رأي أئمة المذاهب[عدل]
الحنفية: فقد ذهبوا إلى أن الوجه والكفين ليسا بعورة، ويجوز للمرأة كشفهما؛ لأن الوجه واليدين يحتاج إلى كشفهما عند المعاملة فكان في كشفهما ضرورة لا تتفق لغيرهما من البدن فأبيح كشفهما، وبقي ما عداهما على المنع إلا القدم ففيه روايتان؛ فقيل هما ليسا من العورة أيضاً كالوجه واليدين لضرورة الخدمة والحاجة إلى كشفهما في الخدمة، وقيل: هما من العورة، وصحح في "الاختيار" أنهما ليسا بعورة في الصلاة وعورة خارج الصلاة، والمعتمد من هذه الأقوال الثلاثة المصححة أن القدمين ليسا بعورة كما في "تنوير الأبصار" وغيره لا في الصلاة ولا خارجها على المعتمد.
واختلف في ظاهر الكف وكذا القدم فظاهره ليس بعورة بلا خلاف وأما باطنه ففيه روايتان صحح أنه عورة وصحح كذلك أنه ليس بعورة، وفي "المحيط" الأصح: أنه عورة، والخلاف كذلك في ظاهر القدم محقق خلافاً لمن نفاه وأكثر ما في المتون أنه ليس بعورة. واختلف كذلك في الذراعين هل هما عورة أو لا؟ فيهما روايتان: الأصح أنهما عورة، وصحح البعض أنهما عورة في الصلاة لا خارجها، وعلى هذا القول فإن العورة خارج الصلاة تكون أقل من عورة الصلاة، وذلك لانكشاف الذراعين عند الخدمة عادةً خارج الصلاة فلم تكن عورة خارجها، وكانت عورة في الصلاة.
وباب العورة يختلف عن باب النظر وباب الكشف؛ إذ أنه قد يكون المحل عورة ويباح كشفه والنظر إليه، وقد لا يكون عورة ولا يباح كشف والنظر إليه، وفي كل ذلك تفصيل هذا بيانه:
فأما الشابة فتمنع عن كشف وجهها لخوف الفتنة، والفتنة هنا ليست محققة بمجرد كشف الوجه واليدين مع التزام الحشمة في لبس الثياب التي لا تصف ولا تشف، وهي أمر يختلف باختلاف الأزمان، وهي ما تكن محققة في الزمن الأول لورع أهله فلم تكن تمنع النساء عن كشف الوجه في الصدر الأول، فكذا هنا لعدم حصول الفتنة بمجرد كشف الوجه لا من جهة ورع أهل هذا الزمان وإنما من جهة ما جرت به العادة من حصول الفتنة بما هو أغلظ من ذلك، إذ الفتنة هنا المراد بها الفجور بالمرأة كما في "القاموس" أو الشهوة، ومن ثم تمنع المرأة عن ذلك إن خشي النظر إليها بشهوة وسيأتي تفسيرها وأما النظر فعلى مذهب أبي حنيفة "إنما يمنع لما جاز إظهاره إن وقع بشهوةٍ لا إن لم يقع بشهوة وإن بلا حاجة؛ لأن جواز الكشف يبيح النظر، ولكن إن وقع بشهوة لم يجز إلا لحاجة كقاضٍ أو شاهد للحكم أو الشهادة لا للتحمل وكخاطب يريد نكاحها فله النظر ولو بشهوة للسنة لا لقضاء شهوة، وكذا للضرورة كمداواتها وإن كان ذلك يتسع ولو لعورة بقدر تلك الضرورة الداعية للنظر، واختلف في جواز النظر بلا شهوة هل ولو بلا حاجة أو إن كان لحاجة داعية فيكره لغيرها.
قال أبو جعفر الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2 / 392 - 393): "أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى".
جاء في المبسوط للإمام محمد بن الحسن الشيباني (ج3/ص56 - 58): "وأما المرأة الحرة التي لا نكاح بينه وبينها ولا حرمة ممن يحل له نكاحها فليس ينبغي له أن ينظر إلى شيء منها مكشوفا إلا الوجه والكف ولا بأس بأن ينظر إلى وجهها وإلى كفها ولا ينظر إلى شيء غير ذلك منها وهذا قول أبي حنيفة وقال الله تبارك وتعالى وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ففسر المفسرون أن ما ظهر منها الكحل والخاتم والكحل زينة الوجه والخاتم زينة الكف فرخص في هاتين الزينتين ولا بأس بأن ينظر إلى وجهها وكفها إلا أن يكون إنما ينظر إلى ذلك اشتهاء منه لها فإن كان ذلك فليس ينبغي له أن ينظر إليها".
وقال شمس الأئمة السرخسي في كتابه المبسوط (10/ 152 - 153) عن النظر إلى الأجنبية: ( ... فدل أنه لا يباح النظر إلى شيء من بدنها ولأن حرمة النظر لخوف الفتنة – يعني لا لكونه عورة - وعامة محاسنها في وجهها فخوف الفتنة في النظر إلى وجهها أكثر منه إلى سائر الأعضاء) إلى أن قال: (ولكنا نأخذ بقول علي وابن عباس رضي الله عنهم فقد جاءت الأخبار في الرخصة بالنظر إلى وجهها وكفها) ... إلى أن قال: (وهذا كله إذا لم يكن النظر عن شهوة فإن كان يعلم أنه إن نظر اشتهى لم يحل له النظر إلى شيء منها).
المالكية: فقد نصوا على أن عورة المرأة المسلمة الحرة البالغة مع الرجل الأجنبي المسلم غير الوجه والكفين، وأما هما فليسا بعورة يجوز النظر بغير قصد لذة، وإلا حرم منه النظر إليها، وحينئذٍ هل يجب عليها ستر وجهها ويديها؟ قيل: نعم وهو ما شهره "ابن مرزوق" وهو قول القاضي "عبد الوهاب"، وهو ظاهر ما في "التوضيح"، وقيل: "لا يجب عليها ذلك، وإنما يجب على الرجل غض بصره، وهو ما قاله "عياض" في حديث "لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وليست لك الثانية"، فقال: "في هذا كله عند العلماء حجة أنه ليس بواجب أن تستر المرأة وجهها وإنما ذلك استحباب وسنة لها، وعلى الرجل غض بصره عنها، وغض البصر يجب على كل حال في أمور العورات وأشباهها، ويجب مرة على حال دون حال مما ليس بعورة وهو ظاهر "الرسالة". وقد نقل "عياض" قوله عن العلماء مطلقاً في عدم وجوب الستر عليها.
وفي "الموطأ" رواية يحيى (2/ 935): "سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله".
قال الباجي في "المنتفى شرح الموطأ" (7/ 252) عقب هذا النص: "يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها".
قال ابن القطان في النظر في أحكام النظر ص 143 بعد أن ذكر هذا النص عن مالك (وهذا نص قوله وفيه إباحة إبدائها وجهها وكفيها للأجنبي إذ لا يتصور الأكل إلا هكذا وقد أبقاه الباجي على ظاهره. وقال أيضا ص 145 (وكذلك أيضا استدل به إسماعيل القاضي لمذهبه وهو جواز بدو الوجه والكفين وبما أجمع عليه من جواز بدو وجهها في الصلاة بل وجوبه).
قال ابن بطال فيما نقله عنه ابن حجر في فتح الباري (ج11/ص10) في الحديث (أي حديث الخثعمية) الأمر بغض البصر خشية الفتنة ومقتضاه أنه إذا أمنت الفتنة لم يمتنع قال ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم لم يحول وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لاعجابه بها فخشي الفتنة عليه قال وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء والإعجاب بهن وفيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يلزم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إذ لو لزم ذلك جميع النساء لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الخثعمية بالاستتار ولما صرف وجه الفضل قال وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضا لاجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة ولو رآه الغرباء وأن قوله: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)، على الوجوب في غير الوجه.
الشافعية: وعندهم أن عورة الحرة في الصلاة وعند الأجنبي ولو خارج الصلاة جميع بدنها إلا الوجه والكفين ظهراً وبطناً إلى الكوعين، وإنما لم يكونا عورة؛ لأن الحاجة تدعو إلى إبرازهما، وإنما حرم النظر إليهما لأنهما مظنة الفتنة إلا لغرض صحيح؛ فإن وقع بصره عليها فجأة غض بصره، وقيل: يجوز مرة واحدة إن لم يكن محل فتنة، وقد مر حكاية مثل ذلك عند "الحنفية" و"المالكية" وذلك لما مر في حديث برية "لا تتبع النظرة النظرة". ووجه ذلك أن الغالب أن الاحتراز عن الأولى لا يمكن فوقع عفواً قصد أو لم يقصد.
وقد ذكروا أن عورة الحرة خارج الصلاة جميع بدنها؛ أي: عند الرجال الأجانب، ويقصدون العورة ما يحرم نظره، لأن العورة تطلق شرعاً بإطلاقين فالإطلاق الأول على ما يجب ستره في خصوص الصلاة، والإطلاق الثاني على ما يحرم النظر إليه، وقد تسبب الخلط بين هذين الإطلاقين في حمل ما يجب ستره على ما يحرم النظر إليه كما بين ذلك في توضيح "الباجوري" وغيره. وقد نقل "عياض" – – الاتفاق على عدم فرض ستر الوجه إلا على أمهات المؤمنين.
وقال البغوي في " شرح السنة" (9/ 23):
"وأما المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبية حرة فجمع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين لقوله عزوجل (ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قيل في التفسير هو الوجه والكفان وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضاً عند خوف الفتنة".
قال جمال الدين الأسنوي في المهمات "إنه الصواب (أي جواز النظر إلى الوجه والكفين عند أمن الفتنة وعدم الشهوة) لكون الأكثرين عليه وهو قول الرافعي".
جاء في روضة الطالبين وعمدة المفتين (6/ 15) في نظر المرأة إلى الرجل فيحرم نظره إلى عورتها مطلقا وإلى وجهها وكفيها إن خاف فتنة وإن لم يخف فوجهان قال أكثر الأصحاب ولا سيما المتقدمون لا يحرم لقول الله تعالى (ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) وهو مفسر بالوجه والكفين لكن يكره).
وقال عنه في المجموع شرح المهذب (17/ 298): ووجه عند الشيخين نسباه إلى الأكثرين لايحرم.
قال في المغني (ج7/ص78):وقال القاضي يحرم عليه النظر إلى ما عدا الوجه والكفين لأنه عورة ويباح له النظر إليها مع الكراهة إذا أمن الفتنة ونظر لغير شهوة وهذا مذهب الشافعي لقول الله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها [النور: 31] قال ابن عباس الوجه والكفين وروت عائشة أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثياب رقاق فأعرض عنها وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه رواه أبو بكر وغيره ولأنه ليس بعورة فلم يحرم النظر إليه بغير ريبة كوجه الرجل.
الحنابلة: فعندهم الصحيح من المذهب: أن الوجه ليس بعورة، وعليه الأصحاب حتى حكاه "القاضي" إجماعاً ووجه ما روى عن "أحمد" من أن المرأة عورة على ما عدا الوجه، أو على غير الصلاة كما قال الزركشي. وفي الكفين روايتان: إحداهما أنهما عورة، وهي المذهب الذي عليه جمهور الأصحاب، وهي الرواية التي اختارها الأكثر، والثانية: أن الكفين ليستا بعورة، وهي اختيار الشيخ "تقي الدين ابن تيمية وآخرين، وهي التي صوبها في "الإنصاف"، وصححها أيضاً شيخه في "تصحيح المحرر".
وفي القدمين كذلك قولان: المذهب الذي عليه الأصحاب أنهما عورة، واختاره الشيخ "تقي الدين" وصوبه في "الأنصاف أيضاً". وأما النظر فالذي عليه أكثر الأصحاب أنه لا يجوز للرجل النظر إلى الأجنبية قصداً وهو المذهب، ومع ذلك فقد جوز جماعة من الأصحاب نظر الرجل من الحرة الأجنبية إلى ما ليس بعورة صلاةٍ، وق جزم به "السامري" في "المستوعب" في "آدابه"، وهو ما ذكره الشيخ "تقي الدين" روايةً، وهو ما ذكره بقوله: هل يحرم النظر إلى وجه الأجنبية لغير حاجة؟ رواية عن الإمام "أحمد" يكره، ولا يحرم، وبها أخذ ابن عقيل حيث قال: لا يحرم النظر إلى وجه الأجنبية إذا أمن الفتنة ن وهو أيضاً ما ذكره القاضي حيث قال: النظر إلى العورة محرم، وإلى غير العورة مكروه.
قال العلامة ابن مفلح الحنبلي في كتابه "الآداب الشرعية" (1/ 316) ما نصه:
"هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟
ينبني (الجواب) على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها أو يجب غض النظر عنها؟ وفي المسألة قولان قال القاضي عياض في حديث جرير رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري. رواه مسلم. قال العلماء رحمهم الله تعالى: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي. ذكره الشيخ محيي الدين النووي ولم يزد عليه".
يعني: في "شرح مسلم" قبيل (كتاب السلام) وأقرَّه.
ثم قال ابن مفلح:
فعلى هذا هل يشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف وقد تقدم الكلام فيه فأما على قولنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم: إن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة.
قال ابن قدامة في المغني: فصل نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب:
فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب، فإنه محرم إلى جميعها، في ظاهر كلام أحمد. قال أحمد: لا يأكل مع مطلقته، هو أجنبي لا يحل له أن ينظر إليها، كيف يأكل معها ينظر إلى كفها؟، لا يحل له ذلك. وقال القاضي: يحرم عليه النظر إلى ما عدا الوجه والكفين; لأنه عورة، ويباح له النظر إليها مع الكراهة إذا أمن الفتنة، ونظر لغير شهوة. وهذا مذهب الشافعي لقول الله تعالى: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال ابن عباس: الوجه والكفين وروت عائشة { أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثياب رقاق، فأعرض عنها، وقال: يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه } رواه أبو بكر، وغيره; ولأنه ليس بعورة، فلم يحرم النظر إليه بغير ريبة، كوجه الرجل.
وفي الآية: ((وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب))، وفي قول النبي محمد: ( إذا كان لإحداكن مكاتب، فملك ما يؤدي، فلتحتجب منه)، وعن أم سلمة، قالت: (كنت قاعدة عند النبي صلى الله عليه وسلم أنا وحفصة فاستأذن ابن أم مكتوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم احتجبن منه) حديث صحيح رواه أبو داود (وكان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته الخثعمية تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه عنها)، وعن جرير بن عبد الله، قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري)، حديث صحيح وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة)، رواهما أبو داود.
وفي إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها دليل على التحريم عند عدم ذلك، إذ لو كان مباحا على الإطلاق، فما وجه التخصيص لهذه؟، وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب، فنحمله عليه.
والعجوز التي لا يشتهى مثلها، لا بأس بالنظر إلى ما يظهر منها غالبا; لقول الله في القرآن: ((والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا))، قال ابن عباس، في قوله تعالى: (( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن))، قال: فنسخ واستثنى من ذلك: ( والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا ) وفي معنى ذلك الشوهاء التي لا تشتهى.[6]
الظاهرية: فقد قال ابن حزم في المحلى: وأما المرأة فإن الله تعالى يقول: (( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن)) - إلى قوله - : (( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن)). فأمرهن الله تعالى بالضرب بالخمار على الجيوب، وهذا نص على ستر العورة، والعنق، والصدر. وفيه نص على إباحة كشف الوجه; لا يمكن غير ذلك أصلا، وهو قوله تعالى: (( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن))، نص على أن الرجلين والساقين مما يخفى ولا يحل إبداؤه. وحدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا عمرو الناقد ثنا عيسى بن يونس ثنا هشام عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية قالت: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق، والحيض، وذوات الخدور . قالت: قلت يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب قال: لتلبسها أختها من جلبابها ). [ص: 248] قال علي بن أبي طالب: وهذا أمر بلبسهن الجلابيب للصلاة والجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما غطى جميع الجسم، لا بعضه فصح ما قلنا نصا حدثناعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا مسدد ثنا يحيى هو ابن سعيد القطان - عن سفيان الثوري - أخبرني عبد الرحمن بن عابس قال: ( سمعت ابن عباس يذكر أنه شهد العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنه عليه السلام خطب بعد أن صلى، ثم أتى النساء ومعه بلال; فوعظهن وذكرهن، وأمرهن أن يتصدقن، فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال). فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أيديهن; فصح أن اليد من المرأة، والوجه: ليسا عورة، وما عداهما; ففرض عليها ستره. حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا سليمان بن سيف ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ثنا أبي عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب: أن سليمان بن يسار أخبره أن ابن عباس أخبره ( أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع)، والفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم " وذكر الحديث. وفيه " فأخذ الفضل يلتفت إليها ، وكانت امرأة حسناء، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحول وجه الفضل من الشق الآخر ". فلو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها عليه السلام على كشفه بحضرة الناس، ولأمرها أن تسبل عليه من فوق، ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء فصح كل ما قلناه يقينا والحمد لله كثيرا. وأما الفرق بين الحرة والأمة فدين الله تعالى واحد، والخلقة والطبيعة واحدة، كل [ ص: 249 ] ذلك في الحرائر والإماء سواء ، حتى يأتي نص في الفرق بينهما في شيء فيوقف عنده، فإن قيل: إن قول الله تعالى: { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن } : يدل على أنه تعالى أراد الحرائر فقلنا: هذا هو الكذب بلا شك; لأن البعل في لغة العرب: السيد، والزوج، وأيضا فالأمة قد تتزوج; وما علمنا قط أن الإماء لا يكون لهن: أبناء، وآباء، وأخوال، وأعمام، كما للحرائر، وقد ذهب بعض من وهل في قول الله تعالى : { يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين } إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق ; فأمر الحرائر بأن يلبسن الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلا يعترضوهن . قال علي: ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد، الذي هو: إما زلة عالم ووهلة فاضل عاقل; أو افتراء كاذب فاسق; لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين، وهذه مصيبة الأبد، وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنى بالحرة كتحريمه بالأمة; وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة ولا فرق، وإن تعرض الحرة في التحريم كتعرض الأمة ولا فرق، ولهذا وشبهه وجب أن لا يقبل قول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بأن يسنده إليه عليه السلام.[7]
مذاهب علماء آخرين: قال الشوكاني في نيل الأوطار (ج6/ص245) (بعد ذكر حديث أسماء) وهذا فيه دليل لمن قال إنه يجوز نظر الأجنبية قال بن رسلان وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو ما دونه أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساق وحكى القاضي عياض عن العلماء أنه لا يلزمها ستر وجهها في طريقها وعلى الرجال غض البصر للآية.
وقال أيضا في نيل الأوطار (ج6/ص243) ومن جملة ما استدلوا به (أي الذين قالوا بحرمة النظر مطلقا) حديث بن عباس عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه وفيه قصة المرأة الوضيئة الخثعمية فطفق الفضل ينظر إليها فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بذقن الفضل فحول وجهه عن النظر إليها وأجيب بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك لمخافة الفتنة لما أخرجه الترمذي وصححه من حديث علي وفيه فقال العباس لويت عنق بن عمك فقال رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الفتنة وقد استنبط منه ابن القطان جواز النظر عند أمن الفتنة حيث لم يأمرها بتغطية وجهها فلو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل ولو لم يكن ما فهمه جائزا ما أقره عليه وهذا الحديث أيضا يصلح للاستدلال به على اختصاص آية الحجاب السابقة بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم لأن قصة الفضل في حجة الوداع وآية الحجاب في نكاح زينب في السنة الخامسة من الهجرة كما تقدم.
وقال أيضا: وقال في الكشاف (أي الزمخشري) الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب فما كان ظاهرا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا بأس بإبدائه للأجانب وما خفي منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين.
ثم قال: والحاصل أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو الحاجة إليه عند مزاولة الأشياء والبيع والشراء والشهادة فيكون ذلك مستثنى من عموم النهي عن إبداء مواضع الزينة وهذا على فرض عدم ورود تفسير مرفوع وسيأتي في الباب الذي بعد هذا ما يدل على أن الوجه والكفين مما يستثني (يقصد حديث أسماء).