من تراث الصيدلة العربية
محمد رءوف حامد
برغم أن علم الأدوية يعتبر من العلوم الحديثة ـ نسبيا ـ حيث بزغ مصطلح (علم الأدوية) Pharmacology لأول مرة عام 1693 بواسطة عالم الفسيولوجي صمويل دال ثم أسس أول معمل متخصص في علم الأدوية بواسطة رودلف بوخاييم في ألمانيا عام 1849, فإن أصولا كثيرة لهذا العلم تعود إلى العرب, ليس ذلك فقط, بل إن عدداً من المفاهيم الرئيسية والجديدة جدا في علم الأدوية كان العرب قد تطرقوا إليها واكتشفوها قبل أن تخطر هذه المفاهيم في ثوبها الحديث على العقل الغربي في أوربا وأمريكا, والحقيقة أن تقدم العرب في علم الأدوية كان أمرا مذهلا وكان في تقديرنا امتدادا لنوعين مهمين من السبق سبق بهما العرب الإنسان في أي مكان من العالم, السبق الأول كان إنشاء أول صيدلية خاصة حيث يعتقد أن هذه الصيدلية أقيمت في بغداد في الفترة من 750 ـ 754م وكان إنشاؤها بمنزلة إعلان عن انفصال الصيدلة عن الطب, ومن الجدير بالذكر أن هذه الخطوة حدثت رسميا في أوربا في عهد فريدريك الثاني عام 1240م, وأما السبق الثاني الذي حققه العرب فكان تنظيم ممارسة مهنة الصيدلة حيث طبق الخليفة المقتدر (908 ـ 932م) نظام الحسبة على عمل الصيادلة تبعا لمؤلفات جالينوس وحنين بن إسحاق, وقد تطور نظام الحسبة بعد ذلك بحيث يكون في متناول المحتسب نوع من (الدستور) يرجع إليه, وقد جاء في كتاب (نهاية الرتبة في طلب الحسبة) تأليف عبد الرحمن بن نصر السيرزي (1193م) جزء خاص بالحسبة على الصيادلة ذكر فيه طرق الغش وعلامات كشفه, ومن المهم هنا أن نجذب الانتباه إلى أن مسألة (دستور) للأدوية هي أمر عرفته الحضارة الأوربية منذ حوالي مائة وثلاثين عاما فقط عندما صدرت دساتير أدوية في لندن وأدنبره ودبلن عام 1864, ومن المعروف الآن أن دستور الأدوية يطلق عليه pharmacopeia فهناك دستور أمريكي ودستور بريطاني ودستور ألماني ودستور مصري, وهكذا.
ألف عام من الصيدلة
وربما يكون من المناسب أن نشير إلى الحادثة التي كانت سببا في تطور تقييم عمل الصيدلي عند العرب والتوصل إلى الحسبة على الصيادلة ثم عمل دستور للأدوية, حيث يحكى أنه في الفترات الأولى من تاريخ ممارسة الصيدلة وجد الدجال الجاهل جنبا إلى جنب مع الصيدلي المتعلم المدرب, وأدى ذلك إلى أن شاع عن الصيادلة غشهم للأدوية وفي ذلك يروى أن أحد قادة المعتصم في وقعة عمورية (838م) كان قد أمر بإحصاء جميع من في معسكره من التجار فلما بلغه في قائمة الأسماء (الصيادلة) أمر بأن يمتحنوا حتى يعرف منهم الناصح من غيره, ومن له دين ومن لادين له, وكانت طريقته في الامتحان أن أخرج من دفاتر الأسر حوالي عشرين اسما وأرسل برسله إلى الصيادلة يطلبون أدوية مسماة بهذه الأسماء, وكانت النتيجة أن بعض الصيادلة أنكروا معرفتهم بهذه الأسماء والبعض الآخر ادعى معرفتها وأخذ منهم النقود ودفع إليهم بشيء من حانوته, وبناء عليه أمر قائد المعسكر بإحضار جميع الصيادلة فكتب لمن أنكر معرفته بهذه الأسماء تصريحا بالمقام في المعسكر (وهذا يماثل ما يعرف حاليا بتصريح مزاولة المهنة), وأما الآخرون فقد طردهم من المعسكر وأباح دم من يوجد منهم في معسكره.
إن السبق العربي في مهنة الصيدلة وفي ابتداع ما يمثل دستورا للأدوية يعني سبقا في التفاعل المنهجي مع مجال من مجالات الحياة, ونقصد هنا بالتفاعل المنهجي التفاعل القائم على أسس علمية, وهذا هو ما سيتضح أكثر وأكثر عند التعرف على الأفكار العلمية الدوائية كما عرفها وتوصل إليها العرب منذ حوالي ألف عام ومقارنة هذه الأفكار بالمفاهيم العلمية الحديثة جدا والتي عرفت في الغرب فقط في القرن الحالي بل عرف بعضها فقط في الاعوام العشرين الأخيرة.
عرف العرب والمسلمون مبادئ علمية تمثل استراتيجيات في العلاج الدوائي لايزال يتخذ بها حتى اليوم, فمثلا يقول المجوسي (توفي 944م) في كتابه (كامل الصناعة الطبية): (إن أمكنك أن تعالج العليل بالغذاء فلا تعطه شيئا من الدواء, وإن أمكنك أن تعالج بدواء خفيف مفرد فلا تعالج بدواء مركب ولاتستعمل الأدوية الغريبة والمجهولة), كما ذكر أبو بكر الرازي (854 ـ 932م) في كتابه (الحاوي): (إن استطاع الحكيم أن يعالج بالأغذية دون الأدوية فقد وافق السعادة), وقال أيضا: (إن العمر قصير عن الوقوف  على فعل كل نبات الأرض فعليك بالأشهر مما أجمع عليه, ودع الشاذ واقتصر على ما جرب), وقال ابن سينا (980 ـ 1037م): (في حالة الأدوية المركبة فإن المجرب منها خير من غير المجرب, وقليل الأدوية خير من كثيرها في غرض واحد), حقا إن هذه المبادئ كانت تمهيدا لما يعرف حديثا بالتداخلات البينية للأدوية drug interactions وكذلك مهام علم الدواء السريري والخاص بدراسة وتجريب الدواء على جسم الإنسان clinical pharmacology
أسباب
وضع العرب أسباباً (اشتراطات) تحكم تأليف الأدوية المركبة (أي أدوية تتركب من أكثر من مادة) وتمثل هذه الأسباب اقترابا كبيرا من مفاهيم علمية حديثة محددة, وفيما يلي قائمة ببعض الأسباب (نستخلصها من (قانون) ابن سينا مع الرجوع إلى ما ورد في (الملكي) للمجوسي وفي تذكرة داود وغير ذلك من المؤلفات) حيث نتبع كل سبب (أو حالة) بما يقابلها من مفاهيم حديثة في علم الأدوية:
1 ـ إذا لم يوجد لكل علة خصوصا المركبة دواء مقابل من المفردات تخلط اثنين أو أكثر من المفردات لتقابل في مفعولها علة المريض, (ملحوظة: هذا المبدأ يقابل ما يعرف حاليا في علم الأدوية بمجموعة المفعول Summation)
2ـ إذا كان الدواء المختار أقل في مفعوله من المطلوب يضاف إليه مفرد أو أكثر يقوي قوته, (ملحوظة: يعرف هذا المفهوم حاليا بتقوية مفعول الدواء drug potentiation).
3ـ إذا كان الدواء المختار أقوى في مفعوله من المطلوب يضاف إليه مفرد يضعف من قوته, (ملحوظة: الهدف من هذا التوجه هو التحكم في مفعول الدواء وهو هدف رئيسي لعلم الأدوية).
4 ـ إذا كان الغرض من الدواء المختار أن يفعل في موضع أو عضو قريب من المعدة مثلا ويخاف أن يكسر قوته الهضم الأول والهضم الثاني وغيرهما مما قد يوجد في طريق الدواء إلى ذلك الموضع ويخاف منه عليه يقرن الدواء بحافظ غير منفعل يصرف عنه أو يزيل عنه عادية الهضمين أو الأسباب الأخرى حتى وصوله إلى الموضع المقصود سالما, (ملحوظة: هذا المبدأ قريب جدا من هدف مهم لتجارب ودراسات علم الأدوية حاليا وهو بحث معارف وتقنيات توصيل الدواء فقط إلى العضو المصاب بحيث يصل الدواء سالما إلى العضو المقصود ولاتتأثر بقية الأعضاء السليمة بالآثار الجانبية للدواء وجدير بالذكر أيضا أن مسألة الهضم الأول والهضم الثاني كما عرفها العرب هي البدايات الأولى لما يعرف حاليا بأيض الأدوية وخاصة الأيض (أو الهضم) الذي يحدث في الكبد عند امتصاص الدواء من القناة الهضمية حيث يعرف هذا الأيض أو الهضم بـ التأثير البادئ   First pass effect ويمثل ظاهرة عرفت علميا في الاعوام الأربعين الأخيرة).
5 ـ إذا كان المراد أن يلبث الدواء في مكانه قليلا حتى يعمل هناك عملا فائقا كثيرا ثم يكون هذا الدواء سريع النفوذ يخلط بمثبط, (ملحوظة: السعي إلى مبدأ كهذا يعتبر تمهيدا لدراسات حالية تتعلق بالتحكم في مسار الدواء داخل الجسم).
6 ـ إذا كان الدواء كريه الطعم لايتحمله المريض يخلط بما يصلح طعمه, (ملحوظة: هذا المبدأ يمثل ممارسة أساسية في علم وتقنيات التصنيع الصيدلي).
7 ـ في حالة بقاء الدواء زمنا طويلا بحيث لايفسد ويحتفظ بقوته على حالها يخلط بما يفعل ذلك (ملحوظة: هذا هو نفس الشيء الذي يقوم به الصيادلة في صيدلياتهم وخبراء الدواء في المصانع من خلال دراسات وتعليمات ثبات الأدوية).
ومن ملاحظات العرب في اختلاف قوة الأدوية عبر الأجناس المختلفة وعبر الأفراد من نفس الجنس قول الطبري (770 ـ 850م) في (فردوس الحكمة): (رأينا دواء واحدا نفع قوما وأضر آخرين, والحقيقة أن المعارف الفارماكولوجية الحديثة قد أكدت وجود قدر من الاختلاف في فاعلية وأمان الأدوية نتيجة لأسباب عرقية ووراثية).
ومن الجدير بالإشارة أن المجوسي وابن سينا وغيرهما قد نوهوا إلى أن (قوة الأدوية وتأثيرها تتوقف على طبائع الأبدان واختلاف حالاتها في الصحة والمرض, وعلى طبائع الأمراض واختلافها من شدة وضعف وما يتبعها من أعراض, وعلى أوقات السنة وحالة الجو والبلد الذي يسكنه المريض, وكذلك على عادات المريض ومهنته).
ولاشك أن ما وصل إليه العلماء من أجدادنا يستند إلى مبادئ طبية علمية سليمة تم إثبات صحتها باستخدام التقنيات البحثية الخاصة بالعصر الحالي.
وقد توصلت مؤسسات الأدوية، بعد ذلك، إلى أكثر من 150 دواءاً، ظهرت فعالية بعضها، ولا يزال أغلبها في مراحل التجارب المختلفة، وتمنح ت.ح لبرامج و خطط البحوث المعنية باكتشاف عقاقير جديدة دفعة عظيمة، فهي تفتح طرقا حديثة لفهم أعمق لنوع التفاعل بين العقار وأسباب المرض، عن طريق إدراك أكبر في تناول الخلايا والأنسِجة الحيّة. وعندما دخلت ت.ح ميدان الفلاحة، وضعت كغاية زيادة محصول الأرض الزراعية، وإنقاص تكاليف الفلاحة، زيادة على ابتكار وصنع منتجات جديدة ذات ميزات محسّنة، تلبية لحاجات المستهلكين ومتطلبات إنتاج الغذاء، ومن إنجازات ت.ح في هذا الميدان، صنع المدخلات الفلاحية، مثل البذور (التقاوي) ومخصبات التربية، ومبيدات الحشرات، وابتكار أساليب وعقارات بيطرية متطوّرة لوقاية ثروة الدواجن وحيوانات المزْرعة. وتستند الانتشار التجاري لمنتجات ت.ح الفلاحيّة على عوامل كثيرة، منها حجم الأسواق التي تعرض هذه المصنوعات، وتوفر أو عدم توفر البدائل المنافسة، ومدى تقبّل المستهلك لهذه المصنوعات، ويتغير حجم أثر كل عامل من هذه العوامل بين بلدان المعمورة، لهذا، كان رواج الفنون الحيوية الفلاحية في المعمورة متبايناً، وإن كان متركّزاً في بعض البلاد المصدّرة للمنتجات الفلاحية، مثل أستراليا وكندا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. ومن المهم أن نتوقف هنيهة أمام علامة ذات أهمية في هذا التقرير، تفيد بأن تراجع أوروبا وراء الولايات المتحدة الأمريكية في ميادين ت.ح لا يعود إلى تأخر البحوث في المؤسسات العلمية، أو تراجع الصناعة الأوروبية، فممارسة البحث في بعض بلدان الشمال الأوربي، مثل ألمانيا والدنمرك، متطور كثيرا، ولكن تلقى ت.ح تصديا من الرأي العام الأوربي، الذي يتوقف كثيراً أمام الوقائع الأخلاقية لهذه القضية، واحتمالات الأخطار البيئيّة والصحيّة المتعلقة بما تطرحه تلك التكنولوجيا المستحدثة من مصنوعات، أما علة محدودية قيمة مخططات ت.ح الزراعية في بلدان آسيوية، مثل اليابان، فيرجع إلى عدم وضوح مفهوم ت.ح عند الناس. الفاعلية والوهم
عرف العرب طريقتين في الكشف عن قوة الدواء وفائدته, وهما طريقة التجربة وطريقة القياس, وللتجربة عندهم شروط ذكر ابن سينا بعضها في كتابه (القانون) ومن هذه الشروط ما يلي:
1 ـ أن يكون للمجرب عليه علة مفردة لا علة مركبة.
2 ـ أن يكون الدواء قد جرب على العلل المتضادة حتى إن كان ينفع منها جميعا لم يحكم أنه مضاد لمزاج أحدهما, وربما كان نفعه من أحدهما بالذات ومن الآخر بالعرض.
3 ـ أن تكون القوة في الدواء مقابلا بها ما يساويها من قوة العلة, فإن بعض الأدوية تقصر حرارتها عن برودة علة ما فلا تؤثر فيها البتة, فيجب أن يجرب أولا على الأضعف.
4 ـ أن يراعى استمرار فعله على الدوام على الأكثر, فإن لم يكن كذلك فصدور الفعل عنه بالعرض.
5 ـ أن تكون التجربة على بدن الإنسان, فإنه إن يجرب على بدن غير بدن الإنسان جاز أن يختلف.
وهكذا, في تقديرنا أن ما عرفه العرب عن منهج تقييم قوة الأدوية وتقييم الفائدة العلاجية يعد حجر الأساس لمنهج علم الأدوية السريري,والذي يعنى بتقييم فاعلية الأدوية على جسم الإنسان.
وعرف أن الرازي (854 ـ 932م) كان أول من جرب الزئبق وأملاحه على القردة لاختبار مفعولها, وهذا يعني أن العرب قد مارسوا علم الأدوية المعملي وأيضا دراسات ما قبل المرحلة السريرية في اختبار وتقييم الدواء وهي ما اصطلح حاليا على تسميتها بالدراسات قبل السريرية.
ومن تعاليم الرازي أنه (ينبغي أن يوهم المريض بالصحة وإن كان غير واثق بذلك فمزاج الجسم تابع لاختلاف النفس), هذا المنطق في العلاج يعني أن العرب أدركوا أثر الحالة النفسية في المرضى وفي العلاج, وهذا ما قد ثبتت صحته حديثا حتى أن الأطباء في أحيان خاصة يعطون للمريض دواء في شكل أقراص أو كابسولات (أو أي شكل صيدلي آخر) لكنه لايحتوي على أي مادة فعلا وذلك لمجرد إقناع المريض بأنه يأخذ دواء حيث أحيانا يستجيب المريض للعلاج بهذه الطريقة وهذا ـ إلى حد ما ـ ما اصطلح على تسميته Placebo effect أي تأثير مادة غُفّل.
وعن أثر تعدد طرق العلاج يقول الرازي (من تطبب عن كثيرين من الأطباء يوشك أن يقع في خطأ كل واحد منهم), والحقيقة أن الدراسات الإحصائية والإكلينيكية الحديثة توضح ازدياد الآثار الجانبية الضارة مع زيادة تعدد الأدوية التي توصف للمريض وهو الأمر الذي جعل من الضرورة المهنية تبادل الرأي (بخصوص وصف الأدوية) بين الأطباء المعالجين لنفس المريض, وفي الكتابات الحديثة المتخصصة في الصيدلة تقع على مسئولية الصيدلي الإكلينيكي Clinical pharmacist أعباء الحذر والتأكد والترشيد بخصوص الآثار الجانبية الضارة والتداخلات البينية للأدوية, وأما عن الخطأ (أو الضرر) الذي قد يقع على المريض نتيجة أداء الطبيب أو الجراح فهو يعرف حديثا بـ Iatrogenic disease
ولقد اتبع العرب طرقا عديدة في تنقية وتحضير الأدوية مثل الطبخ والسحق والتحميص والتصعيد والتشميع والتبلور. وعن (السحق) ذكر المجوسي أن من الأدوية ما كان سحقها أنعم كانت استحالتها في الكبد والمعدة أسرع, وهذه الفكرة تمت بصلة إلى ما هو معروف الآن عن أهمية حجم جسيمات الدواء, كأحد العوامل المؤثرة في امتصاص الأدوية من القناة الهضمية.
وقد قال العرب أيضا عن السحق: (من الأدوية ما إذا كان لها فعل فإذا أفرط في سحقها انتقلت إلى فعل آخر, فمثلا اتفق على أنه إذا أفرط في سحق الكموني انقلب مدرا للبول بعدما هو في طبيعته مطلق للطبيعة).
واستحدث العرب أشكالا صيدلية مختلفة مثل الأشربة والمستحلبات, ومازالت بعض هذه الأشكال الصيدلية مستعملة حتى الآن بأسمائها العربية مثل (شراب) Syrup. ومن المستحضرات التي كان العرب يصنعونها الأدهنة والأطلـية والحبـوب والحقـن الشـرجية والسعوطات والغرغرات والقطورات والمراهم والمعاجين والمنقوعات.
وهكذا يمكن أن نستنتج مما سبق ذكره بخصوص الأفكار والمفاهيم العلمية وكذلك الممارسات التقنية بشأن وصف وتجريب وتحضير الأدوية أن العرب قد ساهموا بحق في وضع الأصول الرئيسية لأساسيات ومفاهيم علم الدواء وفروعه ومجالاته المختلفة مثل علم الدواء الإكلينيكي (أو السريري) وعلم الدواء المعملي وعلم السموم والأيض الدوائي وأنهم أيضا قد طوروا في الصناعة الدوائية, هذا فضلا عن اكتشافاتهم في المفردات الدوائية (وهو أمر لم نتطرق إليه في هذا المقال) وخلاصة القول إن الاستنهاض الدوائي العربي أمر قائم في التاريخ العربي وهو في تقديرنا أمر كامن ـ أيضا ـ في الحاضر العربي, وما يبقى هو العمل العلمي العربي التراكمي المنظم.
أعجوبة في العلاج النفسي
محمد حمدي الحجار
90 دقيقة من تحريك العينين تعالج أمراض النفس!
في عام 1987 م كانت فرانسيس شابيرو طالبة تعد درجة دكتوراه في علم النفس الإكلينكي في جامعة كاليفورنيا ـ لوس أنجلوس تمشي في حديقة لوس أنجلوس في صيف ذلك العام وهي منشغلة بأفكارها وذكرياتها المؤلمة عندما كانت مدرسة للغة الإنجليزية وأصيبت بمرض السرطان عام 1979, الأمر الذي أجبرها على ترك زوجها والتماس أية وسيلة طبية دوائية ونفسية كتعلم التأمل, والتخيل الموجه والعلاج التنويمي الأركسوني. والبرمجة اللغوية العصبية, وكل شيء بدا لها مفيداً للسيطرة على هذا المرض العضال. لقد شفيت من هذا المرض وهي في عمر 38 سنة وإبان إنجازها لرسالة الدكتوراه في علم النفس الإكلينكي. نقول بينما كانت منغشلة بهذه الذكريات التي امتصت انتباهها واستحوذت على استبصارها وهي تمشي في الحديقة وجدت نفسها أنها لم تعد تتذكر هذه الذكريات الراضة المؤلمة فيما بعد بالصورة المؤلمة الراضة التي عاشتها.
لقد بدت هذه الذكريات وكأنها بهتت وتلاشت من تلقاء ذاتها خلال تحريكها لعينيها يمنة ويسرة بمحض المصادفة وهي منشغلة مستقطبة وعيها في هذه الذكريات خلال سيرها في الحديقة. اندهشت شابيرو من هذه الظاهرة التصادفية وذلك الكشف الغريب العجيب.. الذكريات الراضة تبهت وتضمحل عندما تستحضر في الذاكرة مع تزامن تحريك العينين. جربت العلامة شابيرو ما اكتشفته على 70 متطوعا ومتطوعة فحصلت على النتائج نفسها.
وفي السنة التالية نظمت دراسة بحثية منهجية في مقاطعة (endocino كاليفورنيا), كان قوامها 22 فرداً تعرضوا للاغتصاب الجنسي ولرضوض القتال, واعتداء جنسي في الطفولة. وكان هؤلاء يشكون من أعراض الرض النفسي التي تتظاهر إكلينيكا باجترار ذكريات الماضي المؤلمة Flashback, واضطرابات النوم, والأفكار الدخيلة الوسواسية والتي استمرت عند هؤلاء مدة 23 سنة لم يسعفهم أو يزيل معاناتهم أي علاج نفسي بمعالجات دامت ست سنوات. وكانت هذه الأعراض مصحوبة بضعف احترام الذات واضطرابات اجتماعية تكيفية.
تذكر وحرك عينيك
خصصت الدكتورة شابيرو لكل فرد من أفراد هذه العينة العلاجية 60 دقيقة لعلاج حادثة راضة مفردة بوساطة علاجها الحديث الذي اكتشفته أي تحريك العينين. طلبت من كل فرد من هؤلاء تذكر تفاصيل مشاعر الكرب والضيق عندما يستحضر في ذهنه تلك الذكرى الراضة, وهي تحرك أصبعيها أمام وجهه يمنة ويسرة مع تتبع عينيه هذه الحركة المكوكية ولمدة 30 ثانية مع جولة علاجية أخرى والصورة الذهنية للرض النفسي وما يواكبه من مشاعر الكرب والضيق والقلق ماثلة في وعيه بالإضافة إلى تبديل حديثه السلبي بآخر إيجابي خلال هذه العملية التصنيعية الاستقلابية للذكرى الراضة قوامه الثقة بالنفس وإزالة لوم الذات وتحقيرها (زرع الأفكار الإيجابية البديلة عن السلبية التي صاحبت الرض).
اتضح لها في نهاية هذه التجربة العلاجية المقترنة بعينة ضابطة Control لم تتلق هذا العلاج أن الذكريات الراضة عند هؤلاء فقدت شحناتها الانفعالية الراضة المثيرة للكرب والألم. ووجد هؤلاء أن الأحاديث الإيجابية مع الذات التي اختاروها خلال عملية تحريك العينين أصبحت أكثر قبولاً وترسخاً في أفكارهم. وأن الربح العلاجي الذي حصلوا عليه خلال الجولات العلاجية التي لم تتجاوز 60 دقيقة للحادثة الراضة لم يتضاءل إلا قليلاً, وأن الأفراد الذين تعرضوا لسوء استخدام جنسي في الطفولة أضحوا أكثر تأكيدا لذواتهم, وانفتاحاً في علاقاتهم الاجتماعية (كانوا منعزلين يخافون الاختلاط بالناس والتعبير عن أفكارهم).
أما أفراد العينة الضابطة الذين لم يتلقوا هذا النوع من العلاج فلم تتحسن حالاتهم على الإطلاق.
خرجت الدكتورة شابيرو من تجربتها العلاجية الساحرة مسلحة بمعطيات علاجية إيجابية لا مثيل لها في سرعة الشفاء, وبنسبة نجاح العلاج, فأصبحت نتيجة لذلك عالمة بارزة في مؤسسة الأبحاث للأمراض النفسية في مدينة Palo Aloto. ومضت هذه العالمة مسجلة نتائج علاجية باهرة في أكثر الحالات تعقيداً على المعالجات النفسية الأخرى كضحايا الاغتصاب الجنسي, وحرب فيتنام, ومرضى المخاوف المرضية, وضحايا الكوارث الطبيعية بزت حتى في بعض الحالات العلاج النفسي السلوكي المعرفي الحديث.
في مؤتمر علمي نفسي عام 1988 قدمت الدكتورة شابيرو نفسها إلى الطبيب النفسي العالمي المعروف جوزيف ولبي مخترع علاج إزالة الحساسية المنهجي السلوكي الذي يستقطب به الرهاب بأنواعه المختلفة, أي اضطرابات القلق عموماً. وطلبت منه نشر نتائجها العلاجية لهذا النوع الجديد من العلاج النفسي في مجلته المسماه: الطب النفسي التجريبي والعلاج السلوكي. وفي بادئ الأمر خامره الشك بنتائج الدكتورة شابيرو ففضل تجربة هذا العلاج بنفسه على عينة من مرضاه فأصاب هذا العلاج نجاحاً باهراً.
فتبنى الدكتور ولبي هذا العلاج وناصره, وبخاصة عندما وجد أن حالة مستعصية حتى على طريقته التي ابتدعها قد تحررت نهائيا من رض الاغتصاب الجنسي بفضل اكتشاف شابيرو. وتتلخص قصة هذه الحادثة في أن امرأة تعرضت لرض نفسي شديد نتيجة اغتصاب جنسي عنيف تركها تقبع في دارها مشلولة النشاط الاجتماعي والمهني خائفة من الخروج من الدار وتعرضها مرة ثانية لاغتصاب (ارهاب جنسي اشراطي). كانت تجلس في وضعية الجنين في بطن أمه في دارها. عولجت بالعلاج النفسي الديناميكي لمدة 15 سنة بلا طائل.
تمكن ولبي خلال عشر جلسات بطريقة تحريك العينين EMDR من أن يجعلها تخرج من الدار والسير لوحدها في الشوارع والشواطئ المنعزلة وفي المسابح العامة البحرية. من المعروف تصنيفيا أن تشخيص مثل هذه الاضطرابات الراهنة يسمى اضطراب الشدة الذي يعقب التعرض للرض Post Traumatic Stress Disorder.
من لوس انجلوس إلى سراييفو
أخذت هذه الطريقة تشق طريقها اليوم من أوسع باب عند المعالجين السلوكيين أو المعرفيين في الولايات المتحدة خاصة. ونظمت مؤسسة العلاج النفسي بواسطة تحريك العينين التي تديرها الدكتورة شابيرو دورات منتظمة منذ عام 1995 في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل, وفرنسا, ويوغوسلافيا السابقة, وانجلترا, وبلجيكا, وأمريكا الجنوبية للمعالجين النفسيين والأطباء النفسيين وللعاملين في ميدان الصحة النفسية, فأضحى هذا العلاج اليوم ممارساً في معظم العيادات النفسية والمؤسسات العلاجية للصحة النفسية في الولايات المتحدة الأمريكية بخاصة. ولقد استفاد منه بخاصة المحاربون القدماء الأمريكان الذين تعرضوا للرضوض النفسية القتالية. إذ ظل بعض هؤلاء يعاني لمدة 20 سنة من أعراض PTSD التي ذكرناها (كوابيس وأحلام مزعجة, اجترار ذكريات الماضي, أفكار وسواسية دخيلة, تؤذي الوظيفة الاجتماعية والمهنية والأسرية). وكان شفاؤهم بواسطة هذا النوع من العلاج. ونذكر هنا رحلة الدكتور جوفري دابت إلى سراييفو لتدريب المعالجين النفسيين المسلمين على هذا النوع من العلاج عام 1995, العلاج الذي لا يستغرق في الحالات العادية أكثر من 90 دقيقة لتحرير المصاب من الرض النفسي القتالي. ولم تر الدكتورة شابيرو في بداية الأمر في طريقتها كشفاً جديداً. فأسلوبها العلاجي الذي طرحته لا يتعدى التقنية السلوكية المعرفية التي تزيل حساسية المريض من ذكرياته الراضة المؤلمة التي تتظاهر بأعراض اضطراب الشدة التي تعقب التعرض للرض النفسي PTSD, لذلك اسمت طريقتها إزالة الحساسية من الرض النفسي وإعادة تركيب البنية المعرفية عن طريق تحريك العينين تمشيا مع الطرق السلوكية المعرفية العلاجية الأخرى. إلا أنها مع استمرار تطبيقاتها السريرية (الإكلينيكية) بهذه الطريقة أدركت أن أسلوبها الذي اكتشفته هو أكثر من إزالة الحساسية عن طريق التعريض للذكرى الراضة مرة ثانية. فالمرضى بهذه الطريقة كانوا يعودون بذاكرتهم تلقائيا إلى حوادث الطفولة الراضة بطريقة المعالج النفسي الديناميكي وليس بأسلوب المعالج السلوكي الذي يهتم بالاضطراب كما هو قائم حاليا ومعالجته على هذا الأساس كسلوك متعلم لا تكييفي. وعندما أخذت تحلل نتائج عملها العلاجي وجدت أن حركة العي نين تنسج نسيجاً من المهارات الحدسية السريرية تتمحور حول التأثير التخريبي للمرض النفسي على مستوى الوظيفة الدماغية. فافترضت شابيرو أن علاجها يفتح الدارات العصبية المحاصرة والمعزولة عن الدارات العصبية للدماغ بفعل الرض النفسي.
علامات استفهام
حتى الآن لا تعرف الآلية التي يتم بواسطتها شفاء المريض أو تحسن أعراضه بوساطة هذا النوع من العلاج. وكل التفسيرات المطروحة والتي ذكرناها هي محض افتراضات ونظريات. والمبدعة لهذه الطريقة الدكتورة شابيرو ترى افتراضاً أيضاً هو أن الذكريات الراضة تماثل الدروس الممحية, محصورة في الدماغ نتيجة التبدلات العصبية ـ البيوكيميائية التي تحدث أثناء العرض للكرب الكبير. وأن هذه الخبرات غير (المهضومة) وغير المتمثلة تبقى لسنين كثيرة حبيسة ضمن كيميائيتها المختلة. وأن حركة العينين تزيل هذا الحصار والإسار, وتعيد من جديد اتصال العصبونات المحصورة الأسيرة ضمن مجرى النشاط العصبوني الكامل كما ذكرنا. في الجانب الآخر من هذه القصة العلاجية تبرز أصوات معترضة ترفع وتيرة اعتراضاتها بقوة تطلب الا ينجرف العياديون والمعالجون وراء علاج حديث لم تتحدد بعد معالمه الراسخة القائمة على تجربته على عينات كبيرة علاجية مثل العلاج النفسي السلوكي ـ المعرفي المثبت مخبريا وعياديا ومنهجياً). من هؤلاء الدكتور سيلفر الذي جرب هذا العلاج وحصل على نتائج متضاربة متناقضة. ورأى أن الثوابت في هذا العلاج متبدلة جداً. وتختلف من معالج إلى آخر, ومن مريض إلى مريض آخر.
وهناك في الطرف الآخر المعاكس علماء يساندون بقوة وبحماس منقطع النظير هذا العلاج النفسي الجديد, ويعدونه فتحا وثورة جديدة في العلاج النفسي. ويرون أن نجاعة هذه الطريقة هي رهينة بأيد خبيرة متمرسة. وبالمرضى الذين يناسبهم هذا العلاج, وبالوقت المناسب. وإذا ما روعيت هذه النقاط بدأ العلاج فعالاً ساحراً.
إن العلاج بهذه الطريقة يحتاج إلى تدريب حتى لو كانوا معالجين نفسيين. ولها مخاطر كثيرة قد تفضي إلى الانتحار في بعض الحالات, إذا لم يكن الذي يمارسه متدرباً عليه كما تقول الدكتورة شابيرو وبخاصة إذا كان المريض يعاني من أكثر من رض نفسي واحد, ولم يتم استكمال تفريغ كامل الرض النفسي وترك المريض وهو في نصف الطريق نتيجة التحريض الشديد للذاكرة الراضة دون إزالة الرض كاملاً وتفريغ محتوياته الانفعالية المؤلمة. أو قد تستوجب حالة المريض إذا لم يفرغ الرض تماماً إلى الاستشفاء بسرعة نتيجة الهياج النفسي الشديد.
وحقيقة الأمر, إن الاقبال على التدرب على هذا العلاج في الوسط التخصصي العلاجي النفسي أصبح كاسحاً اليوم. أما في العالم العربي فإنه ليسرنا جدا أن نرى دولة الكويت هي السباقة في العالم العربي إلى التدرب على هذا العلاج وممارسته متمثلة بالمكتب الأميري ـ مكتب الخدمات الاجتماعية الإنمائية الذي يرعى اجتماعياً وعلاجياً الرضوض النفسية الناجمة عن الاحتلال العراقي الغاشم لدولة الكويت. فالمعالجون في هذا المكتب استقدموا الخبراء في هذا العلاج وتدربوا عليه, وأصبحت الكويت أولى دول الشرق الأوسط التي تمارس هذا العلاج الحديث السريع الناجع الفعال, الذي يضع حداً لمعاناة ضحايا الرضوض النفسية وأمراض القلق بكل أشكاله تقريباً.
محطة دولية دائمة في الفضاء
سعد شعبان
ظلت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) مشغولة على مدى خمسة عشر عاما بمشروع المحطة الفضائية المدارية (الحرية) (فريدوم). وقد تبارى العلماء والفنانون والمهندسون في ابتكار صور لما يمكن أن يكون عليه شكل هذه (المستعمرة الفضائية) إذ كان التصور المبدئي أنها ستكون بمنزلة (رصيف) فضائي, يمكن أن يرسو عليه مكوك الفضاء في رحلاته, ولتكون محلاً لتجارب فضائىة تجريها أطقم من رواد الفضاء, ولتعمل في المستقبل كمركز وثوب إلى القمر أو إلى كوكب المريخ.
ولقد استقر الرأي منذ أواخر الثمانينيات على تنفيذ التصميم الذي فازت به إحدى الشركات الأمريكية, كما أسندت وكالة ناسا بعض الأجهزة والأجزاء المحيطة إلى ثماني شركات مختلفة, منها شركة واحدة كندية.
غير أن التكاليف المقدرة للتنفيذ قفزت من ثلاثة إلى عشرة مليارات من الدولارات خلال هذه السنوات, ولذلك لم يحظ المشروع عند عرضه على الكونجرس في عام 1993, إلا بتأييد صوت واحد.
وفي ديسمبر عام 1993, حدث تحول جذري لفكرة المشروع, فقد أعلن نائب الرئيس الأمريكي (ألبرت جور), موافقة الكونجرس على إقامة محطة مدارية بتصميم معدل سيجري تنفيذه بالتعاون مع روسيا, ووقتئذ كان هذا يمثل منعطفا في السياسة الدولية الأمريكية, وتحولا عن أسلوب الحرب الباردة التي ظلت سجالا بين عملاقي السياسة الدولية, ردحاً كبيراً, وفي نفس الوقت فإن هذا التعاون يتماشى مع المناخ السياسي الذي ساد العلاقات بين الدولتين بعد أن انفرط عقد الاتحاد السوفييتي.
ولقد اتفق علماء الدولتين على التدرج بخطوات التعاون الفضائي بينهما بزيارات متبادلة لمراكز الرواد, ومراكز البحوث وقواعد الإطلاق, ثم الاتفاق على مواعيد القيام بسبع رحلات فضاء مشتركة بين عامي 1994و1997, برواد من كلتا الدولتين للتدريب على العمل معا في المحطة المدارية الروسية (مير), وقد كانت مير بتصميمها محل اهتمام العلماء الأمريكيين, إذ كانت تدور في الفضاء منذ عام 1986, وسجل عليها الرواد الروس رحلات طويلة تجاوزت العام, وأجروا خلالها تجارب متقدمة لفتت الأنظار.
هذه الخطوات كانت مقدمة للتعاون بين أمريكا وروسيا, لبناء محطة مدارية, تستغل فيها الخبرة الروسية في هذا المجال إذ سبق لهم إطلاق سبع محطات من طراز (ساليوت) منذ عام 1971, ومحطة من طراز (مير) في عام 1986.
لكن أمريكا خطت خطوة إيجابية لتوسيع دائرة التعاون, إذ عقدت العزم على جعله دوليا وليس مقصورا على عملاقي الصناعات الفضائىة, ونجحت في ضم اليابان وكندا ووكالة الفضاء الأوربية (إيسا) ليشارك كل منها بإسهامات مالية مختلفة, وبجهود تتناسب مع ما سبق إنجازه في الفضاء.ولقد كان اتفاق وكالة (ناسا) الأمريكية مع السلطات الروسية على التعاون لبناء المحطة الدولية, فرصة ثمينة لاستحواذ العلماء الأمريكيين على التكنولوجيا الفضائية المتقدمة لدى الروس, نظير ثمن زهيد لم يتجاوز (400) مليون دولار, وكانت أسرار هذه الصناعة, قد غلفت بكثير من القيود, طوال وجود الاتحاد السوفييتي, ولكنها سجلت تفوقها في عدة مجالات نوعية, ومن أبرز ملامح التفوق الروسي التي حفزت الآخرين على الترحيب بالتعاون الفضائي, نجاحهم في إنتاج الصاروخ (إنيرجيا) الذي تفوق قوته كل الصواريخ الأمريكية والغربية بنسبة لاتقل عن (15 ـ 20%). وقيامه أيضا بإجراء تجارب (سرية) على نظم توجيه للصواريخ بأشعة الليزر, وقد كشفت عن مراكز إجراء هذه التجارب فوق جبال (ألمآتا) صور القمر الفرنسي (سبوت), كما كشفت صور أقمار التجسس الأمريكية عن إجراء السوفييت لتجارب في المحيط الهندي على نموذج لمكوك فضاء تحت اسم (بوران), وآخر معدل تحت اسم (بيردي). كان هذا التفوق محل إعجاب صامت من قبل علماء كثير من الدول الغربية, ثم تحول إلى إشفاق بعد الانحسار الذي أصاب أوجه الحياة, بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.
توزيع المهام
خلال عام 1995, تم تجميع ما يربو على 40 ألف كيلو جرام من أجزاء سبق تصنيعها, والتي تصلح لتدخل في تصنيع المحطة الجديدة, واتفق على أن تقوم شركة (بيونج) منفردة بمهمة إدارة عملية بناء المحطة, بدءا من نوفمبر 1997, ووضع برنامج زمني لعمليات تجميع الأجزاء المختلفة في الفضـاء, بإطلاقات متعددة لسفن سويوز الروسية, ومكوك الفضاء الأمريكي.
ويأتي ترتيب عمليات الإطلاق بحيث تبدأ برفع الجزء المخصص للحمولات (Cargo black) الذي تم بناؤه في روسيا, وهو يضم وحدة دفع وقيادة وتحكم, والفراغ المخصص لمعيشة الرواد, ويبلغ وزن هذا الجزء (20) طنا, وكان إطلاقه خلال نوفمبر 1997.
ثم كان الإطلاق الثاني في ديسمبر من نفس العام لجزء آخر تم تصنيعه في الولايات المتحدة الأمريكية, على أن يجري تجميعه مع الأجزاء السابقة, خلال أربع رحلات متكررة, وبعدها تصبح كبسولة المعيشة معدة لاستقبال ثلاثة رواد, يمكن أن يعملوا داخلها لمدد طويلة بدءا من منتصف عام 1998.
وقد اقتضت حياة اليابسة أن تتهيّأ لها العقارب, باستحواذ عدد من القدرات الخاصة, وببعض التحورات في التركيب والهيئة, فاستغنت عن الخياشيم وامتلكت رئات, ودرّبت أطرافها حتى صارت للمشي بدلا من السباحة, غير أن أهم السمات التي اكتسبتها العقارب, ومكّنتها من الاحتفاظ بموقعها في خريطة الحياة على سطح الأرض, فلم تختفي, بالرغم من تعدد الأخطار التي تقابلها, وهي أخطار أدت إلى انقراض عديد من الكائنات الأخرى. أهم هذه الصفات المكتسبة, هي تمكنها من التحكم في عملية التحول الغذائي, وبالتالي, صون ما تتحصّل عليه من كميات الطاقة, وتنظيم استهلاكها, احتراسا لمواقف شحّ الغذاء, التي تجبرها على الصوم زمنا قد يطول إلى عام كامل! بالإضافة إلى ذلك, فإن صغار العقارب تخرج إلى الحياة على درجة عالية من القدرة على تحمّل مسئولياتها, بعد فترة عناق وعناية طويلة, في كنف الأمهات, إنها تتجمع فوق ظهر الأم, لأيام عدة, وربما لأسابيع, تستهلك خلالها المواد الغذائية المختزنة في أجسادها الهشة, وتمتص من الأم ما تحتاج إليه من الماء. الأكثر من ذلك, أن العقارب استفادت من قدرة فائقة على التأقلم والاستجابة للمتغيرات البيئية, فهي تتحمل العيش في الموائل المتباينة, في كل قارات العالم, عدا الأنتاركتيكا, فتجدها في أشد صحراوات العالم جفافا, وتحت الصخور المغطاة بالثلوج, على ارتفاع 14 ألف قدم, في جبال الهيمالايا, كما رُصدت أنواع من العقارب تحيى في كهوف على عمق نصف ميل, تحت سطح الأرض. وتصل قوة تحمل العقارب إلى حد مقاومة ظروف التبدلات واسعة المدى في درجات حرارة الوسط المحيط بها, من بضع درجات تحت الصفر, إلى 50 درجة مئوية, كما أن ثمة أنواعا تعيش قرب الشاطئ, ويمكنها تكبد الحياة وهي مغمورة تماما بمياه البحر, لمدة يومين كاملين! وأخيرا, وليس آخرا, فقد لوحظ أن العقارب لا تتأثر عند تعرضها لجرعات مكثفة من الإشعاعات! وسوف تحتاج عملية تجميع المحطة إلى عدد كبير من عمليات نقل الأجزاء والأجهزة, وزعت على الدول على النحو التالي:
ـ (27) عملية تقوم بها المواكيك الأمريكية بين عامي 1997 و2002, (20) منها للتجميع و(7) للاستخدام والضبط.
ـ (57) عملية تقوم بها سفن سويوز الروسية (13) منها للتجميع و(15) لنقـل أطقـم الرواد و(29) للدفع.
ـ عملية واحدة تقوم وكالة الفضاء الأوربية, بإطلاق صاروخ (اريان ـ 5).
وسوف تحتوي المحطة الدولية على ستة معامل علمية أحدها أمريكي, والثاني أوربي والثالث ياباني, وثلاثة معامل روسية.
أما مهام تصنيع الأجزاء ومعامل الأبحاث والأجهزة فقد وزعت مهام القيام بها على النحو التالي:
ـ تقوم كندا بتقديم (روبوت) على شكل ذراع طوله 18 متراً, ليستخدم في عمليات تجميع أجزاء المحطة ومهام الصيانة.
ـ تقوم وكالة الفضاء الأوربية بتصنيع معمل مكيف الضغط.
ـ تصنع اليابان معملا آخر يتصل بالمحطة عبر وحدة تشغيل.
ـ تقوم روسيا بتصنيع ثلاث وحدات للخدمات ومعها ملحقاتها, وأخرى للمعيشة وأجهزة تأمين الحياة داخل المحطة, بالإضافة إلى وحدة ثالثة لتوليد القوى الكهربائية بقدرة (20) كيلووات.
وقد تعهد شركاء الولايات المتحدة الأمريكية بإنفاق ما يربو على تسعة بلايين دولار, فضلا عما ستنفقه هي, بمعدل 2.1 بليون دولار سنويا, وقد وفر هذا التصميم الجديد للمحطة مبلغا قدره خمسة بلايين دولار, عن تكاليف محطة الحرية, كما أتاح انضمام روسيا إلى المشروع, تحسين التصميم, في عدة مجالات هي:
ـ القدرة الكهربائية المولدة أصبحت (110) كيلو وات مقابل (56).
ـ السعة الداخلية للمحطة: (42 ألف) قدم مكعب مقابل (23 ألفا).
ـ عدد وحدات الأبحاث العلمية: (6) مقابل (3).
ـ التجهيزات تكفي طاقم رواد عدده (6) مقابل (4).
شهد المجتمع الأمريكي, في أعقاب الحرب العظمى الثانية, عهداً من الرخاء والوفرة, تغير فيه الاستهلاك إلى فلسفة وأسلوب حياة سائد. بل إن أحد مفكري ذلك الوقت, ويدعى (فيكتور ليبور), دعا الأمريكيين إلى أن يتخذوا من الاستهلاك وسيلة لخلاص الروح وتحقيق الذات! ووجدت تلك الدعوة استجابة واسعة, حتى أنها تعدت حدود الولايات المتحدة الأمريكية إلى عدد من مجتمعات الدول الصناعية, فأصبح الاستهلاك صبغة الحياة فيها, وانسلت القيم التي أفرزها, تزحزح القيم الاجتماعية التقليدية الراسخة في تلك المجتمعات, حتى أن اليابانيين أبدلوا ببعض قيمهم المتوارثة قيما استهلاكية جديدة, فأصبحت بنود الحكمة الثلاثة لديهم, هي: التلفاز الملون ـ جهاز تبريد الهواء ـ السيارة! ووصلت عدوى الاستهلاك إلى بعض المجتمعات الفقيرة, ففي الهند ـ على سبيل المثال ـ أطلت طبقة متوسطة جديدة, يزيد تعدادها على مائة مليون نسمة, ساعدتها ظروف السوق الحرة, وأنظمة البيع بالتقسيط, فاندفعت قوتها الشرائية تخطف كل شيء, من السيارة إلى الوجبات المجمدة, وتحول الإنسان الهندي, ذو الميل التقليدي للمحافظة والبساطة في معيشته, إلى إنسان محموم بالشراء والاستهلاك. لقد كانت لهذه الموجة الضارية من السلوك الاستهلاكي نتائجها على البيئة, فقد جارت على الموارد الطبيعية, من غابات وتربة وماء وهواء, وأساءت إلى المناخ العام للأرض. وبالطبع, فإننا لا ندعو إلى نقيض مجتمع الوفرة والاستهلاك الكبير, فليس في الفقر والركود حل لمشاكل البيئة والموارد الطبيعية المنهكة, ولكن علينا أن نحدد لأنفسنا ما يكفينا من احتياجات تستطيع الموارد الطبيعية أن تفي بها, دون أن نسيء إليها ونجور على مخزونها. وقد وضعت خطة طموح لزيادة سعة المحطة لاستقبال عدد أكبر من العلماء والمهندسين والرواد, بإضافة وحدات جديدة إلى هيكلها, فيما بين عامي 1999 و 2002.
وعندما يكتمل تجميع المحطة سيصبح عرضها (110) أمتار (361 قدما), وطولها (88.3) متر = (290 قدما).
بينما يكون مدارها على ارتفاع (386.4) كيلو متر= (230) ميلا بحريا فوق الأرض ومائلا بزاوية قدرها (51.6) درجة مئوية.
وقد اختير هذا المدار بدقة ليحقق وصول صواريخ الدفع من الدول المشاركة ولتحقـيق سهـولة دخول الرواد والإمدادات إلى المحطـة, وفي نفـس الوقت فـإن هذا المدار يضمن رؤية 85% من سطح الكرة الأرضية, وتغطية (95%) من المساحات المأهولة في القارات الخمس.
ووقتئذ سيكون اتساع المحطة كافيا لمعيشة ستة أشخاص من الرواد أو العلماء.
ساحة المستقبل
لاشك أن هذا التعاون الفضائي الدولي ستكون له نتائج كثيرة, لأن محصلة أفكار علماء ثلاث عشرة دولة, في هذا المجال الحيوي أمر لم يسبق حدوثه, وهناك آمال عريضة سبق للأمريكيين عقدها, عندما كانوا يأملون في تنفيذ مشروع المستعمرة الحرية, وقد حانت الفرصة لهم لكي يحققوها بل ويطوروها في المحطة الدولية.
وهناك كثير من مجالات البحث العلمي التي يرغب العلماء في تمحيصها, والتدقيق في أمورها, وخاصة تلك المتعلقة بالأمراض والأدوية والتلوث, أملا في القضاء على كثير من الأمراض التي تحصد ملايين من البشر كل عـام, وفي تصنيع أدوية أكثر فاعلية للتغلب على هـذه الأمراض, والتخفيف من آثار التلـوث الذي أصبـح قضيةبالغـة التعقـيـد, وبين أيدي العلماء بدايات تجـارب سبـق إجـراؤها في الفضاء أعطت نتـائجها كثيرا من الأمل في الوصول إلى حلول لكل هذه الأمور, ذلك أن ساحة الفضـاء خالية من المعوقات وعوامل القصـور الموجودة على الأرض, كما أن خاصية انعـدام الوزن السائدة في الفضاء, تعـتبر وسطا مثاليا, لاستكمال هذه التجارب, والتوسع فيها, ومازالت هذه الآمال تحوم حول:
1 ـ الأبحاث البيولوجية والطبية: فقد ثبت أن تركيب الأدوية, حقق التجانس في جزيئاتها والانتظام في أحجام هذه الجزيئات, فضلا عن كبر حجمها, كل هذه الأمور يمكن أن تعتبر مزايا تجعل الدواء يعجل بالشفاء, يساند هذا أيضا أن الفضاء خال من أسباب التلوث الموجودة على الأرض, وهو أمر لازم بالنسبة للدواء أكثر من أي شيء آخر. وفي الفضاء يسهل فصل المركبات الكيماوية المعقدة عن بعضها, وهو ما استغله علماء (الاقربازي) في فصل الهرمونات والخلايا الحية عن بعضها بسهولة, ولذلك تتعلق آمال البيولوجيين بمواصلة البحث عن هرمونات تقاوم الشيخوخة, وفاكسينات تقهر الإنفلونزا, وأدوية تقضي على الطفيليات وعقاقير توقف النمو السرطاني, وخلاصات طبية تعوض نقص إفرازات البنكرياس التي تسبب الإصابة بمرض السكر ومضاعفاته, وأخرى تقوي المناعة.
وتقوم هذه الآمال على بحوث سابقـة, فقد تم خلال رحلة فضـائية في عام 1975, تصنـيع بللورات دوائية خالية من الشوائب, وفصل هرمونات بشرية تفرزها الكلية البشرية في الدم, وكان يصعب إجراء هذه العمليات على الأرض.
كما أنه في عام 1988, تم إجراء تجربة كيماوية في إحدى رحلات المكوك, أسفرت عن إعطاء حبيبات كروية متجانسة متناهية في الصغر, وكان يمكن وضع ثمانية عشر ألف حبة منها فوق رأس دبوس, وهي خواص مثالية لتصنيع دواء ذي فاعلية كبيرة في التغلب على أمراض مستعصية نظرا لتجانس مكوناته.
ومازالت هناك حلقات مفقودة في الأبحاث الطبية, تحتاج إلى مزيد من التدقيق لتحقيق بقاء رواد الفضاء مددا طويلة به, ذلك أن القدرات البشرية على تحمل ظروف الفضاء, مازالت تمثل عنق الزجاجة أمام طول الرحلات, استعدادا لاستعمار القمر والسفر إلى الكواكب, ومن أهم هذه الحلقات الدراسات الخاصة بالمؤثرات النفسية والعصبية على الرواد, والدراسات الخاصة بهشاشة العظام وسرعة ترسيب المعادن والكالسيوم بها.
2 ـ أبحاث المواد الجديدة: سيواصل العلماء في المحطة الدولية, تخليق مواد جديدة, أو سبائك لها خواص مميزة, للتغلب على كثير من مستلزمات الصناعة, فقد سبق تصنيع مواد لأنصاف الموصلات (Semi Conductors), وأشباه الجوامد, التي تستخدم في الصناعات الإلكترونية, حيث يلزم أن تكون على درجة عالية من النقاء, وهناك مواد جديدة تم تخليقها بالفعل مثل (الجاليوم, والارسنايد, والانديوم), ولكنها مازالت تستغل بحذر, وتحت نطاق من السرية, ويتوقع العلماء معالجات جديدة لها, في المحطة الدولية, لإدخالها في صناعات مستحدثة.
وهناك مجال آخر سيكون محل دراسة, هو سلوك السوائل في الفضاء, والتـي يمكن أن تطور وسائل الطلاء, وصنـاعة الأفلام, وحماية مستودعات البترول.
3 ـ الأبحاث الخاصة بالعمليات الفضائية: مثل تحسين وسائل ومواد الاحتراق والدفع الصاروخية, وتحسين أجزائها ومكوناتها, وتعديل وسائل الصيانة في الفضاء, لإصلاح الأعطال التي تصيب الأقمار الصناعية وسفن الفضاء والمحطات المدارية, إذ تشير الإحصائيات الصناعية إلى أن عمليات الاحتراق تمثل (85%) من عمليات توليد الطاقة على الأرض, ووجـود الجاذبية الأرضية يسبـب فقد قدر كبير منها لتصاعد الغازات الحارة المصاحبة للاحتراق, ولذلك ستكون المحطة الدولية محلا لأبحاث تستهدف زيادة معدلات توليد الطاقة, والتقليل من أسباب تلوث البيئة بغازات الاحتراق, ويقدر العلماء أن هذه الزيادة لو تمت بنسبة 2%, فإن مردودها سيعود بما قدره 7.9 بليون دولار في السنة الواحدة.
مستقبل مشرق لأولادنا
سيشجع وجود المحطة الدولية على تنشئة جيل جديد يهتم بالعلم وبكل ما يتعلق بالفضاء, سيؤدي ذلك إلى وجود جيل من المدرسين والدارسين الذين ينفتحون على علوم جديدة, ولاشك أن ذلك سيؤدي إلى وجود جيل من العلماء والمهندسين والإداريين والرواد الأكفاء, الذين تقوم دراساتهم على مناهج حديثة قوامها العلوم والرياضيات والتكنولوجيا الحديثة, وهؤلاء يمكن أن يقودوا دولاب البحث العلمي في جميع مجالات العلوم وخاصة الفضاء والتكنولوجيا المتعلقة به, وسوف يجد المدرسون الفرص سانحة لهم لكي يلقنوا تلاميذهم دروسا تطبيقية تلقى عليهم من المحطة الدولية, مستندة إلى تجارب عملية فعلية تبسط لهم تفهم ما في عالم الفضاء من أسرار, وستتاح لهم فرص ثمينة لتكليف حواسبهم, إجراء تجارب داخل المحطة الدولية من بعـد, وتقـييم ما لديهم من معلومات, قياسا على نتائج هـذه التجارب.
ولدى علماء وكالة (ناسا), مشروع تحت التصميم أطلقوا عليه اسم (كيدسات) (Kidsat) أي (قمر الطفل), وهو يقوم على فكرة تحكم الأطفال في مجموعة من أجهزة ( الاستشعار من بعد) الأرضية, والتي تتصل بوحدات أخرى على متن المحطة الدولية, لترسل إليهم النتائج التي يمكن لهم دراستها وتحليلها.
ويأمل علماء وكالة (ناسا), في محاكاة الروس لبقاء رواد الفضاء في المحطة الدولية مددا طويلة, واستغلال أساليب جديدة لإمداد المحطة بما يلزم للإبقاء على حياتهم, من طعام وشراب ولوازم, بأسلوب إعادة تدوير الفضلات باستغلال البول وإفرازات العرق والفضلات, غير معتمدين على الإمداد من الأرض, ولذلك سيكون الاعتماد في تحقيق ذلك على جيل من العلماء والمهندسين, القادرين على تصميم وتنفيذ الأجهزة وكابينة القيادة اللازمة لتحقيق طول البقاء في الفضاء, وهذا يستلزم التمهيد لتنشئة جيل من العلماء في تخصصات مختلفة, بين طبيعية وكيماوية وبيولوجية, استعدادا لرحلات الفضاء الطويلة لاستكشاف الكواكب, ولاشك أن مجتمعات أرضية كبيرة من التي يعيش العاملون فيها داحل حيز مغلق, مثل الطائرات والغواصات والمكاتب المكيفة الهواء, سوف تستفيد من نتائج هذه التطبيقات استفادة كبيرة, كما أن بعض المرافق مثل وحدات تكرير المياه, ووحدات مكافحة التلوث, وكبائن الطائرات, يمكن أن تتطور أساليبها بناء على ما ستتمخض عنه هذه الوسائل الجديدة, والذي لاشك فيه أن بعض من يعيشون في الأماكن النائية والمعزولة عن العمران مثل الجزر, أو المنائر, أو المعسكرت البعيدة عن المدن, ستكون لديهم وسائل جديدة كذلك.
وقطعا فإن بحوث الزراعة دون تربة, ستكون على رأس قائمة البحوث الجديدة, والتي ستأخذ دورا بارزا في المحطة الدولية, لتحقيق الاكتفاء الذاتي للرواد في طعامهم داخلها.
الانطلاق إلى الإدارة العالمية
إن عملية تجميع المحطة الدولية من عدة دول, في عصر سرعة نقل المعلومات, ستعطي لنا مقاييس عالمية, ذلك أن معطيات (طريق المعلومات السريع) ستنهال على العلماء, بسرعة الضوء, مساندة لعملية تصنيع ضخمة, الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلى وجود فنون إدارة عالمية, تعتمد على تدفق المعلومات من الحواسب لتحقيق الأهداف المنشودة.
وبذلك ستبعث تكنولوجيا الفضاء, شرارة جديدة لإحداث ثورة إلكترونية أكثر شمولا عبر عدد من الأقمار الصناعية, والحواسب السوبر التي ستستخدم, لسرعة نقل المعلومات, وسوف تحتل شبكات معلومات جديدة مواقع على الخريطة العالمية, لنقل المعلومات التي ستتدفق من المحطة الدولية, ومحصلة هذا كله مستقبل تكنولوجي مثير للغاية.
