تمشي .. تحث الخطى .. تلتصق بالجدار الرطب .. تنصت أكثر .. لعل الصوت يدلها على مصدر الضوء الخافت الذي كلما تدنو منه ويخالجها إحساس أنها وصلت .. تفاجأ أنها لا تزال بعيدة.
نقاط مطرية باردة تهطل على رأسها وكتفيها .. تزاد أحيانا وتكون غزيرة .. وتكاد أحيانا أن تتوقف .. ترفع عباءتها وتغطي رأسها لتحمي نفسها من البلل ولكن عباءتها تجمع مياه المطر لتسيل على ثوبها فيرتجف بردا جسدها المرتجف خوفا .. رائحة المطر غريبة في البيوت الخربة .. بيوت بلا أسقف أو أبواب أو نوافذ .. بقايا خربة لبيوت كانت ذات يوم عامرة .. قدماها تغوصان في بحيرات المياه الصغيرة التي تملأ الأزقة والمداخل .. مزيج من الطين والوحل يلطخ ساقيها وثيابها .. تتابع السير .. نباح كلب يليه مواء قطة وأصوات تلاطم وتدافع .
" ما الذي جاء بي إلى هذه الخرابة ؟.. حمقاء .. مجنونة .. لا .. بل الشيطان الذي يسكن عقلي هو الذي يقود خطاي .. لعنة الله علي وعلى أفكاري "
تتأرجح بين العودة والاستمرار .. تود أن تكشف أمرا فكرت طويلا به
" سأستمر .. وليكن ما يكون"
تنتقل بين الغرف .. تستنشق الهواء عله يحمل عطرا .. تتوخى الحرص في خطوتها فقد تدوس على صدى أنفاس .. تلتفت حولها .. ظلمة حالكة.. لا يبدد سوادها إلا برق يومض لثوان قصيرة .. مزيج من الرهبة والخوف .. أما الفضول فهو في ازدياد كلما دخلت غرفة ولم تجد ضالتها .. وعند باب خشبي متآكل ، ترددت قبل أن تدفع الباب بيدها الباردة خوفا .. أنين متوجع صدر من الباب القديم .. دلفت إلى الغرفة الرطبة .. جدران متهالكة.. قطرات ماء تتساقط صفراء مصطبغة بلون السقف المتداعي .. رائحة نتنة أزكمتها .. وللحظة فقط انتشر ضوء في الغرفة .. لحظة لا يمكن عدها بالثواني .. كانت كافية لتلمحها .. امرأة في زاوية الغرفة .. تجلس على حصيرة قديمة بالية .
تراجعت خوفا " أهي شبح ؟.. أم فعلا امرأة .. أم قد تكون من نسج خيالي "
التصقت بالجدار الرطب.. أحست بوخز الأحجار في ظهرها .. لم تأبه .. فهاهي الآن في نقطة اللاعودة .. " سأنتظر حتى يومض البرق مرة أخرى لأتبين إن "
لم تكمل حديثها لنفسها حين سمعت صوتا هامسا يقول لها
" ما بك .. هل أنت خائفة؟؟"
تلعثمت " لا.. نعم .. أنا خائفة .. أنا .. من أنت؟"
أجابتها بمرح" هيا لا تخشي شيئا .. تقدمي واعذريني فأنا لا أملك من أمور الضيافة شيء .. ما رأيك هل تشاركيني الجلوس على الحصيرة "
تقدمت نحوها ولكنها فضلت أن تبقى بعيدة نوعا ما .. جلست على قطعة خشب رطبة في حين سألتها " حسنا .. من أنت ولم أتيت إلى هنا ؟"
" كنت .. كنت .. أبحث .. ربما عنك"
" تبحثين عني؟؟.. ولم ؟؟ في مثل هذه الليلة .. الكل يختبئ في بيته حيث الدفء والراحة ، حتى الحشرات تختبئ في شقوق الجدران ، وأنت تخرجين للبحث عني ؟"
سكتت لحظة ثم أردفت بخبث " آه .. نعم .. نعم ، هل غاب عنك شخص معين "
أجابتها لتنفي عن نفسها تهمة " لا.. أود أن أعرف عنك ومنك أمور كثيرة"
" أمرك غريب " قالت لها
" الرجال عادة هم الذين يبحثون وليس النساء "
اقتربت منها أكثر وهي تحرك قطعة الخشب تحتها .. صوتها .. حديثها .. هي كلها تزيد من جذوة نار الفضول ، تزداد رغبة في الاقتراب لمعرفة من تكون ، مم هي "
تباغتها بسؤال " ألست خائفة الآن؟"
" نعم .. لا.. لا.. فأنا أعلم أنك لا تؤذين النساء .. فقط الرجال لذلك أتيت "
ضحكت بصوت عال وسرعان ما اختلط صوتها بانفجار الرعد الذي اهتزت له الغرفة المتهالكة .. كان الضوء في الغرفة خافتاً ، ينبعث من الأباجورات في جوانب السرير . انتبهت إلى التسارة عن يميني ، و حمدت الله أنها لا زالت مغلقة . كانت زوجتي نائمة طوال الوقت أيضاً . قالت لي : - قرأت برنامج السهرة في هذا الفندق و حجزت طاولة لشخصين .. هل أخبر زوجتي عن المقبرة ؟ قلت لها : - سننتقل من هذا الفندق غداً . قالت : - أنا مرتاحة هنا لا داعي للتغيير .. - أظننا أخطأنا في ذلك .. - هو فندق خمس نجوم ؟ - نعم .. لكن موقعه غير مناسب .. - من أي جانب .. هو في وسط المدينة ؟ - نعم .. ترددت ، لكنها ستعرف ، لا بد و أن تفتح الستارة بعد قليل ، هذا هو طبعها ، و طبع كل مسافر ، يريد أن يعرف ما حوله ، و ما بجواره ، المنظر الخلفي للغرفة .. لم بنوا هذا الفندق هنا ؟ كيف ارتكبوا هذه الحماقة ؟ قلت : على كل حال .. أنا موافق على المكان الذي يعجبك . - خلاص .. يعجبني هذا الفندق .. ادخل الحمام و اطرد عنك كسل النوم . قلت لها : - لا أريد الخروج من الغرفة الليلة .. الظاهر أنني مصاب ببرد ، و علي أن أستريح في الغرفة .. كانت في كامل زينتها ففوجئت بقراري . - هل جئنا إلى هذه المدينة الجميلة للنوم ؟ - الأيام القادمة .. - و هل ينامون في شهر العسل ؟ كنت مكتئباً . أصبت بالاكتئاب منذ خمس سنوات . و كان الموت يزورني كل مساء في هيئة صامتة : جسدي ممدد فوق نعش خشبي طويل ، و عيني مغمضة ، جسدي مغطى بزيت ، و هو غامق و عميق ، و مجموعة الرجال يحملوني إلى المقبرة . يرتعش قلبها في أعماقها كطائر صغير تائه في ليلة مطيرة.. لا يقوى على الطيران بريشه المبلل .. أحست ببرودة شديدة .. بلعت ريقا جف في حلقها وقالت بصوت متردد
" هل أنت هي؟"
" هي .. من تقصدين؟"
" اقصد .. اقصد "
" ها .. تقصدين .. أم الدويس .. نعم أنا هي "
تنظر إليها .. صوتها الدافئ يبعث الشجاعة في عروقها .. تردد لنفسها " هذه المرأة .. بشكلها المثير للشفقة والاشمئزاز .. هي أم الدويس "
تمعن النظر .. إلى وجهها .. صدرها .. ساقيها الممتدتان على الحصير .. ملابسها الرثة .. وبعد تردد تقول " أنت امرأة عادية"
" لا.. لست امرأة عادية .. بل أقل من ذلك .. انظري إلي .. وتمعني في ملامحي "
تحاول أن تميز ملامحها .. يومض البرق .. تسري الرعشة في أطرافها .. تعود إلى الخلف خائفة .." ما بك " تسألها المرأة ..
فتجيب بعد تردد قصير " لاشيء .. أنت . أنت ما بك؟.. هل أنت مريضة .. هل تعرضت لحرق أو .."
تقاطعها " لا.. هذه أنا .. وهذا هو وجهي .. هذا هو شكلي "
فتقول الأخرى" ولكن .. يتناقل الناس عنك حديثا لا ينتهي .. ضياء في وجهك .. عيناك الصافيتان .. رائحة عطرك وشذاك .. الذي تنقل النسائم عبر الحواري والأزقة .. تلتقطه الأنوف فتسلب الألباب .. وكلما صددت عن الرجال .. ازدادوا إصرارا على متابعتك .. و " قاطعتها بحدة " يكفي .. هذا كله هراء .. هاأنا أمامك .. هيا .. انظري إلي ما ترين ؟"
" ولكن "
" لا تقولي .. ولكن .. هيا تقدمي وانظري إلي "
" لكن الرجال الذين لم يتبعوك قالوا عنك ذلك ...وأما الرجال الذين أغويتهم .. فأنت "
تقاطعها بنفس الحدة " لم أقتلهم .. ولم اخطفهم .. هم الذين يجرون وراء الأوهام"
تزدرد ريقها بصعوبة بعد أن تطايرت جوانحها هلعا " أتقولين وهم ؟"
" نعم .. وهم .. كل يضيف إلى شخصي ما يريد .. لوحة لم يكملها الرسام .. وكل يضيف مايعحبه .. الكل يراني كما يريد وليس كما أنا . حين يرونني في الأزقة المظلمة .. أكون كما تريني الآن .. ولكنهم يعمون عن ذلك .... هيا قولي ما تشمين الآن "
لا تجيب .. فعقلها مشغول بترجمة ما سمعت فتكمل الأخرى" أتعرفين ما تشمين ؟.. رائحة المطر بعد أن يتخلل الجدار النتن .. رائحة المياه المختلطة بالأوحال وبقايا الكلاب والقطط الضالة .. انظري حولك وتفحصي هذه الغرفة الحقيرة.. رائحة هذا المكان هو رائحتي .. وتقولين عطر .. أي عطر هذا "
تقول لها بصوت واهن " ولكن كيف يشم الرجال رائحة عطرك الفواح"
أجابتها بهدوء " كما قلت لك .. كل شيء في خيالهم المريض .. وحين يأتي أحدهم .. ليس لأني طلبت منه .. بل لأنه هو يريد ذلك ..يفسر وقفتي بأنها دعوة صامتة .. نظراتي بأنها إيماءة مني لأثير رغبته .. أي حركة أو لفتة .. هي دعوة مني له "
يبدأ الفضول ينمو مرة أخرى " ولكن .. لم كل هذا الحديث عنك ؟"
تقول بمرح " أتصدقين أن من يتحدث عني بهذه المبالغة .. هن النساء وليس الرجال .. كل من فقدت أحدا .. أخذته أم الدويس .. كذبة صغيرة وكما يكبر الناس كبرت على مدى الأيام.. الكل يحاول الوصول وانتزاع الكيس المعلق بأحد أغصانها .. قد يحوي كنزا .. أو ذهبا .. أو حتى نقودا .. هو لا يعرف ما يحويه هذا الكيس ولا غيره من المزدحمين يعرف ... ولكن لا يهم ذلك .. المهم أن يحصل على الكيس أولا .. ثم بعد ذلك يكتشف ما بداخله .. هكذا تكون الأمور منطقية بالنسبة له .. تباطأت خطواته وهو يقترب من الصراع الدموي .. رأى أحدهم قادما من تلك الناحية " يبدو مصابا .. إذ أنه يعرج في مشيته .. صراع .. الكل يدوس على الكل .. لا يهم أين يضع قدميه .. قد تكون على قدم أحدهم .. أو رأسه .. أو بطنه .. أو رقبته .. الجميع يدوس .. لا وقت لأحد لينظر إلى موقع قدمه .. أو أن يساعد من وقع ..لا وقت ليدير بصره عن الكيس المعلق . يدفع بكتفه .. هذا وذاك .. ليدخل في الازدحام .. تمتد يداه إلى الأعلى كغيرها من الأيادي .. يقفز .. يدق بقدميه الأرض ويقفز فقد يمسك بالكيس .. يكرر قفزاته .. وتتكرر دقات قدميه على الأرض .. " ولكن .. ما هذا الذي تحت قدمي ؟؟؟ شيء لين .. وسادة .. أو قربة ماء .. أو " يسمع أنينا مؤلما .. يردد في نفسه " أوه .. لابد أن أحدهم وقع .. وأنني كنت اقفز على بطنه " لا وقت لديه لينظر إلى الرجل .. أو يحاول مساعدته .. فهو إن نظر إلى موقع قدمه فلن يستطيع أن يرفع رأسه ليعاود النظر إلى الكيس .. وهو إن تمسك بالنظر إلى الكيس فلن يستطيع أن يميز موقع قدمه .. وحملت الكثير من الصفات غير الحقيقية "
" هل تقتلينهم ؟؟ "
تجيب بملل " هاأنت تعودين من حيث أتيت .. شاء الله أن أرتبط ببيت جدي ارتباطًا وثيقًا ، وحبيبًا إلى روحي ونفسي ، فقد تربيتُ في هذا البيت ، كنت سمًّيا لجدي ، وكان مما يزيدني غبطة وسعادة أنني أول من حمل اسمه من بين أبناء أعمامي . نشأت في كنف جدي ، ودرجتُ في أحضان جدتي ، حتى بعد أن أصبح لأبي بيت يملكه ، وصار يسكنه مع أمي وإخوتي ، بقيت في بيت جدي ، أنعم بالمحبة تغمرني ، والدلال يحيطني ، حتى بات أولاد أعمامي يغبطوني على ما أنا فيه من رغد العيش . وبيت جدي كبير واسع ( كذلك يبدو في عيني ) له فناء مسطوح ، ليس يتجمع فيه الرمل كما هو الحال في بيوت أصحابي ، ترتفع في إحدى زواياه نخلة سامقة ، قلت له ذات يوم : ( أنت تحب النخلة كثيرًا يا جدي !..) أجابني : ( ألا تحبها أنت ؟ إنها عمتنا يا ولدي ، عمة البيت .) وكان جدي يرعى هذه النخلة .. ولا يرضيه أن يتولى أمرها أحد غيره ، فعندما تتم ثمرها ، ويحين أوان خرفها ، يصعد إليها يخرف من عراجينها رطبًا وفيرًا ، وقد أقام بينها وبين الجدار سقفًا من ألمنيوم ، تمسكه أعمدة خشبية أربعة ، ويعينه هذا السقف - الذي يقسم النخلة إلى قسمين - على الوصول إلى عذوق النخلة .. يجمع رطبها برفق وأناة . ولم أكن أعجب إذا ما رأيته متعلقًا فوق هذا السطح الألمنيوم .. بين قمة النخلة وسطح الأرض ، فقد كان جدي قويًّا .. معتدا بقوته ، ويغيظه أن يقول له أحد : أنت لا تقوى على هذا الشيء أو ذاك ، حينها سيحتد غاضبًا .. ما بك تهتمين بهذه النقطة يا عزيزتي أنا لا أقتل أحدا ... وان كنت فقدت أحدهم فلست بقاتلته .. أف .. "
يعم السكوت المكان .. إلا من صدى تساقط حبات المطر الخفيفة على وعاء معدني قديم ..
" اسمعي .. حين يقترب مني أحدهم .. يصدم أنه كان يتبع سرابا .. وأن الصورة التي رسمها عنده هو فقط .. عندئذ تتبخر الهالة التي يكون قد رسمها لنفسه .. يصبح عاريا أمامها .. ويأبى العودة .. حتى لا يرى الآخرون نفسه عارية كما رآها هو"
تقف وتنفض المياه عن نفسها وتتجه خارجة من الغرفة " هيا .. توقف المطر .. عودي إلى منزلك.. وابحثي عن غائبك في مكان آخر "
تصلح من شأن عباءتها .. كادت خيوط النور أن تغزل إضاءة الفجر .. تخرج متعثرة بالأوحال التي علقت بعباءتها وثوبها .. ترتجف يداها محاولة الإمساك بالعباءة مانعة إياها من التزحزح عن رأسها .. يصطدم بها أحد الرجال .. يتركها مهرولا إلى نهاية الزقاق .. تلتفت وراءها فتجد المرأة تقف بنفس الهيئة المزرية .. تستنشق الهواء .. تملأ رئتيها باحثة عن عطر .. تهز رأسها أسفا " لا عطر .. المشهد الرابع: المذيع التلفزيوني: بصفتكم أحد المتفاوضين، هل لكم أن تطلعوا السادة المشاهدين على آخر عرض ناقشتموه في اللجنة الخليجية المشتركة؟. المسؤول: آخر عرض تلقيناه من فرنسا، وهو في الحقيقة عرض مشجع للغاية، إذ مقابل حصولهم على مخزون بئر (بدون صوت) وبئر (بدون صوت أيضا) مستعدون لاستقبال أربعمائة ألف مواطن خليجي للحياة بصفة دائمة في منطقة فرساي، وهي منطقة قد زرتها أكثر من خمس مرات، وأعجبت بها جدا فمناظرها خلابة ورائعة و.. المذيع التلفزيوني: (محاولا إعادة المسؤول الى الموضوع الأصلي) ماهي مزايا هذا العرض عن غيره من العروض؟. المسؤول: مزايا هذا العرض، إنه أرخص من العروض السابقة، حيث تبلغ حياة المواطن الخليجي الواحد هناك أربعمائة ألف برميل من النفط في حين إنه في العروض الأخرى كان سيكلفنا خمسمائة برميل. علاوة على تسهيلات جديدة إضافية. المذيع: هل لنا أن نعرف بعضها؟. المسؤول : رغم أن الموضوع لازال قيد المناقشة والتشاور بين الأشقاء، إلا إنني أستطيع الإفصاح بأن من ضمن التسهيلات الجيدة في هذا العرض، إقامة محطة تلفزيونية ناطقة باللغة العربية مع بث البرامج وعلى الأخص المسلسلات العربية يوميا وفي نفس الساعة التي تعود عليها مواطنونا الكرام. المشهد الخامس: نتوء كالجبل، له قمة سوداء، رويدا رويدا تبتعد الكاميرا ليبرز إلى جانبه أكثر من نتوء، تبتعد الكاميرا أكثر، تصغر النتوءات ولكنها تنتشر على مساحة أكبر، المساحة هي صفحة خد فتاة في السابعة عشرة من عمرها، واقفة في الطابور الطويل جدا. رائحة المياه المختلطة بالأوحال وقاذورات الزقاق " تطارد الرجل بعينيها .. تبتسم بمكر وتكمل طريقها
