كان مصطفى السباعي علماً من أعلام الفكر الإسلامي، ورائداً من رواد النهضة الإسلامية الحديثة. ولد في حمص عام 1915م، وتلقى فيها علومه الأولى، ثم قصد إلى الأزهر الشريف ليستكمل  دراسته للعلوم الإسلامية، وكانت تبدو عليه علامات النجابة والذكاء منذ الصغر، فكان كثيراً ما يخطب في الناس في الجامع الكبير يوم الجمعة وهو بعد لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره.
شارك السباعي في مقاومة الاحتلال الفرنسي لسورية، وكان يلقي الخطب ويقود المظاهرات في حمص وهو في السادسة عشرة من عمره، وقد قبض عليه الفرنسيون واعتقلوه أول مرة عام 1931م بتهمة توزيع منشورات في حمص ضد السياسة الفرنسية، كما اعتقل مرة ثانية من قبل الفرنسيين أيضاً، بسبب الخطب الحماسية التي كان يلقيها ضد السياسة الفرنسية والاحتلال الفرنسي، وآخرها خطبة الجمعة في الجامع الكبير بحمص حيث ألهب حماس الجماهير وهيج مشاعرهم ضد الفرنسيين، بل قاوم الفرنسيين بالسلاح حيث قاد مجموعة من إخوانه في حمص وأطلقوا الرصاص على الفرنسيين رداً على اعتداءاتهم.
إلى مصر
وفي عام 1933 سافر إلى مصر للدراسة ونال شهادة التخصص من الأزهر، ثم نال درجة الدكتوراه وكان البحث الذي قدمه لنيل الدرجة عن "السنّة ومكانتها من التشريع الإسلامي"، وهي رسالة جادة وهادفة تدفع كيد خصوم الإسلام وأعدائه وتفضح مؤامرتهم وألاعيبهم! وقد استطاع السباعي في بحثه هذا أن يدفع عن السنة تحريضات المستشرقين، وخاصة كبيرهم "جولد تسهر" اليهودي المشهور.
وحين نادي منادي الجهاد للدفاع عن فلسطين عام 1948م كان على رأس كتائب الإيمان التي زحفت من مكان، حيث قاد الكتيبة السورية، وشارك هو وإخوانه  في معركة القدس بخاصة ومعارك فلسطين بعامة، وأبلوا البلاء الحسن في الوقوف مع إخوانهم المجاهدين الفلسطينيين الذين تكالبت على حربهم دول الكفر مجتمعة لتشريدهم وإخراجهم من ديارهم ومصادرة أموالهم وهدم بيوتهم.
كنتُ قد نسيت تلك الصورة, في خضم الأعوام الماضية, ثم لقيتها تنبعث بغتة أمامي في أعوام إستقلاليتي الأولى في عمان (28/9/1993), تجاه رجل عراقي يحكم إغلاق حقيبته ولحيته الكثيفة في الباحة الهاشمية, خاضعا لنوم عميق, تماما كأنه ذلك الجندي القتيل المسجى على الساتر.. مؤامرة
وبعد أن تمت المؤامرة على المجاهدين، حيث جُرِّد المجاهدون الفلسطينيون من أسلحتهم وسـلِّمت البلاد لليهود لقمة سائغة، واعتقل المجاهدون وزج بهم في معسكرات الاعتقال، ثم نقلوا إلى سجون بلادهم، عاد السباعي إلى سورية غاضباً يصب جام غضبه على المأجورين والعملاء، ويفضح خطط المتآمرين، ويكشف عمالة الأنظمة، ويشرح ما جرى من مهازل القادة العسكريين الذين كانوا تحت إمرة الجنرال "كلوب" الإنجليزي، ويكشف قضية الأسلحة الفاسدة التي زود بها الجيش المصري، ويفضح تصريحات القادة العراقيين عن عدم وجود أوامر لضرب اليهود "ماكو أوامر" ولولا جهاد المتطوعين من الفلسطينيين والمصريين والسوريين والأردنيين، لما وجد ثمة قتال حقيقي ضد اليهود، بل هدنة ثم هدنة لتمكين اليهود من العرب، وإمدادهم بالأسلحة الأوروبية والأمريكية والمقاتلين الأجانب لترجيح كفة اليهود على الفلسطينيين، ثم تسليم البلاد وتهجير أهلها واعتقال المجاهدين المتطوعين في سبيل الله للذود عن ديار المسلمين المقدسة.
يقول السباعي في كتاب "الإخوان في حرب فلسطين": "كنا نشعر ونحن في قلب معارك القدس، أن هناك مناورات تجري في الصعيد الدولي، وفي أوساط السياسات العربية الرسمية، فتشاورنا في كتيبة الإخوان المسلمين فيما يجب علينا فعله، بعد صدور الأوامر إلينا بالانسحاب من القدس، فقرَّ رأينا على أننا لا نستطيع مخالفة الأوامر الصادرة إلينا بمغادرة القدس لاعتبارات متعددة، وأننا بعد وصولنا إلى دمشق سنرسل بعض الإخوان المسلمين خفية إلى القدس مرة ثانية، لدراسة ما إذا كان بالإمكان عودتنا بصورة إفرادية، لنتابع نضالنا في الدفاع عن فلسطين، وعدنا إلى دمشق مع سائر أفراد الحامية وقيادتها، التابعة لجيش الإنقاذ حيث تسلمت قيادة جيش الإنقاذ أسلحتنا ووعدت باستدعائنا مرة ثانية عند الحاجة.
وقمت بجولة في سورية تحدثت فيها عن معارك فلسطين وألقيت في ذلك محاضرات في كل مكان من دمشق وحمص وحماه وحلب واللاذقية ودير الزور وغيرها من المدن السورية، وذهل الجمهور لما أبديته من حقائق لم تكن معروفة لديهم تماماً، حتى شك بعضهم فيها، ثم انكشف الأمر وتبين صدق ما أدعي من العوامل الخفية والظاهرة التي كانت تُسيِّر معركة فلسطين، هذا بينما كان فريق من إخواننا المجاهدين قد عادوا إلى فلسطين خفية، لتنفيذ ما اتفقنا عليه"
وفاتـــه
وفي يوم السبت 27/5/1384هـ الموافق 3/10/ 1964م انتقل المجاهد العامل والداعية الصابر، الدكتور مصطفى حسني السباعي إلى رحمة ربه بمدينة حمص، بعد حياة حافلة بالجهاد المتواصل، وقد شيعت جنازته في جمع  مهيب من العلماء ومن تلاميذه ومحبيه، وصلي عليه في الجامع الأموي بدمشق. رحم الله الشيخ مصطفى السباعي وأجزل له المثوبة.
