يستقر كمبيوتر "رايموند لافلام" في مبنى متواضع غير مرتفع في قلب مختبرات لاس الاموس في اقاصي صحارى نيومكسيكو. وعلى بعد اقل من كيلومتر واحد، يقع "بلو ماونتن" وهو قسم الكمبيوتر الدفاعي الذي يضاهي حجمه بناية مكاتب وكان نال في السنة الماضية لقب اسرع آلة حوسبة في العالم برقم قياسي هو 1،6 تريليون عملية في الثانية. كمبيوتر لافلام يتمتع بالتأثير نفسه انما بطريقة مختلفة. فهو يشغل راقودا (وعاء سوائل) ضخما ولا يتمتع بقدرة على معالجة الارقام اكثر من قدرة حاسبة جيب. وهذا الراقود الغاطس في حقول مغناطيسية قادرة على مسح محتويات اي بطاقة ائتمان هو النموذج التجريبي لآلة حاسبة هي على قدر كبير من الغرابة والسحر، ذلك ان العلماء كانوا يعتقدان قبل بضع سنين ان لا سبيل الى صنع واحدة مثلها.
هذه هي واحدة اولى من عالم الكمبيوتر الكوانتي. وهي ليست شبيهة بأي من الوحدات القديمة في عالم الكمبيوتر التقليدي. فمخترعوها يفتخرون بأنها تستطيع تداول خمس بتات من المعلومات الكوانتية، وهذا انجاز يجعلها تحمل لقب اقوى كمبيوتر في العالم.ينتمي لافلام الى نخبة صغيرة من العلماء الذين صنعوا بأنفسهم كمبيوتراتهم الكوانتية، حتى انهم استطاعوا ان يحملوها على تشغيل برامج لا تفهمها غير نخبة 
صغيره ولم يكن هناك احد قادرا على ان يحمل كمبيوترا كوانتيا على ان يفعل شيثا او حتى ان يقترب من حقل عالم التطبيقات "الحقيقي". ولهذا السبب يعتبر عمل لافلام وزميله ديفيد غوري من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا مثيرا فعلا. ففي يونيو من عام 1999، اعلن الاثنان انهما استعملا كمبيوترا كوانتيا لمحاكاة شيء حقيقي ملموس. انه جزيء كوانتي موجود في حاوية. وكانت هي المرة الاولى التي يحاكي فيها كمبيوتر كوانتي نظاما فيزيائيا (ملموسا) من اي نوع. وبالنسبة الى هذا الحقل المعلوماتي الناشىء، يمثل هذا الانجاز نضوجا حقيقيا.
يمثل عمل لافلام وغوري مثالا نصيا عن كيفية اشتغال الكمبيوتر الكوانتي. فمثل ما يحدث في أي كمبيوتر تقليدي، يجب ادخال المعلومات بصورة بتات، اي كل بتة تأخذ قيمة الصفر او قيمة الواحد. وفي الدارات الالكترونية، هذه الاصفار والاحاد تمثلها مجموعات من الالكترونات او المفاتيح التي تفتح وتغلق. فعديد من الباحثين يؤكدون أن آلات ستصبح أذكى من علماء الفيزياء المميزين ألبرت اينشتاين و ستيفن هوكينغ مجتمعين فعلى طريقة ما يمكن للبشر تطوير حواسيب ذات إمكانيات كبرى على تحليل الارقام، يتوقع هوكينغ ان تقدر الات فائقة الذكاء ان تصنع لنا حواسيب أحسن. وربما يمكن للكمبيوترات ان تحصل على ذكاء أعلى بكثير من ذكائنا مع منتصف القرن المقبل أو حتى قبله بكثير. بل ان عالم المادة في جامعة ولاية بنسلفانيا روبرت نيونهام يتوقع ان يمكن السيليكون ظهور انواع حديثة من الحياة. وربما كانت نتيجة هذه الحياة السيليكونية هي مدد غير مسبوقة للاعمار او إمكانيات دماغية فوق التخيل اي كل شيء يجعل الباحثين يتوقعون ابتكار أنواع حديثة من الحياة البشرية السيليكونية ذات وعي عام يتجاوز بكثير ما لدى البشر. هذه الافكار العجيبة لا تنبعث من كتاب الخيال العلمي وحدهم. فهي تمر ببطء الى تيار العلوم الأساسية والان أصبح العلماء يصحون للمرة الاولى في تاريخ العلم حتى يروا نتائج حدث يقع وكثير منهم على قيد الحياة: انها اتصالاتنا الاولى بذكاء عجيب عن البشر. مجيء الحياة السيليكونية ستكون نتيجته تبديل شكل الحضارة. فجل العلوم والفنون، وحتى مفهوم الانسان نفسه، تنبع مما تعطيه لنا أحاسيسنا عن العالم. لكن النسخة الكوانتية للبتات هي اشد اثارة واعلى رفعة بكثير. الكينونتان المتوازيتان في الكمبيوتر الكوانتي، يمكن البتات الكوانتية ان تتخذ لنفسها قيمة الصفر او قيمة الواحد في الوقت نفسه. وهذه الظاهرة تسمى تراكب الحالتين، وهي تحدث طوال الوقت على المستوى ما دون الذري ولنأخذ على سبيل المثال البروتون الذي يدور مثل خذروف (بلبل) محوره إما يتجه الى أعلى أو أدنى. لكن خلافا للخذروف، يدور البروتون وهو في حالة التراكب في كلا الاتجاهين معا، كما لو ان له كينونتين متلازمتين في ان واحد. وطالما بقي التراكب، تبقى هاتان الحالتان متلازمتين معا. واذا كانت حالتا الاعلى والادنى تمثلان الاصفار والاحاد، يكون الكمبيوتر الكوانتي قادرا على اجراء حسابين في وقت واحد.
غير ان الامور تجرى بطريقة اشد غرابة عن ذلك. فالكيبوبتات يمكن ان تكون موصولة بعضها بالبعض الاخر بواسطة ظاهرة تسمى التشابك، وهذه الوصلات غير عادية، فالبروتونات المتشابكة متصلة عميقا بقدر يجعلها تتقاسم الشكل نفسه للوجود بغض النظر عن المسافة الفاصلة بينها وهذا يجعل الامور اكثر اثارة. فالبروتون الواحد يمكن ان يكون موجودا في تراكب الحالتين، اي لنقل حالة الصفر وحالة الواحد. لكن عندما يتشابك بروتونان يرتفع العدد الاجمالي لحالات وجودهما الى اربعة (00،01،10،11) وعندما يتشابك ثلاثة بروتونات يرتفع عدد حالات ثمان الى (000،001،010،100،110،101،011،111)
وعند وجود اربعة بروتونات متشابكة يرتفع عدد حالات الكينونات الى 16 وهكذا دواليك. والغريب ان الكمبيوتر الكوانتي يعالج كل حالة وجود على حدة مهما كان عدد الحالات وهكذا يستطيع الكمبيوتر ذو
الـ 33 كيوبتا الذي لا يتطلب سوى 32 بروتونا قادرا على اجراء اربعة مليارات و 294 مليونا و967 الفا و296 عملية حسابية في الوقت نفسه هذا على الاقل، ما تقوله النظرية. وفي التطبيق لا يستطيع الباحثون اليوم ان يلعبوا الا بحفنة من الكيوبتات في الوقت نفسه، حتى انهم يواجهون فيها تحديات عظيمة لكن تبين ان حفنة الكيوبتات مفيدة فالجهاز الذي استعمله لافلام وغوري موجود في مختبر غوري لدى معهد ماساشوستس للتكنولوجيا. وهو نسخة اضعف قوة من النسخة التي في مختبرات لوس الاموس وهو لا يستعمل غير كيوبتين لتنفيذ عمله. وفي قلبه يوجد ما يعادل نصف انبوب اختبار يحتوي سائلا أغبر صدئا يدعى "2،3 dibromothiophene". والجزيئات في هذا السائل هي المعادل الكوانتي لرقاقات الكمبيوتر لانها تجري العمليات الحسابية.
الزوجان المتشابكان
هذه البنية مهمة جدا لأنها تحتوي ذرتي هيدروجين فقط. وكل جزيء يتألف من حلقة مؤلفة من اريع ذرات كربون وذرة كبريت واحدة، وذرتي برومين وذرتي هيدروجببن ملتصقتين خارج هذه الحلقة. وذرتا الهيدروجين- او على الاقل نواتهما أي البروتونات، هما اللتان تشاركان في الحسابات الكوانتية. وهذان البروتونان قادران على ان يشكلا زوجين متشابكين، وخاصيات هذين الزوجين يمكن قياسها. النظام الذي قرر لافلام وغوري ان يحاكياه هو جزيء كوانتي محبوس في حاوية ذات شكل خاص مثل قصعة. والشكل الخاص يضع لعدد الحالات التي يوجد فيها الجزيء فتقتصر على اربع، وعلماء الفيزياء يسمون هذه الحاوية "المذبذب الكوانتي التوافقي المضلع" والسؤال الذي قرر لافلام وغوري ان يجيبا عنه هو: ما هي طاقة هذه الحالات الأربع؟  وهنا تغدو العلاقة مع الديبروموتيوفين اوضح: فالمذبذب المضلع والبروتونان في الجزيء لها اربع حالات. لكن هنا يبرز سؤال ملح: كيف يمكن لبروتونين في جزيء واحد ان يتصرفا مثل كوانتي واحد في حاوية؟
وبدلا من التفكير في الخاصيات الفردية لنظام معين، غالبا ما يفضل علماء الفيزياء التفكير في الطاقة الكلية لنظام معين، وهي هوية يسمونها هاملتونية النظام. وهاملتونية الكرة التي تتدحرج على سفح جبل، على سبيل المثال، هي مجموع الطاقة الدورانية لهذه الكرة، اي الطاقة الحركية وقوة الجاذبية. وفي الواقع تصف الهاملتونية في هذه الحالة طبيعة سفح الجبل. وبواسطة هذه المعلومة، يستطيع الباحث ان يرسم المجرى المحتمل وسرعة نزول الكرة بدقة قدر ما تسمح قوانين الفيزياء.
لكن لنتصور ان نقلب هذه الفكرة على رأسها ولنفكر في الكرة باعتبارها الة حوسبية محددة، تستطيع بواسطة عملها نفسه، ان تحسب القيمة المتوقعة الى الكمبيوتر. يعني رفي الكرة الى ارتفاع معين. وبرنامج الكمبيوتر هو اشبه بارتفاع معين (أو اشبه بسفح جبل) ولنترك المعلومات تدور، او الكرة تتدحرج وعندئذ يمكن تحديد سرعة طاقة الكرة بمجرد قياسها. فقوانين الفيزياء نفسها تكون قد ادت العمليات الحسابية. لكن هناك مسألة اهم: فلما كانت هذه القوانين هي نفسها دوما، تكون النتائج صحيحة بالنسبة الى اي نظام هاملتوني بغض النظر عن أي فروق نراها.
على هذا النحو تماما يجري لافلام وغوري اختباراتهما. فهاملتونية البروتونين الاثنين في الديبروموتيوفين يمكن جعلها تبدو مثل هاملتونية المذبذب الكوانتي التوافقي المضلع. انما اذا نظرنا اليها بطريقة صحيحة. والحيلة تتمثل بتحضير البروتونببن بطريقة صحيحة تجعل التجربة ترى الجواب الصحيح.
هذا اشبله باستعمال سفح جبل لمحاكاة سفح اخر. فرغم ان كلا الجبلين قد يكون مختلفا عن الاخر، تكون الحيلة هي العثور على جزء من السفح تكون تعرجاته والتفافاته مطابقة لمثيلتها في الجبل الاخر واذا اجرينا القياسات في هذه المنطقة وحدها، ترى التجربة الجواب الصحيح بغض النظرعن طبيعة بقية الجبل. والجزءالصعب يكمن طبعا في تحضير البروتونين واجراء القياسات ولهذه الغاية، التفت الفريق نحو تقنية موثوق فيها تتصل بالرنين النووي المغناطيسي، الذي يقدم صورا استثنائية للجسم البشري. ويقول غوري: "ان للرنين المغناطيسي تاريخا طويلا في التحكم بالنظم الكوانتية".
تعمل الة الرنين النووي المغناطيسي بتوجيه حقل مغناطيسي قوي الى سائل وهذا ما يحدد اتجاه التجربة. ولما كان البروتونان يتمتعان بدوران اصيل فيهما، يؤدي ذلك الى تراصفهما مع الحقل (الى اعلى) او ضد الحقل (الى ادنى)، ويمكن التلاعب بالبروتونين بواسطة قصفهما بموجات راديوية. فتوالي الموجات
الصوتية وطبائعها تضيف طاقة الى هذا النظام وتوجه البروتونين الخاصين بجهاز القياس فلا يعودان يريان غير جانب معين من هاملتونية البروتونات. واذا بدت الهاملتونية وكأنها مطابقة تماما للمذبذب فان الطاقة النسبية لحالات البروتونين تكون هي نفسها كما هي موجودة في المذبذب.
البروتونات المتمايلة ليس قياس حالات البروتونين صعبا كما بيدو لنا. فعلى نحو الخذاريف الدوارة، يتمايل البروتونان ويتقدمان وهما يدوران. ومن الناحية النظرية، يفترض ان يحدث هذا التقدم تيارا في اي لفة سلكية قريبة فيكون قياس هذا التيار قياسا لحالة البروتونين ايضا. ولاشك ان قياس تقدم احد البروتونين او الاثنين مستحيل تقربيا، ولهذا السبب يبحث غوري ولافلام عن الاشارة المتحدة الاتية من تريليونات البروتونات في نصف انبوب الاختبار للديبروموتيوفين. وبالنسبة الى الات الرنين النووي المغناطيسي، يعتبر هذا الامر مجرد لعب اطفال. وفي هذا الصدد، اعترف لافلام قائلا:" يمكننا ان نتكل على التقدم التكنولوجي للاخرين".
كانت النتائج مقنعة. فقد اظهر تحليل بسيط ان الناتج ومن آلة الرنين النووي المغناطيسي الخاصة بغوري هو اربع اشارات متراكبة. وكانت كل من هذه الاشارات تعبر عن واحدة من الحالات المحتملة التي يتخذها المذبذب الكوانتي التوافقي المضلع. وكان المعدل بينها اي طاقاتها النسبية مطابقا للمعدل الذي يحسبه عالم الفيزياء تقليديا.
هذا النجاح في المعالجة الكمبيوترية الكوانتية جعل غوري يبني آمالا عظيمة على المستقبل بعيد المدى للحوسبة الكوانتية. فقال: "ان معالجة المعلومات الكوانتية سيغدو جزءا مكونا من فهمنا لفيزياء الكوانتا".
هناك باحثون آخرون تنبهوا لهذه الاعمال. فالباحث ديفيد واينلند من المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا في بولدر (ولاية كولورادو) يعمل على بناء معالجات معلوماتية كوانتية من سلسلة ايونات محتبسة بعناية وقال واينلند عن احدى التجارب الاخيرة: "انها تجربة جيدة حقا. فقد شق هذان الشابان (غوري ولافلام) الطريق، لكن هذا المجال ينفتح مع الوقت على مشكلات كبيرة".
لا يمكن للكمبيوتر الكوانتي القائم على تقنية الرنين النووي المغناطيسي ان يكون قويا اكثر. فآلات الرنين النووي المغناطيسي تقيس متوسط حالات عدد كبير من الجزيئات، وهكذا تكون نسبة معينة من الجزيئات في حالة خاطئة فتعطي نتائج خاطئة. وعندما لا نحصل على غيرحفنة من الكيوبتات وعدد قليل من الكينونات المتوازنة، يمكننا عندئذ ان نميز بين الاجوبة الصحيحة والأجوبة الخاطئة.
لكن عندما يرتفع عدد الكينونات، يصبح التمييز اشد صعوبة ويغدو في النهاية مستحيلا. ويقول غوري في هذا الصدد: "لا نملك اي وسيلة للتمييز بين الحالات الخاطئة والحالات الصحيحة" والحدود العملية للكمبيوتر الكوانتي القائم على الرنين النووي المغناطيسي هي نحو عشرة كيوبتات فقط، وهكذا يحتاج الامر الى تقنيات اخرى اعقد لتحقيق حوسبة واسعة النطاق.
وهناك عائق اخر يبدو كبير بغض النظر عن عدد الكيوبتات. فالمعالجات المعلوماتية الكوانتية تسرب المعلومات لان التراكب يكون شديد الضعف فينهار الى حالة واحدة وهذا ما نسميه اللاتماسك وعندما يحدث هذا تنهار العملية الحسابية. وهذا يضع حدودا قاسية امام تعقيد المحاكاة التي تجرى بواسطة الكمبيوتر الكوانتي لأنه كلما طالت العملية، ازداد خطر انهيار النتيجة بواسطة اللاتماسك.
وقد اصطدم غوري ولافلام بهذه المشكلة عندما حاولا ان يحاكيا نظاما اشد تعقيدا يسمى "المذبذب اللاتوافقي الموجه" الذي يشبه كرة في قصعة توجهها الريح على سبيل المثال. وهذا الامر يتطلب معالجة اطول قبل ان تستطيع اللفات السلكية قراءة نتائج المحاكاة. وبينما يحدث هذا، يعمل اللاتماسك على اضعاف الاشارة الناتجة والى حين تصبح غير مقروءة. غير ان هذا المفعول غير سيىء تماما. فالباحثون يخططون الان لاستعمال المعالجة المعلوماتية الكوانتية لدراسة ظاهرة اللاتماسك نفسها.
وحتى مع وجود اللاتماسك يبدو المستقبل مشرقا. ويعترف لافلام قائلا: "اعتقد اننا لم نحصل بعد على النموذج التجريبي العجيب للكمبيوتر الكوانتي. لكن يمكننا ان نبدأ بارتياد العالم الكوانتي بطريقة لم يعرفها غيرنا من قبل". وهذا الكلام قد لا يكون تشخيصا سيئا لتكنولوجيا الرنين النووي المغناطيسي المتقادمة ولقدر ضئيل من السائل الصدىء.
