الحديث عن الذهب لا يُمل، مهما كتبت وكتب غيري عنه، ومهما قرأت عنه وسمعت، وبالرغم من المثل القائل "إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب". وبما أن لكل مثل أو حكمة أو قاعدة شواذ، فشواذ هذه القاعدة هو حب الناس لكثرة الحديث عن الذهب وصعوبة السكوت عنه. فإن اقتنيته تستمتع بالحديث عنه من قبيل الظهور والمظاهر والشوفانية، وإن لم تقتنه، كما هو حالي، تتحدث عنه حتى ولو لنفسك، عن كيفية اقتنائه وتمني النفس بحيازته، حتى وإن كان ذلك دون جدوى. وبما أنني من الفئة الأخيرة فسوف أظل أكتب عنه ما وجدت لذلك مناسبة ومجالاً بالرغم من أنني قد كتبت عنه الكثير من قبل مستهدفاً جزئية من اقتصادياته. أما في هذه المقالة فسوف أحاول أن أكتب عن جوانب عديدة منها، إذ أن إدعاء الحصر قد يكون إدعاءً أجوف.
وأول ما يتبادر إلى الذهن في اقتصاديات الذهب هو حيرة الاقتصاديين في أمر سعره، وهم الذين لم يحتاروا في تفسير أو تحليل قضية ما؛ اجتماعية كانت أم شخصية، وسلعة كانت أو خدمة، واستهلاكية كانت أم استثمارية، بقدر ما احتاروا في تفسير محددات سعر الذهب. فأكثر النظريات الاقتصادية قبولاً هي التي تحدد أسعار السلع والخدمات بناءً على منفعتها الحقيقية والمباشرة للذين يطلبونها. ولكن، إذا قارنا منفعة الذهب بمنفعة غيره من المعادن كالحديد مثلاً، الذي جعل فيه المولى عز وجل "بأس شديد ومنافع للناس" ويستخدم في كل الصناعات والآلات والأجهزة والمعدات وفي الزراعة والمباني وغيرها، فإن سعر وحدة من الذهب قد يساوي أضعاف سعر مثيلتها من الحديد. فأين نظرية المنفعة من هذا؟ وعندما اشتدت حيرة الاقتصاديين في ذلك قال بعضهم بقول العاجزين "لكل قاعدة شواذ". وقال آخرون، وهو الرأي الأكثر قبولاً، إن الذهب يستمد قيمته لا من منفعته المباشرة للإنسان ولكن لأنه قد اكتسب قيمة ذاتية لم يختلف عليها اثنان على مر العصور والأزمان، وعلى اختلاف الشعوب والأديان، وبالرغم من تباين حضاراتها وتاريخها وثقافتها. وربما لم يتفق البشر على قيمة شيء أكثر مما اتفقوا على القيمة الذاتية للذهب التي اكتسبها من شدة لمعانه وبريقه وسهولة صياغته بالرغم من صلابته. وفوق كل هذا وذاك فهو لا يصدأ مما جعله يحتفظ بمظهره ورونقه ووزنه باستمرار، ومهما طال الزمن.
وبالإضافة إلى أنه يستخدم "زينة وخزينة" لصفاته المتميزة، فقد استخذم كعملة معدنية في كل أنحاء المعمورة لردح من الزمن، بالإضافة إلى معادن أخرى كالنحاس والفضة والنيكل، وحتى بعد أن تواضع الناس على استخدام العملات الورقية. وعندما لم يعد يستخدم كعملة وأصبحت العملات الورقية كبديل تام عنه استخدم كغطاء لها لضمان الثقة المحلية والعالمية فيها. وعندما تزايد الإنتاج المحلي والعالمي من جميع السلع والخدمات، وأصبح من الصعوبة التقيد بالذهب كغطاء كامل للعملات الورقية وتحديد قيمة العملات المحلية بمقدار ما لدى الدولة من احتياطي الذهب، ولا يمكنها طبع المزيد من العملات المحلية إلا بعد زيادة ذلك الاحتياطي زيادة متناسبة، خُفِّض هذا القيد تدريجياً إلى أن أُلغي تماماً عام 1971م امتداداً عملياً لنتائج إتفاقية بريتون وودز الشهيرة والتي بمقتضاها قام البنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، وإن كان إنشاء هذه المنظمة قد تأخر نتيجة لإطالة أمد اتفاقيات الجات التي امتدت لمدة 47 عاماً حتى تم التوقيع عليها عام 1995م.
وبزوال قاعدة الذهب التي كانت تحدد قيمة العملات المحلية أصبحت كثير من الدول، وخاصة الدول النامية، تطبع المزيد من عملاتها بدون إنتاج إضافي مما زاد معدلات التضخم فيها وقلل من قيمة عملاتها الورقية في مقابل العملات العالمية كالدولار الأمريكي والجنيه الاسترليني البريطاني والمارك الألماني والفرنك الفرنسي والين الياباني. ولذلك أصبح صندوق النقد الدولي يشترط على تلك الدول تخفيض قيمة عملاتها كشرط أساسي للحصول على المزيد من القروض من الدول المانحة.
وكان الذهب وغيره من المعادن النفيسة والأحجار الكريمة في مدرسة التجاريين (Merchantalism) التي أعقبت مدرسة الطبيعيين (Physiograts) مقياساً لقوة الدولة. فكانت الدول التي تود أن تصبح قوية تشتري الذهب والفضة وغيرها من المعادن النفيسة ولا تبيعها مما جعل ذلك النظام الاقتصادي نظاماً منغلقاً على نفسه فانتهى بسرعة قياسية ليعقبه النظام الاقتصادي الرأسمالي (Capitalism) الحالي.
ومن الجوانب الهامة الأخرى في اقتصاديات الذهب هو أنه وسيلة لامتصاص التضخم المالي الذي يقلل قيمة المدخرات السائلة شأنه في ذلك شأن الأرصدة الثابتة الأخرى كالأراضي مثلاً. لذلك يلجأ المدخرون إلى تحويل أموالهم السائلة إما إلى ذهب وإما بشراء الأراضي لأن قيمتهما لا تتأثر بالتضخم المالي كما تتأثر المدخرات السائلة. ولهذا السبب أيضاً تشتري البنوك قدراً من الذهب كجزء لا يتجزأ من استثماراتها. وفي هذه الحالة (درء آثار التضخم المالي) وغيرها، يعتبر الذهب استثماراً مجزياً. وبالرغم من أنه استثمار قليل المخاطرة، فهو يحقق أرباحاً طائلة للذين يتاجرون به، علماً بأن هنالك علاقة طردية بين المخاطرة والاستثمار. فكلما ازدادت درجة المخاطرة في الاستثمار ازدادت الأرباح في حالة نجاحه وازدادت الخسائر في حالة فشله، ما عدا الاستثمار في الذهب. فقلما نسمع بتاجر ذهب أغلق متجره أو أفلس أو انكمش نشاطه، كما نسمع عن كثير من الأنشطة الاقتصادية والتجارية الأخرى. وحتى في حالة المضاربات بالذهب فإن مخاطره قليلة وذلك لأن تجاره يعرفون متى يشترون ومتى يبيعون ما لديهم منه بالإضافة إلى استخدام وسائل تكتيكية واستراتيجية أخرى تقلل الخسائر إلى أدنى حد وتعظم الأرباح إلى أقصى حد، وهذا ما يعرف بسر المهنة، ولكل مهنة أسرارها.
وفي حالة شراء الذهب للزينة يفضل الأكثر صياغة والأجمل تشكيلاً. أما إذا اشترى كخزينة، أي للادخار، فيفضل شراءه في شكل سبائك أو غيرها من أشكال الذهب القليل الصياغة كالغوائش مثلاً لأنه في حالة البيع تُفقد كل قيمة الصياغة والتشكيل ولا تحسب إلا قيمة الذهب فقط حسب وزنه، مما يجعل أرباح التجارة فيه أكثر ضماناً من التجارة في غيره. فهم يستفيدون في حالتي البيع والشراء معاً.
ويتعرض الذهب كما تتعرض العملات والمستندات الرسمية ذات القيمة المالية الكبيرة للغش والتزوير والتهريب، وهي من أكثر الجرائم الاقتصادية شيوعاً في عالم اليوم مما يستتبع الحذر عندما يشتري عامة الناس الذهب وغيره من النفائس. فلابد من التأكد من الختم الرسمي عليه قبل شرائه للزينة كان أم للادخار. ولا يحدد الختم نقاء الذهب وخلوه من وسائل الغش والتزوير فحسب، وإنما يحدد أيضاً عياره. وللذهب العديد من العيارات ولكن أشهرها عيارات 24 و21 و18 و14. وكلما ارتفع العيار ارتفع سعر الذهب، ولكن كلما انخفض العيار سهلت صياغته وتشكيلاته وتذويقه.
وترتبط أسعار الذهب بأسعار السلع الاستراتيجية الأخرى كالبترول مثلاً. فكلما ارتفعت أسعار البترول باعت الدول التي تستورد كل أو أغلب احتياجاتها منه احتياطيها من الذهب لكي تشتري البترول بأسعاره الجديدة المرتفعة دون أن تضطر لتقليل كمية وارداتها منه، مما يزيد عرض الذهب في الأسواق العالمية وبالتالي ينخفض سعره. والعكس يحدث عندما تنخفض أسعار البترول فتشتري تلك الدول الذهب لتعزيز احتياطيها منه لاستخدامه في ظروف مماثلة لارتفاع أو انخفاض أسعار السلع الاستراتيجية كالبترول وأمثاله.
وبما أنه سلعة غير استهلاكية فالكميات المعروضة من الذهب في العالم في أي وقت من الأوقات، لا تنخفض أبداً في حالتي البيع والشراء ولكنها تزيد فقط بتزايد استخراجه من مناجمه أو الرمال الغنية به. ولذلك، فإن من الأخطاء الشائعة القول "باستهلاك الذهب" كما نقرأ في الصحف ونشرات الأخبار الاقتصادية بقولهم "أن استهلاك الذهب في بلدٍ ما قد ارتفع أو انخفض". فالذهب لا يستهلك وإنما تنتقل ملكيته من شخص لآخر ومن دولة لأخرى في عمليتي البيع والشراء وتظل كمياته في العالم في أي وقت من الأوقات كما هي، كما هو الحال بالنسبة لبعض الموارد مثل أشعة الشمس التي تنتقل كمياتها من مكان لآخر ومن زمان لآخر دون أن تنقص أو تزيد. وحتى في عملية صياغته وإعادة استخدامه لا تفقد أي ذرة من ذراته وإنما تجمع لتصهر ويعاد استخدامها من جديد. ولعل بعض الذهب المتوافر حالياً قد استخرج منذ آلاف السنين كما تدل على ذلك مقابر الفراعنة وغيرهم من الأمم الغابرة التي كانت تدفن الذهب مع صاحبه في المقبرة نفسها. كما توجد كميات كبيرة من الذهب في السفن التي غرقت منذ زمن بعيد وأمكن إخراجها أو لم تخرج بعد، حيث يكون بعض ممن قضوا نحبهم من ركابها غرقاً من كان يحمل ذهباً للمتاجرة به بطريقة قانونية أو تهريباً أو من كانت تحتفظ به أو كانت تلبسه كزينة.
ومن الأخطاء الاقتصادية الشائعة أيضاً ونقرأها في الصحف ونسمعها في النشرات الاقتصادية القول بأن "الذهب قد ارتفع أو انخفض" وأن فهم عامة الناس من ذلك أن سعره قد ارتفع أو انخفض، فإن الاقتصاديين يتضايقون من سماع هذا القول وذلك لأن الطلب على السلع بالنسبة لهم ذو بعدين؛ سعر وكمية، فيتساءلون هل انخفض (ارتفع) سعره أم كميته؟ لذا لابد من القول أن سعر الذهب قد ارتفع أو انخفض حسب الحالة. والاختصار مهم ومعمول به في كل لغات العالم ولكن بشرط ألا يخل بالمعنى العلمي المقصود. ومن الأخطاء الشائعة الأخرى القول بارتفاع وانخفاض البترول أو سوق الأسهم. فلابد من ذكر السعر أو الكمية أيهما كان مقصوداً بالارتفاع أو بالانخفاض في كل هذه الحالات وأمثالها.
ونسبة لأهميته في حياة الناس يحتل الذهب مكانة مرموقة في الشريعة الإسلامية وأحكامها. فقد حرمت الشريعة الإسلامية السمحاء على الرجال لبس الذهب ولكنها حللته للنساء. كما كان يستخدم كمهر للزواج وإن آتيتم إحداهن قنطارا. وقد احتجت امرأة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب } بهذه الآية الكريمة عندما أراد تحديد المهور تشجيعاً للشباب على الزواج. فوافقها } على الفور وبلا تردد. وحتى بعد أن فقد وضعه كمهر أصبح الذهب جزءاً لا يتجزأ من مراسيم الزواج وهداياه حتى يومنا هذاوخاصة في هذه المنطقة. فهو لم يفقد وضعاً إلا واكتسب وضعاً أفضل منه. كما خصته الشريعة الإسلامية بوضع خاص فيما يتعلق بالزكاة وإن كانت قد عاملته كمعاملة المال السائل المدخر، حيث أن زكاته هي 5،2% كما هي زكاة المال. ولكن الفقهاء قد اختلفوا في زكاته إن كان مستخدماً للزينة فقط لدى النساء. فمنهم من قال بزكاته ومنهم من قال بعدمها ومنهم من حدد قدراً معيناً للزينة لا تجب فيه الزكاة ومنهم من أطلق حكمه بلا تحديد غير حد النصاب فقط الذي ينطبق على الذهب سواءً كان للزينة أو كخزينة (للإدخار). كما نهى سبحانه وتعالى في محكم تنزيله عن كنز الذهب والفضة دون إنفاقهما في سبيل الله وحيثما أمر. والكنز في الاقتصاد غير محبذ لأنه يعتبر تسرباً من الدخل الوطني.
ونسبة لهذه الأهمية التي اكتسبها الذهب في العالم على مر العصور والأزمان فقد أسهم في تحديد خارطة العالم الحالية وفي تاريخه. فقد كانت أغلب الاكتشافات الجغرافية والحروب والغزوات من أجل الحصول على المزيد من الذهب. وقد ازداد السباق بين إسبانيا والبرتغال في القرن الثامن عشر الميلادي حين كانتا هنَّ الدولتين العظميين في العالم في بناء السفن والاكتشافات الجغرافية مدفوعة باقتناء الذهب بالإضافة إلى دوافع أخرى. وعندما وصل البرتغاليون إلى أقصى جنوب أفريقيا المطل على المحيط الهادي الذي يربط غرب الكرة الأرضية بشرقها بممر مائي مستمر من المحيط الأطلسي وحتى المحيط الهندي مروراً بالمحيط الهادي سمى ذلك الموقع الذي أصبح يعرف حالياً بجوهانسبيرج، وهي عاصمة دولة جنوب أفريقيا، برأس الرجاء الصالح The Cape of Good Hope لأنهم وجدوا فيه ما كانوا يرجونه من هذا الوصل بالإضافة إلى ما وجدوه فيه من الذهب، وذلك كان رجاءً وكان صالحاً. واستمرت أهمية ذلك الموقع كصلة الوصل بين الشرق والغرب تتعاظم إلى أن حفرت قناة السويس في عهد الخديوي إسماعيل باشا التي ضيقت الشقة بين الشرق والغرب وقرَّبت المسافة بينهما بأكثر منه، ولكن أهميته كمصدر للذهب لا تزال مستمرة على حالها. فجنوب أفريقيا هي أكبر مصدر للذهب في العالم وغيره من المعادن النفيسة والأحجار الكريمة وخاصة الألماس. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فقد كانت أهداف محمد علي باشا من فتح السودان في عام 1820م بالإضافة إلى اكتشاف منابع النيل وضمها إلى مصر والحصول على الرجال الأقوياء المحاربين من جنوب السودان حماية لعرشه، هو الحصول على الذهب من جبال بني شنقول الواقعة في الجنوب الشرقي للسودان، وذلك لتمويل مشروعاته التي اختطها لنهضة مصر الحديثة، فلم ينجح في تحقيق أي من تلك الأهداف بالقدر الذي كان يرجوه، ولكنه غيَّر تاريخ وخارطة السودان الحالي. وهذه مجرد أمثلة لتأثير الذهب على الجغرافية السياسية وعلى تاريخ العالم.
وأخيراً وليس بآخر، فالحديث عن الذهب ذو شجون ولا يمكن السكوت عنه في حالة اقتنائه أم عدمها. فبقدر ما أتمنى ألا يكون القارئ قد أضاع وقته في قراءة هذه العجالة السريعة عنه بقدر ما أتمنى أن يكون لي من الذهب جرامات (مجرد جرامات وليس قناطيراً) بعدد أحرف هذه المقالة والمقالات الأخرى التي سكبت فيها مداد قلمي متحدثاً عنه. وأتمنى من القارئ الكريم إذا استفاد من هذا المقال أو لم يستفد أن يدعو لي بذلك، عسى الله أن يتقبل منه عشية يوم أو ضحى.
