أشجار خضراء كثيرة...
و طيور ، و عصافير كثيرة ..
و أولاد كثيرون يلعبون في تلك القرية االتي تخبئ أشجارها عن الرياح بين جبال عالية ، فيما الغيوم الكثيرة تطل على نخيلها في المواسم و تمطر ...
تمطر ..
تمطركثيرا و كأنها تبكي بغزارة ..
تبكي حتى تمتلئ الأحواض .. و يسيل الوادي .. و يخرج الأهالي .. و الحيوانات .. و الطيور .. و يتطاير النمل في ضوء الشمس البارد .... تتطاير الكلمات .. و الضحك .. و الأطفال ... حتى الغروب .
ذلك لا يحدث في القرية دائما .. بل في مواسم معينة ، و قليلة أيضا ..
ربما مرت سنوات كثيرة دون أن تبرق غيمة واحدة ..
في تلك الأيام تتكاثر سحب الغبار في الطرقات الحزينة .. و يخرج الناس من بيوتهم صامتين .. يسوقون حيواناتهم الهزيلة .. و ينظرون إلى الأشجار الكثيرة و هي تتخلص من أوراقها ، و تنكمش حتى تصير قصيرة الجذوع .. و تنتصب أغصانها العارية .. و تتحول رويدا رويدا إلى أعواد ..
( ن ) أحد أولاد القرية ..
يطوف مع الأولاد .. ويلعب أحيانا .. لكنه لا يتحدث كثيرا .. و لا يرافق الأولاد في رحلاتهم الجماعية لصيد الطيور.. يعقد حاجبيه محتجا ، و يغادر المكان غاضبا عندما يصطاد أحدهم طيرا ...
يمر يوم أو يومان دون أن يروه ..
قبيل الغروب يسألون الرجل العجوز الجالس في زاوية البيت الطيني عنه .. فلا يجيب ، يمد يده مؤشرا ناحية الحقول البعيدة ، و يظل يحدق بعينين صغيرتين بعيدتين ...
يتجاهل الأولاد إشارته ، و يلهون بالكرة وسط أعمدة الغبار المنطلقة من أقدامهم و هم يلعبون حتى اختفاء الضوء ..
يحدق فيهم الرجل العجوز دون أن يتكلم .. أو يبتسم .. و عندما ينفضون أقدامهم من الأتربة .. و يتفرقون إلى بيوتهم .. يعود ( ن ) و يمر بقربه .. يرفع يده محييا الشيخ ، دون أن يتكلم .. يرفع العجوز يده محييا أيضا ، و يبتسم .. ويقوم متكئا على عصاه ، دون أن يلتفت إلى الآخرين ، و يوجه خطاه البطيئة نحو المسجد ..
في يوم ما اصطاد أحدهم طائرا كبيرا ملونا ، كان جميلا جدا .. شاهد ( ن ) الطائر و هو يسقط ، و دماؤه تتناثر على الأعشاب .. خطى خطوات كبيرة و هو يكوّر قبضته .. حدج الولد بنظرة قاسية .. واستدار راكضا ..
مرّ بالرجل العجوز مسرعا ، لم يحيه .. لم يبتسم العجوز .. و لم يخرج ( ن ) للعب مع الأولاد :
قيل أنه يستيقظ ، كل يوم مبكرا و يذهب إلى الحقول ...
لأنها الطريق الوحيد للنجاح والتفوق, لأنها ستحقق لي النجاح والسعادة وأنا لن أتعب منها أبدا, أنا الأن يا أمي أحب المذاكرة, ولأنه يحب النجاح وليس خوفا من أحد, فالإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يذاكر ويستطيع أن ينجح بذكائه, والأسد, ولكني أحب أن أتفرج عليهم وأنا إنسانة, والقنفذ, والشجرة, والحصان, والسمكة,أنا أحب كلا من العصفور, وتمضي في دروبها الطويلة في الوديان العالية !!, توقظ صديقتها الريح لتقود عربتها ,,حبّها للأرض,,حماسها ,, غضبها ,, الدموع المتبقية لها ,, الرعود, البروق ,,, تأخذ أحمالها : الألوان , ولن تهدر وقتها, لقد يئست من هذه الأرض , وتقرر الرحيل , الغيمة تتعب ,,,, وتعبت , و الغيمة أفرغت ماء بكائها ,الأرض مازالت نائمة و أن الكثير من العصافير كانت تلتف حوله ، عندما تراه ماشيا بين الأشجار ...
و تشاركه الغناء ...
أما الرجل العجوز فسمع ذلك اليوم ، و هو يشير بيده نحو الحقول ، و يحدق بعينيه البعيدتين ، و يبتسم ، يقول :
إن كثيرا من الأغصان تخضر عندما يمر ( ن ) بقربها ، و تكسوها العصافير بالغناء ...
