منذ أكثر من عامين قامت الولايات المتحدة بإطلاق شعار "الحرب على الإرهاب"، وكرست أجهزتها الدعائية لترويجه في جميع أنحاء العالم، حتى صار عنواناً مميزًا لحقبة تاريخية كاملة، ويبدو أن فرنسا الآن هي الأخرى بصدد صياغة شعار مماثل وهو "الحرب على ا
حجاب". ومن الواضح أن الشعار الفرنسي بدأ يلاقي بعض الرواج الذي لقيه الشعار الأمريكي من قبل (خصوصًا لدى الكثيرين من علمانيي العالم العربي!). وعلى المستوى التحليلي هناك أوجه تشابه بين الشعارين؛ فكلاهما صادر عن إحدى المؤسسات الحاكمة في الغرب، وموجه بالأساس ضد الإسلام وأهله، كما أنه لا يتخللهما فاصل زمني كبير؛ حتى إننا يمكن أن نستنتج أن الثاني نتيجة مباشرة للأول، بالرغم من أن مشكلة الإسلام في فرنسا مشكلة قديمة الجذور.
أما وجه الخلاف فيكمن في أن "الحرب على الإرهاب" تحولت إلى حرب فعلية خاضتها الولايات المتحدة خارج أراضيها ضد دولتين مسلمتين. أما "الحرب على الحجاب" فهي حرب بلا سلاح؛ "حرب ثقافية" تشنها فرنسا ضد المسلمين المقيمين فوق أراضيها، بغرض محو هويتهم الدينية وخصوصيتهم الثقافية. ومن المحتمل أن تمتد هذه الحرب إلى دول أوربية مجاورة (كما يحدث في ألمانيا؛ فقد نقلت مجلة "دير شبيجيل" الألمانية 3-12-2003 عن ماري لويز بيك مفوضة الأجانب والاندماج في الحكومة الألمانية انتقادها الشديد لعزم عدد من الولايات الألمانية إصدار قوانين جديدة لحظر الحجاب في الوظائف العامة بها).
"إسلام أوربي".. أم "إسلام الجيتو"؟
يأتي قرار الرئيس الفرنسي بحظر ارتداء الطالبات المسلمات الحجاب داخل المؤسسات التعليمية ليفتح الباب مجددا للتساؤل عن مصير الأقليات الإسلامية في ظل القمع الديني الذي صار يمارَس بواسطة الأجهزة الرسمية في الغرب، بعد أن كان يمارَس قبيل أحداث الحادي عشر من سبتمبر على أيدي أنصار اليمين المتشدد فقط.
ولا نغالي إذا قلنا: إن القرار يستهدف وضع الأقلية المسلمة أمام خيارين لا ثالث لهما؛ فإما "إسلام أوربي" بمعنى أن الانصهار والذوبان تماما داخل المجتمع الغربي مع ما يحمله ذلك من مخاطر فقدانها لعقيدتها وخصوصيتها الثقافية المميزة، وإما "إسلام الجيتو" بمعنى الانفصال عن المجتمع الغربي والتقوقع داخل مجتمع إسلامي بديل يسمح بممارسة الشعائر الدينية بحرية، ولا شك أن هذا المسلك يدفع المسلمين إلى الاغتراب والتهميش، وفي المحصلة النهائية يتحول الإسلام إلى "ثقافة فرعية وهامشية" داخل المجتمع الغربي.
وهذه النقطة الأخيرة بالتحديد هي ما ترمي إليه النخبة الفرنسية؛ ذلك لأنها اعتبرت أن انتشار الحجاب يمثل تحديا خاصا لهوية الجمهورية الفرنسية وقيمها العلمانية التي باتت مهددة أكثر من أي وقت مضى بسبب عدم اندماج ملايين من المهاجرين المسلمين في المجتمع الفرنسي؛ فالكثير منهم لا يزال تربطه وشائج دينية وثقافية بمجتمعاته الإسلامية الأصلية، وهم "لا يريدون لفرنسا أن تظل فرنسا" -حسبما صرح رئيس لجنة العلمنة الفرنسية-. ورغم ذلك فإن أبعاد المشهد الفرنسي لا تتضح إلا إذا ألقينا بعض الضوء على رؤية العقلية الغربية للحجاب.
تاريخية الرؤية.. وعقلية الرفض
تصورات تاريخية متوارثة يحملها الغرب عن الشرق والإسلام، وأغلبها ينصب على المرأة المسلمة القابعة على الدوام داخل المنزل، ولا يسمح لها بالمشاركة الفعلية في الحياة العامة، وإذا اضطرتها الظروف للخروج فإنه يُكرهها على ارتداء ملابس محتشمة، وحجاب يغطي شعرها.
بعض اللمسات المعاصرة أضيفت لهذه الصورة العتيقة، وأدت إلى ازدياد قتامتها؛ لعل أبرزها أن المسلمين يخلطون ما بين المظهر والجوهر، والشكل والمضمون، بل إنهم ينحازون في أغلب الأحوال إلى الجانب الشكلي فقط، حيث يعتبر ارتداء الحجاب معيارا للحكم على إيمان المرأة المسلمة على أهمية ذلك.
ولسنا بصدد مناقشة تلك الصورة التي يُستشف منها أن هناك نقصا كبيرا في المعلومات المتوفرة عن الإسلام، وحتى هذا القدر الضئيل من المعلومات شابه الكثير من المغالطات التي بثتها أجهزة الإعلام عامدة بغرض إثارة الذعر من الإسلام؛ وهو ما أدى إلى تشوه الرؤية لدى الغربيين تماما؛ فتم الخلط بين ما هو رمز وما هو تشريع ديني ملزم؛ إذ عُدّ الحجاب كأحد الرموز الدينية إلى جوار الصليب والقلنسوة، وهو ما يخالف الحقيقة وبدهيات الثقافة الإسلامية؛ فالرمز في اللغة هو الإيماء والإشارة، وغاية الرمز الديني الدلالة على أيديولوجيا صاحبه. أما الحجاب (باللفظ الشائع، واللفظ القرآني هو "الخمار" و"الجلباب") فقد شُرع -في الرؤية الإسلامية- لأداء وظيفة محددة لا تتحقق إلا به، وهي الستر، يضاف لهذا أن ارتداء الرموز الدينية يعد أمرا اختياريا، أما الحجاب فهو تشريع ملزم للمسلمات، ولا يجوز تركه بحال.
وفي الجانب المقابل يحمل بعض المفكرين الغربيين ممن اعتنقوا الإسلام وجهات نظر تلتقي -في نهايتها- مع وجهة النظر الأوربية الرافضة للحجاب، وإن كانت ترتكز على منطلقات مغايرة تماما؛ فروجيه جارودي المفكر الفرنسي البارز يرى أن التمسك بالحجاب يعد تمسكا بالحرفية النصية، وأنه يندرج ضمن "المواقف التمامية" القائمة على خلط العقيدة بالشكل الثقافي المؤسسي الذي استطاعت هذه العقيدة أن تتخذه على مدى تاريخها الطويل!
أما المفكر الألماني مراد هوفمان الذي  تسببت آراؤه في إحداث خيبة أمل كبيرة بالنسبة للمسلمات الأوربيات؛ فقد أوضح أنه يميل لرأي أقلية من الفقهاء(*) ترى أنه يمكن تطبيق الحجاب بدون تغطية الرأس، وخاصة في أمريكا وأوربا؛ حيث لا يمثل شعر المرأة إثارة للرجل!! الظرف الحجازي ولكن أم القرى لم تصبح متزمتة، كفت عن الثورة وتحولت إلى التظرف،فقد أرسلت إليها غنائم الغزوات الإسلامية، وعطايا الخلفاء، وذاعت روايات الحب واللهو، وأصبح فرسان هذا العصر شعراء من قبيل عمر بن أبي ربيعة والعرجي والمخزومي، ذاعت أشعار الغزل على ألسنة الرجال والنساء اللواتي كن يخرجن كاشفات الوجوه، وانتشرت ليالي الغناء والموسيقى وأضحى الصوت الحجازي هو ميزة العصر الذي انتشر منها إلى باقي البلاد، ويقول أحمد السباعي الأديب والمؤرخ السعودي المشهور: (إن بعض علماء الدين بالحجاز وصلتهم هذه اللوثة من التظرف واصبحوا أرق شعورا وأكثر تسامحا من غيرهم من العلماء)، هذا الظرف الحجازي كان تمثيلا لطبيعة مغايرة لعصر مختلف، فهم لم يدعوا الزهد ويستقبلوا البذخ إلا في محاولة لإخفاء نوع خيبة الأمل الكبيرة بسبب فشل تمردهم وانتهاء دورهم بعد أن انطلقت شرارة تبديل العالم من بين ظهرانهم). وينتقد السباعي بشدة الطريقة التي اتبعها ولاة الأمر على مر فترات التاريخ ضد ام القرى، أسلوب العطايا وإغداق الأموال عليهم، وإبعاد مواطنيها عن أي مجال مؤثر في الحكم، ويقول بغضب: (لقد كان الحكام يغدقون تباعا من عطاياهم على الحجازيين ليعيشوا ملهيين بهذه العطايا عن تحديات الحياة، لا انشغال لهم إلا أن يأكلوا ويستمتعوا بالطرب ويزهدوا ويدعوا لأمير المؤمنين بالنصر، ولو توخوا الإخلاص فيما كانوا يمنحونه لأبدلوا هذه المنح بدور علمية يقيمونها وأرض بور يحيونها وبيوت صناعية ينشئونها ولكنهم كانوا مضمرين، ففي ذمة التاريخ ما ورثنا من تواكل وما نشأنا عليه من فاقة وما تعلمناه من طلب الحجاج والزوار وما ضيعناه من عزة نحن أولى المسلمين بتراثه وأحقهم بحقه). لم يتح لي أن أشاهد نساء مكة وإن كنت قد حادثت بعضهن، كن أساتذة في جامعة أم القرى وفي العمل الخيري، ثمرة حقيقية للتحديث والنهضة الحضارية التي تشهدها مكة، منفتحات على ما في العالم من أفكار رغم الحجاب الأسود الذي يغطيهن، يضمرن في أعماقهن مكانة كبيرة للثقافة والتعلم، ولم يكن هذا جديدا على المكان الذي ظل دوما مصدرا لكل العلوم الإسلامية، ولكن ابن بطوطة كان قد شاهدهن، دون حجاب وهو يصفهن قائلا: (رائعات الحسن، فائقات الجمال، ذوات صلاح وعفة، وهن يكثرن من وضع الطيب، حتى إن إحداهن تبيت جائعة لتشتري بقوتها عطرا، ويذهبن للطواف بالكعبة المكرمة فيبقى أثر العطر بعد ذهابهن عبقا). لقد تطورت شخصية أهالي مكة على مر العصور، مثلما تغير عمرانها، ويقول د.أبو بكر باقادر أستاذ الاجتماع ومستشار وزير الحج: إن مفتاح مدينة مكة المكرمة هو الحج، كما أنه مفتاح شخصية المكيين، ويتمثل ذلك في قبول الآخر والانفتاح عليه، والدعوة إلى حواره، بدرجة رفيعة من (التسامح والتعددية)، ويقسم أهل مكة السنة إلى فترتين، (الموسم) - أي موسم الحج - و(البصارة) وهي تشمل بقية أيام السنة، وما يصدم الحاج في الموسم في هذه المدينة التي يتخيل أنها كاملة هو سعي أهلها إلى الربح من ورائه بأي طريقة، فقد ظل الحج لسنوات طويلة منبع الدخل الأساسي لسكان مكة، ينتظرونه من العام للعام، وأهم المهن التي كان يحب أهل مكة امتهانها دوما هي مهنة الطوافة، ولكن د.هروخيه سنوك الذي زار مكة في القرن التاسع عشر الميلادي وأقام بين سكانها يؤكد قائلا: (إن الذي يرى أهل مكة خارج موسم الحج يجدهم عذبي المعشر، محبين للمرح، كرماء لدرجة الاسراف، يبذلون جهودهم لحياتهم الاجتماعية، وإن الذي يشاهد حياتهم عن كثب يجد بجانب الخشونة والفظاظة التي عند بعضهم أناسا نبلاء المعشر، كريمي الصفات أتقياء ذوي ورع وصلاح). ومن الصعب أن تعثر على أهل مكة خلال موسم الحج، فهم يتحولون إلى قطرات غير مميزة وسط الزحام العظيم، ولا تخلو مكة أبدا من الغرباء، فالزوار لا يكفون عن رحلات العمرة طوال العام، كما أن العاملين والمقيمين فيها هم عينات واقعية لكل العالم الإسلامي، وقبل أن ينتشر مفهوم العولمة كانت مكة هي المثل الحقيقي للقرية العالمية التي تتلاقى فيها كل الملامح البشرية، ومن المؤكد أن أهل مكة قد تأثروا بكل هذه الطبائع الوافدة عليهم، لقد تداخل هذا الفسيفساء الانساني في تلك الملامح المكية المؤتلفة على حد تعبير د.باقادر، وعلى الرغم من تكونها من عناصر مختلفة فإنها تؤدي في النهاية إلى جماع الشخصية المكية، وقد وصف محمد لبيب البتانوني الأديب المصري في كتابه الرحلة الحجازية هذه الخلطة الانسانية قائلا: (خليط في خلقهم، فتشاهدهم قد جمعوا إلى طبائعهم وداعة الأناضولي، وعظمة التركي، واستكانة الجاوي، وكبرياء الفارسي، ورفق المصري، وقوة الشركسي، وهدوء الصيني، وحدة المغربي، وبساطة الهندي، ومكر اليمني، وحركة السوري، وكسل الزنجي، ولون الحبشي، بل تراهم جمعوا بين رفعة الحضارة وشظف البداوة). أصعب الرحلات في العشرينيات من القرن الماضي عزم جدي على الذهاب للحج، وكان هذا الأمر مخاطرة فعلية، إلا أن هذا لم يجعله يتردد، دار على بيوت أقاربنا جميعا حتى يودعهم، كان يعلم ويعلمون أنها قد تكون رحلة بلا عودة، سافر جدي شمالا إلى (الفرما) ومنها إلى بلدة المدورة وبذلك قدر أن يلحق بقطار الحجاز الذي كان قد بدأ عمله منذ عشرية تقريبا، القطار ثورة حقيقية، فقد كان ينقص مدة الرحلة إلى المدينة المنورة إلى ثلاثة أيام فقط بعد أن كانت تأخذ في البحر حوالي ثلاثة أسابيع، ولكن رحلة جدي بالقطار لم تكن أقل خطورة، فقد تعرض إلى أسر القبائل المتحاربة، وسقط جدي أسيرا أكثر من مرة، واعتبرته كل قبيلة حليفا للقبيلة المعادية، فقد ماله، وزاده، ونام في الخلاء أياما كثيرة، وتوسل إلى آسريه بأنه مجرد حاج غريب لا يعرف من يحارب من ولا يبالي بذلك. وتحولت الرحلة إلى كابوس متصل. ومن العجيب إن جدي عاد سالما ولكن معذبا ونحيفا وفاقدا لمادة الحياة، كان قد أصبح مفقودا لمدة أربعة أشهر كاملة، واعتبر في عداد الموتى، ولا يعرف أحد على وجه التحديد إن كان قد استطاع القيام بفريضة الحج أم لا، وهل استطاع اللحاق بالموعد المحدد للقيام بالمناسك، ففي ظل الأسر تتشابه كل الأيام، لم يتحدث جدي عن هذا الأمر، ولكنه اعتبر أن كل الأيام التي عاشها بعد هذه الرحلة قد وهبت له فوق عمره الأصلي، لذا فقد احتفظ بالملاحف التي كان يرتديها وعطرها بالشيح والزعفران حتى يتكفن بها عند موته. ربما كانت رحلة الحج إلى مكة من أصعب الرحلات في تاريخ الانسانية، ولعلها معجزة حقيقية أنها بقيت وتواصلت خلال مئات من الاعوام بالرغم من الموت والجفاف والحروب وانتشار الأوبئة وقلة المياه وهجوم الأعراب، لقد ظلت زيارة الحجاج إلى هذه المنطقة متواصلا، بل إن الأعداد كانت في ازدياد رغم قوة المخاطر، لقد كان الذهاب إلى مكة حلما أقوى من مخاوف الموت، بل إن الموت نفسه عد ثمنا قليلا من أجل الوصول ولمس أستار الكعبة، لقد كانت رغبة الجميع في التوبة والغفران جارفة. ولم يتخيل أحد أن تعطى له هذه الأشياء دون القيام برحلة الحج. لم يكن جوزيف كونراد يعلم بالضبط ماذا يعني الحج، فقبل أن يكون أديبا من أشهر الأدباء الذين ألفوا باللغة الإنجليزية كان بحارا ونصف قرصان يعمل في بحار آسيا الجنوبية على ظهر مراكب ضخمة ومتهالكة تمخر عباب بحار العواصف، سفينة أشبه بالتوابيت العائمة، يصف كونراد في روايته الشهيرة (لورد جيم) كيف تتحول هذه المراكب في موسم الحج إلى شاحنات للناس، آلاف من البشر الفقراء يخرجون من كل موانئ آسيا المسلمة ليتكدسوا في القيعان المظلمة وسط البضائع والفئران دون ذرة هواء نقي أو وجبة حقيقية من الأكل، ولا تنتهي الرحلة إلا وقد قضى منهم أعداد كثيرة، وبعد ذلك يبقى الجزء الأكبر خوفا في هذه الرحلة داخل الصحراء العربية نفسها. وأضاف أنه يعتقد "أن غطاء الرأس يصبح ضروريًّا فقط عندما يؤدي كشفه إلى إحداث إثارة جنسية"! ما يؤخذ على هوفمان أنه يؤسس وجهة نظره على افتراض "شهوانية" الرجل الشرقي دون الرجل الغربي! في حين أن الإنسان هو الإنسان، وفلسفة التشريع الإسلامي قائمة على مراعاة الاحتياجات الإنسانية الأساسية التي تفرضها الحياة باستمرار مع التجاوز عن عنصري الزمان والمكان.
هذه الآراء رغم عدم استنادها إلى أي أساس شرعي (ديني)، ولجوئها إلى بعض التأويلات النصية الضعيفة، ومخالفتها لإجماع أئمة وفقهاء المسلمين (من كل الفرق: سنية وشيعية وإباضية عبر القرون وبمختلف الأمكنة)؛ فإنها تنبع من الرغبة في تحقيق مصالحة بين الإسلام وقيم الحداثة الغربية، وإيجاد مخرج يكفل للمسلمين (من أصل أوربي) التعايش مع مجتماعاتهم الجديدة، إلا أن تلك المصالحة وذلك التعايش يجب ألا يتم عبر تقديم تنازلات دينية للالتقاء مع الحضارة الغربية في منتصف الطريق، وإنما تتم المصالحة عبر الاعتراف بالخصوصية الدينية والثقافية والتسامح مع الآخر.
وعلى أي حال تُقابَل هذه الآراء بالإعراض والتجاهل من قبل الغالبية العظمى من مسلمي الغرب وبالازدراء من مسلمي الشرق؛ فالمسلمات يُقبلن على ارتداء الحجاب بشكل متزايد، رغم أن ارتداءه يسبب لهن بعض الصعوبات فيعرضهن للسخرية والتندر في أحوال كثيرة، ولكن في الوقت الذي يعبر فيه الحجاب عن التمسك بواجب ديني يعكس حجم الوجود الإسلامي داخل المجتمع الغربي، ويرمز للقيم الإسلامية الرافضة لاستخدام الجسد سلعة في سوق الشهوات، في عصر أصبحت فيه المرأة الأوربية عرضة للتسليع والتشييء على يد بيوت الأزياء الغربية.
الشرق.. وعقلية التحجب
فالصورة في الشرق مختلفة عنها في الغرب؛ فالحجاب جزء من الهوية الثقافية، وسمة مميزة للشرق، وعقلية التحجب مكون أساسي من مكونات الشخصية الشرقية، ولا يمكن أن يجنح الخيال بإنسان فيرسم صورة للشرق من دون حجاب، كما أنه لا يخطر ببال المسلمة وهي ترتدي الحجاب تلك السخافات الغربية المتعلقة بالقهر، وبأنها مكرهة على ارتدائه (المثال الأفغاني بغض النظر عن شكله "الثقافي" لا يزال ماثلا في الأذهان)، وإنما يخطر ببالها أنه أداة شرعها الله للحفاظ على قدسية جسدها وخصوصيته، وأن غايته ضبط العلاقة بين الجنسين بالابتعاد بها عن عنصر الإثارة.
ووفقًا للتصور الإسلامي فإن للملابس فلسفة خاصة تستند إليها "فلسفة العفاف"، وغايتها ليست ستر البدن فقط، وهو ما عبرت عنه الآية الكريمة بقولها: "وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ" [الأعراف: 26]، وفي هذا الإطار لا يعد الحجاب زيا لطبقة خاصة، أو زي الفقر والعوز ترتديه من لا تستطيع مواجهة تكاليف عصر ما بعد الحداثة، أو زيا فولكلوريا تراثيًّا يحمل معنى التمسك بتقاليد بالية. بل هو زي عقائدي، يحمل قيمة دينية، ومظهرا لثقافة خاصة (يختلف شكل الحجاب بين الدول الإسلامية بحسب الثقافات، لكنه يتفق على "ستر" حدود ما يُعتبر عورة شرعًا)، والتمسك به يعني تمسكا بالتشريع الإلهي في مواجهة محاولات التشريع الوضعية من قبل حضارة تستهدف قولبة البشر، وإعادة صياغتهم وفق منظورها الحضاري الذي تراه المنظور الوحيد الجدير بالتعميم طوعًا لا كرهًا.
حجاب.. لا حَجب
وإذا كان الإسلام قد شرع الحجاب؛ فإنه لم يشرع الحَجب -بمعنى المنع- عن مخالطة الرجال وإبقاء المرأة حبيسة دارها، لا تغادرها، ولا تسهم في دائرة الحياة العامة؛ إذ لو كان الأمر كذلك فلمَ شُرع الحجاب؟ وقد ثبت في السنة الصحيحة أن النساء كن يحضرن إلى المسجد للصلاة، الذي ضم صفوف النساء كما ضم صفوف الرجال من دون حجاب حاجز، وكذلك جلست المرأة إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم متعلمة ومتحدثة ومقاتلة في الغزوات ومهاجرة بدينها إلى الحبشة، كما عرف عنها أيضا اشتغالها بأعمال الطب والتجارة والتعليم وغيرها من الأعمال التي أتيح لها الاضطلاع بها.
ورغم ذلك فقد شهد الإسلام في عصوره اللاحقة ممارسات تعد -بحق- ارتدادا عن تلك الممارسات التي شهدها عصر النبوة، وذلك بفعل التباس الثقافي بالديني، وتفشي الترف وكثرة الجواري، والاختلاط مع أجناس غير عربية، ومحاكاة نظمها الإدارية والاجتماعية؛ وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تهميش وتغييب المرأة، ودفعها للانزواء داخل بيتها وحصر كل اهتماماتها داخله، وتخليها عن أي اهتمامات أو أعمال يمكن أن تُمارس خارجه؛ وهو ما يعني أن التغيرات المجتمعية التي اعترت المجتمع الإسلامي هي التي أدت إلى تقسيم العمل على النحو الذي نعرفه (داخل البيت وخارجه)، وإلى إفراز تلك الصورة النمطية المختزلة عن المرأة، ولا يعني شيوع تلك الصورة وتاريخيتها أننا أمام تشريع إسلامي بل أمام ثقافات تتفق وتختلف مع التشريع.
النسوية العلمانية.. وقهر الحجاب!
واتساقًا مع الرؤية الغربية يلقى الحجاب معارضة قوية من قبل غالبية النخب الثقافية والفكرية العربية؛ نظرا لأنها تدين بالفضل في تكونها الفكري والطبقي للثقافة الغربية، وتعد أطروحاتها بخصوص المرأة بوجه عام والحجاب بوجه خاص مجرد تكرار أجوف للطرح الغربي، ولا تحمل أي فكر جديد. ومن أبرز المعارضين تيار الحركة النسوية العلمانية الذي ينظر للحجاب باعتباره أداة من أدوات التمييز الاجتماعي ضد المرأة، ووسيلة من وسائل القهر.
على أنه ينبغي ألا يفهم من ذلك أنه يحث على التبرج والمبالغة في إظهار الزينة؛ فتلك دعوة يرفضها التيار النسوي؛ لأنها تختزل إنسانية المرأة في حدود جغرافية جسدها، وغاية ما يرمي إليه هو التقريب "الشكلي" بين الجنسين؛ لذا فغالبية النسويات يحرصن على تقصير شعورهن وارتداء ملابس شبيهة بملابس الرجال!
وخارج الدائرة النسوية يثير بعض العلمانيين من آن لآخر جدلا حول مشروعية الحجاب عبر التشكيك في تفسير آيات الحجاب الواردة في القرآن الكريم، وكان من المحاولات التي بُذلت في هذا الصدد محاولة المستشار سعيد العشماوي في كتابه "حقيقة الحجاب وحجية الحديث"، وإذا كانت هذه المحاولة قد تمسحت بالطابع العلمي؛ فإن غالبية المحاولات العلمانية قد حادت عنه؛ فقد كتب حسين أحمد أمين -دون أن يضحك مما كتبه-: أن الحجاب "جهاز واقٍ يحجب مرتديه عن العالم الخارجي، ويقيه من مؤثرات ضارة به تسببت من قبل في إحداث تهيج شديد عنه لم تكن له طاقة به، ففضل نوعا من الكبت والتحريم المفرطين على أن يعرض نفسه من جديد لهذه المؤثرات"!
هذه المحاولات التي قُصد بها التعرض للحجاب تجعلنا نعتقد -بحق- أن "مسألة الشرق" هي قبل كل شيء "مسألة الغرب"، وأن الأزمة المثارة حاليا في فرنسا لها بعض الظلال الشرقية، ولن يتم الخروج منها إلا باعتماد التسامح وقبول مبدأ التعددية الثقافية، بل واستحسانها أيضا، وفي هذا يقول "جوته": "التسامح خلق يجب أن نتخطاه ونتجاوزه؛ فهو يصل بنا إلى الاعتراف، أما مجرد التقبل فهو أمر مهين".
