في ظل نظام العولمة، وما اتخذ من قرارات دولية تحت رعاية منظمة التجارة العالمية WTO، وبخاصة فيما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع، أصبح مصير صناعة الدواء في العالم بيد الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات، التي صارت تبيع أدويتها "الحديثة" في دول العالم النامي بأثمان باهظة. وما أزمة الإيدز، التي أثيرت مؤخراً، وكذا القضية المثيرة للجدل التي رفعتها شركات الدواء الكبرى في العالم ضد رئيس جنوب إفريقيا السابق، نيسلون مانديلا، إلا مؤشراً على ظهور بوادر أزمة خطيرة في صناعة وتجارة الأدوية الحديثة، سيكون ضحاياها المرضى الفقراء في دول العالم النامي. فماذا عن واقع ومستقبل صناعة الدواء العالمية؟ وما هي حقيقة "أزمة" الإيدز التي فرضت نفسها بقوة خلال الآونة الأخيرة؟
سيطرة وتحكم
في تقرير دولي، نشر حديثاً، حول واقع صناعة الدواء العالمية، في ظل قرارات منظمة التجارة العالمية، ورد أن قوانين حقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع، التي أقرتها المنظمة الدولية، تستغل بشكل سيء من قبل كبرى شركات الدواء في العالم، التي تسعى إلى الهيمنة واحتكار سوق الدواء العالمي.
وكانت مجلة نيوز ويك قد نشرت بعددها الصادر يوم 20 مارس 2001م، تحقيقاً هاماً لكارلاباور، حول شركات الدواء الكبرى ومستقبل تجارة الأدوية الحديثة، ورد فيه: "أن الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات، وبخاصة كبرياتها الخمس (غلاكسوسميث كلاين، ميرك، فايزر، نوفارتيس، وبريستول مايزرسكويب)، هي التي تسيطر الآن على صناعة الدواء في العالم".
وفي كتابه الموسوم "ثورة الدواء"، الذي صدر مؤخراً، كشف البروفيسور محمد رؤوف حامد، الخبير في تكنولوجيا واقتصاديات العولمة لدى الهيئة الاستشارية العليا لمجموعة الدول ال15، عن مدى هيمنة الشركات المتعددة الجنسيات على صناعة الدواء العالمية، وأشار إلى أن سطوة اللاعبين الكبار في مجال الدواء قد امتدت إلى قوانين حماية الملكية الفكرية وبراءات الاختراع، وأن هؤلاء اللاعبين قد اطمأنوا بعد توقيع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية على سريان هذه القوانين، مما دفعهم إلى اتخاذ إجراءات جديدة بخصوص أنشطتهم البحثية والتسويقية؛ وذلك من خلال اتجاهين رئيسيين:
= الأول: يختص بإعادة هيكلة هذه البحوث من خلال التغيير في الأهداف وفرق العمل، ومن خلال التحالفات الاستراتيجية في مجال البحوث، وكذلك من خلال عميات شراء الشركات لبعضها البعض.
= الثاني: يختص بتقليص الفترة الزمنية اللازمة لتقييم الدواء على جسم الإنسان، حيث يؤدي ذلك إلى زيادة الفترة الزمنية الخاصة بالاستفادة من حقوق الملكية الفكرية. فتطبيق قوانين حماية الملكية الفكرية TRIPS، يعنى وفقاً لقواعد منظمة التجارة العالمية، تطبيق الحماية لكل من العملية الابتكارية PROCESS والمنتج PRODUCT، لمدة لا تقل عن عشرين سنة.
إن ما يتخذه اللاعبين الكبار في صناعة الدواء، وبخاصة الشركات الخمس العالمية، من إجراءات تتعلق بالمواصفات الدوائية المقبولة عالمياً، يشكل تحدياً مستمراً ومتصاعداً على الدوام أمام الشركات الدوائية الأخري، ليس فقط في دول العالم النامي، بل وحتى في بعض الدول الغربية المتقدمة، مثل إيطاليا وإسبانيا، وكذلك دول النمور الآسيوية مثل كوريا الجنوبية. ومن الجدير بالإشارة هنا إلى أن هذا التحدي يوقع عبئاً كبيراً على كاهل جميع شركات الدواء المتخصصة في إنتاج المستحضرات التي زالت عنها براءات الاختراع. فنحن الصناعيون نحاول ليل نهار تجنيب المواطن والمستهلك عموماً أية أضرار جانبية للصناعة عموماً وللمنتجات الصناعية خصوصاً، ونضع لذلك أولوية خاصة في خططنا للإنتاج الصناعي، ولكن يبدو أن الساسة عندما يتخذون القرار بدخول الحرب لا يقدرون خسارة المال والروح فقط بل لا يتذكرون أصلاً ما هم مقدمين عليه من أضرار بيئية قد تعاني منها الأجيال الحالية والقادمة. ولقد حاولت هذه الشركات حتى في أوروبا الغربية وأمريكا وكندا، الاشتراك في المؤتمر الدوري الخاص بتوافق المواصفات الدوائية، للحفاظ على مصالحها كشركات منتجة. إلا أن محاولاتها المتكررة قد باءت بالفشل، مما دعا الجمعيات التي تنتمي إليها هذه الشركات، والتي تعرف باسم جميعات منتجي الأدوية الجنسية، أي التي تباع بأسمائها النوعية، في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا وكندا، إلى تكوين تحالف دولي جديد لمنتجي الأدوية الجنسية. وكان روب راسب، الرئيس التنفيذي لهذا التحالف، قد صرح بأن الهدف الأساسي من إنشائه هو السعي للجلوس على مائدة المؤتمر الدولي لتطوير المواصفات الدوائية، وذلك بعد أن فشلت جمعيات منتجي الأدوية الجنسية في أوروبا وأمريكا، في الحصول منفردة على حق الجلوس على مائدة هذا المؤتمر.
أزمة الإيدز
في ظل هيمنة الشركات المتعددة الجنسيات على صناعة وتجارة الدواء العالمية، والتي صارت تتحكم بكل منتج دوائي حديث تبيعه لمن تريد وبالسعر الذي تريد، تفجرت في الآونة الأخيرة أزمة دوائية دولية تتعلق بأدوية الإيدز، حيث غالت الشركات الكبرى التي تتحكم في صناعة أدوية الإيدز، وهي للعلم أدوية لا تقضي على الفيروس (إتش. آي.في) المسبب للمرض وإنما فقط توقف نشاطه إذا أخذت بجرعات يومية وبشكل دائم على مدار العام، في رفع أسعارها. خذ على ذلك مثالاً؛ إن دواء كربكسيفان، وهو دواء حديث للإيدز، من إنتاج شركة ميرك، يكلف المريض في الدول الأفريقية 600 دولاراً أمريكياً في العام، طبقاً للأسعار المخفضة التي أعلن عنها أخيراً، بينما دواء آخر حديث للإيدز، يدعى كومبيفير، من إنتاج شركة غلاكسوسميث كلاين، يكلف المريض في الدول الأفريقية 730 دولاراً أمريكياً في العام، بعد تخفيض سعره أخيراً إلى عشر ثمنه السابق.
وإذا علمنا أن دخل الفرد في كل الدول الأفريقية، متدني إلى حد أنه لا يكفي لسد الاحتياجات اليومية الضرورية للأسرة، فلنا أن نتخيل معاناة مرضى الإيدز الذين يعرفون أن هناك أدوية يمكن بواسطتها وقف نشاط الفيروس الخطير المسبب لمرضهم، ومع ذلك لا يستطيعون شرائها.
لقد أشعلت الأسعار المبالغ فيها لأدوية الإيدز مشاعر الغضب في دول شرق آسيا وبخاصة تايلند والفلبين، وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ضد شركات الدواء الكبرى. تقول كارلا باور؛ في الوقت الذي يجتاح فيه مرض الإيدز العالم، فإن مشاعر الغضب تتركز على الشركات الكبرى لصناعة الأدوية بطريقة لم تحدث من قبل، وكأن على هذه الشركات أن تقوم بخطوة ما.
وفي البرازيل، أعلن وزير صحتها خوسيه سيرا، أن بلاده تخطط لإلغاء براءة الاختراع لعقار رئيسي ضد الإيدز، من إنتاج شركة ميرك، بسبب ارتفاع ثمنه واحتياج المرضى له. وفي رد سريع وعملي على هذا التصريح، أعلن مسؤول في مكتب التمثيل التجاري الأمريكي أن شكوى بهذا الخصوص في طريقها إلى منظمة التجارة العالمية، واعتبرت واشنطن أن هذا يعد تمييزاً ضد البضائع الأجنبية بحسب ما ورد في نص الشكوى.
مانديلا في قفص الإتهام
وكانت 41 شركة أدوية يتزعمها الخمس الكبار عالمياً، قد قامت برفع قضية في المحكمة العليا في بريتوريا، جنوب أفريقيا، ضد الرئيس السابق نيلسون مانديلا وعدد من كبار المسؤولين في حكومته. والسبب هو قانون سبق إصداره عام 1997م، وما زال سارياً إلى الآن، ترى الشركات أنه يهدد براءات اختراعاتها، وما يتبع ذلك من امتيازات. مع العلم أن دولة جنوب أفريقيا بها أكثر من 5،4 مليون شخص مصاب بالإيدز.
وكان جين بيرغارنيير، الرئيس التنفيذي لشركة غلاكسوسميث كلاين، قد صرح بأن شركته وحلفاؤها جادون في حماية براءات اختراعاتهم، حتى ولو خاطروا بالظهور بمظهر البخيل.
وقد أثارت هذه القضية غضب الرأي العام، ليس في جنوب إفريقيا وحسب، بل في عدة دول إفريقية وغربية أيضاً، حيث تظاهر ناشطون في جماعة تسمى "التحرك للعمل" أمام مكتب شؤون علاقات المستثمرين لشركة غلاكسوسميث كلاين في نيويورك واتهموها "بالربح من أموال الدم"، وقاموا بقذفها بزجاجات الأدوية الفارغة، وقالوا في هتافاتهم "إن غلاكسوسميث كلاين سفاحون عالميون".
وفي جنوب أفريقيا انضم ناشطون في مكافحة الإيدز إلى جانب الحكومة بالتظاهر أمام المحكمة التي تنظر في القضية. وصرح توني كاسبر، منسق حملة الحصول على الأدوية الضرورية بالأسعار المناسبة، التي تقوم على أمرها منظمة أطباء بلا حدود؛ إن شركات صناعة الدواء تفتعل الضجيج حول عملها في تحسين طرق وصول الدواء إلى الجميع. وهذه فرصتهم للقيام بعمل في هذا المجال، وها هم يرفعون قضية للحيلولة دون ذلك. وتقول فيكي اهريتش، رئيسة قسم العلاقات الخارجية لقضايا الإيدز؛ إن القضية في جوهرها تتعلق بقانون غامض حول براءات الاختراع. وكان من نتيجة ذلك المزيد من الدمار والخراب في الجنوب وإيقاف مشروعات التنمية فيه تماماً، بل وتعطيلها في كل أنحاء البلاد لما يكلفه التمرد من أموال طائلة بالإضافة إلى إزهاقه للأرواح التي قدرت بحوالي مليون ونصف المليون حتى الآن وتشريد ما لا يقل عن مليونين من الجنوبيين، لجأ أغلبهم إلى شمال البلاد (فكيف يدعى المتمردون أنهم يقودون حرباً أهلية بين الشمال والجنوب؟)، وتوزع قليل جداً منهم بين دول الجوار الجنوبية. ومن أهم آثار التمرد السلبية الأخرى أن دخل الجيش السوداني في المعترك السياسي بالانقلاب على الحكومات الديمقراطية التي كان دائماً يسيطر عليها حزبا الطائفتين، مما جعل الوضع السياسي أكثر تعقيداً إذ أصبح سداسي الأضلاع Hexagonal (الحزبان التقليديان والحزبان الأيديولوجيان والجيش والمتمردون)، فأصبحت الجوانب الاقتصادية والتنموية أكثر إهمالاً من ذي قبل. إن براءت الاختراع يجب ألا تحول دون الحصول على الدواء.
وفي ردها ترى شركات صناعة الدواء، أن قانون براءات الاختراع لا يحول دون الحصول على الدواء، بل هو عدم وجود الإرادة السياسية والبنية التحتية، للرعاية الصحية في الدول التي تعاني من مرض الإيدز.
خاتمة
ويتساءل جيري د. ساكس، مدير مركز هارفارد للتنمية الدولية، "ما الذي قدمه الغرب المتخم للمرضى الفقراء في دول العالم الثالث؟ لا شيء".
إنه ينبغي الإسراع بإقامة "صندوق عالمي للإيدز" تحت رعاية منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للإيدز، يقوم بشراء الأدوية بسعر مخفض من المنتجين الرئيسيين، ثم يوزعها مجاناً على الدول الفقيرة. وتشير تقديرات التكلفة إلى أن على الولايات المتحدة الأمريكية الإسهام بحوالي 5 مليارات دولار أمريكي سنوياً، في إطار جهد شامل لمقاومة الإيدز والملاريا والسل والأمراض الفتاكة الأخرى، والتي ستكون ضمن حقيقة كونية، تتراوح تكاليفها ما بين 10 و20 مليار دولار أمريكي سنوياً، لأجل إفريقيا. فهل تستجيب أمريكا لذلك؟ وبما أن الدخل القومي الأمريكي السنوي يبلغ الآن 10 تريليونات دولار أمريكي، فإن مليارات الدولارات الخمسة، ستمثل حوالي 5 سنوات من كل 100 دولار أمريكي من الدخل القومي الأمريكي. إن مثل هذا الجهد المتواضع، يمكن أن ينقذ عدة ملايين من الأرواح سنوياً.
ونقول...
ويبرّر ضعف هذه الاختلالات الهيكلية بدوره الحاجة إلى تقىيم ظاهرة البطالة في المجتمع السعودي وتوزيعاتها وإسقاطاتها حسب فئات المجتمع بحكم ما يمكن أن تعكسه من آثار على مستوى الرفاه الاقتصادي والأمن الاجتماعي للفرد والمجتمع على حدٍ سواء. وهذا ما يبرر أيضاً ضرورة الاهتمام بدراسة سوق العمل، وارتباطها بمكونات الاقتصاد الكلي وفعالياته، وأثرها على تحقيق التوازن في محددات عنصر العمل ضمن جملة المحددات الهيكلية لاستراتيجيات التنمية الاقتصادية ووضع حزمة السياسات الاقتصادية التصحيحية ذات العلاقة المباشرة بها. واقع جديد في فرص السعودة وهنا يتضح أن الاستحقاقين الزمني والموضوعي لتفسير ظاهرة البطالة في الاقتصاد السعودي متلازمان بحيث يصعب الفصل بينهما دون الإخلال بمسار ومضمون ونتائج التحليل الاقتصادي الكلي، إذ لم يكن أمام التصدي لمتطلبات المشروعات التنموية في بداية فترة الطفرة ووضوح العجز في قوة العمل الكلية المتاحة، والوطنية على وجه الخصوص، إلاّ اللجوء إلى استقدام العمالة الوافدة لسد الفجوة بين العرض والطلب في سوق العمل، لأن البديل عندئذ كان يعني ترك الموارد الاقتصادية الرئيسية الأخرى، خاصة رأس المال المتنامي، دون مستوى التوظيف الكامل والاستخدام الأمثل، وما يعنيه ذلك من تأثير سلبي على معدلات نمو الاقتصاد. ولم يكن هناك بُد، عندئذ، من الأخذ بالخيار الأول. غير أنه مع تغير هيكل الاقتصاد السعودي وتنوُّعه وتطوُّره ومرور أكثر من ثلاثة عقود زمنية على صدور خطة التنمية الأولى في عام 1970م واختلاف التركيبة السكانية في المملكة العربية السعودية بمحدداتها المتعددة كمّاً ونوعاً، فإن من الواضح الآن أن السياسات التي اتبعت في الماضي لم تعد مناسبة للاقتصاد السعودي بهيكله المتطور الحالي. وبعبارة أخرى، فإن هذا الواقع الجديد هو الذي خلق الدعوة الملحَّة لتوطين الوظائف "السعودة" والاهتمام بمسألة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية. ومع انحسار فرص التوظيف في القطاع العام مع بداية خطة التنمية السادسة في عام 1995م، اتجهت الأنظار نحو القطاع الخاص ليقوم بدور الموظِّف الأول في الاقتصاد وأن عليه أن يستوعب الأعداد المتزايدة من الشباب السعودي من الجنسين القادمين إلى سوق العمل. إذا كان هذا ما يراه جيفري د. ساكس، مدير مركز هارفارد للتنمية الدولية، فإننا نشير إلى حقيقة هامة على دول العالم النامي النظر إليها بعين الاعتبار، في ظل نظام العولمة، وجشع شركات صناعة الدواء العالمية، هي أنه لا مناص من السعي الجاد إلى تحقيق الأمن الدوائي لمواطني هذه الدول، عن طريق العناية القصوى من جانب حكوماتها بتطوير المختبرات والمراكز البحثية الوطنية، وتوفير كافة الإمكانات للباحثين والعلماء من أجل الكشف عن العلاجات الدوائية المناسبة للأمراض المختلفة. كما أن دول العالم النامي في حاجة إلى تكوين التحالفات الاستراتيجية،على مستوى الشركات وعلى مستوى الدول، من أجل تأمين التوصل إلى الأدوية التي يحتاجها المرضى، وكذلك من أجل التخفيف من قدرة الشركات العالمية الكبرى على فرض أسعار باهظة لأدويتها في دول العالم النامي، التي ليست فقط في حاجة إلى فهم واستيعاب العولمة، كما تمارسها شركات الدواء العالمية، وإنما أيضاً في حاجة ماسة إلى التحالف من أجل التفاعل الإيجابي مع هذه العولمة. التفاعل الذي يهدف إلى تحقيق المصالح الدوائية لثلاثة أرباع البشر في الكرة الأرضية.
@ مهتم بالشؤون الاقتصادية - المنزلة - جمهورية مصر العربية.
