الموضوعات في هذا الملف مصفوفة بواسطة الكمبيوتر التقليدي الذي نعرف. والمجلة كلها اخرجت بواسطة نظم كمبيوترية تقليدية ايضا. والمصادر الاصلية التي اخذت منها الموضوعات هي مثلها، لكن محتوى الموضوعات غير تقليدي. والمرحلة الثانية من كل هذا هي ان نرى ما اذا كنا قادرين على استعمال الافكار المحصلة من البحوث الاساسية في النانوتكنولوجيا، اي الافكار عن التجميع الذاتي (للعناصر المكونة) وبناء الوحدات المنتظمة باستعمال الوسائل الكيمياثية حتى نصنع شيثا مفيدا. فاذا صدقت التوقعات الواردة فيها، يكون الكمبيوتر التقليدي الذي ساعدنا في اخراج هذا العدد الى النور، محكوما عليه بالموت في فترة تعتبر قصيرة في عمر الزمن. وهنا اسمح لخيالك بأن يسرح حتى تتصور ما يمكن ان يفعله هذا الكمبيوتر التقليدي، لو كان له بعض من الذكاء الاصطناعي او بعض ذكاء البشر، وهو يعالج مواد تنذره بالموت.
في الواقع، هذا الكمبيوتر التقليدي، على اختلاف انواعه والقدرات، هو الوسيلة الأساسية في أيدي العلماء التي تجعله، في مدى غيرمحدد، يقضي على نفسه بنفسه انما ليدفع المعلوماتية الى طور جديد. وهذا طبيعي، افلم يحدث الفعل نفسه في الالات التي تصنع آلات افضل منها عبر تطور الصناعة والعلوم؟
التغيير لابد منه. بل ان البعض يضع له حدودا زمنية شبه تقريبية مثل بلوغ الرقاقة السيليكونية اقصى قدراتها النهائية بحلول سنة 2020، او انتهاء عصر سيطرة شركة مايكروسوفت على سوق برامج الكمبيوتر الشخصي، او ظهور الكمبيوتر الذي يفوق الانسان ذكاء، فسيكون مستقلا عنه، ويكون قادرا، على ما يقول البعض، على تطوير نفسه بنفسه بل ان البعض يذهب بعيدا الى حد ابتكار روبوتات مجهرية في الحجم عملاقة في القدرة التفكيرية، تعمل في آن معا بناء على برمجة بشرية وعلى استقلالية ذاتية. وهذا يضع حدودا قاسية امام تعقيد المحاكاة التي تجرى بواسطة الكمبيوتر الكوانتي لأنه كلما طالت العملية، ازداد خطر انهيار النتيجة بواسطة اللاتماسك. وقد اصطدم غوري ولافلام بهذه المشكلة عندما حاولا ان يحاكيا نظاما اشد تعقيدا يسمى "المذبذب اللاتوافقي الموجه" الذي يشبه كرة في قصعة توجهها الريح على سبيل المثال. لكن هل نبلغ ذات يوم عصر الروبوت المستقل كليا فنواجه ذلك الرعب الذي تحدثت عنه افلام فرانكشتاين؟
التوقعات ذهبت في الخيال بعيدا. والخيال غير محدود. هل تحقق التوازن الصحيح بين النهوض باعباء العلوم الاساسية والانتباه الى القضايا الجوهرية ؟ - عموما لا. ففي البيئة التنافسية لعالم اليوم، تكون اي شركة لصنع التكنولوجيا المتطورة معرضة للافلاس في غضون ثلاث سنوات او اقل من ذلك في زمن الانترنت فمن الصعب ايلاء اهتمام كبير للبحوث طويلة الامد التي لا ترى فيها مجالس الادارات مهمة عاجلة. لكنها تبقى، كما تظهر الموضوعات الواردة في هذا الملف، قائمة على افتراضات علمية، وعلى تجارب مختبرية  حقيقية. ولم يهتم احد بكون دي ايكازا غير اميركي او بانه لم ينه دراسته في الكلية (باستثناء الحكومة الاميركية التي رفضت منحه تأشيرة عمل عندما حاولت شركة "Cobalt Networks" في ماونتن فيو، كاليفورنيا، ان تستأجره). والتوقعات تراها متفقة حينا ومختلفة، متتاقضه بل لنقل متنوعة حينا اخر. وهذا طبيعي. فالباحث هيوغو دوغاري، رئيس مجموعة بناء الدماغ الالكتروني لدى مختبر "معهد بحوث الاتصالات المتقدمة" في اليابان يتوقع ظهور روبوت على ذكاء يجعل اذكى الناس مجرد كائنات بسيطة، في حين ان بعضهم في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا يرى ان لا حاجة الى مثل هذا الروبوت ذي الاستقلال الناجز عنا. فالأتمتة لم تكن غايتها غير اختصار الوقت وتلافي الاخطاء البشرية فلماذا نخترع روبوتا يتصرف على هواه؟ فهل تنقصنا المخاطر الناتجة عن تطور العلوم والتكنولوجيا؟ الخلافات موجودة في كل حقل من حقول المعلوماتية. فالبعض يتوقع ان يتسع المجال البيني بين الانسان والآلة الى حد اتحادهما. اي بعبارة اخرى، يتوقع هذا البعض ادخال رقاقات كمبيوترية في اهم عضو في الانسان وهو الدماغ. لكن كما رأينا في العدد السابق، يعتبر رئيس قسم علوم الكمبيوتر في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا مايكل ديرتوزوس ان هذه الفكرة سخيفة وانها تنطوي على تلاعب وخيم العواقب بالدماغ نفسه وبالعلاقات بين البشر وبالخصوصية الشخصية! هذه وجهة نظر خبير في الكمبيوتر، فما هو رأي جراحي الجهاز العصبي من وجهة نظر الكمبيوتر؟
هناك المزيد. فالبعض يتوقع، بفضل الفيزياء الجزيئية والكوانتية، ان تزول الحدود الفاصلة بين القطع الكمبيوتر (Hardware) والبرامج  (Software) كأن يستطيع المرء، على سبيل الافتراض، تفريغ رقاقة ليست سوى بضع جزيئات آتية عبر الياف ضوئية في الكمبيوتر الشخصي، بل ان يستطيع تكوين الكمبيوتر الشخصي بنفسه بفضل وصفات تؤخذ بواسطة الانترنت.
عندما تتصور روبوتا مستقلا بنفسه اذكى من البشر يعتريك الخوف. فالأمر لا يقتصر على توفيره مجانا، انما ستكون مصادره الكودية، وهي التعليمات الكامنة في اساس معظم برامج السوفتواير، التي تعتبرها اي شركة جوهرة تاجها، ستكون متوافرة لأي شخص من اجل ان نسخها او يدخل فيها تعديلات. وبتحرير المصادر الكودية من سيطرة شركة واحدة، يمكن لمشروعات مثل Gnome ان تسخر مساهمات الاف المبرمجببن. لكن عندما تتصور، وفق ما يحدثك العلماء عن افاق الفيزياء والكيمياء، اجهزة ذكية تكشف لك مغاليق المادة واسرارها، تراودك امال عظيمة في تخطي مشكلات استعصت على العقل البشري. فهم يفكرون في اختراع آلات لها حواس مختلفة عن حواسنا، ترى ما لا نرى وتفهم ما لا ندرك، بل تفكر بطريقة مغايرة لتفكيرنا، فكيف نتفاهم؟ ليس كل ذلك من قبيل التسلية وان كان ينطوي على شيء من اللهو العقلي، فمن يقومون بالابحاث هم شخصيات ومؤسسات لها باع طويل في دفع الثورة المعلوماتية الى الامام. وهم يعملون علانية وغاياتهم صريحة وان كانت الخطوات البحثية التفصيلية سرية. وباعتباره المبرمج الوحيد في العالم ينال زمالة ماك ارثور لـ "الموهبة"، كان ستولمان واحدا من حفنة اشخاص في العالم قادرين على الاضطلاع بمهمة تطوير نواة جديدة جذريا، وربما كان الوحيد القادر على تحقيق ذلك بيديه وحده. بل ان هؤلاء يخوضون منافسات حامية في حلبة تكنولوجيا المعلومات تنطوي على رهانات عظيمة.
بعضهم يتوقع ان تظهر سيارة ذكية تستطيع تلافي الحوادث حتى لو قصد السائق ان تصطدم. وقد يكون ذلك ممكنا. لكن ماذا يصيب الكمبيوتر الذكي فيها اذا اعطى الأوامر الصحيحة ولم تنفذ؟ او ماذا ان ظهر امامها عائق ضخم لا سبيل الى تلافيه وفق قوانين الميكانيكا والفيزياء الأرضية؟ أو ما يمكن ان يفعل الكمبيوتر الذكي اذا اصابه احباط ويأس شديدين، فهل يدمر كل شيء متل ما فعل بعض البشر؟
هل يحتاج الكمبيوتر فعلا الى اكتساب مهارات مازالت حتى الان من نصيب البشر؟ فتاريخ الحضارات ملطخ بالدماء، فهل ندفع المعلوماتية الى ان ترتكب في المستقبل ما ارتكبناه وما عليه ندمنا؟ بعض الباحثين الشباب ممن اختارتهم مجلة "تكنولوجي ريفيو" باعتبارهم افضل مائة باحث شاب يرى ان لا حاجة الى ان يتطبع الكمبيوتر بطباعنا، وان كل ما يحتاج اليه هو تسريع قدرته الحوسبية لاختصار مزيد من الوقت والارتقاء بالاعمال على اختلافها. وهذا الرأي يبدو معقولا جدا. فالكمبيوتر هو لخدمة الانسان لا العكس، وهو مجرد وسيلة لا غاية في حد ذاته.
لكن ذلك لا يكفي. فتطور الحوسبة ينطوي في حد ذاته على احتمال بلوغنا تلك الافاق المرعبة. فالذكاء الاصطناعي، وان كان بسيطا حتى الان، صار جزءا مكونا في كثير من النظم والآلات. وهو يتطور بناء على مقتضيات عملية لا مجرد اهواء. وهو علم قائم بحد ذاته فالى اين يسير؟ ومثله الشبكات العصبية التي تحاكي ادمغة البشر.
فحتى الان، يبقى ابسط كائن حي اذكى، غريزيا، من اي كمبيوتر عملاق. لكن ذلك قد ينقلب، حتى يتخطى الكمبيوتر، لا ابسط الكائنات، انما الانسان المخصوص بقدرة العقل. لكن العقول متى باينة، فكيف تكون عقول الكمبيوتر؟.. والبشر يندر ان تتقارب اوجه الشبه بينهم لتقترب من التطابق. فكيف تكون الالات الذكية احداها بالنسبة الى الاخرى. وهل يعقل ان يستطيع الباحثون ان ينافسوا عقلا تطور عبر عشرات الاف السنين في مجرد عقود قليلة؟
التوقعات تكون مخيفة وواعدة في ان بقدر ما تخرج عن نطاقي الزمان والمكان. واذا كان ذلك مقبولا على صعيد التفكير، فهل غير ممكن من الناحية العملية بعيدة المدى؟.. فكل ما صنع الانسان حتى الان كان وثيق الصلة بالمكان والزمان، أي بعبارة اخرى، بالحاجات والغايات والمحيط والعلاقات مع الآخرين، والأهم الان السوق.
يمكنك ان تذهب في الخيال بعيدا، وقد تبقى العيون محدقة في المستقبل. لكن الانسان يبقى ثابتا في عالمه الملموس. فكم من المشروعات تبين انها مجرد اضغاث احلام. لكن كم من الخيال العلمي صار واقعا ملموسا. ويمكنك ان ترسم كثيرا من المشروعات الطامحة، لكن ما ان تواجه ادنى مشكلة حتى تتواضع لتتصالح مع شرطي المكان والزمان، لتدرك انك ربما تستطيع ان تفكر وحيدا، لكنك لا تستطيع ان تعمل منفردا. وعندئذ تتواضع فتأخذ الظروف العملية الملموسة بالاعتبار، مدركا انك جزء من كل قد لا يتفق على كل شيء، انما يضع في النهاية حتى من دون تنسيق مقصود، شروط كل شيء، وهذا ما يجعلك عملي النهج ان كنت عالما او مستقبليا، ومطمئنا الى التطورات ان كنت شخصا عاديا.
