لبس رامز ملابس العيد الجديدة صباح يوم العيد, وأسرع إلى أبيه وأمه وقال لهما: كل عام وأنتما بخير. قبّلته أمه وصافحه أبوه ووضع في يده مصروف العيد قائلا: أرجو أن تصرف هذه النقود فيما يفيد يا رامز, هزّ رامز رأسه وقال: طبعا يا أبي, سأشتري كرة ألعب بها في أيام الإجازات.
قالت الأم ضاحكة: ستكون هذه الكرة العاشرة التي تضيع بعد يوم أو اثنين يا رامز, اعترض رامز بشدة مؤكدا أنه سيحافظ على الكرة هذه المرة.
انطلق رامز مسرعا واشترى كرة ملوّنة بالأحمر والأسود والأبيض, نظر إليها معجبا بها ثم أخرجها من كيسها ورفعها إلى أعلى ثم ركلها بقدمه القوية, ارتفعت الكرة مسافة كبيرة ثم سقطت على الأرض محدثة دويا مزعجا, فتح أحد الجيران نافذته وصرخ في رامز طالبا منه أن يلعب بعيدا.
بعد الغداء قال الأب: سنذهب الآن إلى عمتكم الكبرى لنزورها وهناك العمة الصغرى, صفق رامز فرحا فابنا عمته الصغرى يامن ونهاد في مثل سنه ويلعبان معه كثيرا, همس رامز في أذن أمه: سآخذ الكرة معي لألعب بها مع يامن ونهاد, قالت الأم: ستسببون إزعاجا كبيرا, وعدها رامز ألا يفعل وسيحافظ على الكرة.
انطلق رامز ويامن ونهاد ولدي عمته يلعبون بالكرة في الشارع قرب بيت العمة الكبيرة, أذن المغرب والعشاء وهم في الشارع يلعبون الكرة, قال رامز متحديا: يا يامن هل تستطيع قذف الكرة في السماء بمثل قوتي, سأبدأ الآن ثم تقذفها أنت ونرى من الفائز? لم يعط رامز الفرصة ليامن كي يناقشه وقذف الكرة في السماء, اختفت الكرة, بدأ رامز ويامن ونهاد البحث عن الكرة فلم يجدوها, عاودوا البحث مرة ثانية وثالثة ورابعة ولكن الظلام كان قد ابتلع الكرة, وقف رامز حائرا وخائفا.  وفي البيت قالت نهاد فور دخولها: أضاع رامز الكرة!!
تضم الوالدة هالة وهي تقول لها: لا تتعجلي، اعلمي أولا كل شيء عن الشجرة وبعد ذلك اختَاري ما تشائين، هل توافقينني؟ حركت هالة رأسها موافقة. تبسمت الأم وقالت: للشجرة قصة تبدأ مع الفلاح وتنتهي في منازلنا. الفلاح يرمي بالبذرة في الأرض ثم يرويها بانتظام ويكفلها بعناية إلى أن تكبر تماما مثل الولد الصغير تغذيه والدته حتى يكبر ويتكل على نفسه. فالشجرة بعد أن يرويها المزارع، تقوم هي بإصال الماء لجذورها إلى كل الأغصان والأوراق، ويجب أن تفعل ذلك حتى لا تموت، وعندما تتوقف الشجرة عن إعطاء الفاكهة يقوم الفلاح باقتلاعها من الأرض ويغرس غيرها مكانها، ونحن نعمل من جذع الشجرة الكراسي والمكاتب وكل أشكال الأثاث. تصفق هالة بكفيها وهي تقول: لا لا.. أنا لا أريد أن يقتلعني أحد من الأرض، ولا أن أتحول إلى صفائح من الخشب يقطعها النجار بالمنشار الحاد لتصير مقعدا يجلس عليه ولد مشاكس يقفز عليه باستمرار فيكسره أو أن يقعد عليه شخص بدين، ولا أريد أن أكون مكتبا لتلميذ أحمق لا يحافظ عليه، لقد بدّلت رأيي تماما، أنا لا أريد أن أكون شجرة بل أريد أن أكون قنفذا صغيرا، فالقنفذ لديه العديد من الأشواك المدببة على ظهره ويعلم كيف يحامي عن نفسه جيدا من دون أن يجهد ويعيش سعيد. نظرت والدة هالة إلى ابنتها وهي تقول لها: أنت مسرورة لاختيارك القنفذ وتظنين أنك قد ربحت، ولكنك مخطئة، لأنك لا تعلمين أن القنفذ عليه أن يتعَلّم، هو أيضا، ليعرِف كيف ينقب بنفسه عن الطعام، وأنه يسير كثيرا في الأدغال حتى يجد أكله المفضل المكون من الدود والحشرات الضارة ثم يعود ليعيش في غاره الضيق، والآن فكّرت هالة جيدا هذ المرة قبْل أن تجيب بسرعة كعادتها. وبعد تفْكير طويل قالت هالة: لا لا.. أنا لا أحب أن آكل الحشرات، ولا أن أعيش في غار ضيق، أنا لا أريد أن أكون قنفذا، أنا أفضل أن أسكن في مكان رحيب وجميل به ألوان جميلة على الحيطان والسقوف، وأستمع لأجمل موسيقى وأرقص وأؤدي أصعب الرقصات وأبتهج برؤية ذعر الناس وهم يرونني أسدا راقصا في السِيرْك ويجلسون بعيدا، ولا أريد أن أكون أسدا في غابة فهو يشقى ليحصل على أكله، أنا أفضل أسد السيرك الذي يهبه مدربه الطعام ويرعاه ويعتني به. وهنا تضحك والدة هالة كثيرا وهي تنظر لهالة ولا تتكلم. وتسألها هالة: لماذا تضحكين يا ماما؟ وما جوابك على اختياري الأخير؟ تجيب الأم وتقول: ضحكت لأنك لا تعلمين نهاية ليث السيرك، ولا تعرفين شيئا عن حياته الحقيقية، فليث السيرك لا يرقص ابتهاجا بالموسيقى ولا حبا لها كما قلت، ولكنه يرقص خوفا من مروضه حتى لا يضربه بالسوط، وحتى يعطيه الأكل، كما أنه يتعب كثيرا حتى يتقن هذه الحركات، لأنه ليث وليس قردا يتقن الرقص، وعندما يكبر في العمر ولا يقدر على الرقص يبعثونه إلى حديقة الحيوان ليعيش ما بقى من حياته مسجونا في قفص حديدي. قال الأب غاضبا لابنه رامز: أضعت الكرة كما فعلت ذلك مرات كثيرة, لن نشتري لك كرة أخرى أبدا.
بعد أيام وقفت أميرة ابنة عمة رامز الكبرى تستذكر دروسها في شرفة المنزل, فزعت حين سقطت من السماء كرة محدثة دويا كبيرا, نظرت إليها ثم أمسكت بها فرأتها تشبه كرة رامز ابن خالها حملتها مسرعة تريها لأمها وشقيقها محمد قائلة: عادت كرة رامز من السماء, أكد محمد أنها كرة رامز, ولكن من أين جاءت? قالت أميرة بعد أن فحصت الكرة جيدا: هذه الكرة قديمة بعض الشيء عن كرة رامز, قال محمد ضاحكا: لعب بها من عثر عليها كثيرا حتى صارت بهذا الشكل, ولكنها سقطت من السماء فمن لعب بها إذن?
كان الجميع يتناولون طعام الغداء حين سمعوا طرقات متوالية على باب المنزل, فزعت أميرة وأسرعت تفتح الباب فوجدت أمامها صبيا يقول لها: سقطت الكرة عندكم.
قالت أميرة للصبي: هل هذه كرتك? قال الصبي باسما: سأقول لك الحقيقة, لقد عثرنا عليها في الشارع منذ أيام عدة, قالت أميرة على الفور: هذه الكرة ملك لرامز ابن خالي, ابتسم الصبي خجلا وقال وهو ينصرف: أنا آسف. ضحك الجميع وأميرة تحكي لهم ما قاله الصبي.
