لا يظل إلا لحظات قصيرة ، فتنطفئ جذوته كلمة طيبة حانية ، وتصيره من حال إلى حال . عندما كبرتُ .. وتجاوزت العقد الأول من عمري ، اصبحتُ أحلم بأشياء كثيرة ، وأحببتُ أن أصبح مثل جدي ، ولذلك كان المسجد أحب الأماكن إلى نفسي ، أحب الذهاب إلى المسجد والجلوس إلى حلقات الذكر بعد الصلاة ، وكم املت لو أن جدي أمسك يدي يومًا ، واخذني معه إلى المسجد ، ولكنه نادرًا ما كان يوافق على مرافقتي له ، عندما أطلب إليه ذلك ، وكان يتاسف على الدوام ، إلا أنني كبرت معتادًا الصلاة في بيت الله ، وتشبثت بهذه العادة ، فلم أتكاسل يومًا ، أو أعجز ، وهذا الامساك بشيء من أشياء أخذتها عن جدي . * * * ** كان من عادة جدي أن يجلس عصرًا مع جدتي ، يشرب الشاي حتى يأتي على البقية اليسيرة في الإناء ، ثم يسأل إن كان هناك عمل ما عليه القيام به ، وفي ذلك اليوم كنت أجلس مع جدي وقد اخذت مكاني قربه تمامًا ، استرق النظر إليه جانبًا ، وأتأمل ملامحه الصارمة التي تنبئ عن صبره وعزمه ، وبينما كنت سارحا في أفكاري ، دخل علينا أبي على عجل كعادته ، ألقى السلام ، وجلس ، وسكب الشاي وراح يشرب ، وإذ ذاك وجدته يرفع رأسه ،ينظر خارج الدار ، موجها بصره نحو النخلة وهو يقول لجدي : - أبي ، ألا تعزم تشذيب عذوق النخلة ؟ أظن أن الأوان مناسب هذه الأيام . تحرك جدي ، وأشرأب إلينا بعنقه ، ثم نظر إلى أبي في شزر ، وأطرق برهة وقال : - بالطبع أنوي ذلك 1 كانت نزوى فتاة في الثامنة عشرة من عمرها •• بدأت أولى سنوات الدراسة بالجامعة بشيء من التفاؤل •• كان جو الجامعة غريباً عليها في بداية الأمر ، إلا أنها استطاعت أن تكوّن صداقاتها المرحة والجميلة •• وفي أحد الأيام شعرت بشيء مفاجئ يتخلَّلها بدغدغة غريبة •• وخجلت أن تصارح به نفسها •• رفضت حتى أن تُسمّي تلك العوارض التي تجتاح قلبها الصغير •• كانت كلما مرّت بالقرب من مكتبه شعرت بشيء يهتزّ بداخلها •• رجفة •• رعشة عميقة •• حرارة تسري في جسدها تحرّك دمها باتجاه قلبه هو •• حاولت الإنكار مراراً ، ولكنها كانت تعاني من كل تلك العوارض الغريبة بالفعل •• أستاذ القانون الدولي •• رجل مختلف تماماً •• لا يشبهه رجل آخر على الإطلاق •• مميّز •• "من النوع الفاخر" على حسب تعبير الطالبات آنذاك •• كان دائماً ما يتحاور مع الطالبات بشكل مفتوح للغاية •• يطرح أموراً وقضايا شخصية وخاصة في ذات الوقت ، يناقشها ، يُشعرهن بحتمية المرونة في مثل هذه الأمور •• يحاول إيجاد حلول ومخارج لكل المشاكل•• فيبدو له رأيٌ خاص ومفاجئ•• يُبهرهن •• يخلق لديهن إحساساً بروعة تكوينه •• إنه كتلة من المشاعر الرقيقة •• والدفيئة •• يشعرها صوته بحنان قديم فقدته ، ولكنها لم تفقده بعد •• كأنها تعرفه •• وكأنه يعرفها •• هناك شيء ما يمتد بينهما •• كانت تشعر بذلك•• خيط دقيق جداً لا يراه أحد حتى هما •• يمتد من أعماقه إلى أعماقها •• يجرفها وراءه أينما ذهب •• كانت تراقبه باستمرار ، وتسترق المرور جهة مكتبه في الممر البعيد جداً والمخالف تماماً لطريقها المعتاد •• ليس هناك ما يجعلها تتعنى له سواه •• وعندما تختلف النظرات تلمح ظله فتنتابها نوبات جنون فاضحة •• فلا تعرف كيف تتصرف •• تقذف بنفسها في أقرب مخبأ كي لا يراها •• وكأنها تخاف أن يرى علامات حبه منقوشة في وجهها •• بل كأنها خائفة من أن تصرخ في وجهه "احبك"•• 2 ظلت يائسة من رجل سكنها دون استئذان •• تعاني مرارة الهروب منه ومن نفسها في ذات الوقت •• إنها ضعيفة في مثل هذه الأمور •• وتعترف بذلك كلما تحاورت مع نفسها •• تعترف بأنها لا تملك ما يملكه غيرها من النساء •• فهي دائماً ترى مكتبه يعجّ بالفتيات المغامرات والجميلات •• اللواتي يندفعن إليه ويحتسين من قلبه جنون الرغبة في جنون اللذة •• كانت لهن نظرات جريئة •• وكانت هي لا تستطيع أن تُنكر وخز الغيرة الذي ينتابها ولا تقاومه •• وتنتظر متوترة في ذاك الممر المؤدي إليه لترى من يدخل عليه ومن يخرج من عنده •• ولكن ذلك لم يزدها إلا تعلقاً به وبأمل بعيد لن يتحقق في ظنها أبداً •• لم تكن يوماً تُمنّي نفسها بقربه أو حتى بالنظر إليه بصمود ولو من بعيد ••كان يخيفها بشخصيته ، وبتركيبته الساحرة •• إطاره الشكلي يختلف في عينيها عن كثير من رجال عصرها •• وحين يتحدث وتسمع صوته تختال في أعماقها همسات كونية تذكّرها بأن هذا الرجل هو حلمها وعشقها المكتوب •• فتضيع •• وليس لها مفرّ من هذا الضياع •• تتناجى في ذاتها كل الأشياء •• تُفرحها •• ويهلكها الشعور بالسعادة في حضرته •• تقاومه •• وتدّعي عكسه تماماً •• ولكنها تتمنى لو يتوقف كل شيء •• لو يخبره الكون كما يخبرها •• لو يقع عليه شيء من السماء يزلزل برودة إحساسه نحوها •• ويحرّك وجهه ويثبّت بصره عليها هي •• فقط هي دون الأخريات •• 3 مضت الأيام •• ومضت بضع سنوات •• وافترقا •• وذهب هو دون أن يعلم بأن الكون قد احتضن له حباً عظيماً في قلب صغير •• قلب محفوظ داخل جسد يختزله عنوان محدد هو اسم "نزوى" •• نزوى التعيسة ، اليائسة •• التي لم يتغيّر شيء بداخلها •• بل على العكس ظل يذكّرها بنفسه في كل الأوقات •• وذات يوم ظنت بأن النار المؤجّجة هدأت قليلاً •• وتوارت في حفرتها العميقة •• جلست وحدها راجية أن تحلم بشيء •• أي شيء •• وإذا بحلمها القديم يقفز إلى الذاكرة •• ويستبدّ بها •• ويتراءى لها ذاك الظل العالق منذ سنين •• فتلتفت إلى نفسها قائلة : - أليس لي من خلاص ؟! •• ألن ينتهي هذا الحلم ؟!•• وإذا بنفسها تقول : - ليس بيدي حيلة •• إنه وحده الذي يأمرني •• وحده الذي يملك حق الاحتجاب أو الظهور •• وأنتِ لستِ حرة •• وليست أحلامك مجردة من هذا الظل •• فهو مصدر الأحلام في عمرك •• بل كل أحلامك متلبسة به •• وقتها فقط آمنت بأن هذا الرجل قد أهداها ذات يوم بذرة عشق صغيرة •• ابتلعتها وسقطت مباشرة في عمق أحشائها•• وظلت ترتوي من دمها يوماً بعد يوم •• حتى كبرت وتضخمت •• وتمددت عبر شرايينها في كل اتجاه •• وها هو يمتلك كل ذرة في كيانها •• ويسكب عليها مزيداً من الأشواق واللوعة •• تتمنى لو تراه •• لو كان باستطاعتها أن تراه صدفة •• أين تجده ؟ •• كيف تحتلّ مسافات بعده ؟ •• كيف تُريه ما لم تستطع أن تُريه طيـلة سنين ؟ •• آه •• ما أتعس الضعف !•• ما أتعس الخجل الذي حرمها منه !•• تعود لذاكرتها •• وتقلّب الأحداث المركونة في مساحات الظلام •• لا تستطيع أن تستدعي أية ذكرى لها معه •• وذلك بسببها هي •• هي من كانت تتهرب منه •• كانت تخاف الاعتراف •• تخاف أن يسألها بجرأته المعتادة من أنتِ •• ما اسمكِ •• ماذا كانت ستجيب ؟!•• هل ستقول له أنها ذاته ؟!•• وأن اسمها يبتدئ به وينتهي به ؟!•• هل ستقول له بأنها أتت إلى الدنيا مبعوثة له وحده ؟!•• وأن كتفها الأيسر موشوم بلوحة غرام لروحها وروحه •• أم ستخبره بأنها تشبهه ، وأنه ينتمي إلى حلم رسمه الكون فوق صدرها حتى العظام ؟!•• هل ستريه رسمه وأوجاعها التي تعانيها وحدها ؟!•• لم تكن "نزوى" تمتلك هذا الكم من الجرأة •• بل على العكس تماماً•• كانت تنتمي لدنيا الأحلام والظلام •• فتحلم بكل شيء تعجز عن تحقيقه في الواقع •• ترسمه في ناظريها وتعيشه بالفعل لكنها لا تفعل أكثر من ذلك •• هكذا ظلت •• تلوذ بالصمت والانتظار وتعاني من حب ذاك الرجل مرارة لا مثيل لها •• 4 ولكن تُرى أين تذهب الأحلام ؟ •• هل لها إلاَّ أن تعود إلى الواقع ؟! ••هكذا ظلت نزوى تحلم •• وتحلم •• وتحلم •• حتى قابلته ذات يوم في أحد المقاهي •• كان جالساً مع صديق عندما دخلت هي مع أخرى •• فنظرت باتجاههما •• وإذا بعينيها تصطدم بعينيه •• لحن رائع اشترك في عزفه الفضاء بأسره •• وظلا يتبادلان تلك النظرة ما يقارب العشر ثوان •• وقد أخبرته بكل شيء •• كل شيء من خلال تلك النظرة الممتدة منذ بداية ذلك الهوى •• ذلك الشغف المرير وحتى أن غادر هو طاولته واتجه نحوها وسألها : - أنتِ نزوى العراقي ؟؟•• - نعم •• أهلاً بك أستاذ ••••••••• هل تذكرتني ؟!•• - لم أنسكِ أبداً يا نزوى •• إن لكِ ملامح يصعب على من يفهمها أن ينساها أو يتناساها •• وأنا فهمتها بشكلها العميق منذ الوهلة الأولى •• وقد كنتُ أتمنى لو أراكِ منذ زمن •• إن لكِ في داخلي رسائل كثيرة لم تقرئيها بعد •• داخت نزوى •• تماسكت •• كادت تسقط أرضاً من هولِ ما سمعت •• لم تتوقع أن يحدث هذا •• لم تتوقع أن يحمل لها هذا الإنسان ذرة ذكرى •• ولكنها فجأة أصبحت بالنسبة له كل الذكرى •• ولم يتفاجأ هو من ردة فعلها •• لقد كان يعلم بكل شيء •• لاحظ وقتها كل الأعراض واستوعب كل العلامات •• ولكنه احترم خجلها •• وكان كلامه كله محسوباً بدقات قلبه وقلبها •• إنهما ينتظران •• لقد ساد صمت •• صمت رهيب جعل صديقة نزوى تستأذن وتنسحب أمامهما دون أن يشعرا بها •• أما صديقه هو فقد تنحى في زاوية أخرى من المقهى •• لقد التقت العاطفة بالعاطفة •• التقت النظرات التائهة ببعضها •• ودلّ كل شيء طريقه •• انقضى كل شيء في دقائق •• وتم الاعتراف بكل عذابات السنين •• وفُتحت الجراح بألم وبلذة ، ولكنها عولجت •• وشفيت •• وتم الانصهار •• وانفتحت مخيلتها أمام رجل يثير غرابتها في كل شيء •• قال لها : - هل تعرفين كم أنفقت من الوقت حتى أصل إليكِ ؟ قد يأخذها آخر ولن تلقى قدامك فرصة ثانية " أراد الإنكار قائلا " ولكن .. " لم تتركه يكمل إذ أنها قالت بشدة وهي تجر الغطاء " قلت لك هيا .." في الطريق يسرع غير منتعل .. يحاول تفادي الحجارة الصغيرة التي تطعنه .. كلب أسود يركد وراءه .. يدب الذعر في ذاته ولولا بقية من بسالة كانت في نفسه لرجع ركدا إلى البيت. يقف .. ويأخذ حجرا من الأرض .. يرميه رغبة بإخافة الكلب .. ولكن .. " لا جدوى .. حتى الكلب يعلم أني ضعيف " تبدو له الشجرة .. لا تزال بعيدة .. وهذا المسلك الموجع الذي لابد أن يعبره ليصل إليها " حتى وأنا تحت الشجرة .. تكون بعيدة عني " ينظر إليها. المشادة اليومية الذي تجري تحتها .. الجميع يريد الوصول ونزع الكيس المعلق بأحد أغصانها .. قد يحتوي على كنز أو ذهب، أو حتى أموال .. هو لا يعلم ما يضمه هذا الكيس ولا غيره من المزدحمين يعلم، ولكن لا يهم هذا، المهم أن يأتي بالكيس أولا .. ثم بعد ذلك يعلم ما بداخله، هكذا يكون الأمر منطقيا بالنسبة له .. تثاقلت خطواته وهو يدنو من الشجار الدموي. رأى شخصا آتيا من تلك الجهة يبدو جريحا .. إذ أنه يعرج في حركته .. نزاع .. الجميع يدهس الجميع .. ليس مهما أين يضع قدميه .. قد تكون على رجل أحدهم، أو رأسه، أو بطنه، أو رقبته، الجميع يدهس .. لا وقت لأحد لينظر إلى موضع قدمه .. أو أن يعاون من سقط ..لا وقت ليبعد نظره عن الكيس المعلق. يدفع بكتفه .. هذا وذاك .. ليدخل في الاكتظاظ .. تصل يداه إلى فوق كغيرها من الأيادي ينط .. يدق برجليه الأرض وينط فقد يحوز على الكيس .. يكرر وثباته .. ويتكرر ضغط قدميه على الأرض .. " ولكن .. ما هذا الذي تحت قدماي ؟؟؟ شيء طري .. وسادة .. أو وعاء ماء من جلد .. أو " يسمع تأوها موجعا .. يقول في نفسه " أوه .. لابد أن شخصا سقط .. وأنني كنت أنط على بطنه " لا وقت عنده لينظر إلى الشخص أو يبتغي معاونته .. فهو إن نظر إلى موطئ قدمه لن يقدر أن يهز رأسه ليرجع البصر إلى الكيس .. وهو إن أصر على النظر إلى الكيس فلن يقدر أن يحدد موضع قدمه .. قد يطأ كما فعل قبل قليل بطن شخص " ولكن .. لا يهم .. لست أنا الوحيد الذي دهسه .. غيري كثيرون ممن داسوا ويدوسون " كل الذي عمله هو أنه أبعد الشخص المجاور له بكتفه وبذلك الأسلوب تجنب ذلك المطروح أرضا .. كرر الوثوب ولكن .. لا جدوى .. لا تلمس يداه الكيس .. شعر بالوهن وضعفت عيناه فالشمس بحرارتها تحرق رأسه .. وعيناه وأُنهكتا من التركيز على الكيس .. أحيانا يحاول أن يزيد القليل من التغيير فيصرف نظره إلى الغراب الواقف على نفس الغصن .. غراب أسود كبير يشاهد المتشاجرين ببرودة ولا يخافهم .. فقد اعتاد وجودهم .. من قبل شجار والديهم وأجدادهم .. والآن نزاعهم .. وبعد ذلك نزاع أبنائهم وأحفادهم .. أنفاسه تتسارع .. والعرق يسيل من جسمه بعد أن تمكن منه الإعياء .. يريد التراجع مقنعا نفسه " نعم .. لم لا أتراجع .. وأرضى بما عندي .. ألا يقال أن الرضا كنز لا يفنى .. بلى .. سأنصرف عن النزاع والجري وراء هذا الكيس الذي يحتوي على المجهول " يخرج في هدوء إلى خارج الجماعة .. يقعد بعيدا عنهم .. يدخل يده في جيبه ولكنه يخاف أكل قطعة الرغيف التي يخفيها .. فالكلب الأسود يقف قريبا ينظر إليه نظرة لا يعلم غايتها .. ولكنها تستره .. الشمس تنتقل من مكانها وتسير إلى الغرب .. والشجار ينقص شيئا فشيئا .. فالمنهك يتراجع للاسترخاء .. أو ربما للرجوع في اليوم الموالي .. وقد يسحب أحدهم جريحا أو قد يتركه على التراب حتى تأتي عائلته متعجبين من تأخره ليلقوه على وضعه .. ويهزوه إلى البيت ليداووه .. أو.. ليقبروه . يركز النظر إليهم حين يمشون من أمامه .." ليسوا رجالا فقط .." يرى النساء .. العديد منهن فيقول في نفسه مستهزئا " ويقولون جنس ناعم " بعد مغيب الشمس كان الكل قد تراجع ولا شخص في المكان غيره .. الغداف غادر الغصن وطار إلى مكان غير معروف .. الكلب الأسود لم يبقى له أثر .. قهقه من نفسه مستهزئا " حتى الحيوانات عرفت أن الشجار قد انتهى. •• هل تعلمين بأني أعرف عنكِ كل شيء حتى مجيئك إلى هنا وفي هذا الوقت ؟•• قالت له : - كيف عرفت ؟ •• وبدأ يغمرها بحكاياته الطويلة ، وبدأت كل كلمة منه توقظ كل ذرة في كيانها ••
