يشمل التعليم العالي في العراق جميع المعاهد العليا (سنتان) والكليات (أربع سنوات وأكثر) فوق المرحلة الإعدادية. والتعليم الجامعي يتخصص بالتعليم في الكليات. وقد تأسست المعاهد الفنية والكليات في العراق مع نشوء الدولة العراقية كمملكة مستقلة عام 1932م. وفي الثلاثينيات تأسست في العراق كليات الطب والهندسة والعلوم والحقوق والزراعة والتجارة. وقد توحدت تلك الكليات الموجودة في العاصمة العراقية في عام 1959م لتصبح أول جامعة عراقية، سميت بجامعة بغداد. وكان لرئيس الجامعة، الذي يتمتع بدرجة وزير، قدر معين من الاستقلالية في صنع القرارات التي تخص التعليم العالي. ومنذ عام 1970م ألحق قطاع التعليم العالي بجميع مفاصله التدريسية والإدارية بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فاقدًا بذلك آخر بقايا الاستقلال الأكاديمي، وهكذا خضع هذا القطاع كلية لسيطرة الحكومة. واستثني من تلك السيطرة جزء ضئيل منه، كان يغذي بعض الجهات الحكومية بالموارد البشرية المطلوبة، كوزارة الدفاع ووزارة النفط والمعادن ووزارة الصناعة والتصنيع العسكري ومنظمة الطاقة الذرية. وقد خضعت الفروع الطبية والهندسية والعلمية المتعاونة والمرتبطة بتلك الجهات الحكومية لتعليمات خاصة في سياسات القبول والمناهج كانت تصدر إليها من تلك الوزارات والجهات الرسمية. فشل التعليم العالي في العهد السابق من المعروف أن قطاع التعليم العالي ينهض بمتطلبات أساسية تصب في خدمة المجتمع عبر الجهود التي يقدمها لإشاعة المعرفة العلمية والتكنولوجية بشقيها النظري والعملي التطبيقي، وتوظيفها لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية أساسية كالتعاون والتفاعل الحيوي المتبادل مع قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والصحة والتربية وغيرها من قطاعات الدولة المختلفة من خلال رفدها بالموارد البشرية الكفؤة، والقيام بالأبحاث العلمية والتكنولوجية الاستراتيجية. يتطلب التعليم العالي، لكي يستطيع النهوض بواجباته، ركيزتين أساسيتين: الأولى وتشمل الموارد البشرية والمادية كالتخطيط والرقابة والموارد المالية الثابتة، بالإضافة إلى الحوافز للتطوير الأكاديمي والبحث العلمي وتوفير الخدمات والموارد التي تشمل الأبنية والقاعات والمختبرات والمكتبات ووسائط النقل. والثانية وتشمل الاستقرار المادي والنفسي للدارسين والهيئة التدريسية والإداريين على حد سواء، وهذا يستلزم بالضرورة ضمان حرية المجتمع الأكاديمي (المؤلف من الهيئة التدريسية والفنيين المساعدين والطلاب والجهاز الإداري) وسيادة المناخ الديمقراطي المستقل فيه. ونعني بذلك استقلال مؤسسات التعليم العالي عن الدولة وغيرها من قوى المجتمع المتداخلة، وحرية صنع القرارات المتعلقة بسير العمل الداخلي فيها وبماليتها وإدارتها، وإقرار سياساتها في التعليم والبحث العلمي وغيرها من الأنشطة ذات الصلة. أما الحرية الأكاديمية فتعني حرية أعضاء الهيئة التدريسية، فرديًا أو جماعيًا، في متابعة المعرفة وتطويرها وتحويلها، من خلال البحث والدراسة والمناقشة والتوثيق والإنتاج والخلق والتدريس وإلقاء المحاضرات والكتابة والتأليف والنشر. ويمكن إرجاع فشل التعليم العالي في ظل النظام التوتاليتاري السابق في تأدية دوره المطلوب إلى أسباب فشل السياسة المركزية المتسلطة والمتحجرة وغير المرنة إجمالاً، وغياب حالات التخطيط العلمي السليم وعدم منح المجتمع الأكاديمي القدر الكافي من الحرية في التعليم والتعلم والبحث العلمي والأداء الإداري، إضافة إلى انخفاض المستوى العلمي والقيادي اللازم لأعضاء المجتمع الأكاديمي، كذلك افتقار الموارد الضرورية لتطوير المناهج والأساليب والوسائل التعليمية بما يتلاءم ومتطلبات العصر الحاضر. أضف إلى ذلك غياب الحرية الأكاديمية والسيطرة المطلقة على مفاصل وعناصر القطاع. لقد أدت السياسة الحكومية المركزية الخاطئة بالتعليم العالي، شأنه شأن باقي المؤسسات والنشاطات الاجتماعية والثقافية، إلى التدهور التدريجي وفقدان القدرة على مواكبة التطور العالمي، كحتمية تأريخية لعصر تقنية المعلومات والعولمة والثورة التكنولوجية. ونتج هذا التدهور بالدرجة الأولى عن هجرة الكوادر التدريسية ذات الاختصاصات الحيوية كالطب والعلوم والهندسة والاقتصاد إلى الخارج، في الوقت الذي أحجمت الدولة فيه عن إرسال الطلبة في بعثات علمية إلى الخارج لتعويض المفقود من أعضاء الهيئة التدريسية. على الضد من ذلك راحت تقضي على التقاليد والمعايير الأكاديمية العتيدة التي كان العراق يتميز بها لحد السبعينيات من القرن الماضي، مثل عدم اعتماد الخريجين من حملة الشهادة الجامعية الأولية (البكالوريوس) كأعضاء في الهيئة التدريسية وتعيينهم بدلاً من ذلك بوظائف فنية مساعدة لمدة أقصاها خمس سنوات، يبعدون بعدها من حقل التعليم، ما لم يطوروا أنفسهم بالحصول على شهادة أعلى (الماجستير أو الدكتوراه). وانتهى العمل بتلك القاعدة الأكاديمية التي حفزت المساعدين من حملة البكالوريوس على الحصول على الشهادات العالية من جهة، وحافظت على المستوى العلمي الأكاديمي، من جهة أخرى. كذلك قاطعت الجامعات العراقية في ظل ذلك النظام، لأسباب أمنية مفتعلة، التعاون مع الجامعات الخارجية التي كانت تستعين بها في تقييم البحوث الأكاديمية وبحوث الدراسات العليا، بالإضافة إلى بحوث ترقية أعضاء الهيئة التدريسية. ولم تعد الجامعات الأجنبية المعروفة، بالمقابل، تعترف بالشهادات الممنوحة من الجامعات العراقية، كما هي الحال في السابق. ولعل التدخل الحكومي السياسي في عملية قبول الطلبة في الجامعات العراقية في ظل النظام السابق هو أخطر عامل ساعد على تدهور التعليم العالي وفقدانه السمعة والرصيد العلمي على المستويين العربي والدولي. ففي بداية كل عام دراسي، كانت عمادات الكليات العراقية تتسلم ثلاث قوائم بأسماء الطلبة المقبولين في فترات زمنية على التتابع. تتضمن القائمة الأولى أسماء الطلبة المقبولين دون شروط! فأما أن يكون الطالب من هذه القائمة الخاصة ابن وزير أو قائدًا حزبيًا أو ما شابه ذلك، فيعفى في هذه الحالة من كل شروط القبول. وتضم القائمة الثانية أسماء الطلبة العرب المتعاونين مع النظام، الوافدين عن طريق المنظمات الحزبية المرتبطة بالحزب الحاكم. ولا تنطبق على أسماء هذه القائمة سوى بعض الشروط الأكاديمية السهلة. وتسد القائمة الثالثة الشاغر المتبقي في المقاعد الدراسية، وتتضمن أسماء الطلبة العراقيين من عامة الشعب الذين يخضعون لأقسى وأصعب الشروط الأكاديمية إضافة إلى الشروط السياسية كالانتماء الجبري للحزب الحاكم، على سبيل المثال. ومن الطريف في الأمر أن طلابًا معروفين من القائمة الخاصة، مثل عدي صدام حسين ومحمد ميشيل عفلق وغيرهما بالمئات، تخرجوا في كليات الطب والهندسة والعلوم والقانون، دون أن يعرفوا، على الأقل، أين تقع بنايات الكليات التي تخرجوا فيها بامتياز! ومن أسباب الخراب النفسي والعلمي والمادي الذي لحق العملية التعليمية وأصاب كبد المجتمع الأكاديمي ما كان يحصل للعديد من الطلبة والأساتذة كل يوم من عمليات الملاحقة وإلقاء القبض والفصل والسجن والإعدام بحجة الانتماء إلى طوائف سياسية وإثنية لم يحبذها النظام. آفاق الإصلاح الجامعي المنشود لايشك أحد اليوم، وبعد انتهاء العهد السياسي السابق، في ضرورة وأهمية إخراج قطاع التعليم العالي من دائرة الفشل المزمن الذي آل إليها منذ حوالي نصف قرن من الزمن. ومن الجدير بالذكر أنه يمكن اشتقاق عناصر الإصلاح المطلوب للتعليم العالي من ظروف وأسباب الفشل السابق نفسها. ومن الطريف ذكره في هذا المجال أن أحد الإعلاميين ذا الصلة بالتعليم اقترح على حكومة العهد الجديد أن تعكس اتجاه كل خطوة قام بها النظام السابق فيما يخص التعليم العالي، حينئذ سوف نرى أعظم إصلاح للتعليم يشهده العراق! ونعتقد أن في هذه الطرفة الكثير من عناصر الحقيقة. فلا نجد أي مبرر مثلاً لخطوة النظام السابق في تأميم الكليات الأهلية مثل جامعة الحكمة أو المدارس الثانوية المتميزة ككلية بغداد على سبيل المثال. كذلك ابتعاد قطاع التعليم العالي العراقي تمامًا عن التعاون مع الجامعات الخارجية في إعداد المناهج والبحوث العلمية والإيفادات والبعثات والنشر والمشاركة في المؤتمرات ، للأسباب الأمنية إياها. ثم ما الحكمة في منع الأساتذة من السفر في أثناء عطلهم الصيفية للراحة والاستجمام؟ وما الداعي لتوقف استيراد الكتب والمعدات التدريسية المحدثة سنويًا، في الوقت الذي استمر فيه استيراد المرمر الإيطالي للقصور الرئاسية والأسلحة باهظة الثمن؟ من أخطر ما قد يحيق بالتعليم العالي في هذه المرحلة أن يصار إلى تشويه التراث التعليمي الصادق الذي حاول الحكم السابق أن يبقيه في ثلاجة لعبته السياسية. فللعراق تراث وتقاليد أكاديمية يتميز بها على صعيد المنطقة العربية والعالم. وما يخشاه الحريصون على هذا التراث العراقي أن تتدخل المعايير السياسية (الخارجية) ذات النفوذ محليًا، المعروفة بتحيزاتها وانتماءاتها المعروفة في عرقلة التطور الأكاديمي الحقيقي الذي يعكس طموحات ومصالح أبناء وبنات الشعب العراقي. ويؤمن المصالح الوطنية الحالية والمستقبلية للبلاد بعيدًا عن الاعتبارات الأنانية المعروفة لمنظومة العولمة كالبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية سيئي الصيت! إن مؤشرات المرحلة الحالية تؤكد بما لا يقبل الشك أن تلك الاعتبارات حقيقية وملموسة وليس وهمًا ناتجًا مما يتهمنا به الآخرون من تبني نظريات المؤامرة! وإزاء مليار ونصف المليار من الدولارات التي خصصت لتأهيل عدد من الشرطة العراقيين. قرأنا في الصحف أن عشرين مليون يتيمة فقط خصصت لرعاية العلماء العراقيين!! فأين هي ياترى حصة الجامعات ومؤسسات البحوث من المليارات التي تنهال على العراق منذ شهر سبتمبر الماضي؟ وهل نصدق أن الأطراف السياسية التي تحابي طرفًا معينًا في الشرق الأوسط سوف تتحمل أن ينهض العراق بعلمائه وقدراته الاقتصادية الهائلة لكي يأخذ نصيبه من التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي دون تفعيل تلك (الاعتبارات) وجعلها جدارًا يمنعه من القيام بتلك النهضة؟ ولدينا أكثر من دليل على ذلك التخوف، منها، على سبيل المثال، عدم الاعتراض على تدمير المفاعل النووي تموز قبل عشرين عامًا المخصص للأغراض السلمية البحتة وللبحوث العلمية والتقنية المتطورة. إزاء تلك المعطيات لابد من ذكر بعض المقترحات التي نراها أساسية لإصلاح الواقع المريض للتعليم العالي في العراق. ولا ينبغي أن نغفل شروط الحالة الشاذة والمعقدة القائمة في هذا البلد الممزق فعليًا على كل الأصعدة. قد يتيه الشخص في التحليل وفي محاولة قراءة العدد الهائل من بيانات تشبه بالخطوط المتشابكة، والتي نسجت حياة العراق المجتمعية. فالعراق ما انْفَكَّ يكوّر ذاته ويجمع قواه لكي يجاهد الزمن الأردأ، ويأمل أن يهب أفضل ما فيه لمواجهة الموجات العالية، فامتزجت الثقافات المحلية بما جاءته من الخارج. لذلك لا يمكن أن نطلب معرفة واقع ثقافة العراق إلا من خِلال قراءة تِلك الخطوط المتشابكة، نأمل أن نجمعها من هنا وهناك، لنشرف على هذا العالم الغني، نأنيها بعيون الغربة كأننا سُيّاح، فنلقي نظرة استغراب وتأثر وحنان وتعجب، ويرى ذلك كل من يأتي العراق للمرة الأولى، هذا الطابع الوَاثق بأسلوب الحياة في ظروف هي، أقل ما يُقال، أنها استمرت على زمن طويل بمعزل عن الحياة، إذ بقي هذا الوطن في انقطاع مفروض، وقد يظهر ذلك في إمكانية التعود على ما بقي لديه، والقبول لتمشية كل نواحي العيش بالنقص بكل أشكاله، فهو يبين حاجة ملحة للتبادل والإجتماع مع الآخرين، في الخارج والداخل، إن ثقافة العراق في أعماقها هي ثقافة انعزال تظهر في تصرف الناس وفي أفكارهم وقصائدهم وغنائهم، وحتى في تصوفهم وتعاملهم مع المطلق. ثقافة الانعزال إن معظم الذين رحلوا من العراق في القرن السابق، وخاصة الذين اجبروا على ذلك، وعاشوا بين ظهراني مجتمعات أخرى، يعانون الإحساس بالغربة، قد يكون مصدره ما يحملونه في أعماقهم من رؤيا للحياة ومن فهم مختلف لها. فيظل المهاجر العراقي غريبًا، بسبب ثقافته الخاصة، ورؤيته إلى الحياة، يشق عليه إيصال ذلك إلى الآخرين وهذا يوجع ويحير، وعندما يفلح العراقي في إيضاح ذلك والتعبير عن ذلك الإحساس، يمس حدود الإبداع، وإذا ما توفرت له البيئة فقد يصل إلى مناطق من التخيل لا يقيمها هو، وإنما كل من يأتي للعراق يحس بأنه لن يغادره صفر اليدين، إذ يتعلق بهذا الوطن وأبنائه. إن العراقي بصورة عامة مُثقف وفنان بالطبيعة، لكنه لا يتناول الثقافة كتعبير مريح وإنما يحس بأن ذلك بمثابة عبء ثقيل، كمن أصيب بقدر سلبي ينتظر من يزيله عنه أو يداويه منه أو يعاونه على أن يفسر له ويخفف عنه. وإذا ما أردنا أن نقارن الثقافة في العراق، يمكن القول لا أرى ما يكافئها في العالم سوى الثقافة الروسية التي هي الأخرى امتازت بالمآسي، وفي كلتيهما يظهر ذلك في كل أنواع الفنون والآداب، بل حتى في استخدام المفردات واللغة وخصوصًا في القصائد، يظهر ذلك في صعوبة الحياة، في أرض عصية، برغم بركتها وغناها، يجب أن ينزع الخبز من باطن الأرض فهو الذي اكتشف القمح في الشمال قبل كل الشعوب، وهو الذي اكتشف الرز في الجنوب، بالفلاحة اكتشف الحسك والشوك والعذاب فقيل له: «بعرق جبينك تأكل خبزك». ارتبط بالمآسي فأتت صفحات تاريخه محملة بالريب وبالغيظ، ولكنها أيضًا محملة بالكرم والشوق إلى جنة مفقودة ما زال ينقب عنها منذ جلجامش في توتره، والسندباد في ضجره من حياة بغداد الغنية والرتيبة إلى آخر مسافر تائه يقف على الرصيف ويسأل نفسه: ماذا أفعلُ هنا؟ نسيَ ما أتى به إلى هناك، واستمر يفتش عن تلك الرفقة التي كانت تغمره بديهية، مذهلة، لا حيرة فيها، صداقة تستطيع أن تجمع الأعداء، خصوم الأمس، وتغير اللقاء إلى رقص، رقصة الفنون، تستمر حتى الليل وتبلغ تلافيف الفجر، لا غرابة إذًا أن يكون أبو المؤمنين، المهاجر العراقي الأول، قد سمي «الخليل» إذ ظهر له، وللمرة الأولى، وجه آخر حقيقي، لا كصورة يعبدها، وإنما كشخص يحبه أكثر من الأولاد، ذلك الحي وحده سيصنع الحد الفارق بين واقع الحياة والوفاة. الإطار والصورة إن تاريخ العراق يمتاز بظهور هذا الإختلاف الشديد بين الموت والحياة، ومن لا يصل إلى عمق المصيبة لا يعرف القمم، والوضع هذا يعاد في تاريخه القديم والحديث على السّواء، وكان في كل مرة يجمع قواه لإعادة الإعمار، والبداية من الصفر، ألم تدون هنا أولى الملحمات التي تدور حول خراب الكون والطوفان؟ ولانستغرب من حقيقة أن العهد السابق كان يعلم بنهايته الحتمية هذه. لكن الذي ينبغي الإشارة إليه أن ذلك العهد قد برع في جعل البلاد تعيش في قوقعة محكمة محصنة ضد أي تغيير محتمل. وبين ليلة وضحاها وجدت مؤسسات التعليم العالي نفسها بلا قيادة، بلا سياسة، بلا خطة عمل. ومع دخول قوات أجنبية إلى العراق ووضع مقاليد السلطة الجديدة بيد الاحتلال الأجنبي، ويضمن ذلك قطاع التعليم العالي، نرى اليوم فراغًا مخيفًا في ذلك القطاع، يشمل جميع مستويات القيادة والمجتمع الأكاديمي على وجه الخصوص. وقد أبدع النظام السابق في عزل كل العناصر الجامعية الكفؤة المناوئة والمعارضة للخط السياسي الصدامي، إما بتصفيتها جسديًا، أو بنفيها إلى الخارج، أو نقلها إلى قطاعات لاشأن لها بالتعليم، مما جعل هذا القطاع الحيوي بعد تغيير النظام خاويًا وخاليًا من أية خطة طارئة للعمل، بغض النظر عن صدقيتها أو فاعليتها. يتعين على الحكم الحالي المؤقت والحكومات المنتخبة القادمة أن تنظر إلى التعليم العالي كونه من المجالات الحيوية التي يتقدم بها المجتمع وتزدهر البلاد اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا. ومع الاهتمام بعناصر التحديث والتطوير التي يجب توفرها، نجد أن التعليم العالي يستلزم بالدرجة الأولى أن يعيد تركيب البنية التحتية المجتمعية، بالالتفات صوب القيم الاجتماعية الجيدة. وأول ما يجب العناية به من أدوات الإصلاح الجامعي هو الالتزام الكامل بكافة بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948م، وإعلان ليما بشأن الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي الصادر عن المنظمة العالمية للخدمات الجامعية في ديسمبر عام 1988م والذي أكد على «التنمية الكاملة للشخصية البشرية وإحساس الإنسان بكرامته» وتعزيز واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والسلم. والتعليم بما يمكن جميع الأشخاص من المشاركة بفعالية في بناء مجتمع حر يقوم على المساواة، ويشجع على التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم وجميع المجموعات العنصرية أو العرقية أو الدينية، كما يشجع على التفاهم المتبادل والاحترام والمساواة بين الرجل والمرأة، والمساواة الاجتماعية والسلم والتطور المتكافئ لكل الأمم وحماية البيئة، كما ينبغي لكل دولة أن تكفل الحق في التعليم دون تمييز من أي نوع فيما يتعلق بالعنصر أو اللون او الجنس أو اللغة أو الدين، أو المعتقد السياسي أو غيره من المعتقدات، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الوضع الاقتصادي، أو حالة الميلاد أو غيرها.
