العراق وطن فيه شعب حي وخيرات كثيرة، وقد تأسست منذ بداية الحكم الوطني مؤسسات وطنية وصناعية متعددة وكليات ثم جامعات متنوعة. وأقبل أبناؤه على التعليم بصورة واسعة، وأثبتوا في المهمات الصعبة في الداخل والخارج مواقع ممتازة، وكان يمكن أن يتطور إلى درجة كبيرة لولا الانقلابات العسكرية الدموية التي أدت إلى حكم جائر بعيد عن الإرادة الوطنية. فتبددت خبرة أبناء الشعب والثورة الوطنية. فلسفة البحث العلمي إن فلسفة البحث العلمي الذي نبتغيه، تقوم بالأساس على التطور السريع والمستمر في فهمنا للواقع الطبيعي الذي نعيش في أجوائه، ووضع آلية التفكير التي توصلنا بركب الحضارة الإنسانية. والمطلوب من البحث العلمي أهداف ومهمات سامية لتطوير الإنتاج الزراعي والحيواني والإداري والصناعي لازدهار البلد وتحسين حياة المجتمع، ولا ننسى أبدًا أخلاقية البحث العلمي، التي أصبحت في كثير من الدول الكبرى. ولأجل أن تتم حركة «بحث وتطوير» لا بد من توفر العناصر الأساسية لتنفيذها والخروج بالعطاءات المرجوة. وسنتناول موضوعين أساسيين فيها وهما: *التعليم الجامعي والبحث العلمي. * القاعدة المادية للبحث والتطوير. أولاً: التعليم الجامعي والبحث العلمي إن بداية البحث العلمي تبدأ من سلامة التعليم بمراحله المتعددة وإلى الجامعي، حيث إن في هذه المراحل تظهر القابليات المتنوعة للطلبة، ومنها بعد ذلك يتيسر الاختيار الأمثل في الاتجاه إلى الأبحاث الجامعية بما فيها الدراسات العليا. وفي الوقت الحاضر هناك خطة تعليمية في بعض الدول تقضي بأن لكل محاضرة هدفًا من إلقائها ويكون هدفها مبحث مناقشة. ومن هذا يبدو مدى تفاعل المناهج الجامعية مع حاجات الحياة. وبالتالي في أبحاث الدراسات العليا تفاعل وتجاوب مع خطط التنمية والتطور الصناعي والاقتصادي والإداري التي تحتاج إليها المصلحة الوطنية. ومن الجامعات تنطلق أخطر المهمات الصناعية المختلفة، ويجب أن يخطط لها بحكمة وبعد نظر وتحسب مصروفاتها وإنتاجياتها وأبعادها المستقبلية الأكثر مواءمة مع الموارد أو المصالح الوطنية. وكلما اندفعنا في البحوث العلمية والتقنية الناجحة نكون قد أسسنا قاعدة متينة للتقدم للأجيال القادمة. والتعليم الجامعي في عصرنا يتميز في الديناميكية والسرعة بالتغير ومواكبة كل جديد. ثانيًا: القاعدة المادية للبحث والتطوير بصورة عامة القاعدة العلمية المادية ضعيفة جدًا تاريخيًا، وفي العقدين الأخيرين لم يجر عليها أي تطور بخصوص الجامعات. أما المنشآت الصناعية الأخرى فقد تدمرت وتبعثرت ولم يبق منها إلا الأرض المخربة أيضًا. بالنسبة إلى الجامعات العراقية فإن المختبرات البحثية فيها قليلة جدًا وقديمة. ونظرًا لأن أسر هؤلاء من مذهب يسمى «القبائل الاثنا عشر»، التي تأبي حيازة شيء ترقبا لمجيء الأجل، فلم يكن بمقدور الدولة أن تضبط ثرواتهم، ودامت الغرامات التي جاوزت المليون يورو غير مسددة، حيث إن ما يجمعون عليه من دخل ينقص عن الحد الأدنى للحياة، وبالتالي لا يحق للسلطات خصم شيء منه. أمام القضاء من جديد وفي مسعى جديد من الأب للتأثير على المحكمة الثانية، كما فعل مع القاضي الأول، طلب مراجعة البرامج التعليمية في الكثير من المواد، للصفوف من الأول الابتدائي، وحتى الصف العاشر، لكن القاضية قررت قصر مراجعة الكتب على مادة الأحياء، وتوصل الخبراء الذين هيأوا تقريرهم عن هذه الكتب إلى وجود بعض الأمثلة عن الثقافة الجنسية تخدش الحياء فعلاً. إلا أن القاضية رأت أن أنظمة التعليم في كافة الولايات ترخص بتقديم مطلب للسماح من إحدى الحصص، علاوة على وجود ذرائع أخرى تفرض إتباعهم بالمدرسة، من أهمها: ü أخذ الأطفال خبرات اجتماعية من خلال الاحتكاك مع نظرائهم، مثل كيفية حل النزاعات، وتعلم التسامح مع الآخرين الذين يدينون بأديان أخرى، أو يتبنون آراء فكرية مغايرة، زيادة على تعلم التفكير الحر، والقدرة على اتخاذ القرارت النابعة من القناعات الذاتية. ü تحقيق مبدأ تساوي الفرص، من خلال منح الأطفال الحظوظ نفسها من التعليم، والحصول على الشهادات الدراسية نفسها، وبالتالي الحصول على الوظيفة أو الحرفة التي تتفق مع ميولهم، وليس بسبب عدم حصولهم على الخبرات والمعلومات المطلوبة. أكبر معهد تعليمي في العالم لا يملك صفًا ولا أثاثًا وأطلقت المحكمة في مطلع الشهر الماضي حكمها الرافض لتلاحق تعلم الأطفال في البيت، ولكن الأسرة لم تعبأ بذلك، وتوضح الأم ـ التي لم تحصل إلا على الشهادة المتوسطةـ أنها قادرة على تعليم جميع المواد لأولادها وبناتها حتى الصف العاشر، أي إلى نهاية طور التعليم الجبري. موضحة أنها تعتمد في تدريسها على المنهاج الذي وضعته (مدرسة فلادلفيا) التي تتبع طائفتها الدينية. ولهذا فالإمكانات البحثية فيها محدودة جدًا حتى في جامعة بغداد والجامعة التكنولوجية وجامعة المستنصرية وجامعتي الموصل والبصرة. لهذا نحتاج إلى جهود مضنية وتوفير الأموال اللازمة لتأسيس مختبرات بحوث متقدمة، نحن الآن في أمس الحاجة إليها. فضلاً عن ذلك فإن البحث العلمي والتكنولوجي في عصرنا لا يحتاج إلى قاعدة علمية بحثية واسعة وقابلة للتطور الدائم بما يستجد من أجهزة متقدمة فقط، ولكن في الوقت نفسه بحاجة إلى ورش تقنية متقدمة عالية الدقة وتعمل بالعقول الإلكترونية. وهذا ما هو موجود في جامعات العالم المشهورة. وما لم ننظر إلى واقعنا الحالي لا نستطع أن نضع مقياسًا للمستقبل، إن كليات جامعاتنا العريقة، ولتكن كلية العلوم في جامعة بغداد، تفتقر إلى ورشة فنية صالحة بجميع أقسامها العلمية التسعة، فكيف يتوفر البحث المنتج؟! ونحن نعرف أن أكثر الفتوحات العلمية تظهر من الجامعات ومراكز البحوث المرتبطة فيها. إن مستقبل الأبحاث في العراق لا يكون بأحسن مما كان ما لم تدرس حالة القاعدة المادية، وتوضع خطة شاملة تبنى على أساس حاجة البحث العلمي المتكامل والشامل وترصد لها الأموال اللازمة، ونكون قد خدعنا أنفسنا إذا رضينا بأن نعمل بالموجود كما كنا نرضى صاغرين! في مثال (وإن كان كارثيًا) كيف يمكن أن تنفذ أعلى درجات الأبحاث العلمية إن توفرت القيادة المتجاوبة مع مطالب العلماء؟ عندما كانت حمى تطوير أسلحة الدمار الشامل في سباق مع الزمن أوائل الحرب العالمية الثانية بين الدول المتحاربة، قدم مجموعة علماء في أمريكا، ومن بينهم أينشتين طلبًا إلى الرئيس روزفلت لتخصيص الأموال اللازمة والأجهزة، وإطلاق حرية عملهم دون روتين حتى يمكن أن يحققوا إنتاج القنبلة الذرية، وفعلاً قدم لهم كل ما كانوا يطلبون دون إبطاء، واستطاعوا أن ينتجوا ما أنتجوه قبل غيرهم. ويجب أن نذكر أنهم ندموا وأصبحوا رسل سلام، وقام أوبنهايمر وجماعة معه تطوعًا وليس تجسسًا أو لأغراض مادية بإعطاء أسرار القنبلة الذرية إلى الاتحاد السوفيتي حفاظًا على السلام العالمي، وعرض نفسه للإعدام بغية إيجاد التوازن ومنع استعماله مرة أخرى. البحث والتكنولوجيا الآن في سباق مع الزمن، وعليه فنحن بحاجة ماسة إلى إعادة شاملة وبرنامج محسوب ماديًا وزمنيًا حتى نستطيع استيعاب العقل العراقي وعبقريته، واستغلال القابليات المختلفة في البحث العلمي والتقني في إطار «انفجار المعلومات». وكلنا أمل أن تكون للعراق إدارة مخلصة وحريصة تتابع الأبحاث العلمية، وتحقق متطلباتها اليومية والاستراتيجية، فتستجيب لطموح العلماء بإنشاء قاعدة علمية مادية، تستجيب هي الأخرى بدورها إلى كل ما يمكن أن يطلب منها في ميادين البحث والتطوير، وطبيعية الجامعات، وهي أم العلماء ومستهل الفتوحات العلمية، ليست كافية لسد الحاجة الكاملة للوطن، ولا بد من تأسيس مراكز بحوث تقوم بتلبية الأبحاث الميدانية المباشرة. وبالرغم من أن مراكز البحوث التي سندرجها قد يكون قسم منها قد أنشئ وموجودًا، ولكن العهد السابق لم يعط أي اهتمام لبحوث متقدمة جدية مفيدة بل عدها واجهة للدعاية لا بد منها، لأنها لم تكن تحوي أحدث الأجهزة وتقنيات البحث المتطورة، فضلاً عن أن الحكم المستبد والمبذر للأموال لم يكن بحاجة إلى استثمار شئ من أبحاث هذه المراكز أو أن يربطها ببرامج صناعية تطورية. ومما يجدر ذكره هنا أن مجلس البحث العلمي الذي تأسس في العراق في سنة 1980م، وكان يضم عددًا من مراكز البحوث، وحاول جاهدًا تطوير أبحاثه، وعقد مؤتمرات علمية دولية استفاد منها كثير من علماء العراق، ولكن مع هذا كان مقيد الصرف على القاعدة المادية العلمية المطلوبة، وفي سنة 1989م تم إلغاؤه وبعثرة أجهزته بحجة أنه لم يستطع أن يقدم ما هو مطلوب منه، بدلاً من أن يدرس السبب وتوضع خطة وبرنامج لكل مركز بعدئذ لتنفيذه، بعد إطلاق يد الباحثين والمركز بتوفير المستلزمات المادية للتنفيذ. فكيف نطلب من مركز بحوث تحقيق عمل دون أن تتوفر له المستلزمات اللازمة؟ والآن المراكز التي نرى ضرورة إنشائها أو تطوير أعمالها هي: *مراكز بحوث علمية للتقنيات الحديثة وهذه قد تتضمن بحوث الكهروبصريات، والإلكترونيات، والبوليمرات، والمواد المتراكبة، والاتصالات، والتوصيلية الفائقة في درجات الحرارة العالية والتقنية الحياتية وغيرها من التقنيات الحديثة، ولسنا بصدد مناقشة أهمية هذه، حيث إن كل قارئ في هذا العصر يلمس ويعيش ويستخدم هذه التقنيات ويلاحظ التطور النوعي الدائم في إنتاجها. لذا تكون الحاجة ملحة لتأسيس مراكز بحوث تلاحق التطورات السريعة، وتتعاون مع المؤسسات والمصانع التي قد تنتج أجهزة ذات علاقة بالأبحاث. * مراكز البحوث الطبية من المتفق عليه الآن أن العالم أصبح قرية صغيرة، وبالرغم من ذلك فإننا بحاجة وتنقصنا كثيرًا الأجهزة الطبية الحديثة والمتطورة ذات التقنيات الدقيقة والتي بدونها لا تثمر البحوث الطبية، وبسبب الرواتب القليلة جدًا للأطباء ضعف البحث العلمي كثيرًا، وبرغم التحسن ما زال راتب الطبيب لا يتجاوز 150 دولارًا في الشهر، فكيف تنمو الأبحاث، أو يندفع في الخدمة، ناهيك من البحوث وتطوير الحالة العلمية المادية. يكفي أن نضرب مثلاً: خريجو إحدى السنين (1991م) من الأطباء 864 طالبًا من جميع كليات الطب، هرب منهم خلال سنة تخرجهم 690 طبيبًا وهكذا باقي الدورات التي قبلها وبعدها، حيث كان راتب الطبيب لا يتجاوز ما يعادل دولارين في الشهر (300 دينار عراقي) في سنة 1994م. مما سبق يبدو أننا بحاجة إلى ثورة ناهضة في النشاط الطبي لإرجاع الأمور إلى حالتها الطبيعية، حتى يأخذ العلماء الأطباء بأيديهم المسؤولية ـ فضلاً عن عملهم الروتيني اليومي ـ لأبحاث تتناول الحالة المرضية العامة والأمراض الخطيرة، التي يعانيها الشعب العراقي بسبب ظروف الحياة الصعبة، وإطلاق حرية حركتهم في توفير المستلزمات الضرورية ذات التقنية العالية لعملهم. *مركز بحوث النفط يدرس ويبحث في إنتاج كل ما يمكن استخلاصه من هذه المادة مثل البتروكيماويات، والنايلون، والبلاستك، والأسمدة، والأدوية، والأصباغ، والمبيدات، والمطاط الصناعي وغيرها، فضلاً عن أهمية تطوير إنتاج الزيوت والمشتقات النفطية الأخرى، حيث إن المشتقات الحالية لا تنافس مثيلاتها الخارجية. *مركز البحوث الحيوانية هذا الموضوع لم يعط أهمية خاصة طيلة السنين السابقة، ولم تتبع أبدًا الطرق العلمية الحديثة في تطوير تكاثر الأبقار والأغنام وزيادة عطائها، ونعتمد على استيراد العجول، بينما العراق مؤهل للتربية والتكاثر، وهكذا بالنسبة لباقي الفقرات. إن الوضع رديء إلى درجة أن السوق المحلية مليئة بالحليب والأجبان المستوردة، والمنتج المحلي لا يفي بـ10% من الحاجة الوطنية. ولهذا فنحن الآن نفتقد الأمن الغذائي من هذه الناحية. كما تتوجب الضرورة الاهتمام بالمراكز الآتية: *مركز بحوث الموارد المائية. *مركز بحوث الفضاء. * مركز بحوث الطاقة المتجددة. * مركز بحوث البيئة وحمايتها.
