهام، وكان له الفضل في تفادي انفجار العنف.
جائزة نوبل
في العام نفسه أطلقت مجلة "تايم" على كينج لقب "رجل العام" فكان أول زنجي يمنح هذا اللقب، ثم حصل في عام 1964 على جائزة نوبل للسلام لدعوته إلى اللاعنف، فكان بذلك أصغر رجل في التاريخ يفوز بهذه الجائزة -35 عاما-. وكان محمود محمد الطناحي واحدًا من أبرز هذا الجيل، اتصل بالتراث العربي مبكرًا.. ناسخًا ومحققًا، حتى صار من خبرائه المعدودين في العالم، ولازم شيخ العربية محمود محمد شاكر وتوثقت صلته به، فأفاد منه علمًا غزيرًا، وهو إلى جانب ذلك حجة في فنون العربية وآدابها، بصير بعلومها، متقن للقرآن وقراءاته، كثير الرواية، حلو الحديث لا يمل جليسه. المولد والنشأة في إحدى قرى محافظة المنوفية، ولد محمود محمد الطناحي في (23 من ذي الحجة 1353هـ = 29 من مارس 1935م)، وانتقل إلى القاهرة مع أسرته وهو في الثامنة من عمره إلى حي الدرب الأحمر بوسط القاهرة التاريخية، وبعد أن حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة التحق بمعهد القاهرة الديني التابع للأزهر، وحصل منه على الشهادة الابتدائية ثم الثانوية في سنة (1378هـ = 1958م)، والتحق بكلية دار العلوم ولم يواصل طريقه في الجامعة الأزهرية. وفي ذلك الوقت اتصل بفؤاد السيد أمين المخطوطات في دار الكتب الذي أعجب بذكائه وشغفه بالمعرفة، فعهد إليه بنسخ بعض المخطوطات لحساب بعض المستشرقين الذين كانوا يترددون على دار الكتب، فنسخ أجزاءً من كتاب الوافي بالوفيات للصفدي وكنز الدرر لابن أيبك الداوردي، والمغازي للواقدي.. لكنه يذهب في بعثة دراسية إلى بريطانيا ليكمل دراسته العليا, فيحصل على الدكتوراه في مسرح برنارد شو من جامعة برمنجهام, ويعود إلى مصر بعد ثورة 23 يوليو في وقت كانت الثورة الفتية تحاول أن تنشئ وزارة للثقافة. ولم يتوقف عن مناقشة قضايا الفقر للزنوج وعمل على الدعوة إلى إعادة توزيع الدخول بشكل عادل إذ انتشرت البطالة بين الزنوج، فضلا عن الهزيمة السنوية التي يلقاها الزنوج على أيدي محصلي الضرائب والهزيمة الشهرية على أيدي شركة التمويل والهزيمة الأسبوعية على أيدي الجزار والخباز، ثم الهزائم اليومية التي تتمثل في الحوائط المنهارة والأدوات الصحية الفاسدة والجرذان والصراصير والبق وما لا يعرف له اسم!!
الاغتيال
وفي 14 فبراير عام 1968 اغتيلت أحلام مارتن لوثر كينج  ببندقية أحد المتعصبين البيض ويدعى (جيمس إرل راي) - James Earl Ray - وكان قبل موته يتأهب لقيادة مسيرة زنجية في ممفيس لتأييد إضراب (جامعي النفايات) الذي كاد يتفجر في مائة مدينة أمريكية.
وقد حكم على القاتل بالسجن 99 عاما، غير أن التحقيقات أشارت إلى احتمال كون الاغتيال كان مدبرا، وأن جيمس كان مجرد أداة!
