يقولون إنك لو زرت بيت أهداف سويف في ويمبلدون بضواحي لندن, فسوف تجد نفسك محاطاً بالعشرات, وربما المئات من القطع الفنية, والدمى, وإطارات الصور, والتحف, والتماثيل, التي يجمع بينها جميعاً أنها صغيرة الحجم أو بالغة الصغر, والتي تنتشر في الأركان وفوق الأرفف وعلى مساند الأرائك على نحو يدعوك للتساؤل عمّا إذا كان هذا المزاج هو الوجه الآخر لأسلوب أهداف سويف في الكتابة, ذلك الأسلوب الذي ينحو إلى التفرّس في أدق التفاصيل, ويستل من أصغر الملامح وأخفاها من الدلالات والمعاني ما قد لا يكون حاضراً في الكتل الضخمة والمساحات الشاسعة المغمورة بالأضواء. قطعت أهداف سويف رحلتها كقاصّة وروائية بالتوازي مع مسيرتها الأكاديمية, فبعد أن تخرّجت في قسم الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة, حصلت على الدكتوراه في لغويات الشعر من جامعة لانكستر ببريطانيا, وعملت بالتدريس في جامعتي القاهرة والملك سعود. وقد بدأت في تحقيق شهرة واسعة كروائية متفرّدة منذ صدور روايتها (في عين الشمس) بالإنجليزية سنة 1992, وفي سنة 1999 رشحت روايتها (خارطة الحب) ضمن القائمة القصيرة Short list لجائزة بوكر Booker Prize التي تمنح سنوياً في إنجلترا لأفضل عمل روائي مكتوب بالإنجليزية. وهذا الترشيح يعادل الاعتراف بمكانتها ضمن صفوة كتاب الأدب الإنجليزي المعاصرين, وقد ترجمت هذه الرواية إلى نحو عشر لغات أوربية بخلاف الإنجليزية, كما صدرت لها أخيراً ترجمة عربية في القاهرة. يحاورها الكاتب المصري حمدي أبو كيلة.
أحيانا.. أفرض على نفسي نوعا من الرقابة الخفية
استخدم الإنجليزية لتجسيد الثقافة التي انتمي إليها
يخطئ من يدعو إلى تقليد الغرب كي نلتحق بتقدمه
أنت أديبة مصرية, درست في جامعة القاهرة, وحصلت على الدكتوراه من إنجلترا, تعيشين في لندن وتكتبين بالإنجليزية, حققت مكانة متميزة وشهرة واسعة, ورشحت لجوائز مرموقة, وأصبحت أعمالك تترجم لعدد من لغات العالم. هذا هو الإطار الذي نضع فيه صورتك ونحن ننظر إليها, أما الصورة ذاتها فهي تنضح بالبهجة وتدعونا إلى الزهو بك, فأنت تكتبين عن وطنك بعمق وحساسية نادرين, وتنفذين إلى جوهر العلاقات والظواهر لترسمي تفاصيلها المجهرية في إصرار فريد مغلف بنعومة أخّاذة, هل تسمحين بأن تبادلينا المواقف? يعني, إذا طلبنا منك أن ترسمي لنا صورتنا كما تريننا من هناك بعد أن تغمسي ريشتك في لوح الألوان الذي يشكّل الثقافة الغربية التي تعيشين تحت سقفها, أو بكلمات أخرى إذا طلبنا منك أن تصفي لنا صورتنا وأنت تنظرين إلينا بعيون وطنية تستعير نظارة أوربية, فكيف تكون ملامح الصورة?
- أولا, أشكرك على هذا الإطراء الذي لا أظن أني أستحقه, ثانياً, أنا أفرّق بين أمرين, أولهما: كيف أرى وطني بعيون الغرب, والثاني: كيف يراها الغرب فعلاً. بالنسبة لرؤيتهم لنا فهم لا يفهموننا فهماً صحيحاً, وقد لا يكون من العدل أن نطلب منهم ذلك, لأننا بدورنا لا نفهمهم فهماً صحيحاً, فنحن نعيش في عالم زاخر بالشعوب والثقافات, ومن الصعب أن يفهم الجميع الجميع. والشخص العادي في الغرب يكون صورته عنا من خلال الإعلام, أو من خلال المناهج الدراسية, وخاصة فيما يتعلق بمصر الفرعونية, وحتى الذين يزورون بلادنا لا تتاح لهم فرصة التعرّف الحقيقي علينا لأن انتباههم يكون موجهاً لموضوعات بعينها. ولأن الإعلام بطبيعته يفضل إلى حد كبير الموضوعات المثيرة, فهو لا يغوص في الأعماق بغرض إبراز الجوانب الإنسانية المشتركة, ولكنه يركّز على جوانب الاختلاف, ولذلك يتأكد عندهم باستمرار الإحساس باختلافنا التام عنهم, لدرجة أنني تلقيت أكثر من رسالة من قرّاء أوربيين وأمريكيين يقولون فيها إنهم متعاطفون مع هذا البطل أو ذاك من أبطال رواياتي, ثم يضيفون أنهم متعجبون كيف يتعاطفون مع إنسان يفترض أنهم مختلفون عنه جذرياً, وعموماً هناك موضوعان رئيسيان يتناولهما الإعلام الغربي هما الآثار الفرعونية, والصراع العربي - الإسرائيلي الذي يفرض نفسه على رؤية الغرب لنا إلى حد كبير.
هذا عن رؤية الغرب لنا, أما عن رؤيتي أنا عندما أنظر إلينا - إذا جاز التعبير - فإن أول ما ينتابني من شعور هو أنني أريد أن نبقى كما نحن, وعندي لذلك أسباب عدة, خذ مثلاً مسألة الترابط الأسري, صحيح أنها قد تمثل عندنا أحيانا نوعاً من الضغط على الصغار أو الشباب إلى حد لا يمكن التخلص منه إلا بشيء من الثورة أو التمرّد, بينما لا يوجد في الغرب مثل هذا الضغط, ومع ذلك أعتقد أن هذا التماسك الأسري مهم لدرجة كبيرة جداً لأن له آثاره الصحية حيث يمثل رادعاً أخلاقياً وقيمياً لا نستطيع أن نستغني عنه, وربما نستطيع أن نشبّهه بالهلب الذي يساعد الإنسان على الرسو عند نقطة بعينها في بحر الحياة دون أن تجرفه أمواج أو عواصف قد لا يقوى على مقاومتها منفرداً. المثال الآخر هو النظرة للثروة أو لجمع المال كقيمة في حد ذاتها وليس كوسيلة لتحسين الحياة, وإن كان هذا المفهوم قد بدأ يغزو مجتمعنا أخيراً. الخلاصة أنه إذا كان لدينا تيار قوي يرى أن علينا أن نحاكي الغرب كي نلحق به في تقدمه, فإنني أرى أن هذه دعوة خاطئة وأننا يجب أن نحتفظ بسماتنا ومقوّماتنا الخاصة التي تميّزنا.
بوكر والصهيونية
كانت روايتك (خارطة الحب) مرشحة ضمن القائمة القصيرة للفوز بجائزة بوكر عن العام 1999. بعد إعلان نتيجة الجائزة وعدم فوزك بها دار حوار في الصحافة الأدبية الإنجليزية ورد فيه أن عداء الرواية للصهيونية وضع المحكمين في حرج منعهم من منح الجائزة لها. ما الحكاية بالضبط?
-ما حدث هو أن أحد أعضاء لجنة التحكيم وهو (جون سندرلاند) كتب مقالاً عن عملية التحكيم وآلياتها ذكر فيه أن اللجنة كانت (متفقة على أن رواية خارطة الحب هي أكثر الروايات المرشحة إمتاعاً, ولكن توجهاتها المعادية للصهيونية أقلقت بعض أعضاء اللجنة). هذا كل ما قيل. في الوقت نفسه كان رئيس اللجنة هو (جيرالد كوفمان) وهو نائب في البرلمان عن حزب العمال, وهو معروف بتوجهاته الصهيونية, وكان يلعب في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات دور حلقة الوصل بين الحكومتين الإنجليزية والإسرائيلية, وقد قام بالرد على مقال سندرلاند ولم يأت في ردّه نهائياً أي ذكر لأسباب سياسية وراء عدم فوز روايتي بالجائزة, ولكن عضواً آخر باللجنة, وهو يعمل محرراً أدبياً لجريدة الإندبندنت أخبرني شخصياً بأن كوفمان قال: (كلكم تعلمون أن توجهات هذه الرواية ليست توجهاتي), ولم يقل أكثر من ذلك. وقد تم منح الجائزة إلى (ج.م.كوتسيا) J.M.Coetzee عن روايته (العار Disgrace), وهذه كانت أول مرة تمنح فيها الجائزة لكاتب واحد مرتين. عموماً لا يمكن الجزم في هذه المسألة بشكل قاطع.
عندما تكتبين بالإنجليزية, هل تتعاملين مع اللغة باعتبارها مجرد وسيط أو أداة للتعبير, أم باعتبارها وعاء للثقافة التي تنتمي إليها هذه اللغة?
كان ذلك بمثابة ضربة مؤلمة للتقدم الفكري الذي وصل إليه العرب المسلمون في المدة التي سبقت هذه الواقعة. بعد مائة عام فاز الأشاعرة فضربوا المعتزلة وأذهبوا معتقداتهم وسبل تفكيرهم وآرائهم، ودمروا كل ما أقامه الإسلام والمسلمون في ذلك العهد. الدين برأيي قيمة اجتماعية وجد لخدمة الناس، وكل دين يسيء للإنسان وتراثه وحضارته لا يكون ديناً. وقد كان الإسلام من أكثر الأديان تحفيزا على التعلم وعلى ضرورة استعمال الفكر وذلك في آيات كثيرة من الذكر الحكيم وفي عدد من الأحاديث النبوية. فعندما طبّقت هذه الدعوات والتعاليم قدر المسلمون أن يقيموا أكبر حضارة في الدنيا ما زالت آثارها حاضرة أمامنا حتى اليوم، استفاد منها الغربيون بعد الحروب الصليبية على وطننا فبنوا حضارتهم القوية، ولم يربح منها العرب فأهملوها وبقيت حبراً على صفحات الكتب المنسية. الخلل الأساسي حدث مع واقعة المأمون الأولى، أضيف إليها تحريم بعض العلوم من طرف بعض ولاة الأمر. حكم الأتراك المتخلفين حضارياً ساهم في عصر التخلف الفكري الإسلامي، لأنهم حبسوا حركة التطور الفكري بظلمهم، وعطّلوا المدارس، و حرموا التجمعات بكل أشكالها، فكانت الطامة الفكرية التي أعادت العرب إلى عهود الظلام والجهل. ثم وجدت الهوة بين رجال الدين والعمل الفكري الصحيح، والسبب ما زال غير معروف. - الاثنان, وإن كان يتضح مما كتبته حتى الآن - خارطة الحب على سبيل المثال - أن اللغة الإنجليزية بالنسبة لي هي الأداة التي أستطيع أن أستعملها وأقوم بتوظيفها في أغلب الأحيان للتعبير عن مشاعري أنا, ولتجسيد الوجدان والثقافة والخبرات التي أنتمي إليها. ولكن عندما أقدم شخصية أجنبية مثل ليدي (أنا وينتربورن) في خارطة الحب, فإنني أوظف الأشكال الثقافية الشائعة في مجتمعها مثل المذكرات والرسائل, ولكني عموماً أعتقد أنني منشغلة حتى الآن بالتعبير عنا نحن بشكل أساسي, واللغة الإنجليزية هي أداتي المفضلة لذلك.
اللغة والقارئ
عبر بحث سريع على الإنترنت, وخلال أكثر من 900 صفحة تتحدث عنك وعن أعمالك, كان مما توقفت عنده عبارة تقول: (من بين الكثيرين الذين يكتبون الآن عبر القوميات والحدود, فإن أهداف سويف هي صوت مصري أصيل يتوجه مباشرة إلى القارئ الغربي). كذلك يقول أحد كبار النقاد إنك نجحت في مخاطبة القارئ الغربي بلغته وثقافته, ما تعليقك على مضمون مثل هذه المقولات? وهل يتوجه الأديب عندما يكتب لأحد بعينه?
- دعني أوضح الأمر قليلاً, هناك مستويات لمعرفة اللغة, فالعديد من المفردات والتعبيرات والتركيبات اللغوية تكون محمّلة بأبعاد تاريخية وثقافية مما يجعل لها وقعها الخاص والمؤثر لدى المتلقي, وأعتقد أنني استوعبت اللغة الإنجليزية من خلال القراءة والمعايشة إلى الحد الذي يمكنني من فهم هذه الأبعاد فيها, وبالتالي من مخاطبة القارئ الإنجليزي من خلالها. من ناحية أخرى فعندما أكتب مقالات للصحف الإنجليزية من حين لآخر, فإنني أكتبها - عن وعي - للقارئ الغربي, لأن هذه مقالات, وإن كنت أوظف فيها إمكاناتي الروائية لكي أحدث التأثير المطلوب. أما الأدب فهو يكتب لذاته ويفرض أدواته على الأديب. وأخيراً, أعتقد أن جزءاً من نجاح رواية (خارطة الحب) في الغرب يرجع إلى أن شخصية السيدة الإنجليزية كانت تبدو حقيقية وكأن كاتبها إنجليزي من القرن التاسع عشر أو بدايات القرن العشرين.
قبل أن نغادر دائرة اللغة أود أن أسألك: هل ما تكتبينه أدب عربي أم أدب إنجليزي?
- رغم أن هذا السؤال يجب أن يوجه أساساً للنقاد, لكن في الغالب هو أدب إنجليزي.
الرقابة الخفية
على ذكر النقّاد, ما رأيك في قول ناقد كبير: (إن القيمة النوعية التي اكتسبتها كتابة أهداف سويف بالإنجليزية هي نتيجة عوامل غير بعيدة عن تجليّات القوة في عالمنا المعاصر, وتعقد أوضاع الثقافة العربية التي يغلب عليها الاتباع لا الابتداع, ومن ثم البحث عن لغة قد تتيح من الحرية ما تفتقده ممكنات اللغة الأم)?.
- من ناحية الحرية, لا أعرف لأني لم أحاول أن أكتب شيئاً بالعربية ومنعت أو حجر عليّ, من ناحية أخرى فإن ما أكتبه بالإنجليزية سيصل إلى القرّاء العرب سواء في لغته الأصلية أو مترجماً.
وهل ينطبق هذا أيضاً على روايتك (في عين الشمس)?
- وحتى (في عين الشمس), فعندما قررت جريدة أخبار الأدب نشر خاتمة الرواية وعلمت بذلك, طلبت منهم مراجعتها قبل النشر, وقد وجدت أن هناك فقرة قاموا هم بحذفها عند الترجمة فقمت بإضافتها, ولكنهم عادوا وحذفوها مرة أخرى عند النشر, وهذا حقهم. ولكن هذا لا يمنع أنني أحياناً أفرض على نفسي نوعاً من الرقابة الخفية أو غير المقصودة.
مَن يقرأ أعمالك يخيّل إليه أن الخير في هذه الدنيا هو القاعدة, والشر هو الاستثناء, أبطالك الرئيسيون دائماً من الأخيار, وهم شخصيات إيجابية مقبولة من القارئ أو محببة إليه, أما الأشرار فهم أشباح تخطر من بعيد أو أطياف تتحرّك من خلف ستار. إذا كان ما أقوله صحيحاً, فهل هذا مقصود منك? وهل هكذا حقاً هي الحياة?
- كلامك صحيح, رغم أن الشر موجود طبعاً وإلا ما كان هذا حال الدنيا, أنا فعلاً لم أقدم شخصية رئيسية شريرة تجسّد الشر من أجل الشر مثل ياجو مثلاً. أما إذا كنت تقصد بالشخصيات الخيّرة نموذجاً مثل شريف البارودي في خارطة الحب, فقد كنت أقصد أن أقدم شخصية بطل رومانسي مصري, فلم يكن هناك مجال في ملامحها أو مكوّناتها لنوازع الشر.
من حين لآخر تعلو أصوات بالدعوة إلى ما يسمى (الأدب النسائي) أو (أدب المرأة) أو (الأدب الأنثوي), وفي الوقت نفسه هناك من يقولون إن هذه الدعوات تنزع عن هذا الأدب توجهه الإنساني العام وتحوّله إلى نوع من التعبير الفئوي الضيق. ما رأيك في الدعوة وفي معارضيها?
- أنا أوافق على الرأي الثاني, وربما أتى وقت كان مطلوباً فيه إبراز حقيقة أن هناك أدباً نسائياً, وأظن أن هذه مرحلة انقضت, وليس من المناسب تحجيم كتابة بعينها فيما يسمى بالأدب النسائي. وربما نتقبل هذا التعبير بمعنى الأدب الذي تكتبته المرأة وليس بمعنى الأدب الذي يعبر عن المرأة. وسوف نجد أن هناك كتّاباً كباراً عبروا عن المرأة تعبيراً صادقاً وهم رجال, مثلما فعل يوسف إدريس في (الحرام).
ومع ذلك فإن الدكتور جابر عصفور كتب في سياق تقديمه لمجموعتك (زينة الحياة) في طبعتها العربية واصفاً أعمالك بأنها (تتسم بالحضور الأنثوي المهيمن). وأرجو أن تسمحي لي هنا بملحوظة إضافية حول هذه المجموعة - الشائقة والممتعة في رأيي - وهي أنه حتى القصص التي تضمنتها وجاء أبطالها من الرجال مثل (تحت التمرين) أو (ميلودي) أو (السخان) فإنهم كانوا يتحرّكون على خلفية طاغية من عالم النساء?
- ولماذا لا تنظر في خارطة الحب? أليس شريف البارودي بطلاً? ربما كانت (زينة الحياة) مرحلة نجحت في عبورها في الأعمال التالية, ومع ذلك لا أنكر أن الأديب يكتب عمّا يعرفه, ولذلك كانت الكتابة في البداية عن الشخصية النسائية أقرب وأيسر, وحتى في (خارطة الحب) بدأت في رسم شخصية شريف البارودي من خلال عيون شقيقته وليدي أنّا التي تحبّه, ومع تناهي أحداث الرواية بدأ في الظهور كشخصية مستقلة تتقدم إلى القارئ بنفسها مباشرة.
الموقف السياسي
مَن يقرأ أعمالك يتبين بسهولة أن لك رأياً وموقفاً سياسياً مما يدور في وطنك وفي المنطقة وفي العالم من أحداث وتطوّرات, وأنك متابعة لممارسات وطروحات القوى السياسية المختلفة, ولك رأي فيها وموقف منها. سؤالي هنا ذو شقين: أولاً: أين تصنّفين نفسك سياسيا? وثانياً: ما أحلامك في إطار السياسة?
- أولاً, ربما يكون أكثر ما يشغلني هو القضية الفلسطينية ودور إسرائيل في المنطقة. وقد يكون شيئاً طفولياً أن أقول إنني أكره الظلم والاستغلال والفساد كمعظم الناس. ولعل موقفي السياسي هو ما أعبّر عنه من خلال الكتابة, بل وأحياناً تكون الكتابة في ذاتها عملاً سياسياً, أما عما أحلم به في إطار السياسة فهو أن أرى تاريخ بلادي وحضارتها وإمكاناتها موظفة أفضل توظيف لصالح الناس في الحاضر والمستقبل.
ما دمنا نتحدث عن السياسة, اسمحي لي أن أقرأ عليك مقولة منشورة لك تقولين فيها: (إما أن تتعلم كيف تمارس لعبة السياسة وتبقى متنبّهاً لإمكانات الغدر بك, وإلا فلا تفعل). ماذا تقصدين?
- أقصد أن مَن يحترف السياسة يجد نفسه مضطراً لممارستها كلعبة لها تفاعلاتها وصفقاتها ومبادلاتها, ولا يستطيع أن يخوضها وهو طاهر القلب, نقي الضمير أو مسلح بمجرد إيديولوجية أو رؤية أخلاقية خالصة.
دعينا نعد إلى خارطة الحب, يستطيع القارئ أن يلحظ خيطاً رئيسياً في الرواية, وخاصة في الجزء التاريخي يركز على أن الإنجليز كانوا يفتقدون القدرة على رؤية الآخر, فهم لا يعترفون للمصريين بوجودهم المستقل أو بحقهم في التحقق والتميز باعتباره واقعاً موجوداً فعلاً, يحكمهم في ذلك تصوّر بأنهم بالضرورة الأفضل. هذا ما كان سائداً في أوائل القرن العشرين, فهل مازالت هذه هي الرؤية التي تحكم نظرتهم ونظرة الغرب عموماً إلينا?
- مازالت هذه الرؤية موجودة ولكن بدرجات متفاوتة, بحكم وجود تيارات متعددة ومتباينة. ولكن الوضع اختلف في انجلترا بالذات لوجود أعداد كبيرة فيها من الأجانب, حتى أن حوالي 40% من سكان لندن ينتمون لأصول غير إنجليزية, ولهذا أصبح هناك نوع من ضرورة تقبل هذا الاختلاف. أنا مثلا عضوة في لجنة تابعة لوزارة الثقافة معنية بتقديم التمويل لمشروعات ثقافية مختلفة, وتعمل في إطار توجه لإعطاء الأولوية في منح التمويل لذوي الأصول المختلفة تشجيعاً للتعدد الثقافي والاعتراف بالثقافات المغايرة واحتوائها. ولكن الأمر قد يختلف بالنسبة لرجل الشارع الذي يعاني من البطالة مثلاً.
رفض الآخر
هل توافقين على الرأي القائل إن بيننا من ورث عن مستعمرينا السابقين عقيدة رفض الآخر, واستمر في اعتناقها بينما تخفف منها إلى حد كبير من ورثوها لنا أصلاً? وهل يتجلى ذلك في الاعتقاد الدائم لدى البعض في وجود مؤامرة مدبّرة ضدنا من قبل الآخرين مجتمعين?
- دعني أقل لك إن هذه النظرة يكون لها أحياناً ما يبررها بدرجة أو بأخرى, وعلى سبيل المثال فإن السينما الأمريكية والأوربية مازالت تقدمنا في صورة عدو شرير, وهذا بالضرورة يلعب دوراً في تشكيل تصوّرنا - أو تصوّر بعضنا - لنواياهم تجاهنا.
موقفك المناصر لحقوق الفلسطينيين معروف وواضح سواء من خلال أعمالك الأدبية أو من خلال كتاباتك الصحفية. زيارتك التي قمت بها لإسرائيل والأراضي الفلسطينية في ديسمبر 2000, ماذا أضافت لرؤيتك للموضوع?
- أولاً, لم تكن هناك زيارة لإسرائيل, ولكنها كانت للضفة الغربية المحتلة, وقد أتاحت لي فرصة الرؤية المباشرة لما يحدث, وهو مالم توفره القراءة أو المتابعة عبر وسائل الإعلام, فمقابلة الناس ومعايشتهم تعطيك شحنة إنسانية, وهذا ما حدث لي, بالإضافة إلى انبهاري بالقدس العتيقة, فهي مدينة فريدة في جمالها تعــطيك إحساساً بأنك تريد أن تحميها بجســمك, وقد أعطتني الزيارة إحساساً بأنــني شاركت مشاركة فعلية - من خلال ما نشرته عــنها في جــــريدة الجارديان - في مناصرة الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة, مشاركة تتعدى قليلاً المتابعة والتعــــاطف. وقد منحني هذا إحساساً لا تتصوّره, فقد كنت في حالة تبرّم من نفسـي, أبحث عمّا أستطيع عمله فلا أجد. وعندما كنت أعود للفندق وأبدأ في تسجيل مشاهداتي خلال اليوم, كنت أشعر أنني أوظف كل ما عندي من تقنــــيات الكتــــابة خدمة لقضــــية أؤمن بها. لقد كنت سعيدة الحظ أن أتيح لي أن أمر بهذه الخبرة, مهما كان عنصر الألم فيها.
