في ظهيرة يوم حار, اقتحم مجلس القاضي أعرابيّ, وهو يصرخ:
- بعيري... سرقوا بعيري... أيها القاضي...
تأمل القاضي الأعرابي الغاضب... كان هذا يلهث, وهو يحاول, دون جدوى, مسح العرق عن شفتيه وأنفه وعينيه, بطرف كوفيّته وهو يردد:
- بعيري... سرقـوا بعيري... وعليه حمل عسل.
شغل الأعرابي بعطسة قوية فاجأته, فاغتنم القاضي الفرصة, وقال:
- إهدأ, يا رجل, وارتح, في غد ننظر في قضيتك.
صاح الأعرابي: لا... لا, يا سيّدي.
سأل القاضي: ألا تنتظر حتى نحضر المتهمين?!
قال الأعرابي: المتهمون في الخارج ينتظرون الإذن بالدخول.
سأل القاضي: من أحضرهم?!
قال الأعرابي: أتوا من تلقاء أنفسهم.
فكّر القاضي لحظات, ثم قال للحاجب: أدخل الرجال المنتظرين في الخارج.
دخل رجال أربعة. حيّوا, ووقفوا في زاوية غير بعيدة عن القاضي.
كل شيء يصدر حسا أو حسوسا ، بعض هذه الحسوس مرتفع، و بعضها منخفض ، بعضها رقيق ، و بعضها له صخب شديد .. حتى الأشجار تحدث صوتها و هي تترنح بأغصانها .. و السحب قاتمة على رؤوسها .. وجد الطائر نفسه وسط هذا الطقس المعتم القاصف و شعر بخوف شديد .. تأملهم هذا وفكّر:
- (يبدون من علية القوم, يتصرّفون بأدب... أتوا إلى مجلس القاضي من تلقاء أنفسهم.. .هل يسرق هؤلاء بعيرا)?!
ثم خاطب الأعرابي: ما دليلك, يا أخ العرب, على أن هؤلاء سرقوا بعيرك?
فصرخ الأعرابي: دليلي واضح... شرد بعيري... لحقت به... اختفى في ديار هؤلاء الرجال... ولما التقيت بهم, وسألتهم عنه, وصفوه لي وصفا دقيقا, ثم أنكروا رؤيتهم له.
سأل القاضي الرجال: هل ما قاله هذا الأعرابي صحيح?
ابتسم الرجال, وتبادلوا النظرات.
فصرخ الأعرابي: لا تصدّقهم, يا سيدي, مهما قالوا... قالوا لي:
- بعيرك أعور بالعين اليسرى, يعرج... ذنبه مبتور, يحمل عسلا, وهو كما وصفوه تماما, ثم أنكروا رؤيتهم له, بعيري يحمل عسلا, ياسيدي, هو كل ما أملك...
عاد القاضي يسأل الرجال: هل ما قاله هذا الرجل صحيح?
قال كبير الرجال: صحيح.
فقال القاضي بسرعة: كيف تصفون البعير وصفا دقيقا ولا تقرون برؤيته?!
فقال الرجل الأول: لاحظت أن البعير لم يرع من العشب سوى القائم على يمين الطريق, فعرفت أنه لا يرى بعينه اليسرى.
وقال الرجل الثاني: ولاحظت أن آثار إحدى قوائمه أكثر عمقا, فعرفت أنه كان يشد عليها أكثر فتغوص في الرمال...
وقال الرجل الثالث: ولاحظت أنه عندما برك ترك خطا قصيرا مستقيما, فعرفت أن ذنبه مقطوع.
وقال الرجل الرابع: أما أنا فلاحظت أن صفّا من النحل يمتد طوال الطريق, فعرفت أن البعير يحمل عسلا, وتقطر من الحمل قطرات يتجمّع عليها النحل...
نظر القاضي إلى الرجال بإعجاب, وقال: فراسة تكافأون عليها وتُحمدون.
فصرخ الأعرابي: وأنا ما شأني بفراستكم?! أريد بعيري وحمل العسل...
اِلْتفت (دبدوب) إلى أخيه وقد تعطلتْ سبابتُه عن التحرك، وتكلم كمن يعترف بسرّ كبير: - يقول كتاب جدي، يا (دُبَيْب)، إن الحصولَ على السرور هو الأمنية التي يجب أن تراودَ خيال كلِّ دبٍّ يرجو الأحسن. كرر (دُبَيْب) وهو لا يفقه قول أخيه: - السرور؟ قال (دبدوب): - السرور...نعم...أي أن تكون مبتهجا، سعيدا، فرحا... قال (دُبَيْب): - طبعًا... أن تكون مسرورا يعني أن تكتسب السرور. ضرب (دبدوب) على كفِّ أخيه: - أحسنتَ. قال (دُبَيْب): - وأن يكون الحصول على السرور هو الأمنية التي يجب أن تراود خيال كل دبٍّ يرجو الأحسن يعني أنا يا (دبدوب). انزعج (دبدوب) من استنتاج أخيه، فرفع ذقنَه بسبابتِهِ، والتفت نحوه بقوة، ففتح (دُبَيْب) عينيه مندهشا وهو يثبت نظراتِهِ على شقيقه الذي قال بأسلوب صارم: - يعني أنا ثم أنت... حرر (دُبَيْب) ذقنه، وشبك ذراعيه، وفتل شاربيه غير قانع كلَّ الرضا عما قاله شقيقه، وسأله: - لماذا أنتَ أولاً؟ أشار (دبدوب) بكفه اليمنى إلى المكتبة وراء ظهره، ثم ما لبث أن نظر إلى شقيقه نظرةً فيها الكثير من الكبر: - لأنني قرأتُ أغلب هذه الكتب بحثًا عن الأحسن. وقف (دُبَيْب) غضبانا، وأوشك يغادر حجرة المكتبة، لكنه عاد فالتفت إلى شقيقه الذي زفر متأففا وقال: - رجعت مجددا لتذكرني أنني أصغر منك، ولا أتقن القراءة كما تتقنها. لحق (دبدوب) بأخيه واضعًا ذراعه وراء كتفه، وقد خفض صوته فأصبح أشبه بصوت والده العطوف: - يجب ألا نضيعَ وقتنا في تراشق الاتهاماتِ، بل أن نفتش، يا دُبَيْب، عن سبيل للوصول إلى السرور. فخاطب القاضي الرجال: وما دمتم تملكون هذه الفراسة فلِم لم تساعدوا الرجل في العثور على بعيره?
فقال كبير الرجال: لم يترك لنا فرصة.
فقال القاضي: وإن أعطيناكم هذه الفرصة?
فقال الرجل الرابع, وهو يضحك: نقول للأعرابي: اتبع خط صف النحل تجد بعيرك في نهايته...
قفز الأعرابي, وعانق الرجل, وهو يقول: ليتك قلت هذا الكلام من الأول...!
ثم قفز إلى الخارج, وراح يعدو صوب البادية...
