شاء الله أن أرتبط ببيت جدي ارتباطًا وثيقًا ، وحبيبًا إلى روحي ونفسي ، فقد تربيتُ في هذا البيت ، كنت سمًّيا لجدي ، وكان مما يزيدني غبطة وسعادة أنني أول من حمل اسمه من بين أبناء أعمامي .
نشأت في كنف جدي ، ودرجتُ في أحضان جدتي ، حتى بعد أن أصبح لأبي بيت يملكه ، وصار يسكنه مع أمي وإخوتي ، بقيت في بيت جدي ، أنعم بالمحبة تغمرني ، والدلال يحيطني ، حتى بات أولاد أعمامي يغبطوني على ما أنا فيه من رغد العيش .
وبيت جدي كبير واسع ( كذلك يبدو في عيني ) له فناء مسطوح ، ليس يتجمع فيه الرمل كما هو الحال في بيوت أصحابي ، ترتفع في إحدى زواياه نخلة سامقة ، قلت له ذات يوم : ( أنت تحب النخلة كثيرًا يا جدي !..) أجابني : ( ألا تحبها أنت ؟ إنها عمتنا يا ولدي ، عمة البيت .) وكان جدي يرعى هذه النخلة .. ولا يرضيه أن يتولى أمرها أحد غيره ، فعندما تتم ثمرها ، ويحين أوان خرفها ، يصعد إليها يخرف من عراجينها رطبًا وفيرًا ، وقد أقام بينها وبين الجدار سقفًا من ألمنيوم ، تمسكه أعمدة خشبية أربعة ، ويعينه هذا السقف - الذي يقسم النخلة إلى قسمين - على الوصول إلى عذوق النخلة .. يجمع رطبها برفق وأناة .
ولم أكن أعجب إذا ما رأيته متعلقًا فوق هذا السطح الألمنيوم .. بين قمة النخلة وسطح الأرض ، فقد كان جدي قويًّا .. معتدا بقوته ، ويغيظه أن يقول له أحد : أنت لا تقوى على هذا الشيء أو ذاك ، حينها سيحتد غاضبًا .. ويصرخ قائلا : أنا أقوى مما تظن .
تعلقت مشاعري بجدي حتى لازمني إحساس بأنه رجل عظيم ، ولا أدري سر عظمته في نظري ، فجدي رجل قوي ، مربوع القامة ، صلب البنية ، أسمر الوجه ، طويل الأنف له عينان متوقدتان ، وحاجبان منعقدان ، حتى ليدرك الناظر إليه أنه رجل غضوب ، تميزه أذنان طويلتان ، على أنني سلمتُ من طول الأذن فلم أرث عنه هذه الصفة ، بل أخذت عنه أشياء أخرى . وأظنني كنت صغيرًا إذ لم أفطن إلى كثير من طباع جدي وعاداته ، وأشد ما كان يثير دهشتي أني أجد فيه الشيء ونقيضه ، لقد اجتمعت فيه الأضداد بشكل لا يتصوره أحد ولذا صار جدي معلمي الأول ، على أنني كرهتُ فيه خصلة وتمنيت لو تزول عنه ، أو أن واحدًا من أعمامي ينجح في استئصال هذه الخصلة وبترها منه ، كنت أحسها مثل الداء الذي ينخر في جسدي ؛ لأنها بغيضة ، جدي رجل غضوب ولا يملك نفسه أبدًا ، سلطانه ضعيف أمام سورات الغضب ، وغضب جدي يروعني ، كأن وحشًا كامنًا في أعماقه يهب لينقضُ على من حوله ، والغريب أن أبسط الأمور - في كثير من الأحيان - يوقظ هذا المارد بداخله ، والأغرب من ذلك أن غضبه مثل فقاعات الصابون في الهواء .. لا يدوم غير لحظات قصيرة ، فتخمد جذوته كلمة طيبة حانية ، وتصيره من حال إلى حال .
عندما كبرتُ .. وتجاوزت العقد الأول من عمري ، صرتُ أحلم بأشياء كثيرة ، وأحببتُ أن أصير مثل جدي ، ولذلك كان المسجد أحب الأماكن إلى نفسي ، أحب الذهاب إلى المسجد والجلوس إلى حلقات الذكر بعد الصلاة ، وكم تمنيتُ لو أن جدي أمسك يدي يومًا ، واصطحبني معه إلى المسجد ، ولكنه نادرًا ما كان يوافق على مرافقتي له ، عندما أطلب إليه ذلك ، وكان يتعذر على الدوام ، إلا أنني نشأت معتادًا الصلاة في بيت الله ، واستمسكت بهذه العادة ، فلم أتكاسل يومًا ، أو أعجز ، وهذا الحرص شيء من أشياء أخذتها عن جدي .
* * *
**
كان من عادة جدي أن يجلس عصرًا مع جدتي ، يرتشف الشاي حتى يأتي على البقية اليسيرة في الإناء ، ثم يسأل إن كان هناك عمل ما عليه القيام به ، وفي ذلك اليوم كنت أجلس مع جدي وقد اتخذت مكاني قربه تمامًا ، استرق النظر إليه جانبًا ، وأتأمل ملامحه الصارمة التي تنبئ عن صبره وعزمه ، وبينما كنت مسترسلاً في أفكاري ، دخل علينا أبي على عجل كعادته ، ألقى السلام ، وجلس ، وسكب الشاي وراح يشرب ، وإذ ذاك وجدته يرفع رأسه ،ينظر خارج الدار ، مصوَّبًا بصره نحو النخلة وهو يقول لجدي :
- أبي ، ألا تنوي تشذيب عذوق النخلة ؟ أظن أن الأوان مناسب هذه الأيام .
تحرك جدي ، وأشرأب إلينا بعنقه ، ثم نظر إلى أبي في شزر ، وأطرق برهة وقال :
- بالطبع أنوي ذلك .. وإلا هل تظن أنني تارك هذه النخلة هكذا ؟ ..
- حسنًا يا أبي ، ما رأيك أن نستأجر أحد الرجال .. من أولئك المحتاجين ليقوم بهذا العمل ، بدلاً من أن تتعب نفسك أنت و.. ..
وصفعه جدي بالرد حالاً من دون تفكير ..
- لا.. لا.. لا أريد أحدًا يتولى هذا العمل ، وأين ذهبت أنا ؟! دعك من هذا الكلام .
قال أبي في هدوء :
- ولكنك تشق على نفسك كثيرًا يا أبي ، وهو أمر لا يساوي تعبك والمشقة التي .. ..
وأسكته جدي ، رافعًا كفه عاليًا وهو يصرخ بصوت عال :
- يا .. قلت لك لا ، يعني لا ، ماذا دهاك ؟
شعرت آنذاك بمفاصلي ترتجف ، ولم يكن الجو باردًا ، فحدجتُ أبي بنظرة ألتمس منه السكوت ؛ حتى لا ينفجر جدي أكثر،ويمطرنا بوابل غضبه .
في تلك اللحظة ، نفض جدي ثوبه ونهض وهو يقول :
- غدًا إن شاء الله سأقوم بتشذيب النخلة .
نظرت إلى جدتي نظرة المستغيث ، بينما أبي يهز رأسه دهشًا من عناد جدي وأظنهما قد أحسا بالشعور نفسه الذي راودني .. الخوف من الغد .
وفي صبيحة اليوم التالي ، كان جدي يتهيأ لمناجاة عمة البيت ، نعم مناجاتها ، فقد أعد عدته ، وشدَّ مئزره وجاء بالسلم الخشبي ، ليصعد عليه ويصل إلى السقف الذي أقامه واسطة بينه وبين النخلة السامقة ، وها هو يقف فوقه آمنًا مطمئنًا ، يشتغل في عراجين نخلته ، عاقدًا العزم على تشذيبها ، ثم تغطيتها بالخيش حتى يحين أوان الخرف .
في هذا اليوم تملكني خوف شديد ، توجست في نفسي كثيرًا ، ورحت أتسمع الأصوات وأتحسس الحركات ، ولم يكن أحد يحس بخوفي وهلعي غير جدتي المسكينة ، إذ لم يكن بيدها أية حيلة أو حول ، وهي لا تجسر على المجادلة يومها ؛ فقد وجدت نفسها أمام الأمر واقعًا وحقيقة أمامها . ( ها أنت يا جدي تركب رأسك ، وتتعلق بين السماء والأرض ، وتأبي أن يمد أحد يده ليعينك ) .
مرت الساعات ثقيلة ، دقائقها تتمدد وتتمدد ، وأخوف ما أخافني اقتراب موعد صلاة الظهر وجدي ما يزال معلقًا .. يقطع ويرمي ، يلف ويربط ، كفاه ترتجفان ، والعرق يتفصد من وجهه الذي غشيه سواد عجيب. بينما أنا وجدتي واقفين .. أنظارنا متجهة نحوه ، يصل مسامعنا ألفاظ وعبارات يهذر بها جدي لا ندري مقصده منها ، هل يناجي عمته النخلة أم يوبخها ويلومها .. الله أعلم .
حاولت التغلب على جبني وخيبتي ، فدنوتُ صوب جدي .. ورفعت رأسي أناديه بصوت مرتعش :
- جدي .. كفاك اليوم ما عملته ، دع الباقي إلى الغد .. أرجوك .
ويصلني الرد منه متقطعًا .. مهدودًا :
- خلاص .. انتهيت يا ولدي ، لا تقلق .
( كم أنت عنيد وصلب يا جدي ) .
وكلَّمتُه ثانية :
- كيف لا أقلق ؟ منذ الصباح حتى الآن وأنت على هذه الحال ، سيحين وقت الصلاة يا جدي .
وما كدت أنتهي من كلامي حتى شق الفضاء نداء السماء وعلت كلمة الله أكبر .
وبينما كنت استحث جدي ، وارتجي نزوله ، دخل أبي ، فتنفست الصعداء ، ( الحمدلله .. حضر أبي في الوقت المناسب ) ولكن صرخة قوية من جدي أفزعتنا ، وركضنا سراعًا نحوه ، وهو يصرخ : آه .. آه .. وكانت ( الآه ) منه طويلة ومبحوحة .
ماذا حدث ؟ وهم يتراقصون قدّامك يمارسون طقوس اللامبالاة ينتهزهم مختار الترصد ، ويغلق الستار - في غفلتكم جميعا - على فصل ثقيل من المسرحية السّاخرة. الا يوجد بينكم مخبول واحد ،، متيم بالاختلاسات السكرى ، سليل التشفي ، والنّظرات الثكلى . الا يوجد بينكم من يتجاوز ركام الغفلة ، ويرشو الحلم . ثمة ولابد مغامر جريء لم يسمع بالحماقات المضاجعات سكينتك ، المستوطنات فؤادك عفنا . لابد من أحمق غيرك يعاشر الشكاسة ، ويستبيح الترجي ، فأين سبيله ؟ الوَقت يضيق الخناق عليك ، وبعد مخاض اللحظات سينزل الحرج على فخذ الأجواء مسعورا . أيها البائس المخبول ، المرصع بالبلادة ، والحيرة ، والتدني انتظر ريثما يقدم المغامر الشرس ، المؤهل لانتزاع حوريتك من رحم الحلم. السكوت ،، أيها الراقدون ، السائرون ، الهانئون . سيشرع العرض المستمر ، الممل . اللقطات متداخلات كخيول السباقات السابحات في خيوط الرماد . انتظروا انسلال الوداعة من حاضنات التجلي ، واشحذوا عزائمكم للتفاخر المنمق بِناطحات الزيف المزركشة بولع الادعاء . المشاهد المغرورة تترقب في الجناح الملكي المرفه نازعة بروج الصبر والأمان ، ترتب هندامها الجنائزي ، وتضع اللمسة النهائية لمساحيق التجميل السّاخطة . الأعماق - مشاهدة - 3 الرجل نفسه على سطح مركب كبير ، وسط سمرة البحارة وزرقة الأعماق . يرفعونه على الأكتاف ويرمونه مرساة . ترك الرياح وهي تنعيه ، وأرسل وابل من قبلات حامية لسطوع الشمس المهيب ، ثم أحتضن الأزرق وضاع بين أحشائه . أزاح عن طريقه الأخطبوطات ، وحشائش القعور النزقة ، وصغار الأسماك المتجولات بين أحراج الأفمام الكبيرة . دغدغ أسماك القرش بين أسنانها ، وأعطاها قطعا تذكارية أنحاء جسده . استغل الأسماك في جولة ممتعة حتى استقر في القعر . خيمة الأعراب لازالت منصوبة ، وساكنوها من الرجال الذين بلا وجوه لايزالون يقعدون قدام الموقد يسخنون ابريق القهوة المتخم صدأ . بخار الماء ينصب شراك الغمامة المسموم لعينيه فيضل طَريق الحورية ، ويتعدى على حرمة نسائهم الراقدات عاريات ، مغريات بين شقائق النّعمان يتوسّدن شعابا مرجانية متمردة . الرجل مقيد بثعابين البحر ، وبالأصداف العنيدة . ملطوم بكف الذهول . مسلوخ على موقد النار التي تحتدم كلما داعبها التيار . يقطعه القوم ويعلفونه وليمة دسمة لأيتام الحيتان . تطفو الحيتان المدعوة للسّطح رمحها التحدي ، ووجوهها تلونت بوجه الرجل المسكين ، الذّي هو وجهك. وليمة الذعر ،، يرمي البحارة بانفسهم في البحر الواحد تلو الآخر . تلتهم الباخرة نفسها في شره . الخشب يسرع لافتراس الحَبل ، الذي يرتد للشراع ، الذّي يقتفي أثر البحارة. سلاماً .. سلاماً ،، أيها الراقدون ، السائرون ، الهانئون ، المغفلون . ماذا كنتم فاعلين لو كُنتم مكانه . سلام على قلوبكم التّي تيقنت بالكبت . سلام على عُقولكم التي خدرها الوقت ، وأستباحها . سلاما عليكم أيّها المرتدين وشاح الامتعاض، والمسكنة، حماة الأحلام التي لاتحمل الا توائم الفزع . أحلام لاتحمحم الا لفارسها الذي يستدرجها بقطعة السكر . أيها الراقدون ، المطاوعون رعب الجاثوم ، طال ما أن ثمة غيوم تضاجع القمم ، وطيور تستثيرها فلم الهم يناوش الفؤاد . هناك محطات للعياء ، وهناك مفترق فسيح للطريق الضيق ، وهناك المرتحلون الراكبون دواب الطمأنينة ، وهناك المسترخين على أرائك جمر البدع ، وهناك المزيد من الأغاني المتضمخات بعسل الأماني. دعاء السفر ،، سأمشي مع الساعين الى النقمة ، وأتبع أسفارهم . في الأفق تباشير فضلات للماضي الملوث بالمفشلات ، المدنّس بنجاسة قيء الأيام المجدبة . بانتظاري فجر شريف البكارة ، وقناديل لاتضيء اعوجاج الطريق ، وبلابل تغرد مستبشرة لضحكات الغد ، وتوابع من مختلف الأصناف تشد من عزيمتي. أمضي أيها المطعون بِسخط الحلم ،، خطوة وحيدة وتنتهي الرحلة الطويلة . أيها الراقدون ، الضالون ، المنتهز بعضكم بعضا ، الطاعنون بنود اليقظة ، سليلوا العظمة ، والخبال ، مرتشو الغفلة ، والهبل ، والتّباكي . لاتمسوه ، ولاتقتربوا من مشاهداته ، وتجهزوا لغربة أخرى تبارز حصون الحزن ، وغنائم الاستعبار ، ولترتاحوا من عناء الفرح . أيها الراقدون ، التائهون انتبهوا للبائس الذي يتهيأ ليطهر وساخة لاتغتفر لجسد الليل المريض. لقد أصابته السكين الحادة ، في اثنين من أصابعه ، وفار دمه ، صعد أبي حتى نصف السلم وهو يناديه بإشفاق : أبي .. أعطني يدك .. هيا .. ارفع أصابعك عاليًا وناولني يدك الأخرى . أمسك أبي بيد جدي ، هابطًا به إلى أسفل ، يحاول جاهدًا ألا يسمعه كلمة لوم .. أو عتاب .
حاولت أن أعين أبي ، أن أقترب من جدي وأفعل شيئًا ، ولكني تسمرت في مكاني ، فمنعني إحساس الألم في عينيه وانعقاد حاجبيه وكلماته التي يرددها آنذاك :
لا حول ولا قوة إلا بالله .. إنا لله .. إنا لله .
بعد لحظات كان أبي ينطلق بجدي كالريح نحو المركز الصحي ، وبقيتْ جدتي تبكي في صمت ، التفتُّ صوبها ، ودمعة ساخنة تنحدر من عيني ولسان حالي يقول : مسكين جدي .. ترك عمتنا النخلة ، وفاتته الصلاة في المسجد .
