خلافات في المعسكر الصليبي[عدل]
نزل ريتشارد قلب الأسد في القصر الملكى السابق عند السور الشمالي للمدينة بينما نزل فيليب أغسطس في دار الداوية السابقة ، وعند تقسيم أحياء المدينة وقع شجار بين القادة الصليبيين ، فقد طالب ليو بولد دومه النمسا باعتباره قائداً للجيش الألمانى أن تكون له نفس المكانة الملكية ، ورفع لواءه إلى جانب لواء الملك الانجليزى ريتشارد ، ولكن العساكر الإنجليز نزعوا العلم وألقوا به في خندق المدينة ، واعتبر ليوبولد ذلك إهانة سيترتب عليها أسر الملك ريتشارد عند عودته من بلاد الشام وعلى أية حال فقد حصل التجار والنبلاء الصليبيين على ماكان لهم قبل سقوط المدينة في أيدى المسلمين ، أول ما قام به الصليبيون من اعمال داخل عكا هو إعداد الكنائس وتدشينها لإستقبال المصليين ، وتم ذلك بإشراف القاصد الرسولى أديلارد أسقف فيرونا الذي وصل إلى عكا في نوفمبر 1189م ثم اجتمع النبلاء لوضع تسوية نهائية لمشكلة عرش المملكة ، ثم ينتقل التاج من بعده إلى كونراد وزوجته ايزابيلا ، كما يصبح في الوقت نفسه كونراد سيداً لمدينة صور وصيدا وبيروت ، مع ملاحظة أن المدينتين الأخيرتين كانتا بين المسلمين في هذه المرحلة ، وأن يقتسم جاى و كونراد موارد المملكة ، وبعد أن ضمن فيليب لكونراد تاج المملكة بعد جاى لوز جنان بدأ يستعد للعودة إلى بلاده بسبب المرض بعد أن أدى واجبه من وجهة نظره وفى نهاية يوليو 1191م / السابع من رجب 587هـ غادر فيليب عكا في طريقه إلى صور بعد أن فشل ريتشارد في ابقائه مع الحملة ومن صور أبحر فيليب وهو مريض عائداً إلى بلاده [1]
ريتشارد و صلاح الدين[عدل]
بينما كان ملك فرنسا في طريقه إلى بلاده كان ريتشارد منهمكاً في اصلاح الأسوار ، يبنيها أعلى وأقوى من السابق ، كان هو نفسه دائم الجولات ليشجع العمال والبنائين ، كان هدفه الأوحد هو استعادة تراث الله ، بعد سقوط عكا، قام صلاح الدين بالرجوع فوراً على خطوط انسحابه ، وجمع جيشه الرئيسى على التلال التي تسيطر عليها الطريقين الكبيرين ، الأولى تقود إلى طبرية ودمشق الأخرى إلى الجنوب الشرقي من الناصرة إلى القدس ، تلة شفرعام ( شفا عمر ) أطلت على الطريقين لكن ريتشارد لم يشبع رغبة منافسة بمحاولة فتح طريقه في الممرات وجسوراً كما كان ، لم يجازف بالتقدم من خلال تلال يحتلها المسلمين بالكامل ، اختار الطريق الأطول لكن الأسلم على الطريق الرومانى القديم الذي تحاذى الشاطئ ، حيث لو كان العدو على التلال يسار فلديه حامية البحر ومساعدة أسطوله على اليمين ،كانت خطته أن ينزل على الشاطئ بعيداً عن يافا وعسقلان، وبعد تحصين قاعدة له ، يتقدم باتجاه القدس ، كان ريتشارد طبعاً في مقدمة الحالات الطارئة يرعد ويقطع الرؤوس ، ولم يكن صلاح الدين يد الخليفة فقد شوهد مراراً راكباً بين الجنود في الصفوف الأمامية والسهام تتطاير حول رأسه يرافقه فقط بضعة من سواك الخيل مع خيول احتياطية لكن لم تكن من عادته أن يحارب مقابلة شخصية ، ومن المؤكد أنه لم يواجه أبداً ريتشارد في ميدان المعركة.[2]
موقعة أرسوف و هزيمة المسلمين[عدل]
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: معركة أرسوف
اتجه ريتشارد قلب الأسد بقواته نحو أرسوف , يريد الاستيلاء على مدن الساحل التي في أيدى المسلمين , فاذا تم له الاستيلاء عليها اتجه نحو بيت المقدس , وفى أرسوف دارت بين الفريقين معركة رهيبة في
14 شعبان ( سبتمبر ) أبلى فيها المسلمون بلاء حسناً وأوشكوا على الفوز بقيادة الملك العادل سيف الدين ( أخى صلاح الدين ) ولكن انقلبت الموازين بسبب صمود ريتشارد وشجاعته , وأصيب المسلمون بهزيمة مؤلمة لأول مرة في تاريخ حروبهم منذ أن تولى صلاح الدين الأيوبى مسئولية القيادة للمعارك الحربية , ولولا ثبات صلاح الدين وتأثيره الشخصى في اثارة حماسة جنده وتماسكهم , لكانت الموقعة مأساه كبرى للمسلمين , ومع هزيمة المسلمين في أرسوف كانت موجعة الا أن صلاح الدين استطاع أن يمتص هذه الهزيمة وتماسكت قواته وأمر بتدمير استحكامات المدن الساحلية مثل يافا و أرسوف و قيصرية وصيدا وجبيل حتى لا تقع في أيدى الصليبيين كما ضمت استحامات طبرية , ثم أمر صلاح الدين بتخريب عسقلان كذلك , لاسيما وأن الفرنجة قد نزلوا في يافا واستقروا بها بعد سقوط عكا في أيديهم ثانية , ولا يمكن للعساكر المسلمين حفظ عسقلان وبيت المقدس , ثم توجه صلاح الدين إلى بيت المقدس وأعد خطة محكمة للدفاع عنها وحمايتها فقسم سور البلد إلى مناطق دفاعية ووزع قواده ومقاتليه عليه وحفر خندقاً عريضاً على غرار ماعمله الفرنجة في عكا , وأمام هذه التحصينات القوية على بيت المقدس تراجع ريتشارد عن عزمه وأدرك انه لن يستطيع الاستيلاء على القدس فارتد إلى الرملة ومنها توجه إلى عسقلان 1192م , حيث مكث بها أربعة شهور أعاد خلالها ما كانت عليه من تحصينات حتى أضحت أقوى الحصون الساحلية وقد يبدوا غريباً أن صلاح الدين لم يهاجم ريتشارد ولكن الحقيقة أنه كان مضطراً للإنتظار حتى تصله الإمدادات من الموصل والجزيرة [3]
نتائج الحملة الصليبية الثالثة[عدل]
أحداث السنوات الأخيرة من حياة صلاح الدين رواها في تفاصيلها وحضرها بنفسه رفيقة الملازم له شداد وفيها الكثير من التفاصيل الحية ومنها قصة المفاوضات مع الفرنج وقد استمرت خمسة عشر شهراً
( 23 جمادى الأول سنة 587هـ حتى 20 شعبان سنة 588هـ ) واقتضت 42 وفداً ومفاوضة تنقطع وتتصل .. وكان البادئ في طلبها دوماً ملك الإنكليز ريتشارد :
1 – كان أولها في وقعة بين المسلمين والفرنج بعد وصول هذا الملك إلى عكا بعشرة أيام , فقد حدثه الفرنج عن صلاح الدين أنه شيطان رجيم وملاك رحيم في وقت واحد , فأراد أن يراه وفى خلال المعركة أرسل رسولاً يطلب الاجتماع بالسلطان فأجاب صلاح الدين على الفور : الملوك لا يجتمعون الا عن قاعدة وما يحسن الحرب بينهم بعد الاجتماع والمؤاكلة فلابد من تقرير قاعدة ولابد من ترجمان , كانت عكا لم تسقط بعد والحديث بين الجيشين في ظاهرها .
2 – وانقطع الرسول ثم عاد وتحدث ( في أواخر جمادى الأول ) مع الملك العادل يطلب الاجتماع معه في المرج وحدها بين صفى العسكريين مع ترجمان , وأذن صلاح الدين لكن الاجتماع لم يتم ثم جاء الرسول يقول باسم الملك : لا تظم أننى تاخرت لما شاع من انكار الفرنج للاجتماع فأنا أحكم ولا يحكم علىَّ , ولكنى مرضت وعادة الملوك أن يتهادوا وعندى مايصلح للسلطان فان أذن أرستلته .
3 – بعد ستة أيام خرج رسول آخر مغربي أسير مسلم هدية للسلطان فقبله وأطلقه.[4]
صلح الرملة[عدل]
وفى شهر شعبان عقدت بين المسلمين والفرنج هدنة على شروط منها :-
1 – أن تظل عسقلان خراباً وتبقى أملاك صلاح الدين في يده و أملاك الفرنج في أيديهم وهى يافا وقيسارية وأرسوف وحيفا وعكا أعمالها جميعاً أما اللد والرملة فتبقى " مناصفة " مشتركة بين الفريقين .
2 – أن تكون الهدنة 3 سنين و 8 شهور .
3 – ألا يعترض الصليبيون لبيت المقدس .
4 – أن يسمح صلاح الدين لزوار الفرنج بدخول القدس فأتى الزوار اليها وزاروها فعلاً وسمى هذا الصلح " صلح الرملة " وبعد انعقاد الهدنة رحل قلب الأسد إلى عكا ومنها على انجلترا فتفقد صلاح الدين القلاع والحصون ثم ذهب إلى دمشق بعد أن أناب على القدس الأمير جورديك ولكن فاجأته المنية في صفر سنة 859هـ الموافق شهر شباط سنة 1193م فدفن في القلعة ثم نقل إلى جوار الجامع الأموى وقبره مشهور ومطلقاً لم يبلغ أحد من البشر مابلغه صلاح الدين من ألق المجد بعد انقضاء عهد الرسول (ص) وقادة الفتح الأولين إذ أحرز أكبر نصر للإسلام على الفرنجة – حطين – و أزاح ستار الظلام القائم بين الشرق والغرب , لقد بكى الناس فقدان القدس في أكثر الأكواخ تواضعاً في فرنسا ولكن هنا في دمشق أصبح صلاح الدين في حياته وسيبقى أبداً على مر الأجيال سيف الإسلام , وأضحى رمز الإسلام , وغدا اسمه وحده يجعل يقظة الإسلام تهز رهبة أعمامه أقصى الولايات في الغرب , وقدم دمشق لتحيَّه الأمراء وشيوخ القبائل , و قوام المقام والقضائ والعلماء وتغنى الشعراء بأعجب ملحمة قام بها خيالة الرحمن.[5]