هناك الكثير من الأفكار والآراء التي يجدر التوقف عندها، خصوصا فيما يتصل بموقفه من - وفهمه - مفردات مثل، الحياة، الذهن، الصواب، المفردات، الكتابة، الواقع، الخيال، الذاكرة، وغيرها الكثير. وهذه جميعها نتيجة تجربة معيشة، أو نتيجة ثقافة وقراءة عميقة في الثقافات وميادينها العديدة: الفلسفة، علم النفس والمجتمع والإناسة، الأدب والفن والدين... الخ. وهنا لابد من لمحة سريعة، إلى التداخل - أحياناً - بين عمل كاتبنا - برغوثي وعمل (بورخس)، خصوصا في الاعتماد على تقنيات الكتابة الحلمية، وفي الاتكاء على تراث الشعوب وثقافاتها. كما يمكن التلميح إلى حضور (كونديرا)، من خلال (خفة الكائن...)، ويبقى أن ألمح، أخيرا، إلى صفة من النادر أن تجدها في كتابات الشعراء النثرية، هي صفة التفكير النثري التي ترتبط - بدون شك - بقدرة كبيرة على التركيز، وبدراية واضحة للأشياء، العناصر والكلمات، التي يتناولها النص. ولكن هذا النوع النثري من الكتابة، لا ينفي الإفادة من جمال اللغة الشعرية وصورها حين يتطلب الأمر ذلك، بل يصنع عباراته ذات الشعرية السامية، ولكن في المقام النثري المذكور. سيبقى هذا الكتاب، كما كان مؤلفه، ضجة فكرية وإبداعية في ليل هذه الحياة التي تخذل الإنسان عموما، والإنسان المبتكر خصوصا، صرخة تحمل أسئلة مؤلمة كالجمر. بين اللوز يكشف برغوثي في نص (سأكون بين اللوز) أسبوع انتظار نتيجة فحص الدم، بعد أن شك الطبيب بوجود الإيدز، بأنه يشبه (فصل في الجحيم)، ونجده فيه محتارا: هل يطلع زوجته؟ وابنه آثر ما قدره؟ والأصعب أن يتمنّى اخباره بأنه مصاب بسرطان، هذا أسهل. ليست بطون الكتب وحدها التي تمتلئ بسير العظماء والشرفاء؛ فظهر الأرض يحمل الكثير منهم، يعيشون بيننا، وربما لا نشعر بهم لتواضعهم، أو لأننا ـ ياللأسف ـ تعودنا ألا ندرك قيمة الأشياء إلا بعد أن ترحل عنا أو نرحل عنها!
حق لنا أن نفخر ونزهو؛ لأننا عشنا في زمن ظهر فيه أبطال أعادوا لنا أزماناً جميلة قهرت فيها قوى الحق ضجيج الباطل وأرهقته.. أبطال أرونا أياماً ناصعات تتوالد وتتنفس ونحن نشاهدها على مدار الساعة عبر منافذها الكثيرة. أمضيت في دار العلوم 20 سنة طاب لي فيها العمل مع شبان من كل أنحاء البلاد، ومع آخرين كانوا يأتي إليها من البلدان العربية والإسلامية، ورحلت للمهمة ذاتها أعواما كثيرة إلى جامعات الجزائر والكويت، ولي في كل مرسى من هذه المرس فيض من الذكريات، سجلت أكثرها في كتاب صدر لي منذ عقد من الزمن هو كتاب (في الخمسين عرفت طريقي). وقد وصلت في صلتي بالشبان إلى صيغة اتبعتها طوال حياتي، وإن قبلها العديد منهم على مضض: إنني في خدمتهم، ولكني لست خادمهم. ويعني هذا أن وقتي ومجهودي وقلبي وفكري كل ذلك لهم، ولكن على أسلوبي الخاص في العمل. أعمل ما أراه في مصلحتهم، فإذا انحرفوا إلى تحقيق أهدافهم الخاصة، التي لا أراها صالحة، عن أسلوبي، امتنعت على ذلك، وقد أكون في امتناعي قاسيا. وقد نتج على هذا أنني عند من لا يصبر علي (متشدد) بل (عنيد)، وعند من يصبر عليّ قليلا (العلاج المر)، وعند من يصبر عليّ كثيرا، فيرافقني على طريق الحياة، (الحنان المغلف بطبقة غليظة من الصلابة)، وأنا أتقبل الجملة الأخيرة بصفة خاصة، وأرتاح لها كل الراحة. النص أولا وآخرا أدين في تشكيل رأيي النقدي إلى أصول مدرسة: (النص - كل النص - ولا شيء غير النص)،وهي مدرسة يُساء فهمها كثيرا، وتقابل باستهزاء أحيانا، والرمي بالتخلف أحيانا، من ناحية الداعين للحداثة المغرومين بالبنيوية والتفكيكية. وهي تبقى حبي الأول والأخير، وتأكد عندي القول المأثور (قيمة كل امرئ ما يحسن)، وكلما راوغتني نفسي بأن أغازل المناهج الثانية يرجعني إليها مثل آخر هو (ما فائدة أن يخسر الإنسان نفسه ويكسب الآخرين). وإضافة إلى هذا ناسبي أيام دراستي في لندن ما كان يدعو له برتراند رسل من أفكار فلسفية، ومن مواقف سياسية، ومن إيمان بمستقبل الشبان، وفُتنت بأوجه نظر جماعة (بلومسبري) التقدمية، وقارنت بين عملهم الملتزم، شبه العبادة، والغوص في العمل، بغية الوصول بفكرهم الأدبي إلى أحسن صيغة ممكنة، وما كنت تركته ورائي من آراء، كثير منها يحكمه التغطرس والأنانية، فصح عندي أن أي تستر خلف الدرجة العلمية أو الوظيفة الرسمية، إن هو إلا سلعة مغشوشة، من شأنها أن تنتج ثمارا مرة، فيما يتعلق بالتعليم العام، وتربية المجتمع، وخدمة الأدب. حق لنا أن نفخر ونرفع رؤوسنا عالياً، لأننا عشنا في زمن ظهرت فيه نساء تمثلن الصبر والجهاد ضد العدو الغاصب، كـ"أمية جحا" وغيرها الكثيرات من نساء فلسطين، وفتيات فلسطين.
البداية
ولدت "أمية جحا" بمدينة "غزة" في  2/2/1972م، وتخرجت في  قسم الرياضيات بجامعة الأزهر عام 1995م بتقدير امتياز، وكانت  الأولى على الجامعة. عملت معلمة للرياضيات لمدة ثلاث سنوات ثم استقالت عام 1999م لتتفرغ للعمل الفني في مجال رسوم الكاريكاتير، حيث فازت بالمرتبة الأولى على محافظات فلسطين  في مسابقة الإبداع النسوي التي أقامتها وزارة الثقافة الفلسطينية في مارس 1999م، شاركت في العديد من المعارض المحلية.
كانت متزوجة من الشهيد القائد الميداني بكتائب "عزّ الدِّين القسَّام" الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس "رامي سعد" الذي اغتالته يد الغدر في يوم الخميس 1/5/2003، خلال التصدي لاجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي لحي "الشجاعية" شرق مدينة غزة.
كانت بداية أمية الحقيقية  منذ العام 1948م عندما رُحل أهلها رغماً عنهم من بلدة "المحرقة"، التي تبعد حوالي 13 كيلومترا عن مدينة غزة؛ وقد حولها الاحتلال إلى  مستوطنة تدعى "تيقوما". تأثرت أمية مثلما تأثر باقي أطفال فلسطين وشبابها بالتهجير ورحلة العذاب التي عاناها الفلسطينيون، وانعكس هذا التأثر على رسوماتها، حيث عُرفت من خلال رسوماتها بالمفتاح المصاحب لأعمالها، فكما كان ناجي العلي معروفا بين الجمهور بشخصية "حنظلة" في رسوماته عُرفت أمية بـ "المفتاح"، ما جعلها هدفاً لبعض المتطرفين اليهود الذين استحدثوا منذ بداية الانتفاضة موقعاً على شبكة الإنترنت في إطار حملة التحريض ضد المصورين الصحافيين الفلسطينيين، وتضمن الموقع قائمة سوداء بأسماء مصورين فلسطينيين في دعوة مفتوحة لقتلهم بسبب تغطيتهم للأحداث الجارية ولانتهاكات جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وقد تلقت أكثر من 216 رسالة تهديد بالقتل وتفجير منزلها في غزة من قبل منظمات أمريكية ويهودية متطرفة.
المرأة الفلسطينية جبارة
أهم ما يميز نساء فلسطين ـ وأمية منهن ـ هو الهمة العالية والمعنويات المرتفعة دائماً، المتعالية على كل المحن والأحداث، فهن جميعاً في شغل دائم لترتيب أمور الحياة التي يضربها إعصار الاحتلال من وقت لآخر، ولا تجد منهن من تجيد ندب الحظ أو الشكوى، إنهن يقهرن الدموع في المآقي، ولا نظن أنهن يفعلن هذا وهن بمعزل عن  الإيمان بموعود رب السموات والأرض، وإلا فما تفسير تميزهن عن باقي النساء في هذا العالم الفسيح؟!
حرصت أمية على مكافحة المحتل وإيلامه أسوة بإخوانها المجاهدين من الرجال.. اقتحمت فن الكاريكاتير وأجادت فيه وتفوقت على الكثيرين من ممارسيه، وقد تميز فنها ببساطته وجماله وعمق دلالته، هذا إضافة إلى ما في فن الكاريكاتير من ميزات لا توجد في فن غيره كسرعة وصوله للجميع؛ فهو لا يحتاج إلى لغات أو ألسن، يفهمه كل ذي عينين أينما كان، وأينما كان لسانه أو جنسه.
من هنا، على الغالب، أتى عنف اللغة التي كتبتُ بها أشعاري في سلسلتي الأولى التي صدرت عن دار الآداب سنة 1975 تحت عنوان (أشعر مهرّبة إلى حبيبتي آسيا) وربما كان المقطع الأوّل من قصيدة (ارتعاشات اللحظة الأخيرة) (كتابة 1972) يلمح إلى هذه القساوة: تهب الرياح من صحاري الجرداء، تقتلع من منابتها جذور الرعشة الأولى وتلقيها على صحار صدرك برعما من دم أنا: لا الري يسقيني، ولا نهر فيرويني، وبي عطش، وما لي فم حملت الجرح والإعصار في كبدي عانقت العشب والأطفال وحين رجعت من سفري الأبدي نظفت الجرح في نيل من الكبريت والوحل من هنا تأتي اللغة غير المدجنة التي كتبت بها أشعار دواويني الأولى، فظهرت مثل أحصنة وحشية بلا لجام ولا ساحة. وهي خرائب الجسد عينه، عليها يراق شيء ما من الدم الأول، فأحمله كجرح يشخب من نافورة، يشخب للصقور الجائعة والبلابل في المطر، والأطفال المذبوحين على حواف النهر، وموسيقى الأفلاك المختلفة والإضطراب الكوني، وأشق ضريح اللهب بحنجرتي، فأنا أشعر هكذا بروحي مسجونة في آبار سحيقة، وبالشعر، أردت في إطلاقها. ولو شئت اليوم أن أعاود ترتيب تلك الأيام، لألمحت إلى المكان الأول: البيت البدائي المتصل بالوعر، هذا الصحن الطبيعي بقساوته وجماله، ما زال يحفر في كتابتي حزوزا لا تشفى. في وسط البيت، باحة وبعض أشجار التين والعنب. وكانت تقيد إلى جانب شجرة التين، حمارة كانت رفيقتي في أيام الصغر، كما كان يقيد البقر في إحدى حجر البيت، وننام معاً نحن والأبقار والقطط، ولا يفصل بيننا سوى منصة ومعلف، وكانت القطة رفيقتي وتنام معي في الفراش وتتحكك بي كبنت. ولأن أمية وعت أهمية ما أقدمت عليه من اتخاذ الكاريكاتير سلاحاً كالمدفع والرشاش فهي تقول في أحد اللقاءات الصحفية التي أجريت معها: "إن المرأة هي صاحبة القرار؛ فحين أقدمت بموهبتي لم يسخر مني أحد.. بل رحبوا بي وبقدراتي، وبت فخراً للجميع؛ فالمرأة هي التي يجب أن تفرض نفسها وموهبتها، لا أن تنتظر الآخرين. تلميذا مفصولا من المعهد بسبب قصيدة تعترض على إدارة النادي رأوا فيها شبه تحريش على الدولة.. جنديا ينتقل بين المعسكرات والسواتر المترامية. ويعيش لسنتين في زريبة مهجورة للحيوانات.. جنديا يعمل كاتبا صحفيا في جريدة القادسية ومجلة حراس الوطن.. لقد عملت في صحيفة القدس، وكانت قد أعلنت عن حاجتها لرسام، فتقدم العديد من الرسامين من داخل فلسطين ومن خارجها، ورغم أنني فتاة قاموا باختياري، وذلك بناء على كفاءتي وموهبتي في الرسم، وليس لكوني فتاة أو شاباً، وبالتالي يجب المبادرة دائما والتأكيد على قدراتنا.
فالمرأة الفلسطينية جبارة، ولولا قوتها ونضالها ما وصل شعبنا الفلسطيني لذلك، فهي رمز للعطاء والفداء؛ هي أم الشهيد والجريح والمعتقل. فالمرأة الفلسطينية من خلال رسوماتي هي المرأة الصابرة الأسيرة والمقدامة، ورغم حياتها الصعبة فإنها قوية، وتقف جانب الرجل الفلسطيني حتى يكتمل الحلم بالعودة".
أفراح مسروقة
لحظات الفرح والسعادة في حياة الفلسطينيين لحظات مسروقة ومختلسة من دوامة الصراع والمطاردات وملاحقات الصهيونيين الذين لا ترتاحون إلا على أصوات قعقعة المدافع وروائح الموت!
لم تدم الزيجة المباركة السعيدة بين رامي وأمية أكثر من عامين فقط، رزقا خلالها بطفلة أسمياها "نور".
كانت الأيام الأولى على رحيل الشهيد "رامي سعد" ثقيلة ثقيلة على قلب أمية الملقبة بـ "أم المهدي"، فقد كان رامي يمثل لها الشيء الكثير.. فهو المنظم لحياتها، وكان يتمنى أن يضع كافة أعمالها الفنية رسومات الكاريكاتير على اسطوانات (C.D) خوفاً من ضياعها أو تعرض المنزل لقصف صهيوني غادر.
لكن أمية  كانت تحس بأن سعادتهما وحياتهما الزوجية لن تطول، وكانت تشعر بأن شيئا ما سيحدث معها وقالت إنه قبل شهر من استشهاد رامي كانت تشعر بالضيق وكانت تطلب منه أن يعرفها على المزيد من الناس،  وقالت في حوار معها: "كنت أعلم أنني سأفجع بزوجي "رامي".. لكن هذا قدر الله، الدموع ستكون أكثر في القريب العاجل، لكنني راضية بما كتبه الله لي، ولي الفخر بأنني زوجة شهيد في الدنيا وإن شاء الله زوجته في الآخرة".
أمية ترثي "رامي"
وبعد أن رزق رامي  الشهادة التي طالما تمناها وطمح إليها، سالت عبرات أمية بهذه الكلمات التي تقطر حباً وحناناً، ورضاً بقضاء الله تعالى وأملاً في موعوده، في حزن رصين يحوطه الشعور بالانتصار والأمل في لقاء الحبيب في اليوم الآخر فقالت:
سألني: لماذا تبكي المقل؟!
قلت له: رامي حبيبي قد قتل
أجابني:
وهل يُبكَى البطل؟
من الشرق إلى الوسط ومن فترة القاهرة المبكرة أتذكر محمدأبو المجد وعبدالرحمن حسين، رفيقين قدماني إلى دار الكتب المصرية في عنوان الخلق، وإلى دار الشباب المسلمين في طريق رمسيس، وإلى مقهى الفيشاوي، وشاطئ النيل، وحملاني إلى معالم الثقافة وآمال المستقبل، ولكنهما لم يوفقا في جعلي أستمر في (مشروع) رياضة كرة السلّة - وقد لعبتها وقتا - لأن (المشروع الثقافي) كان قد شرع يكتسحني اكتساحا. عاش ما عاش
وانتهى به الأجل
ليست الرصاصة
من أنهت حياته
بل هو للرصاصة من قتل
قلت: لقد كان لي
البسمة والأمل
قال: وهكذا هو سيبقى ويظل
إنه يرقبك
في البيت
في الشارع
في العمل
ويحضن نوراً ويداعبها
بلا ملل
ويطبع على جبينها
ووجنتيها القبل
قلت له: وأنّى لك أن تعرف؟
ومن أنت الذي علا
صوته وسط السكوت؟
قال: أنا رامي يا أمية
أنا رامي يا أمية
ألم اقل لك:
إن الشهيد حي لا يموت!
