يعتقد أناس كثيرون أن كل الناس في هولندا يلبسون أحذية خشبيّة. البعض لا يزال بالطبع, خاصة الفلاحين وآخرين ممن يعيشون في الريف. لكن من الصعب العثور على أحذية خشبية حقيقية, كما اكتشف جان عندما حاول الحصول على زوج منها لسائح أمريكي.
في أحد أيام السبت في مارس أمام دكان تباع به شرائح البطاطس والآيس كريم. تحدث عاشور وهو يتنهد في الم وحسرة: - إنني أفكر بشقيقي علي، وبالخزي الذي يلحقه بعشيرتنا، وبذكرى المتوفي ابوه. كان مسعود قد ترك شقيقه علي لزراعة البستان ولمساعدة امه العجوز وأخوته الاطفال، ولقد وصلت إليه أنباء من القرية بأن اخاه علي قد ترك الزراعة والتحق بعساكر الطليان، لقد عينوه اولا خفيرا لأحد المخازن، ثم ألبسوه اللباس العسكري والحقوه إلى كتيبتهم ليكافح في صفوفهم ضد الثوار. قال عاشور محاولا أن يقلل من أحزان صديقه في السلاح: - لاشك أنهم أجبروه على ذلك، إنك تعرف وحشيتهم. قال عاشور بصوت غاضب: - كان يجب أن لا يقبل  حتى لو هددوه بالاغتيال ، الوفاة أهون من هذا الخزي الذي يلمه بعائلته وأبناء وطنه. لم يعلم عاشور ماذا يتحدث، فالأمر فعلا يدعو إلى الغضب والحسرة، ولكنه حاول أن يبعث السكينة في قلب صديقه، متحدثا: - قد يكون الأمر مجرد خبرا كاذبا... – ليته يكون الأمر مجرد خبر كاذب ، ولكنك ترى يا عاشور أن السيد الذي نقل إلينا النبا صاحب حكمة وعلم، أتمنى لو أستطيع أن امضي بنفسي هذه اللحظة لأستجلي واقع الأمر، ولكن ماذا نفعل ونحن على أهبة الاستعداد لواحدة من أهم حروبنا مع المستعمر؟! - إذن اترك الأمر إلى ما بعد الحرب، وحاول أن ترقد قليلا، فإن أمامنا يوماً عسيرا. - وفي حين رقد عاشور، ظل مسعود مستبقظا يفكر في هذا الأمر الجلل، هل فعلا ارتضى اخوه على نفسه الخزي والمذلة، وماذا تقول والدته التي كانت فخورة تزغرد وهي تبعث بأكبر أبنائها إلى الجهاد، ألم تقدر أن تمنعه من القيام بهذه الفعلة الشنيعة، إذا ما كان الأمر فعلا فإنه سيمضي إليه أينما كان ويقتله، فهذه هي عاقبة الخيانة، ظل مستيقظا إلى أن بزغ الفجر وسمع صياح الديكة، ورأى الثوار يقومون للصلاة، تعوّذ بالله من الشيطان الرجيم واستغفر الله العظيم وذهب إلى الوضوء والصلاة مع العصبة ودعا لاخيه بالمغفرة وطلب من الله أن يفرّج همه وألا يجد نفسه في موقف يضطر معه إلى قتل اخيه ابن أمه وأبيه. شرع المجاهدون في سرج الاحصنة والاستعداد للمغادرة حيث يتوجهون إلى المكان الذي سيواجهون فيه معسكر العدو، إنه مكان يتواجد على بعد نصف يوم من السفر، وقبل أن يبدؤوا رحيلهم سمعوا صوت رصاصة أطلقها أحد الثوار المكلفين بالاستطلاع والحماية، ثم رأوه مقبلا نحوهم يجر أمامه بعسكري من عساكر الأعداء، كان مسعود قد ركب حصانه ووقف في حالة استعداد وتاهب يستطلع جلية الأمر، لم يقدر أن يتبين على البعد اوصاف الجندي الإيطالي، وما إن لمحه يقتدم حتى وثب من فوق حصانه وذهب يتخلل صفوف المجاهدين، فقد علم أن هذا الجندي ليس إلا اخوه علي يلبس بدلة العساكر الطليان، كان يرغب أن يطلق عليه النار وهو يراه في هذه البذلة ولكن بقية الثوار أوقفوه ومنعوه من الاقتراب إليه وشرعوا يتعرّفون إلى عوامل قدومه إليهم في هذه الساعات الأولى من الصباح، وفي زحمة الأسئلة والاستفسارات شرع علي يقص للمجاهدين حكايته، لقد أجبروه فعلا على الانضمام بجند الطليان، ولكنه منذ اليوم الأول لانضمامه اصر على أن يكيد لهم ويخدم حركة الجهاد من داخل خطوط الأعداء، وشرع يتسقط الأنباء حتى علم أن الطليان يضعون كمينا للمجاهدين، ولذلك فقد أعدوا أنفسهم وفرقوا جنودهم للاختباء وراء الأحراش التي تتواجد بالدرب الذي يؤدي إلى المعسكر لكي يهجموا على المجاهدين في حين غفلة قبل وهلة وصولهم إلى مكان الأعداء، ولقد أبدى استعداده لأن يتولى الحراسة هذه الليلة لكي يتمكن من أن يفر تحت غطاء الليل وينبا المجاهدين بالفخ الذي نصبوه لهم. وهذا ما وقع، فما إن حل الليل حتى تسلل فارا وصار يجري طوال الليل إلى أن اهتدى إلى عصبة المجاهدين التي تتولى الاستطلاع والحراسة. ركن جان دراجته الصغيرة بجانب الدراجات البخارية وانطلق للداخل. وضع نقوده على الطاولة وقال: (آيس كريم). وقف كيز بمعطفه الأبيض خلف الطاولة يصنع شرائح البطاطا, (في هذا الطقس البارد؟), سأل كيز (والثلج لا يزال يتساقط؟! لكن بإمكانك أن تحصل عليها).
(ذلك أمريكي يجلس هناك), قال كيز (سائح).
سائح!َ علم جان عن السياح من التلفاز. لكنه لم ير سائحا حقيقيا. لم يأتوا إلى هنا أبدا لأنه لم يكن هناك ما يثير لرؤيته في هذه القرية الصغيرة , فقط المستنبتات الزجاجية لزراعة الطماطم والخيار, والتوسعات الإسكانية.
إلا أنه بدا عاديا (يريد أن يشتري حذاء خشبيا), قال كيز(حذاء أطفال لابنته الصغيرة. جاء خصيصا من روتردام بالحافلة ليشتري حذاء خشبيا! أخبرته أن يذهب لمحل الهدايا التذكارية). قال(لا, أريد حذاء خشبيا حقيقيا كتلك الأحذية التي يلبسها الناس هنا).
(أتعرف أي محل تباع فيه الأحذية الخشبية يا جان؟) لحس جان بوظته الزهرية - إنه لسؤال صعب - أكمل كيز (لا أحد منا يعرف. يعتقد السياح أننا كلنا نلبس أحذية خشبية هنا!)
(تعرف أمي محل أحذية خشبية), قال جان.
(أسمعتم ذلك؟) صاح كيز بزبائنه, (هذا الولد يعلم من أين تحصلون على أحذية خشبية!) نظر الكل إلى جان باحترام, وتمنى لو أنه بقي صامتا. بعدها بلحظة وقف جان خارج الدكان بورقة العشرة جلدرات التي أعطاها إياه الأمريكي المبتسم. كما كان معه قطعة خيط بحجم الحذاء الخشبيّ الذي أراده الأمريكي. ركب جان دراجته وانطلق للبيت. تذكر فجأة أن أمه لن تكون في البيت حتى بعد العشاء. لكن قد يعرف والده أين تباع الأحذية الخشبية.
كان والده في غرفة المعيشة يلعب الشطرنج مع فرِد شقيق جان الكبير.
(أتعرف محل أحذية خشبية يا أبي؟) سأل جان.
(لماذا تريد حذاء خشبيا؟) سأل أبوه.
روى جان لوالده القصة.
غضب الأب, (يا له من سخف!؟ يظن أولئك الغرباء أننا لانزال نسير بأحذية خشبية أين ذلك الرجل؟)
(في الدكان), أعاد جان.
(أخبره إذن بأن هذه بلاد حديثة, بالمصانع الضخمة. وبالميناء الأكبر في العالم, ميناء روتردام! أخبره بأننا لسنا فلاحين بأحذية خشبية).
ضرب الأب الطاولة بقبضة يده. فقفز جان للخلف مندهشا, أعليه أن يخبر كل هذا للغريب؟
أراد أن يعود للدكان ويخبرهم أنه لا يعرف محلاً رغم كل شيء. إلا أنه تذكر أن هيني لديها حذاء خشبي.
كانت هيني رفيقة صفه تقطن مركب بيت في الزودربلاس, وليست بعيدة على الإطلاق. أخذ جان طريق دايك المزدحم الذي يمر بالقرية.
كانت هناك ريح معاكسة قويّة . اصطفى أحد الحكام عالما عُرف بعلمه وتَقواه وعدلِه لاستلام أمر القضاء في مدينته، وقد تم إخباره بذلك قبل حُلول عيد الأضحى بأيّام قَليلة وكان هذا الفقيه معوزا، ولما لم يمضي على توَلّيه شأن القضاء شهر تام - عند حلول العيد - فلم يكن له راتب، ولم يكن لديه وفرة من المال، فلم يتمكن إذن من شراء أضحية، وقد أبلغ زوجته بذلك والشجن يغطي صوته ووجهه. فقالت البعلة الطيبة: لا تنزعج ولا تحمل غمّا، إن لدينا ديكا كبيرا، كنت أغذيه وأسقيه بنفسي حتى صار بدينًا وممتلئًا، سأذبحه ونضحي به، ولا يكلف الله نفسًا إلا طاقتها. وفي يوْم العيد صعدت الزوجة الأدراج إلى سطح بيتها، بعد أن أدى النّاس الصلاة وعادوا لبيوتهم، وما إن فتحت باب الكوخ على الديك وبيدها السكين حتى ثار الديك وقأقأ عاليا ووثب وثبة عالية، مستعملا جناحيه القويين، ووقف على حائط المنزل، فلما لحقته طار إلى السطح المجاور، فتخطت الزوجة سطحها وجرت خلفه، فوثب إلى سطح ثان وهو يقأقئ ويصفق بجناحيه، وهكذا من سطح إلى سطح وهو يصدر صياحا مزعجا جعل كل الجيرة يطلون من شبابيكهم ليروا ما يحدث. سرت قصة فرار الديك من حليلة القاضي التي أرادت أن تضحي به وشاعت في أنحاء المدينة، إذ ردد الناس ما حدث، حتى انتشرت بين الكل، وما إن رجع القاضي من الصلاة إلى بيته حتى اصابته الدهشة لما لقي بساحة منزله عددا كبيرا من رءوس الغنم من كل الأعمار والأحجام، فسأل زوجته: من أين لك كل هذه الماشية؟ ومن حين لآخر كانت تهدر شاحنة بجانب جان على دراجته. لكنه كان معتاداً على ذلك. شكت أمه دائما (طفل على دراجته في مثل حركة المرور هذه! عمره ثماني سنوات فقط). لكن والده قال (كوني منطقية. كل الأطفال هنا يركبون دراجاتهم عبر حركة مرور السيارات. كما أنه يتحكم بمقود دراجته أفضل منك).
استدار جان لليسار وعبر الجسرالضيّق على طول القناة العريضة. سقط مرتين في حياته في القناة, مرة بينما كان يصطاد السمك, ومرة عندما كان يركب دراجته. قال له أبوه (إذا ما وقعت في القناة مرة أخرى, سآخذ دراجتك وعندها ستذهب للمدرسة ماشيا!).
وجد هيني على ظهر المركب تغسل كلبها في سطل.
(مرحبا), قال جان.
(مرحبا), ردت هيني.
(أما زال لديك حذاؤك الخشبي؟)
(ماذا ؟)
(حذاؤك الخشبي. كان لديك حذاء خشبيّ).
(آه, نعم), قالت هيني وهي مُستمرة في غسل كلبها.
(أريد شراءه), قال جان (بعشرة جلدرات).
فلتت هيني الكلب وقفز بعيدا وهز نفسه.
(لا أستطيع فعل ذلك) قالت (لا أستطيع قبول المال).
(اسألي أمك) قال جان.
(ليست في البيت, ذهبت لزيارة جدتي). ثم قالت هيني فجأة:
(بإمكاني أن أبادله).
(مقابل ماذا؟) سأل جان.
أشارت هيني لحذاء جان. كان ينتعل حذاء رياضيا. فكر جان, إذا ما بادل حذاءه بالحذاء الخشبيّ سيتمكن من الاحتفاظ بالجلدرات العشرة التي كانت في جيبه.
(احضري الحذاء الخشبي الآن). قال جان بفارغ الصبر.
ذهبت هيني للداخل.
(هاهما), قالت هيني لاهثة عندما عادت أخيرا بالحذاء الخشبي,(أتظن أنك تستطيع ركوب دراجتك به؟) حرك جان رأسه وهو يتأكد من حجم الحذاء الخشبي بالخيط. سيكون أكبر قليلا للبنت الأمريكية, لكنه كان مناسبا له. (شكرا لك), قال(وداعا يا هيني).
أصبح الطقس أسوأ وهبّت الريح بعنف أشد وبدأ المطر بالهطول. عندما ركب جان الدراجة, ظل الحذاء الخشبي ينزلق عن دواستي الدراجة .انطلق مرة أخرى عبر الطريق الضيّق وسط الريح وكان على وشك أن يستدير في طريق دايك المزدحم إلا أنه أوقع إحدى فردتي الحذاء الخشبي, حاول جان أن يمسك بها بقدمه الا أنه فقد توازنه وألقى به الهواء في القناة - الدراجة وكل شيء.
لهث وأزاح العشب بيديه. لا حاجة للسباحة, فقد وقع في الضحل من القناة. زحف للضفة وأمسك بيد مقود الدراجة ودفعها للشاطئ. كان أحد الحذاءين مُلقى في الطريق و الآخر طافيا كقارب صغير وسط القناة. (لن أقوم بهذا) صاح جان (فليعد الأمريكي من حيث أتى. فقدتُ حذائي, ومن المؤكد أن والدي سيأخذ الدراجة مني). لكنه استعاد الحذاء المفقود, ثم سوّى مقود الدراجة بغضب ووضع الحذاء الخشبي في حقيبة الدراجة وركب بجوربيه, فقط الآن شعر جان بالريح الباردة كالثلج عبر سترته. استدار حول المنعطف وأصبح في طريق دايك المزدحم ثانية. لم ينظر إليه أحد ولم يلحظ أحد كم كان مبللا, تحسن شيء واحد الآن, أصبحت الريح على ظهره, كانت العاصفة وراءه.
كانت الدنيا قد اعتمت عندما وصل جان الدكان. كان كيز الوحيد هناك قال كيز: (غادر الأمريكي, للتو).
(أين ذهب؟) سأل جان (لدي الحذاء الخشبي).
(لا أعرف, ربما ذهب لروتردام. إنها السادسة الآن. ويذهب كل شخص لبيته للعشاء).
ألقى كيز نظرة أخرى على الولد الصغير وسأله (سقطت في الماء؟).
لم يجب جان وخرج من الدكان راكضا. كل ما يريده الآن أن يذهب إلى أمه. عندما وصل باب بيته تذكر أنها لم تكن في البيت.
لذا قرر أن يتسلل للطابق العلوي ليستحم ويرتدي ملابس جافة. سيشتري, يوم الاثنين حذاء جديدا, ورقة العشرة جلدرات مبللة لكنها لاتزال معه. بينما كان جان يتسلل للطابق العلوي سمع والده وفرد يتحدثان في غرفة المعيشة, كانا يتكلمان بالإنجليزية! بهدوء, فتح باب غرفة المعيشة, ليجد الأمريكي جالسا على الكرسي الجلدي.
كان فرد يتحدث معه, نصف الحديث بالانجليزية والنصف الآخر بالهولندية يصرخ بشيء حول تلوث الهواء.
(لا. لا!) صاح الأب (محطات المياه) كان الأمريكي يصغي بأدب, فجأة رأى جان, نهض وقال (مرحبا).
(أين كنت؟) سأل الأب: (كنا قلقين , ذهب فرد ليبحث عنك وعاد مع هذا السيد).
أمسك جان بالحذاء الخشبي أمامه. أخذه الأمريكي بحرص بيديه, كان لايزال مبللا قليلا. لكن من الممكن تجفيفه.
صاح الأب (أكانت تمطر ؟ أم أنك وقعت في القناة ثانية؟)
(ذهبت لأبحث عنك في الدكان), قال فرد(وخرج الأمريكي وسأل عن الحافلة. قال إنك لم تعد! ثم قلت يا سيد إذا ما وعد أخي الأصغر أن يحصل على الحذاء الخشبي فإنه سيحصل عليه حتى لو ذهب للقطب الشمالي).
(في القناة؟) صاح الوالد(لا أصدق ذلك. خذ حماما ساخنا, بينما أعمل لك فنجانا من الكاكاو), ولم يقل شيئا عن أخذ الدراجة! (اذهب), قال الأب(لقد حدثنا صديقك الأمريكي عن حقيقة الأمر في هذا البلد).
نظر الأمريكي إلى الحذاء الخشبي الصغير بفرحة. قال (حذاء خشبي حقيقي لابنتي الصغيرة. تاملا في الأغصان و وجدا طيور متعددة تنتظر مذعورة .. صرخ الطير الصغير بسعادة داعيا الطيور الأخرى إلى التقدم .. تجمعت الطيور فوق فرع هام .. و هي سعيدة .. شعرت بالدفء ، و ذهب الذعر من عيونها المتلالاة .. و وضعت أجنحتها .. ألقى خطابا أكثر من طير .. كان حوارا هادئا .. و اتفقت أن تصير من هذه الشجرة الضخمة مسكنا لها .. قال طير : لقد كنت صغيرا ، و دربتني والدتي على الطيران .. لكنني فقدت عشية قال آخر : كل الطيور تسافر عن أعشاشها عندما تكبر ، و إقرار لها  حديثة . حذاء خشبي حقيقي كذلك الذي ينتعله كل الأطفال الهولنديين). قالها بالإنجليزية لكن جان فهمها. ركض جان وهو يصفر للأعلى ليأخذ حماما.
